مدنية (١)، وهي أربع وعشرون آية بلا خلاف (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ الآيات نزلت في بني قينقاع أو في بني النضير، والقصة في ذلك أن النبي -﵇- (٣) هاجر إلى المدينة وصالحته (٤) على (٥) اليهود على أن لا يكونوا نواته (٦) أولًا (٧) عليه، فلما غزا رسول الله (٨) بدرًا وظفر بالمشركين قالت: والله هذا النبي الذي وجدنا لا تردّ له راية، ثم إن طائفة من اليهود وهم بنو قينقاع نقضوا العهد وحسدوا رسول الله (٨) وخافوا على أنفسهم فقالوا للمسلمين: والله لو قاتلناكم لرأيتم منّا غير الذي رأيتم من أهل بدر، فبلغ ذلك رسول الله (٨) فأرسل إليهم أن اخرجوا من جوارنا، فأبوا وتحصنوا وتهيئوا للقتال، فحاصرهم رسول الله (٨) حتى نزلوا على حكمه، فغنم رسول الله (٨) رقابهم وأموالهم
_________________
(١) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١٤/ ٣٣٢) عن ابن عباس وابن الزبير.
(٢) انظر: "البيان" (٢٤٣).
(٣) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب" (النبي ﷺ).
(٤) المثبت من "ي"، وفي البقية: (صالحة).
(٥) (على) من الأصل فقط.
(٦) (نواته) من "أ".
(٧) (أولًا) ليست في "ي".
(٨) في "ب": (رسول الله ﷺ).
[ ٤ / ١٦٠٧ ]
ولم تكن لهم نخل ولا مزارع، ثم استوهبهم ابن أبي ابن سلول، فأرسلهم رسول الله (١) إلى أذرعات. وكانت هذه الغزوة في شوال سنة اثنين، وكان كعب بن الأشرف وهو رجل من طي من نبهان ولكنه من جهة أخواله فإن أمه كانت من بني النضير قد نقض العهد وهجا رسول الله (١) ورثى قتلى بدر وحرض المشركين على المسلمين، ثم ارتحل إلى مكة وحالف قريشًا تحت أستار الكعبة أن يكون معهم على عداوة رسول الله (١)، فأرسل رسول الله (١) محمَّد بن مسلمة الأنصاري في أربعة من الأوس منهم عبّاد بن بشر وأبو نافلة سلكان بن سلامة والحارث بن أوس وأبو عيسى بن جبر ليغتالوه، فأتوه في جوف الليل واستنزله محمَّد بن مسلمة من قصره وشكا إليه رسول الله واستقرضه طعامًا، ثم تشبث برأسه وكبَّر فخرج أصحابه من وراء الحائط وضربوه حتى برد، وفي ذلك يقول عباد بن بشر:
صرخت به فلم يعرض (٢) لصوتي وأوفى طالعًا من فوق قصر (٣)
فعدت فقال من هذا المنادي فقلت أخوك عباد بن بشر
وأقبل نحونا يهوي سريعًا وقال لنا لقد جئتم لأمر
فعانقه ابن مسلمة المردي به كفار كالليث الهزبر
وشد بسيفه صلتًا عليه فقطره أبو عيسى ابن جبر
وصلت وصاحباي فكان لما قتلناه الخبيث كديح عسر
وكان الله سادسنا فأبنا بأفضل نعمة وأعزّ نصر
وكانت هذه الواقعة في صفر سنة ثلاث، وبعث رسول الله - ﷺ - (٤) في صفر سنه أربع جبر بن عتيك في ثلاثة من أصحابه إلى خيبر ليغتالوه وكان
_________________
(١) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٢) في المخطوطات (يجعل).
(٣) في المصادر (جدد).
(٤) (وسلم) ليست في "ي".
[ ٤ / ١٦٠٨ ]
في خيبر وهو رافع بن سلام ابن أبي الحقيق فاغتالوه وكانوا قد دخلوا عليه وهو سكران (والذي تولى) قتله عبد الله بن أنيس الأنصاري ورجعوا إلى رسول الله (١) سالمين.
ثم انطلق رسول الله (١) إلى بني النضير يستعينهم في دية رجلين من بني كلاب قتلهما عمرو بن أمية وكان لهما عهد، ومعه أبو بكر وعمر وطلحة والزبير وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة، فاستقبله اليهود، ورحبوا به فقالوا: قد آن لك أن تزورنا يا أبا القاسم ولك عندنا ما تحب ولكن احتبس عندنا ساعة نطعمك فاستراح (٢) رسول الله (١) إلى بيت من بيوتهم وجلس معه أصحابه، ورجعت اليهود بعضها إلى بعض يتآمرون في أمره، فأشار عليهم حيي بن أخطب أن يلقوا عليه رحا من فوق السطح، فأعلم الله نبيه كيدهم، فوثب كأنه يريد حاجة وخرج حتى رجع إلى المدينة، وتبعه أصحابه من بعده، ثم أرسل إليهم رسول الله (١) يأمرهم بالخروج من جواره وأجلهم عشرة أيام، فأخذوا يتجهزون للخروج، ثم أرسل إليهم ابن أبي ابن سلول المنافق: أن لا تبرحوا مكانكم ننصركم، فاغتروا بذلك وأرسلوا إلى رسول الله (١): لسنا بخارجين عن ديارنا فاصنع ما أنت صانع، فكبر رسول الله (١) وسار بأصحابه نحوهم وهم مشاة على أرجلهم، على المقدمة الفضل بن عباس وعلى الميمنة عكاشة بن محصن، وعلى الميسرة ثابت بن أقرم الأنصاري، فصلى العصر بفنائهم وهم يرمون بالنبل والحجارة إلى الليل، فانصرف رسول الله (٣) إلى بيته في عشرة من أصحابه يدرع وهو على فرس، وقد استعمل عليًا - ﵁ - على العسكر والمسلمون يكبرون حتى أصبحوا، ثم سار النبي -﵇- (٤) إلى العسكر وحمل معه قبة من أديم ليبيت فيها، فحاصرهم خمسة عشر يومًا وسعد بن عبادة يحمل إليهم التمر من المدينة وبينهم وبين المدينة مقدار ميلين، وكان المسلمون يتقون دورهم وهم
_________________
(١) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٢) في "ب" "أ": (فاستنزل).
(٣) في "ب": (رسول الله صلى).
(٤) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي ﷺ).
[ ٤ / ١٦٠٩ ]
بها على المسلمين ففي ذلك قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وأمر رسول الله بقطع نخلهم وكانت خير أموالهم العجوة، فأخذوا يعيبون المسلمين على ذلك ويقولون: إنكم معشر المسلمين تزعمون أنكم لا تحبون الفساد في الأرض فكيف تقطعون النخيل وإنما هي لنا إن ظفرنا ولكم إن ظفرتم، وطمع بعض المسلمين في ذلك فلم يقطع منها شيئًا، ثم اختلفوا فيما بينهم بعد ما استولوا فأنزل الله ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية؛ لأن من قطعها قطعها إضرارًا باليهود ومن تركها تركها نفعًا للمسلمين، وأسلم من بني النضير يامين بن عمير وأبو سعد بن وهب فأحرزوا أموالهما.
وشرط النبي -﵇- لليهود أن يخرجوا ولهم ما حملت إبلهم إلا الحلقة وهي السلاح، فخرجوا على ذلك، وغنم رسول الله (١) سلاحهم وسائر أموالهم سوى الإبل (١).
واختلفوا في قوله ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فقال القيسي: الحشر هو الجلاء،
وهؤلاء اليهود أول قوم أُجْلوا عن ديارهم، وقال الزهري: هو أول حشر
إلى الشام ثم يحشر إليها يوم القيامة (٢).
وقد روى عكرمة عن النبي -﵇- (٣) قال: "من شك أن الحشر ليس بالشام فليقرأ أول الحشر" وهو قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (٤) مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فلما قال لهم رسول الله (٥): "اخرجوا من المدينة" قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض (٦) المحشر" (٧).
_________________
(١) ذكر تفاصيل هذه القصة ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير (٤/ ٢٥٣)، والقرطبي في تفسيره (١٨/ ٤).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره عن الزهري (٢٢/ ٤٩٨)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ١٧٦).
(٣) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي ﷺ).
(٤) (من أهل الكتاب) من الأصل.
(٥) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٦) في "ب": (الأرض).
(٧) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٢٥٤) من قول عكرمة. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس - ﵄ - (١٠/ ٣٣٤٥).
[ ٤ / ١٦١٠ ]
وعن الحسن قال: لما أجلى النبي -﵇- (١) بني النضير هذا أول الحشر وإنا على الأثر (٢).
﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية في قطع أطماع الصحابة عن قسمة أرض بني النضير على حكم الجاهلية، وكان حكم الجاهلية أن كل سرية خرجت عن خيل أو ركاب وغنمت شيئًا دفعوا المرباع إلى رئيسهم وقسموا سائرها بينهم فقالوا: هذا اليوم لك المرباع يا رسول الله فخل بيننا وبين الباقي، فبين الله تعالى أنهم لا يستحقونها بحكم الجاهلية ولا الإسلام، أما حكم الجاهلية فلأنهم لم يكونوا أوجفوا عليه خيلًا ولا ركابًا، وأما حكم الإسلام فإن الأمر لله يحكم كيف يشاء وقد حكم بالفرق بين الفيء وبين الغنيمة (٣).
إيجاف الخيل كإيضاع الإبل وذلك إسراعها، لكن الإيجاف أعم من الإيضاع ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآيات في صرف الأرضين المفتتحة إلى رأي رسول الله (٤) ليحكم فيها خلاف حكمه في سائر الأموال المغنومة، فجعل رسول الله (٤) بعضها لنفسه وقرابته ولفقراء المسلمين ولسائر مواليه، وقسم بعضها بين الغزاة، وكان مما قسمه النصف من خيبر جعلها على ثمانية عشر سهمًا، واستن عمر بن الخطاب - ﵁ - بهذه السنة.
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ شيئًا متداولًا.
﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ حاجة وفقر ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ مما آتاهم الله من الرضا والصبر أو بما أوتي المهاجرون من الغنيمة.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ فهذا فصل آخر في ذم المنافقين وتوهينهم ووعظًا للمؤمنين.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣٤٥).
(٣) من قوله (خيلًا ولا) إلى هنا ليس في "أ".
(٤) في "ب" (رسول الله ﷺ).
[ ٤ / ١٦١١ ]
﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي إذا قاتل بعضهم بعضًا كان بأسهم ﴿شَدِيدٌ﴾ ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ تأنيث شت وإنما كانت قلوبهم شتى لكونهم على أديان مختلفة.
و﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كفار بدر ﴿قَرِيبًا﴾ أي من مكان قريب وزمان قريب، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: ذاقوا وبال أمرهم قريبًا.
والظاهر من قول ﴿الشَّيْطَانِ﴾ ﴿لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ كقوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٨].
وعن عبيد بن رفاعة يرفعه أن امرأة ابتليت فألقى الشيطان في قلوب أهلها أن شفاءها أن تأتوها إلى فلان الراهب، قال: فذهبوا بها إليه فكلموه أن يبقوها عنده في صومعته، فكره ذلك فلم يزالوا به حتى فعل، يمكثها ما شاء الله عنده، ثم إن الشيطان أوقعها في نفسه فوقع بها فحملت، فلما حملت أتاه الشيطان فقال: تفتضح الآن، اعمد إليها فاقتلها وادفنها، فإذا أتاك أهلها فسألوك فقل: ماتت فدفنتها، ففعل، فجاء أهلها فأخبرهم أنها ماتت فدفنها، فصدّقوه وانصرفوا فأتاهم الشيطان فأوقع في أنفسهم أنه قتلها، فأتوه ليقتلوه فسبق إليه الشيطان فقال له: إن أهلها يأتوك ليقتلوك وقد علمت أني صاحب هذا أوله وآخره فأطعني أنجك منهم، اسجد لي سجدتين تنج منهم، ففعل. ففيه أنزلت ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ﴾ (١).
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (٢) هذا فصل آخر من السورة اتصالها من حيث التنبيه.
والوعظ السابق في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا فصل آخر في الثناء على الله واتصالها بذكر المؤمنين ليجدد إيمانهم بتجديد الوعظ السابق في قلوبهم.
_________________
(١) البيهقي في الشعب (٥٤٤٩).
(٢) من قوله (لرأيته) إلى هنا ليست في "ب".
[ ٤ / ١٦١٢ ]
﴿الْقُدُّوسُ﴾ اسم عظيم من أسماء الله تعالى اشتقاقه من القدس (١)، وقال أبو علي الفسوي (٢): أصله من السريانية قديس. ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ من أسماء الله تعالى لإيمانه المؤمنين ظلمه وإيمانه الموحوش في الحرم ونصبه نبيًا في الدنيا من دخله كان آمنًا ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ اسم من أسماء الله تعالى مشتق (٣).
و﴿الْبَارِئُ﴾ الذي برأ النسمة فهي البرية، واشتقاقه من البر، فإن الله تعالى فصل بين الحق والباطل والحسن والقبيح والحيوان والجماد، وقد استوفينا الكلام في الأسماء في كتاب "مفتاح الهدى".
_________________
(١) قاله في مختار الصحاح (١/ ٢١٩ - قدس) ونقل عن ثعلب: كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول مثل سفود وكلوب وسمور وشبوط وتنور إلا السبوح والقدوس فإن الضم فيهما أكثر وقد يفتحان. وانظر: اللسان (٦/ ١٦٩ - قدس) والنهاية (٤/ ٢٣)، وكان سيبويه يقول: سبوح وقدوس بفتح أولهما. [تفسير القرطبي (١٨/ ٤٦)].
(٢) في الأصل (العنوي).
(٣) أي أنه مشتق وأصله: مُؤَيْمِن، فقلبت الهمزة هاءً لأن الهاء أخف عليهم من الهمزة. ومعناه الشهيد كما قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والكسائي ومنه قوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ فالله الشاهد على خلقه. [تفسير الطبري (٢٢/ ٥٥٢)، زاد المسير (٤/ ٢٦٤).
[ ٤ / ١٦١٣ ]