مكية (١)، وهي ستون آية بلا خلاف (٢)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سأل ابن الكوى علي بن أبي طالب - ﵁ - عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)﴾ قال: هي الرياح، وعن ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)﴾ قال: السحاب، وعن ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾ قال: السفن، وعن ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ قال: الملائكة (٣) ﴿يُسْرًا﴾ أي سهلًا.
﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ قال ابن عرفة: ذات الخلق الوثيق، يقال: حبكه إذا أجاد صنعته، وقيل: ذات الطرائق، وقال مجاهد: ذات البنيان (٤)، وقال الأزهري: هي الطرائق المحكمة (٥)، وكل شيء أجيد عمله فهو محبوك وكل ما يراه من درج الرمل والماء إذا صفقته الرياح فهو حبك واحدها حباك أو حبيكة.
_________________
(١) ذكر مكيتها ابن عباس وابن الزبير كما في "الدر المنثور" (٣/ ٣٦٣).
(٢) انظر "البيان" لأبي عمرو الداني (٢٣٢).
(٣) عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٤١)، وابن جرير (٢١/ ٤٧٩ - ٤٨٣)، وابن أبي حاتم كما في التغليق (٤/ ٣١٨)، والحاكم (٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧)، والبيهقي في الشعب (٣٩٩١).
(٤) "زاد المسير" (٨/ ٢٩).
(٥) ذكره ابن الجوزي في الزاد (٨/ ٢٩) عن بعض اللغويين، وانظر لسان العرب (١٠/ ٤٠٩ "حبك").
[ ٤ / ١٥٦٧ ]
﴿قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ في رسول الله -﵇- (١).
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ يصرف عن الإيمان به اليوم من صرف عنه بالإقرار في الأزل.
﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ على سبيل الدعاء والإيجاب لعن وأهلك الكذّابون، فكل قائل بالظن والتخمين خارص عمره وعيشه.
﴿سَاهُونَ﴾ غالطون.
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ أي يوم يفتن هؤلاء على النار، وهو جواب سؤالهم أيّان يبعثون.
والقول عند قوله: ﴿ذُوقُوا﴾ مضمر (٢).
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وعن ابن عباس قال: كانوا قلّ ليلة تمر بهم إلا صلّوا فيها (٣).
﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ قال: كنا نؤمر بالسحر بالاستغفار سبعين مرة (٤).
وعن الضحاك قال: أدركت أقوامًا يستحيون من الله في سواد الليل من طول الضجعة (٥).
وعن أبي الجويرية قال: صحبت حماد بن أبي سليمان وعلقمة بن مربد ومحارب بن دثار وعون بن عبد الله وأبا حنيفة، فما كان في القوم أحسن ليلًا من أبي حنيفة، صحبته ستة أشهر فما رأيته ليلة واحدة وضع جنبه فيها (٦).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) هكذا قدّره الفراء في معانيه (٣/ ٨٢)؛ وانظر: الدر المصون (١٠/ ٤٤).
(٣) ابن جرير (٢١/ ٥٠٢، ٥٠٣)، والحاكم (٢/ ٤٦٧)، والبيهقي في "الشعب" (٣١٠٩).
(٤) هذا عن أنس كما عند القرطبي (٤/ ٤١).
(٥) ابن أبي الدنيا في "التهجد" (٤٥).
(٦) تاريخ بغداد (١٣/ ٣٥٥).
[ ٤ / ١٥٦٨ ]
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ نصيب معدّ دون الواجب لأن الأسخياء والبخلاء (١) في الوجوب سواء، ثم لا يستحقون المدح.
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ آثار القدرة والحكمة والرحمة لمتفرد بالقدم والبقاء، قاضٍ بالحدوث والفناء، مستحق للعبادة والدعاء.
وإنما قال: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ﴾ ولم يقل مثل ما تنطقون؛ لأن التشبيه واقع بكونهم ناطقين حقًا لا يكون نطقهم حقًا لأن نطقهم في أعلى مراتب النطق وأبعد من الالتباس، فإن البهائم ناطقة من وجه غير وجه، وسائر الناس فيهم عجمة، والعرب في فصاحتهم قصور، وقريش هم الغاية في الفصاحة، وقيل: المراد بالتشبيه تشبيه نطق رسول الله -﵇- (٢) عن الغيب بنطقهم عن المشاهدات.
﴿فِي صَرَّةٍ﴾ صيحة وضجة، وقيل: صرير الباب، وقيل: صرير النعل، ومنه الاصطكاك.
﴿وَفِي مُوسَى﴾ معطوف على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ أو قوله: ﴿تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾.
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي الاتحاد بروحه (٣) والاعتصام بروحه.
(الذَّنوب): الدلو العظيمة، وهاهنا عبارة عن التوبة والنصيب.
_________________
(١) في "ب": (والبخلاء والأسخياء).
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) لفظه الاتحاد بروح الله هي لفظة صوفية تنتهي بالمريد بها أن يفنى بروح الله حتى يتوهم أنه هو الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية [فتاوى شيخ الإسلام (١٣/ ١٩٩)] ومن هنا دخلت طائفة في الاتحاد والحلول فأحدهم قد يذكر الله حتى يغلب على قلبه ذكر الله ويستغرق في ذلك فلا يبقى له مذكور مشهود لقلبه إلا الله ويفنى ذكره وشهوده لما سواه فيتوهم أن الأشياء قد فنيت وأن نفسه فنيت حتى يتوهم أنه هو الله، وأن الوجود هو الله كما قال أبو زيد: ما في الجبة إلا الله. اهـ.
[ ٤ / ١٥٦٩ ]