مكية (١)، وعن ابن عباس وعطاء: إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة في وحشي، قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] (٢)، وهي اثنتان وسبعون آية في عدد أهل الحجاز والبصرة (٣).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
قالوا: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ﴾ لهذه الرتبة بأتراب الوحدانية والقهر اللذين هما آيتا الإلهية من يشاء.
﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ يلف، من كور العمامة أو لإلقاء من قولهم جمعته فكوّرته.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا﴾ ترتيب الخبر دون المخبر عنه، والمراد بالخلق الخلق الأول حيث أخرج بني آدم من صلب بني (٤) آدم أمثال (٥) الذر، فقال: ألست بربكم؟
_________________
(١) نقل عن ابن عباس مكيتها عند ابن الضريس (١٧)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٤٢، ١٤٤).
(٢) (النحاس في ناسخه (٦٤٣) عن ابن عباس. وذكره عن ابن عباس وعطاء أبو عمرو الداني في "البيان في عدّ آي القرآن" (٢١٦).
(٣) و(٧٥) آية في عد الكوفي و(٧٣) آية في عدّ الشامي. انظر "البيان" (٢١٦).
(٤) (بني) ليست في "أ".
(٥) (أمثال) ليست في "أ".
[ ٤ / ١٤٩٥ ]
﴿وَلَا يَرْضَى﴾ ليس بنفي للمشيئة تنطلق على المرضي والمكروه.
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ نزلت في أبي حذيفة ابن المغيرة (١)، وفي كل من كان مثله، وقيل: في أبي جهل، ﴿إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً﴾ أعطاها وأفادها، والخول الخدم ﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ دعاوة، والضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ عائد (٢) إلى ربه تعالى وتقدم الكلام عند الزجاج (٣). ﴿نَسِيَ﴾ تضرعه الذي يتضرع إلى ربه -﷿- ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ خبرًا بلفظ الأمر.
﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فحوى الآيات أنهن نزلن بمكة في المفتونين على سبيل الدلالة على الهجرة أو الصبر على الأذية من أعدائهم المشركين.
وذكر الكلبي في قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ إنه الرجل يجلس مع القوم يستمع الحديث من الرجال فيه محاسن ومساوىء فيحدث بأحسن ما يسمع ويكف عما سوى ذلك (٤).
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ كالذي لم يشرح فقسا قلبه.
﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وهو المشرك الذي غلّت يداه كالذي هو مؤمن آمن.
﴿مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ المكررات من القصص والأحكام والأمثال بعضها مثل بعضها، وفائدة ذلك التنبيه على كون ما وقع به التحدي ممكنًا غير محال لولا الإعجاز الإلهي.
عن عبد الله بن المسور قال: لما نزلت هذه الآية ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ قالوا: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: "إذا دخل النور في القلب انفسح
_________________
(١) ابن الجوزي في زاد المسير (٧/ ١٦٤).
(٢) في "أ": (عاد).
(٣) ذكره الزجاج في معانيه (٤/ ٣٤٦).
(٤) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١٢/ ٦٤٣) له وعزاه لسعيد بن المنصور.
[ ٤ / ١٤٩٦ ]
وانشرح" قالوا: هل لذلك من علم نعرف به؟ قال: "نعم، التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت" (١).
﴿تَقْشَعِرُّ﴾ ترتعد ﴿يَهِيجُ﴾ يجف ويصفر، وعن علي: لا يهيج على التقوى زرع قوم (٢) ﴿حُطَامًا﴾ يكسر ويصير بمنزلة ما يحطم، والحِطْم الفاعل والحَطْم المنفعل.
﴿سَلَمًا﴾ وسالمًا مسلمًا الذي لا دعوى فيه لأحد ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ التشاكس سوء الخلق وصعوبته، وإنما قيل ﴿مَثَلًا﴾ لأنهما جعلا مثلًا واحدًا، قاله الفراء (٣).
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ أطلق اسم المآل على الحال كقوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] قال: أنا مت وعزّ من لا يموت قد تيقنت أني سأموت، وعلى هذا حمل الفراء (٤) قوله: ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣] ويجوز أن يكون عليمًا في حال الصغر.
عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: لما نزلت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ قال الزبير: أيكرر علينا الخصومه بعد الذي كان بيننا في الدنيا؟ قال: نعم، فقال: إن الأمر إذًا لشديد (٥). وعن إبراهيم قال: لما نزلت قال أصحاب رسول الله: ما خصومتنا ونحن إخوان؟ فلما قتل عثمان قالوا: هذه خصومتنا (٦).
وقال علي لأبي بكر بعد وفاته: سمَّاك الله -﷿- في تنزيله صديقًا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أبو بكر (٧).
_________________
(١) ذكره السيوطي عن محمَّد بن كعب القرظي وعزاه لابن مردويه كما في الدر (١٢/ ٦٤٥).
(٢) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٤١٩).
(٣) انظر معاني القرآن للفراء (٢/ ٤٢٠).
(٤) ذكره ابن جرير (٢٠/ ٢٠٢) عن ابن عمر. وكذا هو عن إبراهيم النخعي عند عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٧٢)، وابن جرير (٢٠/ ٢٠٢)، وابن عساكر في تاريخه (٣٩/ ٤٩٣).
(٥) ابن جرير (٢٠/ ٢٠٤)، وابن عساكر (٣٠/ ٣٣٦).
[ ٤ / ١٤٩٧ ]
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ثم قال: ﴿هَلْ هُنَّ﴾ لأنه إن كان المراد بهما الأرواح فالروح تذكَّر وتؤنَّث، وإن كان المراد الأصنام فالصورة مؤنثة للفظها.
﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ في محل النصب لوقوع التوفي عليه (١) ﴿مَنَامِهَا﴾ ظرف لقوله: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ وهذه الآية كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠].
﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ نفرت وانقبضت، قيل: دخل على الربيع بن خثيم رجل ممن شهد قتل الحسين وكان ممن يقاتله، قال ابن خثيم: يا معلقها يعني الرؤوس، ثم أدخل يده في حنكه تحت لسانه فقال: والله لقد قتلتم صبية لو أدركهم رسول الله لقبل أفواههم وأجلسهم في حجره.
ثم قرأ: ﴿اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: يختصمون.
﴿بَلْ هِيَ﴾ أي النعمة.
﴿قَدْ قَالَهَا﴾ أي المقالة أو الكلمة. وعن الضحاك أن الآية في النضر بن الحارث بن كلدة، وقيل: في أبي حذيفة بن المغيرة، وقيل: إنها عامة في كل كافر هذه صفته.
عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله (٢) يقرأ (٣): ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ ولا يبالي.
﴿قَدْ جَاءَتْكَ﴾ بتذكير الخطاب لذي النفس دون النفس ممن جعل الخطاب للنفس.
_________________
(١) أي أنها عطف على الأنفس- وهي منصوبة- والتقدير: يتوفى الأنفس حين تموت ويتوفى التي لم تمت في منامها.
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) (يقرأ) ليست في الأصل.
[ ٤ / ١٤٩٨ ]
﴿مَقَالِيدُ﴾ جمع مقليد أو مقلود، فالمقليد (١) لغة الإقليد وهو المفتاح، والمقلود هو الحبل المفتول وهو السبب، وفي الحديث: "قلدتنا السماء قلدًا في كلل أسبوع" (٢) وضاقت عليه.
﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾ أراد النكال والفضيحة العاجلة كما في قوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤].
وعن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله قال: جاء يهودي إلى النبي -﵇- (٣) فقال: يا محمَّد إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على إصبع والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك، قال: فضحك النبي -﵇- حتى بدت نواجذه، قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٤).
وعن عائشة قالت: يا رسول الله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين (٥) المؤمنون يومئذ؟ قال: "على الصراط يا عائشة" (٦).
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ - (٧): "كيف أنعم وقد التقم صاحبُ القرنِ القرنَ وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ في الصور فينفخ" فقال المسلمون: يا رسول الله كيف نقول؟ قال: "قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل توكلنا على الله" وربما قال: "على الله توكلنا" (٨).
عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - (٦) قال:"ينادي منادٍ -يعني في الجنة-
_________________
(١) في "ب" والأصل: (فالمقلود).
(٢) ذكره ابن الأثير في النهاية (٤/ ١٥٤)، وابن قتيبة في غريب الحديث (٢/ ٥٥).
(٣) في "ب": (النبي - ﷺ -)، وفي "ي": (السلام) ليست موجودة.
(٤) البخاري (٤٨١١)، ومسلم (١٨٦) عن عبد الله بن مسعود.
(٥) في الأصل و"ب": (فإن).
(٦) هو عند الترمذي (٣٢٤٢) عن عائشة، والحميدي في مسنده (٢٧٤).
(٧) (وسلم) ليست في "ي".
(٨) الترمذي (٢٤٣١، ٣٢٤٣)، وأحمد (١/ ٣٢٦)، والحديث حسن.
[ ٤ / ١٤٩٩ ]
إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تشبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا ولا تباسوا أبدًا" وذلك قوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢] (١).
_________________
(١) مسلم (٢٨٣٧).
[ ٤ / ١٥٠٠ ]