مدنية (١)، وهي اثنتا عشرة آية في غير عدد أهل البصرة (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ اللام للتاريخ (٣)؛ أي طلقوهن لوقت يحتسبنه من عدتهن، وهو الطلاق في طهر لا جماع فيه، وعن أبي الأحوص عن عبد الله ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ قال: طاهرًا من غير جماع (٤) و﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ في غير المبتوتات بدليل قوله ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ولكن المبتوتات دخلن من وجه آخر وهو أنه لو طلق امرأته بطلقتين فيما مضى وأمسكها سنين وولدت أولادًا، ثم عزم على طلاقها لا شك أن يطلقها للعدة، عن الأسود أن
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر (١٤/ ٥٢٤) عن ابن عباس.
(٢) انظر "البيان" (٢٤٩).
(٣) قوله: اللام للتاريخ. لم نجد من استعمل هذه اللفظة من أئمة النحو والتفسير مع أنه فيما يظهر أنه يريد بالتاريخ الوقت. قال في البحر (٨/ ٢٨١): اللام للتوقيت.
(٤) المراد بعبد الله هو عبد الله بن عباس فيما يظهر أخرجه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٢٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١٤/ ٥٢٨) إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، لكن أبا الأحوص واسمه محمَّد بن الهيثم لم يسمع من ابن عباس - ﵄ -، فالسند معضل بينهما، لكن الأثر صحيح عن ابن عباس من طرق أخرى، كما أنه مروي عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود - ﵃ -. أخرجه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٢٧).
[ ٤ / ١٦٣١ ]
عمر بن الخطاب و(١) عبد الله بن مسعود قالا في المطلقة ثلاثًا: لها السكنى والنفقة (٢)، وعن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بنيزيد في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي فذكروا المطلقة ثلاثًا فقال الشعبي: حدثتني فاطمة بنت قيس أن رسول الله (٣) قال: "لا سكن لك ولا نفقة" قال: فرمى الأسود بحصى ثم قال: ويلك أتحدث بمثل هذا؟ فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - (٤) فقال: لسنا بتاركي كتاب ربنا وسنة نبيّنا لامرأة لا تدري لعلها كذبت قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٥).
وعن الأسود قال: ذكر لعائشة أمر فاطمة (٦) بنت قيس (٧) فقالت: إنما أمرها رسول الله (٨) أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم لسوء خلقها (٩)، وعن ابن عباس قال: الفاحشة المبينة أن تبدو على أهلها (١٠)، وعن عكرمة عنه: الفاحشة المبينة أن تفحش على أهل الرجل وتؤذيهم (١١)، وعن ابن مسعود: أن تزني فتخرجوها لإقامة الحدود (١٢).
وقال أبو يوسف وعن ابن عمر: أنها أن تعصي فتخرج بنفسها (١٣)، والاستثناء على هذا منقطع وبه أخذ إبراهيم النخعي، وهو رواية عن
_________________
(١) في الأصل: (وعن).
(٢) الترمذي (١١٨٠).
(٣) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٤) (﵁) من الأصل.
(٥) مسلم (١٤٨٠).
(٦) في "ب": (ذكر فاطمة أمر عائشة).
(٧) (بنت قيس) ليست في "ب".
(٨) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٩) مسند الشافعي (١٤٣٥).
(١٠) قريبًا منه عند عبد الرزاق في المصنف (١١٠٢١، ١١٠٢٢)، وابن جرير (٢٣/ ٣٤).
(١١) أخرجه عبد الرزاق (١١٠٢١)، والبيهقي (٧/ ٤٣١)، وابن راهويه كما في المطالب (٤١٥٦).
(١٢) هي قراءة شاذة لابن مسعود وهي عند عبد الرزاق في مصنفه (١١٠٢٠) ولفظها: ﴿إلا أن يفحشن﴾.
(١٣) قريبًا منه عند عبد الرزاق (١١٠١٩)، والحاكم (٢/ ٤٩١).
[ ٤ / ١٦٣٢ ]
أبي حنيفة ﵀. والمراد بقوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ مودة المطلقة والندامة على الطلاق ليرتجعها ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أمر للأخذ بالاحتياط كقوله ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفائدته قطع أسباب التجاحد، وعن ابن سيرين: سئل عمران بن حصين في رجل طلق امرأته ولم يُشهد وراجع لم يشهد؟ قال: بئس ما صنع طلق في عدة وراجع في غير سنة ليشهد على غيرها (١) (٢). ولا مخالف له من (٣) الصحابة.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ في أمر النكاح والطلاق، وعن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أسر المشركون ابن رجل من المسلمين فشكا ذلك إلى النبي -﵇- (٤) قال: "أرسل إليه فليكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله" ففعل، فغفلوا عنه، فركب فحلًا لهم واتبعته الإبل فأنزل الله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٥).
﴿لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ لكل مخلوق مقدار.
﴿يَئِسْنَ﴾ الآيسات القواعد اللاتي انقطع دم حيضهن. ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في فراغ أرحامهن لاعتبار غالب الأحوال، والأصح إن ارتبتم في حكمهن فاعلموا أن أرحامهن ثلاثة أشهر ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ إن كان معطوفًا على ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ فالارتياب فيهن كالارتياب في الآيسات وإن كان معطوفًا على الضمير المجرور في قوله ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ فالارتياب فيهن.
وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - (٦): إن وضعت ما في بطنها وزوجها
_________________
(١) (غيرها) من الأصل.
(٢) عبد الرزاق (١٠٢٥٥، ١٠٢٥٧).
(٣) (له من) بدله في "ب": (أمر).
(٤) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي ﷺ).
(٥) ذكره القرطبي (١٨/ ١٤٣) عن الكلبي، وفي زاد المسير (٨/ ٢٩١) قال: إنه عوف بن مالك الأشجعي.
(٦) (﵁) من الأصل.
[ ٤ / ١٦٣٣ ]
على السرير قبل أن يدفن في حفرته فقد انقضت عدتها (١)، وروي أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلة فأتت النبي -﵇- (٢) فأمرها أن تتزوج (٣).
﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ خطاب للأزواج ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ما تملكونه ويبطل ذلك عدتهم لانتقال الملك إلى الورثة ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ شرط لامتداد نفقتهن إلى وضع الحمل وانقطاعها بالوضع طالت المدة أو قصرت، أو لبيان حكم (٤) النفقة قبل الوضع أنه مخالف لحكم النفقة بعد الوضع، من الأولى نفقة عدة يلزم الأزواج ويلزم سائر الورثة، وهذا الشرط لا يدل على سقوط نفقة سائر المعتدات لقول عمر - ﵁ - وابن مسعود - ﵁ - وردهما حديث فاطمة بنت قيس.
وعن ابن عباس: إذا مات عن المرأة زوجها وهي حبلى أو غير حبلى فنفقتها من نصيبها (٥).
وعن جابر بن عبد الله: ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة حسبها الميراث (٦).
﴿تَعَاسَرْتُمْ﴾ تضايقتم في نفقة الرضاع وهو أن لا ترضى الوالدة بنفقة ترضى بها مثلها.
﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ قال الحسن البصري: الذكر هو الرسول (٧)
_________________
(١) أخرجه مالك (٢/ ٥٨٩)، والشافعي (٢/ ١٠٠)، وعبد الرزاق (١٨/ ١١٧) وابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٧).
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي ﷺ).
(٣) أخرجه البخاري (٥٣١٩)، مسلم (١٤٨٤)، وأبو داود (٢٣٠٦)، والنسائي (٦/ ١٩٤)، وأحمد (٦/ ٤٣٢) وغيرهم.
(٤) في "ب": (حكم بيان النفقة).
(٥) سعيد بن منصور في سننه (١٣٧٨).
(٦) الشافعي في مسنده (١٤٢٥)، وعبد الرزاق (١٢٠٨٥).
(٧) لم نجد من نسب هذا التفسير للآية إلى الحسن البصري، وهذا التفسير قد ذكره جمع من المفسرين دون نسبة إلى الحسن البصري، وقد ذكره جمع من المفسرين دون نسبة إلى أحد منهم الطبري (٢٣/ ٧٦)، والبغوي (٤/ ٣٦١)، والثعالبي (٩/ ٣٤٢).
[ ٤ / ١٦٣٤ ]
مصدر بمعنى الاسم؛ أي ذكرًا أو مذكرًا رسولًا، نصب على البدل، ويحتمل بفعل مضمر؛ أي أنزلنا ذكرًا وأرسلنا رسولًا (١) سقط الواو لأنه رأس آية.
﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي خلق من الأرض مثلهن والمماثلة في الكمية، وقيل: في الطبيعة، وقيل: في كون بعضهن فوق بعض، وقيل: في كون بعضهن منفصلًا عن بعض بالهواء المتخلل بينهن، وقيل: بالتدوير، وقيل: بالتسطيح، وقيل: في كون كل جنس منهن محلًا للحيوان وللأمر والنهي.
وعن ابن عباس قال: مثل السموات والأرضين فيما وراءهن من الهواء حيث لا سماء ولا أرض إلا كمثل فسطاط ضربته بصحراء من الأرض.
وعن مجاهد عن ابن عباس في قوله ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ قال: لو أخبرتكم تفسيرها لكفرتم وكفركم تكذيبكم (٢).
_________________
(١) ذكر هذه الأوجه الزجاج في معانيه (٥/ ١٨٨).
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١٤/ ٥٦٣) عن عبد بن حميد وابن المنذر.
[ ٤ / ١٦٣٥ ]