مكية (٢)، وعن الحسن: أن عشر آيات من أولها مدنيات (٣)، وعن المعدل عن ابن عباس أن هذه السورة مدنية (٤) وهي تسع وستون آية (٥).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ بيان للترك الذي حسبوه، وهذه كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ما ذكر في أثناء القرآن من الأقاصيص العجيبة عن عبد الله عنه -﵇- (٦): "يكون في هذه الأمة أربع فتن في آخرها الفناء" (٧).
_________________
(١) هذه السورة غير واضحة في نسخة "أ" إلا في مواطن يسيرة.
(٢) هي مكية عند ابن عباس، عند ابن الضريس (٣٣ - ٣٥)، والنحاس (ص ٦١١)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٤٣ - ١٤٤)، وعن عبد الله بن الزبير كما في الدر المنثور (١١/ ٥٢٧)، وهو قول الحسن وعكرمة وعطاء كما في القرطبي (١٣/ ٢٨٦).
(٣) وجدناه عن يحيى بن سلام كما عند القرطبي (١٣/ ٢٨٦)، ونقل أبو عمرو الداني في "البيان" (ص ٢٠٣) عن قتادة ذلك.
(٤) نقله عن ابن عباس ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٢٥٣). ونقل القرطبي عن ابن عباس وقتادة (١٣/ ٢٨٦).
(٥) كما في "البيان" (ص ٢٠٣).
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) أبو داود (٤٢٤١)، وابن أبي شيبة (٣٧٥٦٨)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٨٠ / (٤١٦»، وفي الأوسط (٨١١٩) والحديث ضعيف.
[ ٣ / ١٣٦٧ ]
عبد الله بن عمر: كنا قعودًا عند رسول الله فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس فقال قائل: وما فتنة الأحلاس يا رسول الله؟ قال: "هي هرب وحرب، ثم فتنة السراء دخنها من تحتي قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني إنما أوليائي المتقون، ثم يصلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع (١) أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل انقضت تمادت يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، إذا كان ذلكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غداته (٢) " (٣).
﴿أَمْ حَسِبَ﴾ مترتبة على ألف الاستفهام وفي الآية ما يدل على وجوب الرهبة والرغبة جميعًا، وذكر الكلبي أن الآية نزلت في عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة (٤) (٥) وهي عامة.
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ بشارة (٦) لأولياء الله خاصة ولأهل السنة والجماعة، واتصالها من حيث اعتبار صبر المؤمنين على الفتنة ابتغاء وجه ربهم.
مصعب بن سعد يحدث عن أبيه سعد قال: أنزلت فيَّ أربع آيات، فذكر قصته فقالت أم سعد (٧): أليس قد أمر الله بالبرّ؟ والله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها فتحوا فاها فنزل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (٨).
_________________
(١) في "ب": (تضع).
(٢) في "ب": (عد)، وفي "ي": (غدام).
(٣) أبو داود (٤٢٤٢)، وأحمد (٢/ ١٣٣)، والحديث صحيح.
(٤) في الأصل و"ب": (ربيعة).
(٥) القرطبي (١٣/ ٢٨٩).
(٦) في الأصل: (إشارة).
(٧) في "ب": (سعيد).
(٨) ابن جرير (١٨/ ٣٦٣)، وابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٣٦).
[ ٣ / ١٣٦٨ ]
عن عمرو بن دينار عن عكرمة: خرج من مكة ناس يريدون المدينة فأدركهم المشركون يفتنونهم فأعطوهم الفتنة فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا﴾ (١). وذكر الكلبي أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وهو ابن عم أبي جهل والحارث بن هشام وأخوهما لأمهما، وكان قد أسلم مع النبي -﵇- (٢) فخرج من مكة هاربًا منهم إلى المدينة، وذلك قبل قدوم النبي -﵇- المدينة، وبلغ أمهم الخبر فجزعت من ذلك جزعًا شديدًا فقالت لأبي جهل والحارث: لا والله لا يأويني بيت ولا يدخل بطني طعام ولا شراب حتى تأتوني به، فخرجوا في طلبه فظفروا به، فلم يزالوا به حتى تابعهم فحملوا به إلى أمه فعمدت إليه وقيدته وقالت: لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بمحمد -﵇- (٣)، ثم أقبلت تجلده بالسياط وتعذبه حتى كفر بمحمد -﵇- جزعًا من ضرب أمه فنزلت، وبقي محبوسًا هو ورهط من المسلمين إلى أن هاجر رسول الله.
فلما بلغهم نزول هذه الآية أظهروا الإيمان وناصحوا الله ورسوله، وكان رسول الله دعا لهم ليالي كلما قنت فقال: "اللهم نجِّ المستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك (٤) على مضر، اللهم سنين كسني يوسف" ثم هاجر عياش بن أبي ربيعة وحسن (٥) إسلامه، إنما لم يكونوا معذورين في التقية لأنهم لا يخافون بذلك على أنفسهم (٦).
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وذكر الكلبي أن أبا سفيان بن حرب وأمية بن خلف وعتبة وشيبة ابني ربيعة هم الذين قالوا هذه المقالة لعمر بن الخطاب
_________________
(١) قريبًا عن الضحاك وفيه (ناس من المنافقين بمكة) ذكره ابن جرير (١٨/ ٣٦٥).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في "ب": (وبالك).
(٥) في "أ": (وحسن أحسن إسلامه).
(٦) ذكره القرطبي (١٣/ ٢٩٢) جزءًا منه ولم يعزه، وعزاه ابن الجوزي له (٦/ ٢٥٨). وأما قوله: "اللهم أنج الوليد .. " فهو متفق عليه.
[ ٣ / ١٣٦٩ ]
وخباب ابن الأرت وجماعة من المؤمنين، فمنهم من لم يقبل قولهم وثبت على دينه ومنهم من افتتن بقولهم ورجع عن الإسلام (١).
﴿وَلْنَحْمِلْ﴾ أمر منهم لأنفسهم ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ﴾ نفي عزمهم وقدرتهم أو نفي تحقيقهم عن تابعيهم.
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ في معنى قوله -﵇- (٢): "من سنَّ سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ سنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (٣) ﴿وَأَثْقَالًا﴾ جمع ثقل وهو الوزر.
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (ما) الكافة.
﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ يحتمل إغارتهم على مارة الطريق، ويحتمل الطريق، ويحتمل قطع سبيل الولادة باللواطة (٤).
عن أم هانئ عنه -﵇- في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانوا يخذفون أهل الأرض ويسخرون منهم" (٥)، ونادي القوم: مجلسهم الذي يجتمعون فيه.
﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ (من) قائمة مقام كما تقدم. ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ مستيقظين، وقال قتادة: متعجبين بضلالتهم يرون أنها بصيرة.
﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ بوزن فعللول كالغنزروت والعضرفوط، وتصغيره عنيكب
_________________
(١) سبب النزول هذا ذكره ابن عاشور في تفسيره. [التحرير والتنوير (٢٠/ ٢١٩)].
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) مسلم (١٦٧٧).
(٤) هذا ورد عن ابن زيد عند ابن جرير (١٨/ ٣٨٨)، وابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٥٤).
(٥) الترمذي (٣١٩٠)، وأحمد (٦/ ٣٤١، ٤٢٤)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٨٢)، وابن جرير (١٨/ ٣٨٩/ ٣٩٠)، وابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٥٤) وغيرهم.
[ ٣ / ١٣٧٠ ]
وعناكب، والعنكبوت دويبة تنسج نسجًا طبيعيًا وتنصب الحبائل للذباب، وإن كان بيته أوهن البيوت لمعان خمسة؛ إما لكونه (١) شيئًا طبيعيًا غير كسبي فيه من أمارات الفطنة والذكاء شيء، إما لخسة صورته كالهباء، وإما لخسة قيمته وقلة منفعته فإنه لا يساوي شيئًا، وإما لسوء اختيارها مواضع البناء وسوء تهدبها في ذلك، وإما لكون بيته غير ظل ظليل ولا كن كبير ولا حصن حصين.
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ كونها منافية لهما وجودها، فإنها موقوفة على شرائط فيها: الإيمان المضاد للكفر، والعقد مضاد للكسر، والطهارة المضادة للجنابة المتصورة من الزنا واللواطة، والإنصات للكلام المتصور بهتانًا وغيبة وشتمًا وجدالًا، وترك الأكل المتصور حرامًا، والسترة المضادة للكشف، وترك الفعل المتصور قتالًا.
وفيما روى أبو أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده صلاته عند الله إلا مقتًا" (٢).
قيل لسلمان (٣): أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر (٤).
وعن ابن عباس قال: ذكر الله عند طعامك ومنامك، فقيل له: إن فلانًا يقول غير ذلك (٥)، قال: فأي شيء يقول؟ قال: قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] فلذكر الله أكبر من ذكرنا إياه، قال: صدق (٦).
_________________
(١) في الأصل و"ب": (لكونهم).
(٢) عن أبي أمامة لم نجده، وإنما ورد عن ابن عباس. رواه ابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٦٦)، والطبراني (١١٠٢٥)، وعن عمران بن الحصين رواه ابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٦٥، ٣٠٦٦)، والبيهقي في الشعب (٣٢٦٢). ولا يثبت مرفوعًا، والصحيح وقفه على عبد الله بن مسعود.
(٣) في "أ": (لعثمان).
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ٤١٥).
(٥) (ذلك) ليست في "ب".
(٦) ابن جرير (١٨/ ٤١١، ٤١٢)، وابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٦٧)، والبيهقي في الشعب (٦٧٤).
[ ٣ / ١٣٧١ ]
عن عبد الله بن ربيعة قال: سئل ابن عباس عن قول الله -﷿-: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ فقلت: هو التسبيح والتهليل والتقديس فقال: لو قلت شيئًا عجيبًا، قال: وإنما ذكر الله -﷿- العباد أكبر من ذكر العباد إياه (١).
﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ هو بيان البيان وهو تقييد العلم بالقلم، والعرب تسمي كل أثر طويل خطًا.
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ عن يحيى بن جعدة أن النبي -﵇- (٢) أتي بكتب قد كتبوها فقال: "كفى بقوم حمقًا أو ضلالًا أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى نبي غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم" فنزلت (٣)، وإنما عدَّ الاشتغال بسائر (٤) الكتب مكروهًا؛ لأن علم القرآن فريضة والاشتغال بسائر الكتب يمنع عن القيام بالفريضة ولاستغنائهم به عنه.
﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ تشبيه بعشي السحاب الشمس أو لاعتبار الإحاطة. عن الحسن قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من فرّ بدينه إلى أرض وإن كان شبرًا استوجب الجنة وكان رفيق أبيه إبراهيم -﵇-" (٥) (٦).
وفي قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ ردّ (٧) على القدرية.
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ لأن اعتدال طبائعها على ضعف وتفاوتها إلى حتف ومسارها مضارها وانتظامها احترامها قال:
_________________
(١) أبو داود في مراسيله (ص ٢٢٣)، والدارمي (١/ ١٢٤)، وابن جرير (١٨/ ٤٢٩)، وابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٧٢، ٣٠٧٣).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) ورد عند الزمخشري في الكشاف (٢٧٦)، والقرطبي في تفسيره (٥/ ٣٢٨)، وقريبًا منه في تاريخ دمشق (٤٩/ ٨٦) بلاغًا، وقال (عيسى) وليس (إبراهيم) وهذه روايات لا تصح.
(٤) في "ب": (لسائر).
(٥) (إبراهيم -﵇-) من الأصل.
(٦) تخريج أحاديث الكشاف (١/ ٥٨٧)، وذكره القرطبي في تفسيره (٥/ ٣٤٧)، والثعلبي في تفسيره (٣/ ٣٧٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٨٦) وهو من مراسيل الحسن.
(٧) (رد) ليست في "أ".
[ ٣ / ١٣٧٢ ]
يبشرني الهلال بهدم عمري وأفرح كلما طلع الهلال (١)
والمراد بـ ﴿الْحَيَوَانُ﴾ (٢) الحياة، قال الفراء: كل فعل فيه ذهاب ومجيء أو حركة، فأنت في إثبات الألف والنون في مصدره بالخيار كالضربان واللهبان والحدثان (٣).
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ المجاهدة افتقرت إلى التوفيق كالاهتداء يفتقر إلى الهداية والجهد غير متقدم عن التوفيق ولا متأخر عنه.
وعن أبي بن كعب عنه -﵇- (٤): "من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المؤمنين والمنافقين" (٥).
_________________
(١) البيت لأبي العتاهية في وصف الموت، ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد (٣/ ١٣٨) بلفظ: وقد طلع الهلال لهدم عمري وأفرح كلما طلع الهلال
(٢) في "أ": (بالحياة).
(٣) لم نجده في معاني القرآن للفراء، وذكره ابن عاشور في تفسيره بمعناه ولم ينسبه إلى الفراء. (التحرير والتنوير ٢١/ ٣١).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) مرّ الكلام على هذا الحديث وأنه حديث موضوع لا يثبت.
[ ٣ / ١٣٧٣ ]