مكية (١)، وقيل عن ابن عباس وعطاء والكلبي: إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة في علي والوليد بن عقبة بن أبي معيط ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ [السجدة: ١٨] الآيات (٢)، وهي ثلاثون آية في غير عدد أهل البصرة (٣).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: في يوم من أيام الدنيا، ولو سار أحد من بني آدم لم يسره في ألف سنة، وهذه الرواية مخالفة لما سبق عن ابن عباس في هذا الباب (٤)، فإن صحت ويحتمل أنه فسر هذه الآية لتوقيف أو لدلالة قامت له، ويحتمل أن ما سبق قوله الأول وهذه قوله الثاني استفاده من غيرهما أو فتح عليه بالإلهام وأدركته دعوة النبي -﵇- (٥): "اللهم فقهه في الدين وعلمه
_________________
(١) نقل عن ابن عباس مكيتها كما عند ابن الضُّريس (١٧)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٤٣، ١٤٤). وعن ابن الزبير كما عند ابن مردويه، وانظر: الدر المنثور (١١/ ٦٦٩).
(٢) نقل هذا الاستثناء عن ابن عباس عند النحاس (٦٢٠)، ونقل أبو عمرو الداني في "البيان" (٢٠٧) عن ابن عباس وعطاء، ونقل ابن الجوزي عن الكلبي في زاد المسير (٦/ ٣٣٣).
(٣) كما في البيان (٢٠٧) و(٢٩) آية في عد البصريين.
(٤) الذي ورد عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: "في يوم من أيامكم هذه ومسيرة ما بين السماء إلى الأرض خمسمائة عام" أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ٥٩٣).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٣٩٠ ]
التأويل" (١). ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ ويحتمل أن كل ما يحدث في العالم ما بين السماء والأرض كقولك: فلان يسوس الرعية من جيحون إلى فرات.
﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ عند صيانة شكله إليه، ويعطف مثله إليه وإن كان قبيحًا من وجه، كما قيل: القرناء في عين أمها (٢) حسنة.
﴿مَهِينٍ﴾ حقير ذليل.
﴿ضَلَلْنَا﴾ أي ضعنا وغبنا، يقال: ضل الماء في اللبن إذا صار مستهلكًا فيه.
﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ عزرائيل -﵇- (٣) يتوفى الأنفس بحول الله وقوته (٤).
﴿كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي الإيمان الاختياري الذي شاءه الله للمؤمنين ويسَّره لهم لم يشأه للكفار فعسره عليهم، دون الضروري عند معاينة العباس، وفيها رد على القدرية.
عن أنس بن مالك أن قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة (٥).
_________________
(١) البخاري (٧٥)، ومسلم (٢٤٧٧).
(٢) في الأصل و"ب": (أنها).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) أكثر كتب التفسير تشير إلى أن اسم ملك الموت هو عزرائيل ولم أجده مسندًا مرفوعًا صحيحًا. وقد رواه أبو الشيخ في العظمة (٣/ ٩٠٥)، عن أشعث بن جابر الحراني -وهو تابعي صغير- قال: سأل إبراهيم -﵇- ملك الموت واسمه عزرائيل وذكر الحديث -وهو حديث معضل-. وروي عن وهب بن منبه أيضًا عن أبي الشيخ في العظمة (٣/ ٩٠٠). وانظر حاشية السندي على سنن النسائي (٤/ ١١٨)، والسيوطي وكتاب التيسير بشرح الجامع الصغير (١/ ٣٦٩)، وعامة المعاصرين من أهل الحديث كالعلامة ابن باز والعلامة الألباني وشيخنا ابن عثيمين ﵏ جميعًا كلهم يقولون: إنه لم يرد في تسمية ملك الموت أنه عزرائيل في حديث مرفوع صحيح ولذا نسميه كما سماه الله ملك الموت.
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره عن أنس بن مالك (١٨/ ٦١١)، والترمذي (٣١٩٦)، وابن أبي حاتم (٩/ ٣١٠٦).
[ ٣ / ١٣٩١ ]
عن (١) أنس عنه -﵇- (٢): "ما من إنسان يصلي في بيت مظلم ركعتين بركوع تمام وسجود تمام إلا وجبت له الجنة بلا حساب ولا عذاب" (٣).
وعن جابر عنه -﵇- (٢): "إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد يسال الله فيها شيئًا إلا أعطاه، وهي في كل ليلة" (٤).
عن أسماء بنت يزيد عنه -﵇- (٢) قال: "يحشر الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، ثم يقوم منادٍ ينادي: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، فيقولون: أين الذين يحمدون الله في السراء والضراء؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يقوم فينادي: أين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم ينادي: أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يؤمر بسائر الناس فيحاسبون (٥).
﴿تَتَجَافَى﴾ تتنحى وتتباعد.
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ عن أبي هريرة يبلغ به النبي -﵇- (٢) قال: "قال الله -﷿-: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت (٦) ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" وتصديقه في كتاب الله -﷿-: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ﴾ (٧) الآية (٨).
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ ظاهرها عامة.
_________________
(١) (عن) من "ب".
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) الفردوس بمأثور الخطاب (٤/ ٣٧)، من حديث أنس بن مالك مرفوعًا.
(٤) مسلم (٧٥٧).
(٥) إسحاق بن راهويه في مسنده (٢٣٠٥).
(٦) في "أ": (نظرت).
(٧) (لهم من قرة) من الأصل فحسب.
(٨) البخاري (٤٧٨٠)، ومسلم (٢٨٢٤).
[ ٣ / ١٣٩٢ ]
ولذلك قال: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾، وقيل: إن الوليد بن عقبة قال لعلي: أنا أفصح منك لسانًا وأحد سنانًا (١) وأردُّ للكتيبة منك، فقال له علي: اسكت فإنك فاسق (٢)، وذلك لا يبطل مذهب العموم؛ لأن أكثر آي القرآن على هذا السبيل ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا﴾ المغيرة بن شعبة، عنه -﵇- (٣): "أن موسى -﵇- (٣) سأل ربه: أي رب أي أهل الجنة أدنى منزلة؟ قال: رجل يأتي بعد ما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل فيقول: كيف أدخل نزلوا منازلهم (٤) وأخذوا أخذاتهم! فيقال: أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقال: نعم أي رب (٥) فيقال له: فإن لك هذا وعشرة أمثالها فيقول: رضيت أي رب، فيقال له: فإن لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك" (٦).
عن مسروق عن عبد الله قال: ﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ يوم بدر (٧). وقال إبراهيم النخعي: آفة السنون (٨) لقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعود إلى قوله ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.
والثاني: أن يكون ملاقاة محمَّد رسول الله وموسى -﵉- ببيت المقدس ليلة الإسراء.
والثالث: أن يكون المراد ملاقاتهما يوم البيت وذلك يوم الجمع يوم لا ريب فيه، ويحتمل أن يكون المراد به لقاء موسى الجبل الذي جعله الله دكًا وتلقيه الكتاب من عند الله.
_________________
(١) (وأحد سنانًا) ليست في "ب".
(٢) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (٢٦٣)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٣١)، والخطيب في تاريخه (١٣/ ٣٢١)، وابن عساكر (٦٣/ ٢٣٥).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في "ب": (منزلهم).
(٥) (فيقال نعم أي رب) من الأصل فحسب.
(٦) مسلم (١٨٩).
(٧) ابن جرير (١٨/ ٦٢٩، ٦٣٠، ٦٣٢، ٦٣٤)، والطبراني (٩٠٣٨).
(٨) ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٣٤١).
[ ٣ / ١٣٩٣ ]
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ الهداية مسندة إلى الكمية، تقديره: أفلم يبين لهم أمر كمية هلاك من ﴿أَهْلَكْنَا﴾ أو لم يروا علمه في الظاهر.
وعن ابن عباس في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قال: هي أرض باليمن، ﴿هَذَا الْفَتْحُ﴾ قيل: فتح مكة، وقيل: يوم القيامة و(متى) ظرف حل محل الخبر المقدم على المبتدأ، التقدير: ﴿هَذَا الْفَتْحُ﴾ متى كان أو متى يكون؛ لأن الظرف لا يصلح أن يكون خبرًا.
﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ نصب بالظرف والعامل ﴿لَا يَنْفَعُ﴾ فإن حملنا الآية الأولى على يوم بدر فنفي النفع نفي العفو عنهم بغير فداء، وإن حملناه على فتح مكة فنفي النفع كونهم مهاجرين غير طلقاء.
وذكر الكلبي أن المراد بالفتح فتح مكة وبنفي نفع الإيمان، فسئل خالد بن الوليد جماعة من خزاعة بعد ما أسلموا لأخيه كانت بينه وبينهم في الجاهلية وكان أبو قتادة مع خالد يومئذ، فاعتزل الحرب ثم أخبر رسول الله (١) فوداهم من غنائم خيبر حتى أرضاهم، وإن حملنا على يوم القيامة فنفي النفع بنفي دخولهم الجنة وخلاصهم من النار (٢).
عن أبي بن كعب عنه -﵇- (٣): "من قرأ سورة ألم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك كان له من الأجر كأنما أحيا ليلة القدر" (٤).
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٣٤٣).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) مرّ أن هذا حديث موضوع لا يثبت.
[ ٣ / ١٣٩٤ ]