مكية (١)، وهي مائة واثنتان وثمانون آية في غير عدد أهل البصرة (٢).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ للعرب طريقة في القسَم بالأشياء الكريمة عندهم العزيزة عليهم من غير ضرورة يريدون بذلك تأكيد أخبارهم وأن يبلغ كلامهم من المخاطبين كل مبلغ، فأقسم الله لتأكيد الأمر وتفخيمه بأنفس صافات وأنفس زاجرات وأنفس تاليات من خلقه، فذهب أكثر المفسرين إلى أنها الملائكة (٣)، فإن كان كذلك فالتاء للمبالغة كما في علامة ونسّابة. والصافات من الملائكة هم الذين في صفوف الصلاة.
﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾ هم الذين يزجرون السحاب بإذن الله (٤)، والزجر كالنهي والرد، والازدجار: افتعال منه.
_________________
(١) نقله عن ابن عباس ابن الضريس (١٧، ١٨)، والنحاس في ناسخه (٦٣٧)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٤٢ - ١٤٤)، وانظر: "الدر المنثور" (١٢/ ٣٨٢)، و"البيان" لأبي عمرو الداني (٢١٢).
(٢) عدّ أهل البصرة (١٨٢) آية، انظر: "البيان" لأبي عمرو الداني (٢١٢).
(٣) قاله ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد، نقله عنهم الطبري (١٩/ ٤٩٢) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٠٤) وابن الجوزي (٣/ ٥٣٥) وهم الملائكة صفوف في السماء.
(٤) أي الملائكة التي تزجر السحاب كما قاله مجاهد والسدي (الطبري ١٩/ ٤٩٣) ورجحه الطبري.
[ ٤ / ١٤٦٥ ]
﴿فَالتَّالِيَاتِ﴾ هم الذين يتلون رسالات الله على أنبيائه ﵈ (١).
﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ مشارق النجوم أو مشارق الشمس (٢) على جدتها؛ فإنها تطلع كل يوم من مشرق آخر.
﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ قال الفراء (٣): معنى (لا) كقوله: ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ (٤)﴾ [الحجر: ١٣،١٢] ولو كان في موضع (لا) (أن) صلح ذلك كما في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] يريد الفراء كون الفعل المتأخر المنفي معلولًا بالفعل المتقدم المثبت مرتفعًا فحذف الناصبة معنى، قال الحجاج في ابن عباس: إن كان لمعقنا يريد ثاقب العلم، والفضل ما شهدت به الأعداء.
﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ تقرير ضعفهم وتقريب إعادتهم من اتهامهم على ما يتصور في أوهامهم كقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ [النازعات: ٢٧].
وعن النعمان بن بشير ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال: أمثالهم (٥).
﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ أمر بالسوق.
﴿وَقِفُوهُمْ﴾ أمر بالوقف بعد الأمر بالسوق إنما هو إن شاء الله لتكرار الأمر بالسوق وتضعيف الخوف والهول عليهم.
_________________
(١) وهم الملائكة يتلون رسالات الله على أنبيائه. قاله مجاهد والسدي، أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١٩/ ٤٩٤).
(٢) قال قتادة والسدي: هي مشارق الشمس وهي ستون وثلاثمائة مشرق والمغارب مثلها عدد أيام السنة. رواه عنهما الطبري في تفسيره (١٩/ ٤٩٦) وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٠٤).
(٣) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٣٨٣).
(٤) (به) من "أ" "ي".
(٥) روي عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب في هذه الآية ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [لصَّافات: ٢٢] يقول: ضرباءهم، وهو بمعنى أمثالهم. أخرجه الطبري في تفسيره (١٩/ ٥١٩) وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٣٠).
[ ٤ / ١٤٦٦ ]
﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ اقتصار على أحد طرفَي الكلام ومعناه عن اليمين أو الشمال، وقيل: المراد باليمين جهة الدين والحق أي كنتم تأتوننا من قبل الحق فتلبسونه علينا، والعرب تنسب الحق والخير إلى اليمين.
﴿لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ باختياركم.
﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ دعوناكم (١) إلى الغواية من غير إكراه.
﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)﴾ خطاب متوجه إلى كفار قريش.
﴿بِكَأْسٍ﴾ بقدح ممتلىء بالشراب.
﴿بَيْضَاءَ﴾ صفة الكأس ﴿لَذَّةٍ﴾ أي ذات لذة.
﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ غليلة. قال أبو الهيثم: يقال: غالت الخمر بفلان إذا ذهبت بعقله أو صحة بدنه.
﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ غاضّات البصر ﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء وهي الواسعة العين (٢) ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ جمع بيضة وهي التي فيها فرخ الطائر، و(المكنون) الذي في رحم الأنثى بعد، وإنما شبه بالبيض إن شاء الله لبياض لونه وملاسته وكونه غير مثقوب (٣)، وطيب مذاقه وقربه من طباع الحيوان، وبالمكنون لرقة قشره ولينه ولطافته. وقال الكلبي: المراد بالمكنون المصون عن الحر والبرد لئلا يفسد ولا يتغير.
وعن ابن مسعود أن المرأة من نساء أهل الجنة من الحور العين لتكون عليها سبعون حلة وإنه ليُرى مخ ساقها من فوق عظمها ولحمها وثيابها كما يبدو الشراب الأحمر من الزجاجة البيضاء.
﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ مثل يهوذا أو قرينة مثل قطروس على ما بيّنّا في سورة "الكهف".
_________________
(١) في "أ" "ب": (دحوناكم).
(٢) قاله السدي وابن زيد وتبعهم الزجاج [زاد المسير (٣/ ٥٤١)].
(٣) في الأصل و"أ": (متقرب).
[ ٤ / ١٤٦٧ ]
﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ أمر في غاية الرفق.
﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)﴾ سؤال منه لأصحابه الذين معه للجنة أو للملائكة على سبيل التقدير يريد به تقريع قرينه الكافر.
﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ تأكيد للكلام (١) من حيث قطع توهم السامع أن يكون (٢) الكلام عامًّا في اللفظ خاصًّا في المعنى مطلقًا على نيّة الاستثناء كقولك لغريمك: ما لي عليك حق إلا الذي أخذته منك، وقريب منه قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢].
﴿الزَّقُّومِ﴾ حمل شجرة عقباوية ليست في الدنيا كما أن طوبى شجرة (٣) جنوية.
﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ من وجهين، أحدهما: كون عينها عذابًا لأهل النار، والثاني: كون اسمها سببًا لضلالة الكفار لأنه موافق لاسم الزبد مع التمر على لغة حمير أو الحبشة.
﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ لرؤية المخاطبين الغيلان والتعالي في أسفارهم في الفلوات أو لقبح تصور الشياطين في الأوهام، وقيل: أراد بالشياطين الحيّات فإن العرب تسمِّي الحيّة شيطانًا.
قال الراجز:
عنجردٌ سليطة وثابة كمثلِ شيطانِ الحماط أعرفُ (٤)
_________________
(١) في "أ": (تأكيد الكلام).
(٢) في "أ" "ي". (كون).
(٣) (شجرة) من "ب" "ي".
(٤) هذا البيت ذكر في لسان العرب (١٣/ ٢٣٨) دون نسبته إلى قائله، ولفظه: عنجرد تحلف حين أحلف كمثل شيطان الحماط أعرف قال الأزهري والفراء: امرأة عنجرد خبيثة سيئة الخلق، والعرب تسمي بعض الحيات شيطانًا. وانظر: تهذيب اللغة (٤/ ٢٣٣) وتاج العروس (٨/ ٤٢٣) أيضًا بدون نسبة إلى قائله.
[ ٤ / ١٤٦٨ ]
﴿لَشَوْبًا﴾ مزجًا وخلطًا.
﴿إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ كأنهم يخرجون عند أكل الزقوم من الجحيم في سواء أي ضحضاح في الجحيم أو النار ثم يرجعون بهم إلى سواء الجحيم، ويحتمل أن الضمير في قوله: ﴿مَرْجِعَهُمْ﴾ عائد إلى الأحياء من كفار قريش وأمثالهم دون الأموات الذين دخلوا النار.
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ من قولهم: ﴿سَلَامٌ﴾ أو تركنا عليه الصيت والذكر في الآخرين، أو تركنا عليه البركة في أعقابه ليكون قوله: ﴿سَلَامٌ﴾ ابتداء كلام من جهة الله تعالى.
الظاهر من كتاب الله أن الغلام الحليم هو إسماعيل -﵇- (١)، وأن البشارة بإسحاق وهو الغلام العلم غير البشارة الأولى، وإذا كان كذلك فقضية الظاهر أن الذي بلغ معه السعي وكان من أمره ما كان هو إسماعيل -﵇-، وكذلك قوله -﵇- (٢): "أنا ابن الذبيحين" (٣).
وعن عطاء بن يسار قال: سالت خوّات بن جبير (٤) عن ذبيح الله أيهما كان؟ فقال: إسماعيل (٥).
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ رأى إبراهيم في منزله بالشام أن يذبح إسماعيل بمكة فركب إبراهيم إليه على البراق حتى جاءه فوجده عند أمه فأخذ بيده ومضى به لما أمر به، وجاء الشيطان في صورة رجل يعرفه
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (وكذلك قوله -﵇-) ليست في "أ"، و(السلام) ليست في "ي".
(٣) ذكره في تاج العروس (٦/ ٣٦٩)، وقال: أنكر هذا الحديث جماعة وضعفه آخرون وأثبته أهل السير. انظر كتاب الكليات (١/ ١١٥).
(٤) خوات بن جبير الأنصاري المدني شهد بدرًا مع النبي - ﷺ - وأُحدًا والمشاهد بعدها، معدود في الصحابة. [الإصابة (٢/ ٣٤٦)، الاستيعاب (٢/ ٤٥٥)، التاريخ الكبير (٣/ ٢١٦)].
(٥) الحاكم (٢/ ٦٠٥) بسند فيه الواقدي.
[ ٤ / ١٤٦٩ ]
فقال: يا إبراهيم أين تريد؟ قال إبراهيم -﵇- (١): في حاجتي، قال: تريد أن تذبح إسماعيل، قال إبراهيم -﵇- (٢): وهل رأيت والدًا يذبح ولده؟ قال: نعم أنت، قال إبراهيم -﵇- (١): ولمَ؟ قال: تزعم أن الله أمرك بذلك، قال إبراهيم -﵇- (١): فإن كان الله أمرني بذلك فقد أطعتُ الله وأحسنت، فانصرف عنه.
وجاء إبليس إلى هاجر فقال: أين يذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب به في حاجته، قال: فإنه يريد أن يذبحه، قالت: وهل رأيت والدًا يذبح ولده؟ قال: نعم هو، قالت: ولمَ؟ قال: يزعم أن الله أمره بذلك، قالت: فقد أحسن حين أطاع ربه.
ثم أدرك إسماعيل -﵇- (١) قال: يا إسماعيل أين يذهب بك أبوك؟ قال: لحاجته، قال: فإنه يذهب بك ليذبحك، قال: وهل رأيت والدًا يذبح ولده؟ قال: نعم هو، قال: ولمَ؟ قال: يزعم أن الله أمره بذلك، قال: فقد أحسن حين أطاع ربه.
قال: فخرج به حتى انتهى إلى مني إلى حيث أُمر، ثم انتهى إلى منحر البدن اليوم فقال: يا بني إن الله قد أمرني أن أذبحك، قال إسماعيل -﵇- (١): فأطع ربك فإن في طاعة ربك كل خير، ثم قال إسماعيل -﵇- (١): هل أعلمتَ أمي بذلك؟ قال: لا، قال: أصبت، إني أخاف أن تحزن ولكن إذا قرّبت السكين فأعرض عني فإنه أحرى أن تصبر ولا تراني، ففعل إبراهيم -﵇- (١) فذهب يحز في حلقه فإذا هو يحز في نحاس ما يحبك الشفرة، فشحذها مرتين أو ثلاثًا بالحجر، كل ذلك لا يستطيع أن يحبك، قال إبراهيم -﵇-: اللهم (٣) هذا الأمر لله، فرفع رأسه فإذا هو بوغل واقف بين يديه، فقال إبراهيم -﵇- (١): قم يا بني قد نزل فداؤك، فذبحه هناك (٤).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (-﵇-) من الأصل فقط.
(٣) (اللهم) من "ب".
(٤) قصة الذبيح هذه أخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٢٢) عن كعب الأحبار =
[ ٤ / ١٤٧٠ ]
وعن سعيد بن المسيب أن الذبيح إسحاق (١)، قال: فلما بلغ معه السعي كان إسحاق معه وإسماعيل لم يكن معه ولكنه كان بمكة.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي -﵇- (٢) قال: "الذبيح هو إسحاق" (٣).
وعن الأحنف بن قيس عن النبي -﵇- (٤)، وعن الأحنف عن العباس بن عبد المطلب، وعن يوسف بن مهران. وعن ابن عباس، وعن عطاء بن دينار عن عمر بن الخطاب، وعن كثير بن كليب الجهني عن عثمان بن عفان، وعن بسر بن سعيد الحضرمي عن أُبي بن كعب، وعن القاسم عن أبي الدرداء، وعن قتادة عن ابن مسعود وابن عمر، وعن الزهري مثله، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن الصخرة التي في أصل ثبير هي التي ذبح عليها إبراهيم -﵇- (٥) (٦).
وعن عبد الله بن سلام قال: أراد أن يذبحه في جبل بيت المقدس إلا أن قبول الأخبار بذبح إسماعيل وكون المذبح بمنى أسرع إلى قبول غيرها، وسبب الاختلاف ما روي عن عبد الله بن سلام قال: كنا نتعلم في كتاب يهوذا الذي لم يبدل: هو إسماعيل -﵇- (٦)، ففي هذا الحديث ما يدل على
_________________
(١) = حدّث بها أبا هريرة، والطبري في تفسيره (١٩/ ٥٨٠) عن السدي، والبغوي في تفسيره (٧/ ٤٧).
(٢) الذي روي عن سعيد بن المسيب أن الذبيح هو إسماعيل. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٢٣)، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٥٤٧)، والقرطبي (١٥/ ١٠٠) ولعل المؤلف وهم في ذلك.
(٣) في "ب" بدل (-﵇-): (صلّى الله -﵇-).
(٤) هذا الحديث معروف عن العباس بن عبد المطلب - ﵁ - مرفوعًا. أخرجه الطبري في تفسيره (١٩/ ٥٨٨)، وتاريخه (١/ ٢٦٣)، والبخاري في تاريخه (٢/ ٢٩٢)، وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٢٣)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٥٥٦)، ولم نجده عن زيد بن أسلم كما ذكر المؤلف.
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) الحاكم (٢/ ٦٠٩).
(٧) (-﵇-) ليست في "أ".
[ ٤ / ١٤٧١ ]
أن سبب الاختلاف هو تحريف اليهود وتبديلهم، فإن كان النبي -﵇- (١) ذكر أنه إسحاق فإنما يكون ذكر ذلك على زعم اليهود من غير توقيف إلهي حتى أخبره الله بعد ذلك أو أخبره عبد الله بن سلام بحقيقة الأمر كما أخبره بقصة الرجم، ثم نجمع بين الأحاديث فنقول: يجوز أن ذبح إسماعيل في بعض الأحوال والمحال وفداه الله تعالى إياه وذبح أخيه في بعض الأحوال والمحال وفداه الله إياه وإخبار الله تعالى عن ذبح إبراهيم أحد بنيه لا يدل على نفي الآخر.
ونظر إبراهيم في النجوم قيل: رمى ببصره إلى السماء ليتذكر جبلة، وقيل: أطرق ورمى ببصره إلى نجوم الأرض متفكرًا، وقيل: نظر في نجوم رأيه وهي خواطره التي تنجم له، وقيل: كان قومه يتعاظمون على النجوم فتشبّه بهم ليعذروه.
في قوله ﴿سَقِيمٌ﴾ أي سأسقم.
﴿فَرَاغَ﴾ انصرف خفية على سبيل الاستراق، ومنه روغان الثعلب. ﴿بِالْيَمِينِ﴾ هي اليد اليمين، وقيل: القوة، وقيل: الجلد، وهو قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧].
﴿وَتَلَّهُ﴾ صرعه وأناخه ﴿لِلْجَبِينِ﴾ وهو أحد جانبَي الجبهة تذبح وهو ما أعدّ للذبح.
عن ابن عباس ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ قال: من المصلِّين (٢). وعن أُبي بن كعب: سألت رسول الله (٣) عن قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ قال: "عشرون ألفًا" (٤) أبق على سبيل المعصية، وكان يونس قد مرق من الملك على ما سبق،
_________________
(١) (-﵇-) ليست في "أ".
(٢) أخرجه الطبري عن ابن عباس - ﵄ - (١٩/ ٦٢٩)، وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٥٥) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٢٩).
(٣) في "ب": (رسول الله صلى الله -﵇-).
(٤) الترمذي (٣٢٢٩)، وابن جرير (١٩/ ٦٣٧)، وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٣٠).
[ ٤ / ١٤٧٢ ]
و﴿مُلِيمٌ﴾ الذي يأتي لما يلام عليه.
﴿بِالْعَرَاءِ﴾ الفضاء والهواء.
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ إن كان المراد بالجنة الملائكة (١) فعلّمهم ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ علّمهم أنهم ميتون بحكم الله تعالى ثم (٢) مبعوثون بإذنه ليوم الجمع لا ريب فيه، أو علمهم أن المشركين محضرون في النار، وإن كان المراد بالجنة الشياطين، فعلمهم بأنهم محضرون علمهم بأنهم يدخلون النار لكون أبالسته آيسين من رحمة الله.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ استثناء من المحضرين، وقيل: من الواصفين.
﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الضمير (٣) عائد إلى ما يعبدون.
وعن إبراهيم قال في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾: إن (٤) الأمر قدر عليه أن يصلى الجحيم، وقيل: إنكم لا تفتنون بآلهتكم إلا من سبق عليه مني أنه يصلى الجحيم.
في قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا﴾ الآيات دلالة على أن الله تعالى أعلى كلمة جميع عباده المرسلين، وأهلك أعداءهم المنذرين غير أوليائهم.
﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾ بفناء دارهم.
روي أن النبي -﵇- (٥) لما حاصر خيبر قال: "الله أكبر الله أكبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم ساء صباح المنذرين" (٦).
_________________
(١) وهو قول مجاهد وقتادة والسدي. أخرجه الطبري في تفسيره (١٩/ ٦٤٥) وقال ابن عباس - ﵄ -: إن النسب الذي زعموه لله هو قولهم: إن الله وإبليس أخوان -تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا-.
(٢) (ثم) ليست في "ب" "ي".
(٣) (الضمير) ليست في الأصل.
(٤) في "ب": (لأن).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) انظر مشارق الأنوار (٢/ ٢٢٩) لسان العرب (١٠/ ٢٠ بزق).
[ ٤ / ١٤٧٣ ]
عن موسى بن طلحة قال: سئل رسول الله (١) عن سبحان الله قال: "تنزيه الله عن الشر" (٢) وسئل ابن الكواء عن علي قال: كلمة رضيها الله لنفسه (٣).
وعن أُبي بن كعب عن النبي -﵇- (٤) قال: "مَن قرأ سورة الصافات أُعطي عشر حسنات بعدد كل جنِّي وشيطان، وتباعدت عنه مردَة الشياطين وشهد له حافظاه أنه مؤمن بالمرسلين" والله أعلم (٥).
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) الحاكم (١/ ٦٨٠)، والطبراني في الدعاء (١٧٥١)، وسنده ضعيف لإرساله، وموسى بن طلحة التيمي المدني من التابعين ولذلك أرسله.
(٣) الأثر في لسان العرب (٢/ ٤٧١ - سبح) ونسبه إلى الأزهري بإسناده ولم نجده في تهذيب اللغة.
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) سبق أن ذكرنا أن هذا حديث موضوع.
[ ٤ / ١٤٧٤ ]