مكية (١)، وهي ست وخمسون آية في عدد أهل الحجاز والشام (٢).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ هي ليلة القدر (٣).
وعن عكرمة أنها ليلة النصف من شعبان (٤)، ولا يصح هذا القول إلا أن تكون ليلة القدر دوّارة في السنة للتفاوت الذي بين الحساب الشمسي والقمري أو لمعنى لطيف إلهي.
وقال ابن مسعود: من يقم الحول يُصب ليلة القدر (٥).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، ونزلت التوراة لست ليال خلون من رمضان، والزبور لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، والإنجيل نزل لثلاث عشرة ليلة (٦)
_________________
(١) نقل السيوطي مكيتها عن ابن عباس وابن الزبير عن ابن مردويه، انظر الدر المنثور (١٣/ ٢٤٥).
(٢) هي (٥٩) في الكوفي، و(٥٧) في البصري، انظر "البيان" (٢٢٥).
(٣) هذا مروي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما. انظر الدر المنثور (١٣/ ٢٤٨) وعن قتادة عند الطبري (٢١/ ٥).
(٤) رواه ابن أبي حاتم (٩/ ٣٢٨٧)، وانظر "زاد المسير" (٧/ ٣٣٦).
(٥) مسلم (٧٦٢).
(٦) (لثلاث عشرة ليلة) بدلها فراغ في "ب" "أ"، وفي "ي": (ثلاثة عشر خلت).
[ ٤ / ١٥٢٧ ]
خلت من رمضان، والقرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان (١).
وعن ابن عباس: نزل القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كانت تنزل بعد كيف ما شاء الله (٢) وذلك قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة: ٧٥].
﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ نصب على أنه حال للمنزل أي أنزلناه أمرًا من عندنا (٣).
﴿بِدُخَانٍ﴾ وهي آية منتظرة (٤) من الآيات العشر.
وعن ابن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس فقال: لم أنم هذه الليلة، فقلت (٥): لمَ؟ قال: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يطرق الدخان. وسلوني عن سورة "البقرة" وعن سورة "يوسف" فإني قرأت القرآن وأنا صغير (٦).
وعن مسروق قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود قال: إن قاصًّا يقص يقول يخرج من الأرض الدخان فيأخذ بمسامع الكفار ويأخذ المؤمن كهيئة الزكام، قال: فغضب وكان متكئًا فجلس ثم قال: إذا سئل أحدكم عما يعلم فليقل به، وإذا سئل عما لا يعلم فليقل: الله أعلم [فإن من علم الرجل إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم] (٧) وإن الله قال لنبيه:
_________________
(١) الطبري (٢١/ ٦).
(٢) عزاه السيوطي في الدر (١٣/ ٢٤٨) لابن مردويه.
(٣) نصب "أمرًا" على أنه حال هو قول الأخفش نقله عنه الزجاج في معانيه. وجوّز الزجاج أن يكون منصوبًا بـ"يفرق"، أي أنه مفعول له، وهو قول الفراء، ذكره في معانيه. وذهب الزمخشري إلى أنه منصوب على الاختصاص. [معاني القرآن للزجاج (٤/ ٤٢٤)، معاني القرآن للفراء (٣/ ٣٩)، الكشاف (٣/ ٥٠٠)].
(٤) في "ب": (مسطرة).
(٥) (فقلت) ليست في "ب".
(٦) عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٠٦)، والحاكم (٤/ ٤٥٩).
(٧) ما بين []، من "ب" "ي".
[ ٤ / ١٥٢٨ ]
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦] إن رسول الله لما رأى قريشًا استصعبوا عليه، قال: "اللهم أعِنِّي بسبع كسبع يوسف" فأخذهم سنة فأحصت (١) كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة.
وروي العظام قال: وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان، قال: وأتاه أبو سفيان فقال: إن قومك قد هلكوا فادعُ الله لهم.
قال: فهذا قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ﴾ الآية، وقيل: هذا لقوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾ قال: فهل يكشف عذاب الآخرة وقد مضى البطشة واللزام يوم بدر والدخان (٢) وهذا مخالف لما تقدّم، والله أعلم بالصحيح.
﴿أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ في معنى قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥].
﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ فاتركوني واهجروني.
﴿رَهْوًا﴾ سكونًا أو متتابعًا، تقديره: اترك البحر ساكنًا على حالته (٣) وعلى حالة الانفلاق غير مضطرب ولا ملتطم، أو اترك البحر متتابعة أمواجه في الهواء ﴿كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].
﴿فَمَا (٤) بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ﴾ أي أهل السماء ﴿وَالْأَرْضُ﴾ أراد مبالغة وصفهم في الهوان. وسئل ابن عباس (٥): أتبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم إنه ليس من الخلائق أحد إلا وله باب من السماء أو في
_________________
(١) في الأصل: (سنة حتى فاحصت).
(٢) البخاري (١٠٢٠)، ومسلم (٢٧٩٨).
(٣) وهو قول ابن عباس - ﵄ -. أخرجه الطبري في تفسيره (٢١/ ٣٥) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٨٨) وهو الذي رجحه الطبري، ومنه قول الشاعر: كأنَّما أهل حُجْرٍ ينظرون متى يرونني خارجًا طيرٌ ينادِيدُ طَيْرٌ رأتْ بازيًا نَضْحُ الدماءِ به وأمُّهُ خرجتْ رَهْوًا إلى عيدِ
(٤) (فما) ليست في "ب".
(٥) المثبت من "ب"، وفي البقية: (عياش).
[ ٤ / ١٥٢٩ ]
السماء يصعد فيه عمله وينزل رزقه، فإذا مات المؤمن بكت عليه معاديه من الأرض التي يذكر الله فيها ويصلِّي، وبكا بابه الذي يصعد منه، وأما قوم فرعون فلم تكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير، فلم تبكِ عليهم السماء والأرض (١).
وإنما كان فرعون بدلًا من ﴿الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ لكون المراد ذا العذاب المهين، ولكون فرعون نفسه عذابًا من الله علي بني إسرائيل.
﴿قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ التتابعة ثلاث من حمير:
أولهم: تبع بن الأقرن بن شمر وهو الذي سار على جبل طيئ ثم على الأنبار فأتى أذربيجان وقاتل الترك فهزمهم وسبا منهم، ثم إنه غزا الصين بعد ذلك فترك طائفة من قومه بأرض تبّت.
والثاني: تبع بن كليلرب كان يعرف بالنجوم ويسير بها ويمضي أموره بدلالتها، فطالت مدته واشتدت وطأته فحملته حمير فقتلته وملكوا ابنه حسانًا على أنفسهم، وقيل: إن هذا التبع الثاني كان مؤمنًا بنبيّنا -﵇- (٢)، ثم إن حسان بن تبع سار إلى اليمامة لينصر طسمًا على جديس وهو ظالم فأهلكهم أجمعين، ووثب عليه قومه بعد ذلك فقتلوه برضا أخيه.
والثالث: تبع بن حسان وهو الذي سلط جد امرئ القيس علي بني معد بن عدنان وقتل من اليهود جماعة بيثرب، ثم تهوّد وكسا الكعبة الأنطاع، وبقي الملك في أهل بيته إلى أن ملك ذا نواس وهو صاحب الأخدود فيما زعموا فاغتالوه فأدمغوه بشدة.
_________________
(١) ابن جرير (٢١/ ٤٥، ٤٥)، والبيهقي في الشعب (٣٢٨٨).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
[ ٤ / ١٥٣٠ ]