مكية (١)، وعن ابن عباس وقتادة: إلا أربع آيات (٢) ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ﴾ [الشورى: ٢٣] الآية، فلما نزلت قال رجل من المنافقين: والله ما أنزل الله هذه الآية، فأنزل الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٢٤] ثم إن الرجل تاب من ذلك وندم ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ [الشورى: ٢٦،٢٥] الآيتان (٣)، وهي خمسون آية عند أهل الكوفة (٤).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
﴿حم (١) عسق (٢)﴾ قيل في العين إشارة إلى العلم، وفي السين إشارة إلى سر الله في افتراق الفرق، وفي القاف إشارة إلى قول الله في وصف الجماعة، وفي السين إشارة إلى المتشبهات بالرجال من النساء والمتشبهين بالنساء من الرجال، والقاف إشارة إلى القوم المنقادين لقائدهم.
وعن أبي عبيدة أن العين إشارة إلى العذاب، والسين إشارة إلى السين، والقاف فيها العجب.
_________________
(١) ذكر مكيتها ابن عباس وابن الزبير كما في الدر المنثور (١٣/ ١٢٨)، وانظر "البيان" (٢٢١).
(٢) ابن الجوزي في "زاد المسير" (٧/ ٢٧١) عن ابن عباس بلفظ (وحكي).
(٣) ورد في ذلك حديث عند الطبراني في الأوسط (٥٧٥٨) بسند ضعيف جدًا.
(٤) هذا غير صحيح فهو (٥٣) آية عند الكوفيين وفي غيره (٥٠) آية.
[ ٤ / ١٥١٣ ]
وقال الضحاك: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ قضى العذاب الذي سيكون أرجو أن يكون قد مضى يوم بدر والسنون التي أصابت أهل مكة أحد من حم إلا من قدر له الحمام الذي هو الموت.
﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ أي وجود ابتداء حالة الانفطار من جهاتهن اللواتي هي من فوقهن لتقتل ما فوقهن من الفرش أو مما شاء الله أو لهيبة الله تعالى فوقهن لتصدع الجبال من خشية الله، وقيل: الضمير في ﴿فَوْقِهِنَّ﴾ عائد إلى الأنفس المعبودات من دون الله على ظن أنهن بنات الله، تعالى الله عما يقولون، فالسموات تكاد يتفطرن من فوقهن أي من فوق هؤلاء الأنفس لعظم قول المشركين فيهن، هؤلاء الأنفس إنما هن الأرواح الخبيثة من الشياطين دون الملائكة الذين ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾.
﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ شهيد عليهم.
﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكة.
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي مجتمعين على دين واحد هدى أو ضلالة.
﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي في حال الازدواج (١).
﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ من شريعتنا تحريم ذوات الأرحام (٣) ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ لعطف الجملة وهو مبتدأ وخبره ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ فكذلك
_________________
(١) ومعنى في ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١] أي يجعل لكم فيه معيشة تعيشون بها، وهذا قول ابن عباس - ﵄ - أخرجه الطبري (٢٠/ ٤٧٦).
(٢) في الأصل: (بما).
(٣) المراد بهذه الوصية هي عموم التمسك بالدين وهو ما وصّى الله به الأنبياء وأنهم على دين واحد في تحريم الحرام وتحليل الحلال. هكذا قاله مجاهد وقتادة والسدي. انظر الطبري (٢٠/ ٤٨٠) وظاهر الآية يشير ويوضح هذه الوصية ولذا قال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
[ ٤ / ١٥١٤ ]
إشارة إلى إقامة الدين وترك التفرُّق فيه، لا حجة في ترك إقامة الدين وفي ترك ما أنزله (١) الله تعالى ولم ينسخه.
﴿يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ يجادلون في دين الله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ من بعد ما وعد الجواب في الدين أثه دين نوح وسائر الأنبياء ﵈، وأنه موافق لما أنزل الله من كتاب غير مخالف لبعض الكتب المنزلة ولا يبعد أن يكون الجواب هو الإعجاز الإلهي.
عن قتادة قال: إن الله تعالى يعطي على نية الآخرة ما يشاء من أمر الدنيا ولا يعطي نية الدنيا إلا الدنيا، ثم قرأ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ الآية (٢).
عن أبي هريرة عنه -﵇- (٣): "يخرج آخر الزمان رجال يلبسون للناس جلود الضأن من اللِّين وألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب فيقول الله: أبي يغترون أم عليَّ يجترئون فبي (٤) حلفت لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحليم فيهم حيران" (٥).
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ إن كلمة الفصل هي التي أوجب الله تأخيرها إلى يوم الفصل (٦).
عن زر بن حبيش الأسدي قال: قرأت على علي بن أبي طالب - ﵁ - القرآن في المسجد الجامع بالكوفة، فلما بلغت رأس العشرين من ﴿حم (١) عسق (٢)﴾: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾
_________________
(١) في الأصل: (مما أنزله)، وفي "أ": (بما أنزل).
(٢) ابن جرير (٢٠/ ٤٩١، ٤٩٢).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في "ب": (فراغ)، وفي الأصل: (وبي).
(٥) الترمذي (٢٤٠٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١١/ ٣٤) وهو حديث ضعيف جدًا.
(٦) من (هي التي) إلى هنا مكررة في "أ".
[ ٤ / ١٥١٥ ]
الآية، قال: بكى حتى ارتفع نحيبه ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: "يا زر أمّن على دعائي" ثم (١) قال: "اللهم إني أسألك إخبات المخبتين، وإخلاص المؤمنين، وموافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان، ووجوب رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل برّ، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والخلاص من النار، يا زر إذا ختمت القرآن فادعُ بهؤلاء الدعوات، فإن حبيبي رسول الله أمرني أن أدعو بهن عند ختم القرآن" (٢).
وعن أبي زكريا الفراء قال: إن الأنصار جمعوا نفقة فأتوا بها إلى رسول الله وقالوا: إن الله قد هدانا بك وأنت ابن أختنا فاستعن بهذه النفقة على بيوتك، فلم يقبلها النبي -﵇-، فأنزل الله ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣) أي في قرابتي من قريش.
وعن أبي مالك قال: لم يكن فخذ من قريش إلا للنبي -﵇- (٤) فيهم قرابة فقال: "إن لم تبايعوني على ما آتيكم به فاحفظوا قرابتي فيكم " (٥)، قيل: سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال سعيد بن جبير: القربى آل محمَّد، فقال ابن عباس: أعجلت، إن رسول الله (٦) لم يكن بطن] (٧) من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: أن لا تصلوا بيني وبينكم من القرابة (٨).
﴿يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ يصيره غير سامع ولا قائل للوحي، والواو في
_________________
(١) (ثم) من "أ" "ي".
(٢) ذكره في كنز العمال (٢/ ١٥٣) وقال الذهبي في الميزان (٣/ ١٠٨): هذا خبر منكر عزاه في "الدر المنثور" (١٣/ ١٤٣) لابن النجار في تاريخه.
(٣) ذكره الفراء في معانيه (٣/ ٢٢)، وانظر تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٢٣٩) وقال: غريب.
(٤) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي - ﷺ -).
(٥) ابن سعد (١/ ٢٤)، والحاكم (٢/ ٤٤٤)، والبيهقي في الدلائل (١/ ١٨٥) عن الشعبي.
(٦) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٧) هنا ينتهي السقط الكبير من نسخة "أ".
(٨) ابن جرير (٢٠/ ٤٩٥)، والطبراني في الكبير (١٣٠٢٦).
[ ٤ / ١٥١٦ ]
﴿وَيَمْحُ اللَّهُ﴾ (١) لعطف الجملة لا للعطف على المجزوم، وسقوط الواو هاهنا كسقوطها من قوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: ١١] إذ لو كان معطوفًا لما ذكر اسم الله تعالى وأن هو الباطل واجب بالإجماع غير موقوف على جزاء وشرط.
وعن علي قال: خصلتان حفظتهما من رسول الله - ﷺ - (٢) وأنا أحب أن تحفظوهما، قال رسول الله - ﷺ - (٣): "ما عاقب الله عليه عبدًا في الدنيا من ذنب فالله أرحم من أن يثني عقوبته عليه في الآخرة، وما عفا الله عن عبده في الدنيا من ذنب (٤) فالله أكرم من أن يعود في شيء عفا عنه " (٥).
وعن أبي موسى (٦) الأشعري عنه -﵇- (٧): "لا يصيب عبدًا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر" ثم قرأ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (٨).
﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ الجبال.
﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ في محل الجزم لأنه معطوف على مجزوم ﴿رَوَاكِدَ﴾ سَوَاكِن.
﴿شُورَى﴾ اسم من المشاورة، ووجه المدح على كون الأمر شورى بينهم قبح الاستبداد والتضاد كقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
_________________
(١) في "ب": (يمح الله ما يشاء) وهو خطأ.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) (وسلم) ليست في "ي".
(٤) من قوله (فالله أرحم) إلى هنا ساقط من "أ".
(٥) الترمذي (٢٦٢٦)، وابن ماجه (٢٦٠٤)، وأحمد (١/ ٩٩، ١٥٩)، والحاكم (١/ ٤٨) والحديث حسن والبعض يضعفه.
(٦) في "ب": (يوسف) وهو خطأ.
(٧) (السلام) ليست في "ي".
(٨) الترمذي (٣٢٥٢) والحديث ضعيف.
[ ٤ / ١٥١٧ ]
وقال عمر بن الخطاب - ﵁ - (١) في بيعة أبي بكر الصدِّيق - ﵄ -: إنها كانت فتنة وقد وقى الله شرها، فلا تكون الإمارة من بعد إلا عن مشورة (٢).
﴿إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ وجه المدح على الانتصار عند البغي كراهة الذلة والتمسكن وتمكين العدو من الأهل والنفس.
وعن علي - ﵁ - (٣) عنه -﵇- (٤) "إن الله ليبغض من يدخل عليه بيته ولا يقاتل" (٥) وهذا محمول على من لم يقاتل فشلًا وجبنًا وخذلانًا لأهله وعياله دون من سلّم الله أمره وكره الفتنة كهابيل وعثمان والحسن بن علي - ﵁ -: المستبان ما قالا من شيء فعلى البادىء حتى يعتدي المظلوم (٦).
﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ لأنهم يحشرون على وجوههم، ويطمس على أعينهم وإنما ينظرون إلى العرش أو إلى النار.
﴿مِنْ نَكِيرٍ﴾ إنكار أي لا يستطيعون الإنكار يومئذ.
﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ أي يجعل الأولاد ذكورًا أو إناثًا.
﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ إلهامًا ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وهو إلقاء الكلام في مسامع البشر من غير واسطة ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ من الملائكة ﴿رَسُولًا﴾ والكلام الذي هو عن إدراك البشر إياه كلام الله تعالى حالة مشاهدة العبد إياه وذلك لوجوب الاضمحلال عند تجلي ذي الجلال.
﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أي لست تعرف إيمانًا سماعيًا
_________________
(١) (﵁) ليست في "أ" "ي".
(٢) أحمد (١/ ٥٥)، وابن حبان (٤١٣، ٤١٤)، والنسائي في الكبرى (٧١٥١) والحديث صحيح.
(٣) (﵁) ليست في "ب".
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) ذكره علي بن الجعد في مسنده (٢١٢٣) عن إبراهيم بلفظ: كانوا يرون، وذكره.
(٦) أخرجه مسلم (٢٥٧٨)، والإمام أحمد (١٢/ ١٣٨)، والترمذي (١٩٨١) من حديث أبي هريرة.
[ ٤ / ١٥١٨ ]
من جهة الكتاب ولا إيمانًا عقليًا من جهة الاعتبار فحولك وقوتك وقضية طبيعتك ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ روحًا من أمرنا ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ بالإلهام مرة وبالرسالة أخرى كما هديناك، وقيل: لم يكن فيما مضى من الزمان تعرف القرآن ولا الإيمان السماعي.
***
[ ٤ / ١٥١٩ ]