مكية (١)، وعن ابن عباس: سوى أربع آيات من آخرها (٢)، وهي مائتان وسبع وعشرون آية كوفي شامي ومدني (٣) الأول.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿طسم (١)﴾ (٤) قال ابن عباس: عمي على العلماء علمه (٥)، وعن قتادة وأبي روق: اسم من أسماء القرآن (٦)، وعن الأنماري: أنه الظاهر المطلع على الغيوب، السميع الساتر للعيوب المجيد بإعطاء السيوب، وقيل: هو قسم بطول الله وسنائه (٧)، وقيل: قسم بطور سينين ومكة، وهي البلد الأمين (٨)، وقيل: إنها الطاهر السعيد المجيد.
_________________
(١) هذا قول الحسن وعطاء كما في القرطبي (١٣/ ٢٢٢). ونقل عن ابن عباس عند ابن الضريس (١٧)، وعبد الله بن الزبير عند ابن مردويه كما في الدر المنثور (١١/ ٣٧).
(٢) هذا قول ابن عباس كما عند النحاس (ص٦٠٧)، وانظر: القرطبي (١٣/ ٢٢٢)، و"البيان في عدّ آي القرآن" للداني (ص١٩٦).
(٣) في "البيان" (ص١٩٦) أن المكي والبصري والمدني الأخير (٢٢٦).
(٤) في "أ" "ب": (طس).
(٥) المعروف عن ابن عباس فيما رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٥٤٢)، قال: قسم أقسمه الله وهو من أسماء الله، ورواية ثانية عن ابن عباس ذكرها ابن الجوزي [زاد المسير (٣/ ٣٣٤)]، قال: الطاء: طيبة، والسين: بيت المقدس، والميم: مكة. أما ما ذكره المؤلف فلم نجده.
(٦) عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٧٣)، وابن جرير (١٧/ ٥٤٢)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٤٧).
(٧) ذكره القرطبي كما في ابن الجوزي (٦/ ١١٥).
(٨) ابن الجوزي (٦/ ١١٥) الضحاك عن ابن عباس.
[ ٣ / ١٣٢١ ]
﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ﴾ الشرط والجزاء على لفظ الاستقبال، والمنسوخ على لفظ الماضي لاعتبار المعنى، إذ المعنى واحد في نحو قولك: إن أكرمتني أكرمك ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ﴾ وجوههم وأشرافهم عن مجاهد (١)، وقال الفراء (٢): الطوائف العصائب من قولهم رأيت الناس إلى فلان عنقًا، وقال الكسائي: الأعضاء التي عليها الرؤوس وإنما جمعت بـ ﴿خَاضِعِينَ﴾ لاعتبار الأعناق أو لما وصفت العقلاء وهو الخضوع، الآيات جمعت جمع العقلاء.
﴿كَرِيمٍ﴾ طيب، يقال: نخلة كريمة وشاة كريمة.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى القرآن أو إلى الآيات (٣).
﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر المستمعين للذكر أو المشاهدين المذكورين.
ووصف الله بأنه ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ للدعوة على سبيل الترهيب والترغيب.
﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ استفهام بمعنى الإنكار على المستفهم عن حالهم كقوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٧].
﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ أيضًا ليؤازرني ويعينني، والرسول يقع على الواحد والجماعة كالعدو.
و﴿نُرَبِّكَ﴾ ننميك ونصلحك ﴿وَلِيدًا﴾ مولدًا وهو الطفل المربى. وقال القتيبي: الوليد الذي ولد في بلاد العجم ونشأ (٤) في بلاد العرب، والمولد
_________________
(١) المعروف عن مجاهد غير ما ذكره المؤلف فقد روى الطبري عن مجاهد (١٧/ ٥٤٤)، قال: فظلوا خاضعين أعناقهم لها. وأما ما ذكره المؤلف عن مجاهد فقد أشار إليه الفراء في معانيه (٢/ ٢٧٧).
(٢) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٢٧٧).
(٣) في الأصل و"أ": (الأسباب).
(٤) في الأصل: (نشأ) بدون واو.
[ ٣ / ١٣٢٢ ]
الذي ولد في الإسلام، وقال ابن شميل: هما واحد وهو الذي ولد عندك (١).
﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي كفران النعمة.
﴿فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ أي يومئذ ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ الجاهلين، من الجهالة في شرائع دين الله لا الجهالة في الله ولا الجهالة (٢) في دين فرعون.
﴿خِفْتُكُمْ﴾ أن تصيبوني بشر ويكون سبب مكروه قضاه الله وقدره، وتلك إشارة إلى تربيته وليدًا، لأنه لم يكن يربِّي أولاد (٣) بني إسرائيل إلا لتعبيدهم وإذلالهم، وهو على وجه الاستفهام تقديره: أوتلك نعمة تمنها المن: تذكير المنعم نعمته، ولا يحسن ذلك إلا من الله تعالى لأنه هو المنعم على الحقيقة، وأما غيره إذا منّ على أحد فقد تخلق بما ليس له، إذ هو سبب في تلك النعمة والمنعم في الحقيقة هو الله سماه به للزومه جوابًا واحدًا مع تفنن فرعون في السؤال، وإنما فعل موسى ذلك ليقرر عندهم التسمية وتوقعها في قلوبهم بالمبالغة في التعريف.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تعريض بأنهم أولى بصفة الجنون منه لأنهم لم يكونوا يعقلون ما يلهمهم عليه من المشاهدات من الأفاعيل الإلهية، فلما فرّ فرعون من الجدال إلى التهديد قابله موسى بالبرهان العتيد.
﴿ثُعْبَانٌ﴾ حية بين الأفعوان والتنين.
﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ استفهام بمعنى الأمر.
﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ في طاعة فرعون.
﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ قسم السحرة، و(عزته): قلة إذنه للناس أن يدخلوا عليه واحتجابه عنهم.
_________________
(١) نقل قول النضر بن شميل الأزهري في تهذيب اللغة (١٤/ ١٧٦ - ولد).
(٢) (في الله ولا الجهالة) ليست في "أ".
(٣) في "أ": (أولًا).
[ ٣ / ١٣٢٣ ]
﴿لَا ضَيْرَ﴾ لا بأس.
﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ لقطعة (١) وفرقة، وثوب شراذم: أي مقطع قطعًا، ووجه الجمع بالقليلين حسن وصف كل بعض من أبعاض الجملة بالقليل.
﴿لَغَائِظُونَ﴾ (٢) لمغضبون (٣).
﴿حَاذِرُونَ﴾ مخلوقون على صفة الحذر، والحاذر: حامل السلاح والذي يحذر في الحال.
﴿مُشْرِقِينَ﴾ (٤) مصبحين، ﴿كَلَّا﴾ ردّ لكلام قومهم ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.
﴿سَيَهْدِينِ﴾ (٥) إلى طريق النجاة (٦).
﴿فَانْفَلَقَ﴾ فانشقَّ ﴿كَالطَّوْدِ﴾ كالجبل.
﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ قربنا ﴿ثَمَّ﴾ إشارة إلى بقعة يتوهمها المقصوص عليه ضرورة.
﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ استثناء متصل على اعتبار الظاهر وهو المجاز، أو منقطع على اعتبار الناظر وهو الحقيقة.
وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ فيه أدب حسن حيث لم يقل: والذي يمرضني (٧) وليس كذلك.
﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ لأن الإماتة قد تكون إراحة وقد تكون إبادة.
_________________
(١) في الأصل و"أ": (لفظة).
(٢) في الأصل (بياض).
(٣) في "أ": (لمبغوضون).
(٤) بدل (مشرقين) بياض في الأصل.
(٥) بدل (سيهدين) بياض في الأصل.
(٦) في "أ": (النجا).
(٧) في "أ": (يرضيني).
[ ٣ / ١٣٢٤ ]
﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ هو الذكر الجميل، وإنما تمنى ذلك ليؤمنوا به فيسعدوا ويصلوا عليه فيزداد بصلاتهم خيرًا ورحمة.
و﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ﴾ أي لا ينفع المال والبنون أحدًا، والاستثناء يدل على هذا المضمر.
﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مخلص ليس فيه مرض الكفر والنفاق، ويسمى المسلم الذي فيه بلاهة سليم القلب لبعده عن الجدال والشقاق والخبث وسوء الأخلاق، وإنما ينفع سليم القلب ماله وبنوه ليصرف ماله إلى الصدقات والقربات (١) وكون أولاده تابعين له بإيمان داعين له بخير.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ عطف على ﴿يَوْمَ﴾ وهو ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ﴾، ويجوز أن يكون استئنافًا بتقدير يومئذ أي: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ يومئذ.
﴿فَكُبْكِبُوا﴾ فكبوا على الوجوه، وتكرار الحرف للمبالغة كالذبذبة والحثحثة (٢).
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ خليل خاص وحامة الرجل خاصته.
﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ جواب "لو" مضمر وتقديره ﴿فَنَكُونَ﴾ لكنا مفلحين (٣)، و(الكرة): الرجعة، وذلك إشارة إلى القرآن، أو إلى شأن إبراهيم -﵇- (٤).
_________________
(١) (والقربات) ليست في "أ".
(٢) قاله الزمخشري وابن عطية والزجاج وغيرهم، وأن الكبكبة تكرير الكب، فجعل تكرير اللفظ دليلًا على تكرير المعنى. [البحر (٧/ ٢٧)، الكشاف (٣/ ١١٩)، معاني القرآن للزجاج (٤/ ٩٤)].
(٣) يجوز أن تكون "لو" مشربة معنى التمني فلا جواب لها على المشهور -قاله السمين الحلبي-، وعلى هذا يكون نصب "فنكون" جوابًا للتمني الذي أفهمته "لو"، وأما ما ذكره المؤلف إذا كانت "لو" على بابها فيكون جوابها محذوف التقدير: لوجدنا شفعاء أو لعلمنا صالحًا. وعلى هذا يكون نصب الفعل "نكون" بأن مضمرة عطفًا على "كرةً"، ومنه قول ميسون بنت بحدل: لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني أَحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ [الكتاب (١/ ٤٢٦)، الدر المصون (٨/ ٥٣٦)].
(٤) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٣٢٥ ]
﴿قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ إنكارهم رسالة رسولهم المرسل إليهم تكذيب للجميع، فإن سائر المرسلين يشهدون لا محالة برسالته وهم ينكرونها، فهم مخالفون لهم يكذبون بهم أجمعين ﴿أَخُوهُمْ﴾ للنسبة أو لطول المجاورة.
﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ مأمون في نفسه بصفات يستحق بها أن تؤتمن من الأمارات الدالة على صدقه والبراهين الموجبة لدعواه.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فيما مضى من أعمارهم قبل الإسلام والتوبة، ويحتمل أن لفظة (كانوا) صلة أي: بما يعملون.
﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ المملوء (١)، وذلك إشارة إلى القرآن أو إلى شأن نوح -﵇- (٢).
﴿رِيعٍ﴾ طريق مشرف، قاله ابن عباس، وقيل: ما ارتفع من الأرض (٣).
﴿مَصَانِعَ﴾ جمع مصنع وهو البناء المحكمة صنعته بتشييد الحجارة والتخصيص ونحوهما يتخذ للماء وغيره.
﴿بَطَشْتُمْ﴾ أخذتم على سبيل القهر.
﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ هو إلزام حجة فإن التذكير لو وقع بإمدادهم بالهواء الذي فيه يتنفسون وما بالقرى التي لها يتحركون وبالحر والبرد اللذين بهما يتنعَّمون، وبالليل والنهار اللذين فيهما يتقلبون لما كادوا يفهمون.
﴿إِنْ هَذَا﴾ إن كان إشارة إلى رسومهم وعاداتهم فهو كقولهم ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤] وإن كان إشارة إلى قول هود -﵇- (٤) فهو كقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، وذلك إشارة إلى القرآن أو إلى شأن هود -﵇- (٤).
_________________
(١) (المملوء) ليست في الأصل.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) قاله الزجاج في معانيه (٤/ ٩٦).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٣٢٦ ]
﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ إنذار بعذاب الله إن لم يؤمنوا أو تزهيد في الدنيا والآخرة.
﴿طَلْعُهَا﴾ طلع النخلة كفراها، وهو أول ما يبدو من ثمرها ﴿هَضِيمٌ﴾ منضم لم يتقشر عنه جلده، يقال: اهضم الكسخين، وقيل: يتهشهش وذلك إشارة إلى القرآن أو إلى شأن صالح -﵇- (١).
﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ الكارهين الماقتين، قال الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ وفي حديث أبي الدرداء: "وجدت الناس أخبر تَقْلَه" (٢).
﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي من عموم عذاب ما يعملون، وقيل: يجني مشاهدة ما (٣) يعملون، وذلك إشارة إلى القرآن أو إلى شأن لوط -﵇- (٤).
﴿وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخلق (٥).
﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن.
﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ جبريل -﵇- (٤)، ائتمنه الله على تبليغ رسالته ولم يأتمنه الروافض لعنهم الله.
﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ دليل على أن القرآن هو هذا المعنى المنظوم المكتسي بلفظ موسوم سواء كان عربيًا أو غير عربي، معجزًا أو غير معجز، وإنما أنزله الله في ألفاظ عربية ليكون أبين للمخاطبين في عصر النزول، وإنما جعله معجزًا ليكون برهانًا كاليد والعصا وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) يقصد الحديث المرفوع عنه وهو حديث مشهور وسنده ضعيف جدًا، فقد رواه الطبراني في مسند الشراميين (١٤٩٣)، وفي مسند الشهاب (٦٣٥)، وروي موقوفًا عليه في "الزهد" (١٨٥) لابن المبارك. ولفظ رواية أبي الدرداء في مسند الشهاب: "أُخبُرْ تَقْلَهِ وثق بالناس رويدًا".
(٣) بدل (مشاهدة ما) في "أ": (مشاهدته).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) قاله ابن عباس - ﵄ - ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد، أخرجه عنهم ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٨١٣).
[ ٣ / ١٣٢٧ ]
﴿يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لأنهم وجدوه مصدقًا لما بين يديه من التوراة وموعود على سبيل التعريض والتصريح.
﴿بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ إن أراد الذين لا يحسنون تأدية حروف الهجاء أقامه الأعراب لآفة في ألسنتهم فهو كقوله: ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأنعام: ١١١]، وإن أراد الأعجميين الذين لا يحسنون العربية والنطق والحروف المختصة بها كالصاد وحروف الإطباق فهو كقوله: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦].
﴿مَا أَغْنَى﴾ نفي على سبيل الاستفهام والسؤال.
﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ يدل على أن مشارق الأرض ومغاربها لم تخل من منذر وحجة لله تعالى على خلقه إلى أن ختم النبوة بمحمد -﵇- (١) وجعل دعوة الإسلام شائعة سابقة مستفيضة.
﴿ذِكْرَى﴾ في محل النصب؛ أي منذرون تذكرة أو في محل الرفع بإضمار مبتدأ (٢).
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾ نفي الكهانة.
﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ (٣) في نفي استئهالهم (٤) استغواء محمد -﵇- (١) لطهارته وأمانته وعفته وصدق لهجته.
﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ في نفي قدرتهم وذلك لعصمة الله تعالى وكونها حائلة بينه وبينهم.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) النصب على أنها مفعول لأجله والعامل فيها إما "منذرون" واما "أهلكنا"، وأما الرفع فهو على إضمار مبتدأ والتقدير: هذه ذكرى وتكون الجملة اعتراضية وجَوَّز السمين الحلبي أن تكون "ذكرى" صفة لـ"منذرون" على وجه المبالغة. [الدر المصون (٨/ ٥٦١)].
(٣) في "ب": (وما يستطيعون).
(٤) في "ب": (استنالهم).
[ ٣ / ١٣٢٨ ]
﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ مصروفون بالرجم بالثواقب إذا أراد استراق السمع.
﴿عَشِيرَتَكَ﴾ عشيرة رسول الله (١) ولد عدنان ثم ولد مضر منهم، ثم الحُمس، ثم قريش، ثم الأباطيح، ثم المطَّلبيون، ثم بنو عبد مناف، ثم بنو هاشم لا أقرب منهم.
وعن ابن عباس قال: لما أنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢)﴾ أتى رسول الله الصفا فصعد عليه ثم نادى: "يا صباحاه! " فاجتمع الناس إليه فبين رجل يجيء وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله (٣): "يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل يريدون أن يغيروا عليكم مصدقي أنتم؟ "، قالوا: نعم، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبًا لكم سائر البرية إنما دعوتمونا لهذا؟! فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ [المسد: ١] (٤).
﴿حِينَ تَقُومُ﴾ للصلاة كقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ٢]، وقيامه للجهاد والجدال كقوله: ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ٢] وقيامه للدعاء والوعظ كقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، وفائدة التنبيه على رؤية قيامه هي البشارة بأن سعيه (٥) مقبول.
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ أي في جملة المصلين معه من حال إلى حال ومن ركن إلى ركن، أو تقلبه لمعاشه فيما بين المؤمنين بعد رجوعه (٦)
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) (الأقربين) ليست في "أ".
(٣) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) البخاري (٤٩٧١)، ومسلم (٢٠٨).
(٥) في الأصل: (سعيد).
(٦) في الأصل: (رجوعهم).
[ ٣ / ١٣٢٩ ]
عن مجاهدة (١) المشركين ومجادلتهم وإنذارهم، وأراد حركاته في مدة حياته، وأراد تقلبه من صلب إلى صلب، وسجود آبائهم كسجود الظلال يصرفونها.
﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ جمع شاعر كعلماء وعالم.
﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ في كل فن من المدح والهجاء وغير ذلك، ﴿يَهِيمُونَ﴾ يخوضون ولا يبالون، هام الرجل يهيم إذا مضى على وجهه راكبًا رأسه لا يثنيه شيء.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية في معنى قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ [النساء: ١٤٨] الآية. روي أن عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت أتيا رسول الله حين نزلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ فقال -﵇- (٢) وهو يقرأها عليهم ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ حتى إذا بلغ المقولة ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: "أنتم" ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قال: "أنتم" ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال: "أنتم" (٣) (٤).
_________________
(١) في الأصل و"ب": (مجاهد).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) (قال أنتم) ليست في "أ".
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١١/ ٣٢٣) لابن مردويه.
[ ٣ / ١٣٣٠ ]