مكية (١)، وعن قتادة: مدنية (٢)، وعن الحسن (٣): مدنية إلا آيتين ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ﴾ [الرعد: ٣١]، الكلبي: الآية نزلت في عبد الله بن سلام (٤)، وقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الرعد: ٤٣]. وهي أربع وأربعون آية حجازي (٥).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
قوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ رفع بالابتداء والحق (٦)، ثم الجملة عطف
_________________
(١) الذي قال بمكيتها: ابن عباس كما في "الناسخ والمنسوخ" لابن النحاس (٥٣٥)، وسعيد بن جبير كما عند ابن أبي شيبة (٣/ ٢٣٧). وهو منقول كذلك، عن الحسن وعطاء وقتادة كما عند ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٣٠٠). وزاد القرطبي (٩/ ٢٣٧) عكرمة وجابر.
(٢) وروى أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس كما في الدر المنثور (٨/ ٣٥٩)، وزاد ابن الجوزي في الزاد (٤/ ٣٠٠) عطاء وجابر بن زيد، وزاد القرطبي (٩/ ٢٣٧) الكلبي ومقاتل.
(٣) هذا مروي عن ابن عباس من طريق أبي صالح كما في زاد المسير (٤/ ٣٠٠).
(٤) لم نجده عن الكلبي.
(٥) كما في "البيان في عدِّ آي القرآن" (١٦٩)، وفي الكوفي (٤٣) آية، وفي البصري (٤٥) آية.
(٦) أي أن الحق خبر المبتدأ ويجوز أن يكون الخبر هو "من ربك"، وعلى هذا يكون "الحق" خبرًا لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الحق، ويجوز أن يكون الحق خبرًا ثانيًا، وجَوَّز أبو البقاء والحوفي أن يكون "من ربك الحق" كلاهما خبر واحد، كما جوز أبو البقاء أيضًا أن يكون "الذي" وصلتها صفة لـ"الكتاب". [الإملاء (٢/ ٦٠)، الدر المصون (٧/ ٥)].
[ ٣ / ١٠١٩ ]
على الجملة الأولى، وقيل: خفض بالعطف على الكتاب ﴿الْحَقُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي ذلك الحق.
﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جمع عماد كأهَبْ وإهاب على سبيل الخلقة والطبيعة، وقيل: على سبيل القهر والحبس، وقيل: بعمد لا ﴿تَرَوْنَهَا﴾ لأن الفتق بالرياح (١) وهي أجسام غير ملونة ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يوم القيامة، وقيل: وقت الغروب وكذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨].
﴿رَوَاسِيَ﴾ هي (٢) الجبال الراسية جعلها الله تعالى للأرض كالأوتاد فهي من السهلة بمنزلة العصب والعظم من اللحم ليعتمد الرخو الصلب فلا تنحل، والصعيد والأرض بتناول السهل والجبل ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الذكر والأنثى إن كان المراد بالثمرات ثمرات النفوس (٣) المتشابهات المتجانسات، وإن كان ثمرات النبات، ووجه التأكيد نفي التوحيد كما في قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] ويحتمل أن المراد بالزوجين اثنين الرطب واليابس، أو الجيد والرديء، أو المستطاب والمستبشع، أو الريعي والحرفي، أو ما يصلح للناس والدواب.
_________________
(١) إذا قلنا إن الضمير في "ترونها" يرجع إلى العمد فإن المعنى يكون: بعمد لا ترونها. وروي هذا المعنى عن ابن عباس - ﵄ -. وإن قلنا إن الضمير يرجع إلى السماوات فيكون المعنى ترونها بغير عمد، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس، وبه قال الحسن وقتادة والجمهور، وهذا القول هو الذي رجحه الطبري والذي يدل عليه ظاهر سياق الآية، ويدل عليه آية الحج ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحَجّ: ٦٥]. [تفسير الطبري (١٣/ ٤١١)، زاد المسير (٢/ ٤٨٠)].
(٢) في الأصل: (في) وهو خطأ.
(٣) لما ذكر الله الأنهار ذكر ما ينشأ عنها من الزروع والثمار فقال: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ كالحلو والحامض والأسود والأبيض والصغير والكبير والبستاني والجبلي من هذه الثمرات من النبات والحيوان ويدخل فيه الزوجين من الذكر والأنثى، فما ذكره المؤلف داخل في عموم الزوجين المنتفعين بهذه الثمرات. [تفسير الطبري (١٣/ ٤١٤)، نظم الدرر في تناسب الآي والسور للبقاعي (١٠/ ٢٧٦)، تفسير القاسمي (٦/ ٢٦٠)].
[ ٣ / ١٠٢٠ ]
﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ عرصات متلاصقات (١) وفائدتها الامتنان أو التنبيه على لطف الصنعة في المخالفة مع طبائعها مع قرب المجاورة في حق الطوالِع والغوارب والرياح والأمطار، ﴿صِنْوَانٌ﴾ جمع صنو مثلها الثابت من أصلها (٢)، والفائدة في ذكر الصنوان وغير صنوان الامتنان بالنوعين أو التنبيه على أن الفرع معدوم وموهوم أو مظنون.
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ عجبوا لبعده عن قياس العقل ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي إنا لنبعث في خلقة جديدة ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى المستعجبين ﴿الْأَغْلَالُ﴾ جمع غل وهو طوق إصر وصغار، والمراد به الذنوب والذي أُعدَّ لهم من أغلال (٣) النار في دار القرار.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ بالكفر قبل الإيمان لمن قدر له الإيمان، وقيل: امتياز الخبيث من الطيب، وليس ذلك من سُنّة الله تعالى لأنه قد ﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ والأشباه والنظائر (٤) ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]؛ لأنَّ الأمم لم يهلكوا إلا بعد امتيازهم من المؤمنين.
عن ابن المسيب، قال: لما نزلت ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ الآية قال -﵇-:
_________________
(١) المراد بـ (القطع المتجاورات) هي قطع الأرض مع أنها متجاورات متقاربات يقرب بعضها من بعض، فهي تختلف في أشكالها وألوانها وصفاتها وتضاريسها، وكما قال ابن عباس ومجاهد فمنها السبخة والعذبة والمالح والطيب تنبت هذه وهذه إلى جنبها لا تنبت. [تفسير الطبري (١٣/ ٤١٦)].
(٢) روي ذلك عن البراء بن عازب أخرجه الطبري وقال: هي النخلة التي إلى جنبها نخلات إلى أصلها "وغير صنوان" النخلة وحدها، أي: مجتمعة ومتفرقة. [الطبري (١٣/ ٤٢١)، ابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٢٠)].
(٣) في الأصل و"ب": (الأغلال).
(٤) أي وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلكم كما قال قتادة، وقال مجاهد: المثلات: الأمثال. [تفسير الطبري (١٣/ ٤٣٦)].
[ ٣ / ١٠٢١ ]
"لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدًا عيشٌ، ولولا وعيده وعقابه لاتّكلَ كلُّ أحدٍ (١) " (٢).
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ ملجئة من ربه ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ قال قتادة: إنما أنت منذر وهادٍ (٣) لكل قوم ولست بملجىء قاهرٍ، وقال مجاهد: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ ولست بملجىء ولا قاهر (٤). ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ﴾ فيما مضى كان ﴿هَادٍ﴾ ومنذر مثلك، وقيل: إنما أنت منذر ولست بقادر على إنزال الآيات وخلق الهداية فيهم، ولكل قوم هادٍ واحد لا ثاني له اتصال ما بعدها بها من حيث تكرار التعريف والتنبيه على التوحيد.
﴿مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ ماهية وكيفية ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ كمية وتغيرًا (٥) ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ دليل أن الكمية متناهية إلى المقدار.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ قيل: خمس لا يعلمها إلا الله وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية.
﴿وَسَارِبٌ﴾ خارج، يقال: ضلَّ سربه أي طريقه.
﴿لَهُ﴾ عائد إلى الرجلين ممن أسر القول أو جهر أو من استخفى بالليل وسرب بالنهار. ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ جماعات من الملائكة تعقب جماعة جماعة وتعقيب بعضهم بعضًا ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ على الحالة الرضية، وعن الحسن:
_________________
(١) في "ب" "ي": (واحد).
(٢) رواه ابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٢٤)، وهو مع إرساله في سنده ضعف.
(٣) ابن جرير (١٣/ ٤٣٨).
(٤) هناك قول آخر عن مجاهد والمذكور لم أجده.
(٥) قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ [الرّعد: ٨] إذا رأت الدم دون التسعة أشهر فوضعت حملها ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرّعد: ٨] وهو ما زاد على التسعة أشهر حتى تضع الولد، وبه قال ابن عباس - ﵄ - وسعيد بن جبير ومجاهد، أخرجه الطبري عنهم. [تفسير الطبري (١٣/ ٤٤٥ - ٤٤٦)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٢٨)].
[ ٣ / ١٠٢٢ ]
معقبات أمراء وولاة (١)، وقيل: كلمات الأمن والعافية (٢) ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ بأمر الله ﴿لَا يُغَيِّرُ (٣)﴾ ما اقترن بقوم من الثواب العاجل بالعقاب العاجل ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا﴾ بتغيير ما أسلفوه وقدموه، وذلك لسبق رحمته، ولو شاء لابتدأ الشر غير ظالم ولاستلب الخير غير جابر.
﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ منصوبات على أنه مفعول لهما (٤)، فـ (الخوف): خوف المسافرين والنازلين في مجاز السبيل ومهابط (٥) الصواعق، و(الطمع): طمع أصحاب الزرع (٦) وأيدي الكلأ، ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ قيل: السحاب شيء متركب من غبار البر (٧) وبخار البحر فيلبد (٨) في الجو ومنه طبعه (٩) إلا أن الحرارة المنعكسة وقيل: الريح بعينها تنكدر وتتلبد في البعاد من الجو لبعدها عن حرارة الشمس، وإنما يكون هذا في النواحي الجنوبية والشمس في البروج الشامية حينئذ والزمان قيظ، ثم إذا جاوزت الشمس نقطة الاعتدال الميزاني الخريفي وانحدرت إلى البروج الجنوبية أثارت بحرارتها ما تكدرت هناك وساقته إلى نحو الشمال.
_________________
(١) هذا ورد عن عكرمة كما عند ابن جرير (١٣/ ٤٦١) وعن الحسن فقال: (الملائكة) كما عند ابن جرير (١٣/ ٤٥٦).
(٢) الذي يظهر من سياق الآية أن الذين يحفظونه هم الملائكة، وبه قال ابن عباس - ﵄ -، وحفظهم إياه هو من أمر الله وكذا قال مجاهد. [تفسير الطبري (١٣/ ٤٦٣)].
(٣) (لا يغير) من "ب" "ي".
(٤) ويكون ناصبهما محذوف التقدير: يخافون خوفًا ويطمعون طمعًا، ويجوز أن يكونا مصدرين في موضع نصب على الحال، وأما ما ذكره المؤلف فقد ذكره أبو البقاء العكبري ورده الزمخشري، والله أعلم. [الإملاء (٢/ ٦٢)، الكشاف (٢/ ٣٥٢)، الدر المصون (٧/ ٣٠)].
(٥) في "أ": (ومها) وهو خطأ.
(٦) في "ب" "ي": (الزروع).
(٧) ثبت علميًا أن لا علاقة للغبار بتكوين الغيوم.
(٨) في الأصل و"أ": (فقليل).
(٩) (طبعه) ليست في الأصل.
[ ٣ / ١٠٢٣ ]
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾ وقيل: الرعد اسم مَلك (١)، وقيل: صوت ملك (٢) يزجر السحاب (٣)، وهي اضطراب الرياح واضطرامها، وقيل: هي زفرات الشياطين في الهواء ﴿الْمِحَالِ﴾ الحوال (٤) والحيلة (٥)، والميم عند الأزهري أصلية وعند القتيبي غير أصلية (٦).
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ العبادة، كان النبي -﵇- يقول: "سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره" (٧)، وكان داود -﵇- يقول: "سجد وجهي متعفرًا في التراب لخالقي وحق له" (٨). ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ أي الداعي كباسط كفيه، وقال الفراء: هو الظمآن المشرف على الماء في البئر يدعوه بيديه وليس معه آلة الاستقاء (٩). وقال مجاهد: هو الذي يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيديه (١٠)، ويحتمل أنه الذي يعتمد بكفيه على الماء ﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ فلا يتم له المقصود لتعذر الاعتماد، ويحتمل أنه الذي شلّت يده مبسوطة لا تنقبض عند الاغتراف.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بمعنى الطاعة والانقياد. عن الأحنف بن قيس قال: مررت برجل يصلِّي يكثر السجود قلت: يا عبد الله
_________________
(١) ابن جرير (١/ ٣٥٨) عن ابن عباس.
(٢) (ملك) ليست في الأصل و"أ".
(٣) هذا مروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - كما في كتاب "المطر" لابن أبي الدنيا (١٢٦)، وابن جرير (١/ ٣٦٣)، والبيهقي في سننه (٣/ ٣٦٣)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٥٦٥).
(٤) (الحوال) ليست في "أ".
(٥) روي ذلك عن قتادة والحسن، أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٤٨٤).
(٦) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة (٥/ ٩٥) ونقل عن القتيي ورد فيه عليه بزعمه أن الميم أصلية.
(٧) مسلم (٧٧١).
(٨) ابن أبي شيبة (٤٣٧٦).
(٩) هذا مروي عن علي - ﵁ - كما عند ابن جرير (١٣/ ٤٨٨).
(١٠) ابن جرير (٣/ ٤٨٨).
[ ٣ / ١٠٢٤ ]
على شفع انصرفت أم على وتر؟ فقال: إن (١) أك لا أدري فإن الله يدري، ثم حدثني حبيبي أبو القاسم - ﷺ - أنه "ليس عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة ورفع بها درجة وحط عنه بها سيئة" قال: قلت: من أنت يا عبد الله؟ قال: أبو ذر صاحب رسول الله، فتقاصرت إلى نفسي (٢).
فائدة قوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الإفحام، وفائدة الإتيان بالجواب هو (٣) الإثبات بعد الزوال أو بمعنى الاستفهام، وهو متصل بما مضى ﴿شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ أي: خالقين مثله (٤) ﴿فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أي التبس عليهم أقسام المخلوقات فأوجب ذلك الالتباس عبادتهم وإشراكهم بالله ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخبرنا من طريق الوحي أنه خالق الظلمات والنور، والمنافع والمضار، والخير والشر، والحسن والقبيح، والصامت والناطق، وهو خالق أفعال العباد من الطاعة والمعصية، والمباح والمضطر إليه، وما يخطر ببالهم، لا خالق على سبيل الابتداء والإيجاد إلا هو الله (٥) الواحد القهار.
﴿أَوْدِيَةٌ﴾ جمع وادي، كنادٍ وأندية ﴿بِقَدَرِهَا﴾ (٦) بمقدارها الذي يسعه ويحتمله السيل، وما (٧) يسيل من الماء فوق عادته ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ فالزبد ما يجتمع على وجه الماء من الوسخ والدرن، و(الربوّ) النمو، ونماء الزبد بانتفاخه وطفوه، ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ واو الاستئناف، أي: ومن الأشياء التي يذيبونها بالنار ليتخذوا منها حليًا وأمتعة زبد مثل زبد السيل
_________________
(١) (إن) ليست في "ب".
(٢) أحمد (٥/ ١٦٤)، عبد الرزاق (٣٥٦١)، ابن أبي شيبة (٤٦٣٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٨٩) والحديث صحيح.
(٣) (هو) ليست في الأصل.
(٤) (مثله) ليست في "أ" "ب".
(٥) (الله) ليست في الأصل.
(٦) في الأصل: (مقدارها).
(٧) في الأصل: (ما).
[ ٣ / ١٠٢٥ ]
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي المثل الحق والمثل الباطل ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ أي كل واحد من الزبدين يزول على وجه ما تربد (١) عليه متلاشيًا فيصفو ما تحته كما تصحو السماء إذا انقشع عنها الغيم. قال أبو عمرو بن العلاء (٢): أجفان القدر إذا غلت فعلاها الزبد فإذا سكنت لم يبق منه شيء، وقال أبو عبيد الهروي (٣): جفا الوادي (٤) وأجفى (٥) إذا لقي غثاء على جانبيه وأجفان القدر إذا ألقت زبدها فيمكث فيلبث، هذا هو المثل المضروب للحق والباطل، فالماء المنزل مثل القرآن والوحي والإلهام والرؤيا النبوية، والأودية مثل القلوب من هذه العلوم مقدار ما تسعه، والسيل مثل العلم الحاصل من هذه الجهات، وزبده مثل ما يلقي الشيطان في الأمنية أو يوسوس في التأويل، وما يذوب على النار من جواهر الحلي والأمتعة مثل العلم المكتسب بالقرائح وإعمال الفكر في الاعتبار والاجتهاد وزبده هو أحسن النفس الأمارة بالسوء ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ويهدي الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، ويبطل الآراء المدخولة بالرأي المتين الحنيفي ليتم نوره ولو كره الكافرون (٦).
﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ عليهم اللعنة، والسلام مكان على، ويحتمل أن اللام لازدواج الكلام واعتبار قوله: ﴿لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ويحتمل أن المراد به حظهم ونصيبهم ونعمتهم، وهذه الأشياء تضاف باللام.
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يعطي الفضل ﴿وَيَقْدِرُ﴾ في عطي ما لا يكفي الأقل منه ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في قياس الآخرة وإضافتها إليها.
_________________
(١) في "أ" "ي": (تريد).
(٢) ذكره القرطبي عنه في تفسيره (٩/ ٣٠٥).
(٣) نقله ابن منظور عنه في لسان العرب (٢/ ٣٠٤) (جفأ).
(٤) في "أ" "ي": (للوادي).
(٥) في الأصل: (والجفاء).
(٦) في "ب": (المشركون).
[ ٣ / ١٠٢٦ ]
وجه الجواب في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية وهو أن إنزال الآية الملجئة المسخرة غير واجب عليه فإنه له أن يضل من يشاء بالخذلان واللبس ويوفق للهداية إلى دينه من وفقه الإنابة (١) إلى الاعتبار الصالح أول مرة.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في محل رفع (٢). ﴿أَلَا بِذِكْرِ﴾ عارض والذين آمنوا بدل من المبتدأ، والخبر قوله: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾، ويحتمل أن يكون الأول في محل النصب لوقوع الهداية عليه بدلًا عن قوله: ﴿مَنْ أَنَابَ﴾، واطمئنان القلب بذكر الله أن يسأم ذكر غيره، ﴿طُوبَى﴾: اسم على وزن فعلى وهو اسم جامع لكل ما يستطاب، فكأنها الحياة الطيبة بروح الاتحاد، وقيل (٣): هي شجرة (٤) الخلد أصلها في دار نبينا -﵇- (٥) ولا دار في الجنة إلا وفيها غصن منها فهي تثمر ما يشاؤون فيها (٦).
_________________
(١) في الأصل: (الإيه).
(٢) يجوز في "الذين آمنوا وتطمئن" أن يكون مبتدأ خبره الموصول الثاني وهو "الذين آمنوا" وما بينهما اعتراض. والوجه الثاني: أن يكون بدلًا من "مَنْ أَناب". الوجه الثالث: أنه عطف بيان له. والوجه الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمر. والوجه الخامس: أنه منصوب بإضمار فعل. [الدر المصون (٧/ ٤٦)].
(٣) ورد في معنى (طوب سنده حسن.
(٤) في "أ" والأصل: (متخيرة).
(٥) في "ب": (- ﷺ -).
(٦) روي عن ابن عباس - ﵄ - وأبي هريرة، بل ورد مرفوعًا من حديث عتبة بن عبد السلمي يقول: جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن في الجنة فاكهة؟ قال: "نعم فيها شجرة تدعى طوبى " الحديث. أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٥٢٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٧١٥)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٢٦)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٠٠)، وأحمد (١٧٦٤٢).
[ ٣ / ١٠٢٧ ]
﴿كَذَلِكَ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ أو إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ ويحتمل إلى ما بعده من البيان والكيفية، أي كما تقول ويتبين ﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ الله تعالى، وقيل: هو إنكارهم تسميته وإلحادهم إلى كذاب اليمامة.
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ جوابه متقدم والفعل المشروط مضمر اكتفاءً بدلالة الاسم عليه، تقديره: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ موصوفًا بهذه الصفات (١) أنزل عليهم فالقرآن دالٌّ على الإنزال، مجازه أنهم يكفرون بالرحمن ويصرون (٢) على كفرهم وإن أنزل إليهم قرآن موصوف بهذه الصفات، وكذلك قوله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧،٩٦].
وقيل: جواب (لو) محذوف تقديره ولو أن قرآنًا موصوفًا بهذه الصفات قرئ عليهم آمنوا على سبيل الإلجاء لم يك ينفعهم إيمانهم (٣)، ويحتمل أن الكفار قالوا قبل النزول (٤) على سبيل الاقتراح: لو أن قرآنًا كذا وكذا أنزل علينا لآمنَّا، أو كان المؤمنون قالوا على سبيل الاستفهام والحرص: لو أن قرآنًا كذا وكذا أنزل إلى (٥) هؤلاء المشركين لآمنوا ﴿سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ نحيت عن مواضعها ليبرز ما تحت الأرض ﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ السير فيها على غير العادة، والتشديد (٦) للتكثير
_________________
(١) (الصفات) ليست في "أ".
(٢) في الأصل و"أ": (ويصبرون).
(٣) يمكن أن يكون تقدير الجواب في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ [الرّعد: ٣١] هو: لما آمنوا، أو لكان هذا القرآن، ونقل عن الفراء أن جواب "لو" هي الجملة من قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [الرّعد: ٣٠] ففي الكلام تقديم وتأخير وما بينهما اعتراض. [معاني القرآن للفراء (٢/ ٦٣)، الدر المصون (٧/ ٥١)].
(٤) في الأصل و"ي": (الزوال).
(٥) في "ب": (على).
(٦) في "أ" "ب": (الشديد).
[ ٣ / ١٠٢٨ ]
والتكرار، وقيل: تفجير الينابيع والقنوات والأنهار فيها ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ أفلم يعلم (١)، وقال الفراء: أفلم يقنط (٢) ﴿قَارِعَةٌ﴾ مصيبة (٣) وداهية مثل يوم بدر وهلاك المستهزئين والقحط ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ بدر الصغرى وافتتاح خيبر وفدك وغزوة المريسيع والحديبية ونحوها (٤)، ﴿وَعْدُ اللَّهِ﴾ فتح مكة (٥)، ويحتمل أن المراد بالقوارع إغارة خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة وسعد بن أبي وقاص على تخوم أرض العجم، وإغارة خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح وغيرهما على أطراف نواحي الروم، وإغارة سائر الغزاة على سائر أطراف بلاد الترك وحلولها قريبًا من دارهم، وشحن الثغور بترتيب الجيوش فيها ووعد الله أن يتم نوره ويظهر على الدين كله ولو كره المشركون.
﴿أَفَمَنْ هُوَ﴾ حذف جوابه اكتفاءً لأنه يدل على الخبر بصفته، تقديره: أفمن هذه صفته كمن ليست هذه صفته، أو فمن هذه صفته خير وأحق بأن يعبد أم من ليست هذه صفته (٦) كقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] بالتخفيف
_________________
(١) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ -. أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٥٣٧) وعن قتادة وابن زيد أيضًا.
(٢) المعروف عن الفراء أنه فَسَّر قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ [الرعد: ٣١] أفلم يعلم بل قال - كما في معاني القرآن- لم نجدها في العربية إلا على ما فسرت، واستشهد بقول لبيد: حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفًا دواجِن قافلًا أعصامها أي: حتى إذا علموا. [معاني القرآن (٢/ ٦٣)].
(٣) قاله مجاهد رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٥٤٢).
(٤) عامة المفسرين في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرّعد: ٣١] أنه النبي - ﷺ - أن ينزل عليهم بجيشه وأصحابه، وهو قريب مما قاله المؤلف روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - وعكرمة ومجاهد، أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١٣/ ٥٤١).
(٥) قاله قتادة ومجاهد، أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٥٤٢ - ٥٤٣).
(٦) ومثله قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] والمحذوف تقديره: كمن قسا قلبُه، يدل عليه ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢] وإنما حسن حذفه كون الخبر مقابلًا للمبتدأ.
[ ٣ / ١٠٢٩ ]
﴿قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ هو تولى كل نفس بتمكينه من كسب ما خلق له وتيسيره ومده في ذلك على سبيل التوفيق أو الخذلان ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ يجوز أن يكون على سبيل التهديد كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] والاستفزاز، ويجوز أن يكون على سبيل التحدي بالتعين؛ لأن التعين إنما يكون بالإشارة إلى الذات أو إلى الفعل أو لتحذير الوصف، وكانوا لا يقدرون على شيء من ذلك؛ لأن إشارتهم لو وقعت إلى ذات لوقعت إلى جماد لا يستحق العبادة، ولو وقعت إلى فعل لوقعت إلى أفعال الله تعالى وهم معترفون بذلك، ولو قصدوا تحذيرًا بالوصف لأحالوا كلامهم إلى مجهول، ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ أم مكان ألف الاستفهام على سبيل الإنكار، أي أتنبئون الله بما خفي عليهم، وقيل: أم بمعنى بل (١)، أي بل تنبئون الله بلا شيء على سبيل الإحالة، ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ﴾ بترتيب على (أم) الأولى.
﴿أَشَقُّ﴾ أكثر مشقة وعناء.
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ صفة الجنة ﴿الَّتِي﴾ وعدها ﴿الْمُتَّقُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ عن ابن عباس أنهم عبد الله بن سلام وأصحابه فرحوا بنزول تسمية الرحمن، وكذلك إشارة ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ والضمير عائد إلى القرآن، وإنما وصف بأنه حكم لتضمنه الأحكام عربيًا بلغة العرب وعبارتهم، ويجوز أن يكون موصوفًا بأنه عربي لمكان الحج والغزو والنحر والحج والقصاص وبيعة الأمانة (٢) والأذان والخطبة، وهذه الأشياء شعار العرب وهم معينون والناس كالأتباع لهم.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ نزلت في تعجب المشركين من كون رسول الله بشرًا
_________________
(١) "أم" بمعنى بل والهمزة والاستفهام للتوبيخ، والتقدير: "بل أتنبئونه شركاء لا يعلمهم في الأرض" فجعل الفاعل ضميرًا عائدًا على الله، ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]. [الدر المصون (٧/ ٥٧)، البحر (٥/ ٣٩٥)].
(٢) المثبت من "ب"، وفي البقية: (الإمامة).
[ ٣ / ١٠٣٠ ]
مثلهم، وفي تعجبهم من تأخير العذاب والآيات الملجئة، فنفى الله تعالى وجه تعجيبهم، أو خِبر (١) بسنته فيما مضى من المرسلين والرسل واتصال قوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ والمحو (٢) والإثبات عام في الأعيان والأحكام كلها و﴿الْكِتَابِ﴾ هو ما قضى الله به من الحوادث في الأوهام أنها تكون أو تكاد تكون أو لا تكاد تكون و﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ كلمة الله التي لا تبديل لها (٣) لاختصاصها بحقيقة المراد في علم الله تعالى (٤).
﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أي إن أريناك في حياتك بعض ما نتوعد به الكافرين ونعد للمسلمين، أو إن توفيناك قبل وجود ذلك ولم نرك شيئًا منه فأنت مخبر صادق ليس عليك إلا البلاغ، وكأنهم توهموا أن النبي - ﷺ - (٥) لو لم يأت بنفسه بهذه المواعيد لكان كاذبًا فبين أن صدقه (٦) غير متوقف على شيء.
﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ إن كان المراد قريش فنقصان الأرض من أطرافها فتح القرى حول مكة (٧)، وإن كان الكفار فحيز الكفر إلى أقطار الأرض باتساع دولة الإسلام، وإن كان جميع الناس فتراجع الأعمار إلى القصر وعوفى القوي ضعيفًا وشيبة واستحالة الصلاح إلى الفساد وقلة نماء الحرث والنسل وذهاب الفقهاء والخيار، قال -﵇-: "ما مات مسلم إلا
_________________
(١) في "ب" "ي": (وأخبر).
(٢) في"أ": (والمحق).
(٣) (لها) ليست في "ب".
(٤) ما ذكره المؤلف لا يخرج عما فسره ابن عباس - ﵄ - وقتادة والضحاك، وهو جملة الكتاب وأصله وعلمه ﷾، وما فيه من ناسخ ومنسوخ وما يبدل وما يثبت كل ذلك عنده ﷾ في كتاب، وقد سأل ابن عباس - ﵄ - كعبًا عن أم الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خَلْقُهُ عاملون، فقال لعلمه: كن كتابًا. فكان كتابًا. [تفسير الطبري (١٣/ ٥٧٢)].
(٥) بدل (- ﷺ -) في "أ": (-﵇-).
(٦) في الأصل: (صدق).
(٧) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ -، أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٥٧٤).
[ ٣ / ١٠٣١ ]
أثلمت (١) في الإسلام ثلمة لا يسدها من بعده شيء" (٢) ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أي لا رادَّ ولا راجع ولا مكرر ولا مستدرك له، ويحتمل لا مؤخر.
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ شهادة الله تعالى لنبينا -﵇- هو فعله الإعجاز له، وشهادة من ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ إظهار نعته ودلالتهم عليه واعترافهم به منهم عبد الله بن سلام.
_________________
(١) في الأصل: (أسلمت).
(٢) ورد هذا الحديث بلفظ: "موت العالم ثُلْمَةٌ في الإسلام؛ لا تُسَدُّ ما اختلفَ الليل والنهار" أخرجه البزار في مسنده (ص٣١)، والديلمي (٤/ ٦٤) عن جابر بن عبد الله مرفوعًا وفيه محمَّد بن عبد الملك الأنصاري، قال عنه الإمام أحمد: كذاب، وذكره العلامة الألباني -﵀- في السلسلة الضعيفة (١٠/ ٤٦٦٨) وقال: موضوع. لكن رواه الدارمي (٣٣٣) بسند صحيح عن الحسن قال: كانوا يقولون: فذكره. وانظر المقاصد الحسنة (٧٩)، وكشف الخفاء (٢٧٣).
[ ٣ / ١٠٣٢ ]