بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله (٢) ربِّ العالمين (٣)، والصلاةُ
والسلام (٤) على رسوله محمدٍ وآله أجمعين.
_________________
(١) من فضائل هذه السورة العظيمة: أولًا: ما أخرجه مسلم في صحيحه [صلاة المسافرين- باب فضل الفاتحة رقم ٨٠٦]: عن ابن عباس - ﵄ - قال: بينما جبريل قاعد عند النبي - ﷺ - سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: "هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم. فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك. فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته". ثانيًا: ما أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب التفسير- سورة الحج (٨/ ٣٨١)] عن أبي سعيد بن المعلى قال: مَرَّ بي النبي - ﷺ - وأنا أُصلي، فدعاني فلم آتِهِ حتى صلَّيت، ثم أتيت فقال: "ما منعك أن تأتي؟ " فقلت: كنتُ أصلِّي، فقال: "ألم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾؟ " ثم قال: "ألا أعلِّمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخِرج من المسجد؟ " فذهب النبي - ﷺ - ليخرج من المسجد فذَكَّرْتُهُ فقال: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه". ثالثًا: ما أخرجه البخاري في صحيحه [فضائل القرآن- باب فضل الفاتحة رقم ٥٠٠٧] عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: كنا في مسير لنا، فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم وإن نفرنا غيب، فهل منكم راقٍ؟ فقام معها رجل ما كنَّا نَأْبِنُهُ برقية، فرقى فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة وسقانا لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنتَ تحسن رقية أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيتُ إلا بأمَّ الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئًا حتى نأتي أو نسأل النبي - ﷺ -، فلما قدمنا المدينة ذكرنا للنبي - ﷺ - فقال: "وما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم".
(٢) في "ي" و"أ": (ربِّ يسرِّ) قبل (الحمد لله).
(٣) (الحمد لله رب العالمين) ليست في "ن".
(٤) (والسلام) من "ب".
[ ١ / ٧٨ ]
(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)
معنى قول القائل (١) عند القراءة (٢): (أعوذ بالله) (٣)، أي: ألوذ بالله، تقول: عذتُ، أي: لُذتُ. وا لأحسن أنَّ وزن (الشيطان): فيعال كالبَيْطَار (٤). وهو من الشّطن، وهو: البعد. ويقال: هو الحبل الطويل المضطرب، فكأنَّه سُمِّي بذلك لأنه تباعد عن الخير وطالَ واضطرب (٥). ويقال: فعلان، مِنْ شاط السَّمن: إذا نضج وكاد يحترق (٦).
_________________
(١) (القائل) مطموسة في "أ".
(٢) (القراءة) مطموسة في "ي" و(أ).
(٣) (بالله) مطموسة في "ي".
(٤) البيطار هو معالج الدواب. (اللسان- بطر).
(٥) هذا القول بنصه موجود في "الغريبين" للهروي (١/ ٤٣٠) وهو قول ابن عرفة ونفطويه.
(٦) نقلت كتب التفسير هذين القولين في اشتقاق كلمة الشيطان، ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جميل أحببت نقله يقول: "قال الخليل بن أحمد: كل متمرد عند العرب شيطان. وفي اشتقاقه قولان أصحهما أنه من شَطَنَ يشطن إذا بعد عن الخير، والنون أصلية. قال أمية بن أبي الصلت في صفة سليمان -﵇ -: أيّما شاطنٍ عصاه عكاه ثم يلقى في السجن والأغلال عكاه: أوثقه. وقال النابغة: نأت بسعاد عنك نوى شطوت فبانت والفؤاد بها رهين ولهذا قرنت به اللعنة؛ فإن اللعنة هي البعد عن الخير، والشيطان بعيد من الخير، فيكون وزنه "فيعالا" و"فيعال" نظير "فعَّال"، وهو من صفات انمبالغة، مثل القيَّام والقوَّام، فالقيَّام "فيعال"، والقوام "فعَّال" مثل العيَّاذ والعوّاذ. وفي قراءة عمر: ﴿الحيّ القيام﴾ فالشيطان المتصف بصفة ثابتة قوية في كثرة البعد عن الخير، بخلاف من بعد عنه مرة وقرب منه أخرى؛ فإنه لا يكون شيطانًا. ومما يدلُّ على ذلك قولهم: تشيطن شيطنة، ولو كان من شاط يشيط لقيل: تشيط يتشيط. والذي قال: هو من شاط يشيط إذًا احترق والتهب، جعل النون زائدة، وقال: وزنه فعلان. كما قال الشاعر: وقد يشيط على أرماحِنا البَطَلُ وهذا يصح في الاشتقاق الأكبر الذي يعتبر فيه الاتفاق في جنس الحروف " إلى أن قال: "وعلى هذا فالشيطان مشتقٌّ من شطن، وعلى الاشتقاق الأكبر هو من باب شاط يشيط؛ لأنهما اشتركا في الشين والطاء والنون والياء متقاربتان "اهـ. [منهاج السنة (٥/ ١٩٠ - ١٩٣)].
[ ١ / ٧٩ ]
﴿الرجيم﴾: بمعنى المرجوم، كالقتيل بمعنى المقتول. سُمِّيَ بذلك لأنَّه يُرجم بالشهب أو لأنه يُلعنُ ويُشتم (١).
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾: الباء مع الاسم آلةٌ لفعلٍ محذوفٍ (٢)، وتقديره: أفتتحُ وأبتدىءُ باسم الله. وإنَّما حُذِفَ لدلالة الحال،
_________________
(١) اللفظة المشهورة للاستعاذة هي: (أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم) وقد زيدت عليها ألفاظ صحيحة، ويجمعها حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام من الليل واستفتح صلاته وكبَّرَ قال: "سبحانك اللهم وبحمدك " ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العلم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" [أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٥٠) من حديث أبي سعيد الخدري - ﷺ -]. وهذه الزيادة صحيحة أثبتها الحافظ ابن حجر العسقلاني كما في "تلخيص الحبير" ص ٨٦ - ٨٧؛ وصححها العلاَّمة الألباني -﵀ - كما في "إرواء الغليل" (٢/ ٥٣). وقد أمر الله - ﷿ - بالاستعاذة عند القراءة لكتاب الله فقال - ﷿ -: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨] ولا يأْثم تاركها عند جمهور أهل العلم. ومن فضائل الاستعاذة: أولًا: أنها تدفع الوسوسة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ٢٠٠،فصلت:٣٦]. ثانيًا: أنها تُذهب الغضب. ويدلّ لذلك ما رواه سليمان بن صُرَد - ﵁ - قال: استبَّ رجلان عند النبي - ﷺ - فغضب أحدهما فاشتدَّ غضبه حتى انتفخ وجهه وتغيَّر، فقال النبي - ﷺ -: "إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه الذي يجد"، فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي - ﷺ - وقال: "تعوذ بالله من الشيطان "الحديث [أخرجه البخاري في صحيحه- كتاب الأدب- باب ما ينهى عن السباب واللعن رقم ٦٠٤٨] و[مسلم في صحيحه- كتاب البر والصلة والآداب- باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، رقم ٢٦١٠].
(٢) وقيل: الباء للملابسة، أي: المصاحبة والإلصاق، وكلها -أي الثلاثة - بمعنى واحد. وقد جاء على نحو هذا المعنى قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ وقولهم: "بالرفاء والبنين"، وهذا المعنى- كما قال العلامة محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير" (١/ ١٤٧): هو أكثر معاني الباء وأشهرها. ولذا قال سيبويه: الإلصاق لا يفارق الباء وإليه ترجع تصاريف معانيها. كما رجَّحَ الزمخشري في "الكشاف" ما رجحه سيبويه وقال: الملابسة أعرب وأحسن، أي أحسن من جعل الباء للآلة لما فيه من زيادة التبرك بملابسة جميع أجزاء الفعل لاسمه تعالى، ويرى السمين الحلبي "الدر المصون" (١/ ١٤) أنَّ الباء للاستعانة وأن المعنى: أقرأ مستعينًا بالله.
[ ١ / ٨٠ ]
كما يقال في اليمين بالله، أي: أحلف بالله (١)، ويُراد بالاسم التسمية، وهي الذّكر دون المُسَمَّى (٢) وهو المذكور. ﴿اللهِ﴾ اسمه الذي لا يَشركُهُ في التسمِّي به غيره. وهو غير مشتقٍّ عند محمَّد بن الحسن (٣). وقيل:
_________________
(١) كتب في هامش النسخة "ي": (الباء في "بسم الله" متعلقة بمحذوف والمحذوف مبتدأ والجار والمجرور خبره، والتقدير: ابتدائي باسم الله، أي: كائن، فالباء متعلقة بالكون والاستقرار ) اهـ. وذكر شيخنا العلامة محمَّد بن صالح العثيمين -﵀ - في تفسيره فائدتين لحذف المتعلق وتقديره متأخرًا: الأولى: التبرك بتقديم اسم الله - ﷿ -. والثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر. ويرى شيخنا العثيمين - ﵀ - أن العامل المقدر هو فعل لأن الأصل في العمل الأفعال، ويقدر بما يناسب المقام، ولذا قال ﵊: "من لم يذبح فليذبح باسم الله" [أخرجه البخاري: كتاب العيدين- ٢٣)، ومسلم: كتاب الأضاحي (١/ ١٠٢٧)،] اهـ. [تفسير القرآن الكريم- الفاتحة (٤١١)]. وقدَّرها ابن جرير الطبري [التفسير (١/ ١٣) - تفسير البسملة]: أبدأ بتسميته أو أقرأ بتسميته أو أقوم بتسميته أو أقعد بتسميته -أي: بما يناسب المقام. اهـ. ونحاة البصرة يرون أن متعلق الجار والمجرور هو اسم تقديره أبتدائي مستقر أو ثابت باسم الله. أما نحاة الكوفة فيرون أن متعلق الجار والمجرور هو فعل تقديره: أبتدىء باسم الله. [الجواهر الحسان في تفسير القرآن- الثعالبي (١/ ٣٧)]. ويرى الفَرَّاء أن الباء وما بعدها في موضع نصب، والتقدير: ابتدأتُ باسم الله أو أَبدَأُ باسم الله [معاني الفراء (١/ ٢)]. وقال علي بن حمزة الكسائي: الباء لا موضع لها من الإعراب، وهو الذي رجحه أبو جعفر النحاس في "إعراب القرآن" (١/ ١١٦) على أن (اسم) مخفوض بالباء الزائدة.
(٢) لعل هذه أول ملاحظة تجلي لنا عقيدة المؤلف الاعتزالية من خلال تبنِّيه مذهب المعتزلة في هذه المسألة- مسألة "هل الاسم هو المسمى أو غيره"، مع أن الجرجاني يصنف أنه أشعري المعتقد فمذهب المعتزلة أن الاسم غير المسمى وهو نفس التسمية. وكما قال الحافظ ابن كثير أن ما ذهب إليه المعتزلة من هذا القول هو عبث على جميع التقديرات، والذي عليه أهل السُّنة أن الاسم هو المسمى وهو ما ذهب إليه أبو عبيدة وسيبويه، واختاره الباقلاني وابن فورك وغيرهم [تفسير ابن كثير (١/ ٢٩) - تفسير البسملة].
(٣) هو أبو جعفر ابن أبي سارة الرؤاسي شيخ الكسائي والفراء، وأول مَنْ وضع كتابًا في النحو في الكوفة. ومن مؤلفاته: "معاني القرآن"، مات سنة (١٨٧ هـ) وقيل سنة (١٩٣ هـ) [الموسوعة الميسرة - وليد الحسين وآخرون (٣/ ٢٠٢٤)].
[ ١ / ٨١ ]
مشتق (١) من: وَلِهَ يَولَه. وقيل من: لاهَ يلُوهُ. معناه: الربُّ المحمود المستحقُّ لأعلى مراتب العبادة (٢).
_________________
(١) القائلين بالاشتقاق -أي اشتقاق لفظ الجلالة "الله" - على أربعة أقوال يمكن حصرها بما يلي: القول الأول: إنه مشتق من لاه يليه أي ارتفع، ومنه قيل للشمس: إلاهة، لارتفاعها. القول الثاني: إنه مشتق من لاه يَلُوهُ لِياهًا، أي: احتجب، فالألف على هذين القولين أصلية، فحينئذ أصل الكلمة لاَهَ، ثم دخل عليه حرف التعريف فصار اللاه، ثم أُدْغِمَتْ لام التعريف في اللام بعدها لاجتماع شروط الإدغام، وفُخِّمَت لامُه. القول الثالث: إنه مُشْتَقٌّ من أَلَهَ، وهذه اللفظة مشتركة بين معانٍ، وهي: (العبادة، والسكون، والفزع) أي: يعبدونه ويسكنون إليه ويفزعون إليه. ومنه قول رؤبة بن العجاج: لله درُّ الغانِيَاتِ المُدَّهِ سَبَّحْنَ واسترجَعْنَ من تَأَلُّهِي أي: من عبادته. ومنه قراءة ابن مسعود وعلي وابن عباس وأنس: ﴿وَيَذَرَكَ وإلاَهَتَكَ﴾ وعلى هذا فالهمزة أصلية والألف قبل الهاء زائدة، فأصل الكلمة "الإله" ومنه قول البعيث بن حريث: معاذ الإله أن تكونَ كظبيةٍ ولا دُمْيَةٍ ولا عقيلةِ رَبْرَبِ ثم حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال كما حذفت في أناس فالتقى حرف التعريف مع اللام فأدغم فيها وفُخَّم. القول الرابع: إنه مشتق من وله - لكون كل مخلوق والهًا نحوه - وأصله "ولاه" ثم أُبْدِلَت الواو همزةً كما أُبدِلت في "إشاح" و"إعاء" فصار اللفظ به "إلاه" ثم حصل له من حذف الهمزة والإدغام، وَيُعْزَى هذا القول للخليل بن أحمد الفراهيدي وتلميذه سيبويه. وعلى هذين القولين الأخيرين يكون وزن إلاه: فِعَال، بمعنى مفعول أي: معبود. ككتاب بمعنى مكتوب. وعلى كل الأحوال من هذه الأقوال الأربعة يتعين أن يكون لفظ الجلالة مشتقًا وليس جامدًا، وهو الذيَ عليه عامة المفسرين كابن جرير الطبري والقرطبي وابن كثير والسمين الحلبي وغيرهم [تفسير الطبري (١/ ١٢١) - تفسير البسملة؛ تفسير القرطبي (١/ ١٠٢) - تفسير البسملة؛ الدر المصون (١/ ٢٦)؛ ديوان العجاج ١٦٥؛ تفسير ابن عطية (١/ ٩٥)؛ ديوان الحماسة (١/ ٢١٨)].
(٢) كتب في الهامش في النسخة "ي": (قال أبو على: همزة إلاه حذفت حذفًا من غير إلغاء، وهمزة إلاه أصل، وهو من ألِهَ يُأله إذا عُبدَ، فالإله [مصدر في] موضع المفعول، أي: المألوه، وهو المعبود، وقيل: أصل الهمزة واو لأنه من الوُلَه، فالإله يقوله إليه القلب، [أي] يتحيد. وقيل: أصله لاه على [فعل، وأصل] الألف باء =
[ ١ / ٨٢ ]
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: إسمان مشتقَّان من الرحمة. والرحمةُ منك: إرادتك (١) الخير بمَن هو دونك في الرتبة مُتصلة بإنعامك عليه. وضدّهُ: الفظاظة والجفاوة. وأحدُ الاسمين أرقُّ من الآخر، ولهذا كرر الاسمين. وقيل: للتأكيد (٢).
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: قال ابن عرفة (٣): الرضا بالقول، يُقال: حَمَدتُ الشيء إذا رَضيتُهُ، وأحمدتُهُ: إذا وجدتهُ مَرضيًا. وقيل: الحمد: الثناء. ونقيضه: الذم دون الكفران.
والحمدُ أعمُّ من الشكر (٤)، لأنَّك تحمدُ مَنْ أنعم عليك أو على
_________________
(١) = لأنهم [قالوا هي مقلوبة] لهي أبوك، ثم أدخلت عليه الألف واللام) اهـ. والكلام من "الإملاء" للعكبري (١/ ٥).
(٢) وهذا التفسير للرحمة - بأنها إرادتك لخير- هو تفسير الأشاعرة وتأويلهم لصفة الرحمة، وبه يتبيَّن لنا أن الجرجاني يغترف من المذهبين: مذهب المعتزلة ومذهب الأشاعرة. وإن كان ميوله الاعتزالي في مسائل محدودة وقليلة جدًا، بينما ميوله إلى مذهب الأشاعرة يتجلى من خلال تبنيه لكثير من مسائلهم. وانظر ما أَوَّلَه القرطبي ونحا نحوه في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ وقد ردَّ ابن القيم هذا التأويل كما في "مختصر الصواعق" (٢/ ١٢١).
(٣) هذا القول ذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (١/ ٢١) ونسبه إلى قطرب، وردّه أبو هلال العسكري في الفروق (ص: ٢٥) وغيره.
(٤) هو العلاَّمة المعروف بنفطويه، واسمه إبراهيم بن محمَّد بن عرفة، كان عالمًا بالقرآن والحديث والعربية. قال عنه الحافظ الذهبي: الإِمام الحافظ النحوي العلامة صاحب التصانيف، أخذ النحو عن ثعلب والمبرد. ولد سنة أربع وأربعين ومائتين، كان ينكر الاشتقاق. خلط نحو الكوفيين بنحو البصريين. صنَّف "غريب القرآن" و"كتاب المقنع" في النحو، و"كتاب البارع" و"تاريخ الخلفاء". توفي في صفر سنة ثلاثٍ وعشرين وثلاث مائة. وكان محمَّد بن زيد الواسطي هجاه فقال فيه: من سَرَّهُ أن لا يرى فاسقًا فليجتنب مِنْ أن يرى نِفْطَوَيْهِ أحرقه اللهُ بنصفِ اسمِهِ وَصيَّرَ الباقي صُرَاخًا عَلَيهِ [انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٦/ ١٥٩)؛ السير (١٥/ ٧٥)؛ البداية والنهاية (١١/ ١٨٣)؛ العبر (١٩٨)؛ إنباه الرواة (١/ ١٧٦)].
(٥) والتحقيق في هذه المسألة أن بين الحمد والشكر عمومًا وخصوصًا، فالحمدُ أعمّ من الشكر من حيث ما يقعان عليه، لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، =
[ ١ / ٨٣ ]
غيرك، وِلا تشكر إلا مَن أنعم عليك. والألف والسلام للجنس (١).
﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الربُّ: السيِّدُ (٢) والمولى، قال يوسف - ﵇ -:
_________________
(١) = تقول: حمدته لفروسيته وحمدته لكرمه، وهو أخص لأنه لا يكون إلا بالقول. والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون بالقول والعمل والنيَّة، ومنه قول الشاعر: أفادتكُمُ النَّعْمَاءُ مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المُحَجَّبَا وهو - أي الشكر- أخص لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية، فلا يقال: شكرتُه لفروسيته، وتقول: شكرتُه على كرمه وإحسانه إليَّ. هذا ما حقَّقه الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ٣٥). وقال أبو جعفر بن جرير في تفسيره: إن الحمد قد ينطق به في موضع الشكر، وإن الشكر قد يوضع موضع الحمد، وهو معروف بين أهل المعرفة بلغات العرب [تفسير الطبري (١/ ١٣٧)]. وقد عرَّف شيخنا محمد بن صالح العثيميُن - ﵀ - "الحمد" بأنه: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم أتفسير الفاتحة (١/ ٩)]. وهناك نكتة بلاغية في "الحمد لله" على أنها جملة اسمية تفيد ديمومة الحمد واستمراره وثباته أُلْحِقَتْ بالجار والمجرور "لله" الدالة على فن الاختصاص على أن جميع المحامد مختصة به ﷾.
(٢) الألف والسلام لتعريف الجنس لأن المصدر هنا في الأصل عوض عن الفعل، فلا جرم أن يكون الدال على الفعل والسادّ مسدَّه دالًاّ على الجنس، ومعنى تعريف الجنس أن هذا الجنس هو معروف عند السامع، وهذا مأخوذ من كلام سيبويه كما قاله العلامة محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره [تفسير التحرير والتنوير (١/ ١٥٩)] وممن أشار إلى أن "أل" في "الحمد" لاستغراق الجنس ابن عطية [المحرر الوجيز (١/ ٦٣)] والثعالبي [الجواهر الحسان (١/ ٤٠)] والشنقيطي [أضواء البيان (١/ ١٠١)، وشيخنا محمَّد بن صالح العثيمين - ﵀ -[تفسير الفاتحة (١/ ٩)].
(٣) ومن إطلاق الرب على السيد قول لبيد بن ربيعة: وَأَهْلَكْنَ يومًا ربَّ كِنْدَةَ وَابْنَهُ وربَّ مَعَدًّ بَيْنَ خَبتٍ وَعَرْعَرِ كما يطلق الرب على المُصْلِح، ومنه قول الفرزدق: كانوا كَسَالِئَةٍ حمقاءَ إذ حَقنتْ سِلاءها في أديمٍ غيرِ مربوبِ والمعنى الثالث الذي ذكره المؤلف - الرب بمعنى المالك - واستشهد له بالحديث النبوي الشريف. وكل هذه المعاني الثلاثة تصدق في حق الله - ﷿ -، فهو ﷾ السيد المطاع والمصلح أمر خلقه والمالك الذي له الخلق والأمر. وهناك معنى رابع وهو: المعبود، ومنه قول الشاعر، وينسب إلى غاوي بن ظالم، وقيل: عباس بن مرداس: أَرَبٌّ يَبولُ الثعلبانُ بِرَأْسِهِ لقد هانَ مَنْ بالتْ عَليه الثعالبُ [الجامع لأحكام القرآن - القرطبي (١/ ١٣٧)؛ التحرير والتنوير - ابن عاشور (١/ ٦٧)].
[ ١ / ٨٤ ]
﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (١)، وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (٢). وربما يُراد به المالك، قال النبيُّ - ﵇ -: "أربُّ إبلٍ أنت أو ربُّ غنم؟ " فقال: "من كلِّ قد آتاني اللهُ فأكثر وأطيب" (٣). ويدلُّ على نوع تصرُّف وتدبير وتعهدٍ، ويقال للقائم بالعلم: ربانيّ، ويقال: رَبَيْتُ الأديم والعود. فاللهُ سيّد عباده ومالك لجميع الأشياء ومُدبِّرها ومُقدَّرها. والعالمون: الإنس والجنُّ، عن ابن عباس (٤) - ﵄ - (٥)؛ لقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٦) وهو جمعُ الجمع، ولا واحد له من لفظه. وقيل: العالم ما حواه الفُلك، ثم كل جنسٍ منه عالَمٌ على حدة عند التفصيل، بيانه: أنَّ الجنَّ عَالمٌ، والإنسَ عالمٌ، والطير
_________________
(١) يوسف: ٤٢.
(٢) يوسف:٥٠.
(٣) الحديث أخرجه النسائي في "الكبرى" (١١١٥٥)، وأحمد (٤/ ١٣٦)؛ والحميدي (٨٨٣)، وسفيان بن عيينة في جامعه كما في "الإصابة" (٦/ ٤٣١)؛ وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٢٦١)؛ والطبراني في "الكبير" (٦٢٢)؛ والطبري في "التفسير" (٧/ ٧٨)؛ وابن قانع في "معجم الصحابة" (٣/ ٤٢)؛ والحديث صححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند (١٣/ ٣٠٩). وهناك شاهدٌ آخر على إطلاق الرب على المالك، وهو قول صفوان لأبي سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحبُّ إليَّ من أَنْ يربني رجل من هوازن.
(٤) حبر الأمة، إمام المفسَّرين وترجمان القرآن، وفقيه العصر، أبو العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله - ﷺ -، صحِبَ النبي - ﷺ - نحوًا من ثلاثين شهرًا، ودعا له النبي - ﷺ - كما جاء في صحيح البخاري [العلم (١/ ١٥٥)] وغيره قال: ضمَّني النبي - ﷺ - إلى صدره وقال: "اللهم علِّمه الحكمة". وتوفي النبي - ﷺ - وهو ابن عشر سنين، وقيل: ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: ابن خمس عشرة سنة. وله أخبار يطول ذكرها. [انظر ترجمته في السير (٣/ ٣٣١)؛ وطبقات ابن سعد (٢/ ٢٦٥)؛ والتاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٣)؛ وتاريخ ابن عساكر (٩/ ٢٣٨)؛ وأسد الغابة (٣/ ٢٩٠)؛ والبداية والنهاية (٨/ ٢٩٥)، والإصابة (٢/ ٣٣٠)].
(٥) الفرقان: ١.
(٦) أثر ابن عباس عند الطبري (١/ ١٤٤)؛ وابن أبي حاتم (١/ ٢٨). وعزاه في "الدر المنثور" (١/ ١٣) لعبد بن حميد والفريابي وابن المنذر، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٢٥٨) من طريق سفيان عن عطاء به.
[ ١ / ٨٥ ]
عالم، والمواشي عالم. ثم كل جماعةٍ كثيرة من كل جنس عالمٌ، وبيانه: أن العربَ عالمٌ، والعجم عالمٌ، وأهل كل عصر عالمٌ، وأنشد العَجَّاج (١) (٢):
فَخِندِفُ هامةٌ ذا العَالَم
وإنَّما جُمع جمعَ العقلاء لتغليب العقلاء على غيرهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (٣) الآية. وهذه الآية تعليمٌ مِنَ الله عباده كيف يدعونه. وقالوا: مُقدَّرٌ في الابتداء، لما أشرنا إليه.
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾: قاضي (٤) يوم الجزاء (٥).
_________________
(١) رؤبة بن العجاج التميمي من أعراب البصرة. روى عنه يحيى بن سعيد القطان والنضر بن شميل وأبو عبيدة وأبو زيد النحوي وغيرهم من أعلام النحو واللغة والحديث. وكان رأسًا في العربية، وقد اشتهر بشعر الرجز حتى لم يُعرف إلا به. ومعنى كلمة رؤبة بالهمزة: قطعة من خشب يشعب بها الإناء. [البيان والتبيين (١/ ٣٧)؛ معجم الأدباء (١١/ ١٤٩)؛ السير (٦/ ١٦٢)؛ وفيات الأعيان (٢/ ٣٠٣)؛ التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٢٥)].
(٢) ديوان رؤبة ص ٢٩٩. وفي جميع النسخ "وخندف" بالواو، والمثبت من الديوان.
(٣) النور: ٤٥.
(٤) تفسير المؤلف كلمة "مالك" بمعنى قاضي لم أجد أحدًا من المفسرين سبقه أو لحقه بذلك على جميع القراءات الثلاثة التي وردت، وهي: "مَالِك"، "مَلِك"، "مَلْك" بسكون اللام، لكن ثمة نصوص أخرى كثيرة في كتاب الله تشير إلى أن الله قاضٍ يوم الجزاء يوم القيامة، والنص الذي بين أيدينا في الآية "مالك" أي أن المُلْك خالص لله يوم القيامة، فلا ينازعه أحد من خلقه كما كانوا ينازعونه في الدنيا، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾. وعلى قراءة "مَلِكِ" أي أنه ينفرد وحده بالمُلْك لا ينازعه أحد من خلقه، مع أن القراءة الثانية "مَلِك" أعم من الأولى "مالك" لأنه ما من مَلِك إلا وهو مالك، وقد يكون مالكًا وليس ملكًا. وعلى كلٍّ فإن تفسير المؤلف "مالك" بمعنى قاضي لا وجه له، والله أعلم.
(٥) إطلاق يوم الدين على يوم الجزاء وارد في كلام العرب، ومنه قول كعب بن جُعَيْل: إذا ما رَمَوْنا رَمَيْنَاهُم وَدِنَّاهُمُ مثلَ ما يُقْرِضُونَا وقول خويلد بن نوفل الكلابي: واعْلَمْ وَأَيْقِن أَنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ وَاعْلَم بِأَنَّكَ ما تَدِينُ تُدَانُ =
[ ١ / ٨٦ ]
وتخصيصُ ذلك اليوم لتعظيم شأنه، كما يقال: ربُّ الكعبة، وإله إبراهيم.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ تقديره: نعبدُكَ ونستعينُكَ، فلما قدِّمَ الضميرُ ليكونَ ذكرُهُ أهمَّ من ذكر العبادة (١)، قيل: كذلك مثاله قولهم: [إياك] (٢) ضربتُ.
وإنما حَسُنَ العدول عن المُغايبةِ إلى المُخاطبة لدلالة الحال أن المعنى واحدٌ، كقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾ (٣). والعبادةُ: الديانة (٤)، وهو التمسك بالطاعة في تذلُّلٍ وخضوعٍ (٥)، منه قولهم: دَانتْ لهُ الرقابُ. ولا يعبد الله إلا مَنْ يطيعه.
_________________
(١) = بل تكرر مثل هذا الإطلاق في كتاب الله، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾ [الانفطار: ٩] يعني بالجزاء، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)﴾ [الواقعة: ٨٦] يعني غير مجزيين بأعمالكم.
(٢) قُدِّم المعمول ﴿إِيَّاكَ﴾ على عامله ﴿نَعْبُدُ﴾ لإفادة الحصر، وهذه قاعدة معروفة، ومعناه: لا نعبد إلا إياك، وهذا هو الأنسب أن يكون منفصلًا لتعذر الوصل حينئذ. وهذا ما ذهب إليه شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين - ﵀ - في تفسيره (١/ ١٣) على عكس ما قدره المؤلف متصلًا، بل قال السمين الحلبي في تفسيره "الدر المصون" (١/ ٥٥) أنه واجِب الانفصال وأنه واجب التقدم على عامله، وثمة نكتة بلاغية في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي الالتفات وهو الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، ولو جرى الكلام على أصله لقال: الحمد لله، ثم قيل: إياه نعبد. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ولم يقل بكم.
(٣) ما بين [] ليست في الأصل وضعتها ليستقيم المعنى.
(٤) النحل:٥٦.
(٥) أجمع ما قيل في "العبادة" هو ما عَرَّفه شيخ الإِسلام ابن تيمية [فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص ٢٠] فقال: هي اسم جامع لكل ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
(٦) غاية المحبة مع التذلل والخضوع شرط في العبادة كما ذكره المؤلف وأشار إليه ابن القيم في نونيته بقوله: وعبادة الرحمن: غاية حُبَّهِ مع ذلَّ عابده، هما قطبانِ ومداره بالأمر- أمر رسولهِ - لا بالهوى والنفسِ والشيطانِ نكتة بلاغية: في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ معنى "لا إله إلا الله" المتضمنة النفي والإثبات، =
[ ١ / ٨٧ ]
والاستعانة: طلب العون، وهوَ في الأصل: "نَسْتَعْوِنُ" (١)، فنُقلت كسرةُ الواو إلى الساكن قبلها، فانكسر ما قبل الواو، فانقلبت ياءً، نحو "مِيعَاد"، و"مِيزان ".
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، أي: أرشدنا الطريق الواضح الذي لا ينثني ويؤديك إلى مقصدك، وهو شريعة (٢) نوحٍ وملة إبرا هيم وعلومهما - ﵇ -، والمراد بهذا السؤال: التثبت والاستدامة (٣) دون الاستئناف (٤)، كقولك للقائم: قم حتى أرجع.
﴿صِرَاطَ﴾: بدل عن الصراط الأول (٥). ﴿الَّذِينَ﴾: اسم ناقصٌ
_________________
(١) = فتقديم المعمول ﴿إِيَّاكَ﴾ الذي يفيد الحصر فيه معنى النفي وقد تقرر هذا في الأصول في مبحث دليل الخطاب الذي هو مفهِوم المخالفة وأشار إلى الإثبات منها بقوله: ﴿نَعْبُدُ﴾، وبهذا يتبين أن معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هو معنى الشهادة "لا إله إلا الله ".
(٢) أي أن في ﴿نَسْتَعِينُ﴾ إعلالًا بالتسكين واعلالًا بالقلب. أما الإعلال بالتسكين فإن أصل ﴿نَسْتَعِينُ﴾ "نستعوِن" بكسر الواو، فاستثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى العين وسكنت الواو - وهذا إعلال بالتسكين. ثم قُلبت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها - وهذا إعلال بالقلب.
(٣) فُسَّرَ ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بأنه الإسلام، وهو صريح بهذا اللفظ في حديث النواس بن سمعان مرفوعًا: "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا " الحديث، وفيه: "فالصراط الإسلام". أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٨٢) والحاكم في مستدركه (١/ ٧٣) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وفسَّر الصراط بأنه حبل الله المتين، وفُسِّر بأنه كتاب الله، وفُسِّر بأنه الحق، وفُسِّر بأنه اتباع النبي - ﷺ -. وكل هذه التفاسير مترادفة ومتلازمة لا يخالف بعضها بعضًا.
(٤) في جميع النسخ "الاستدانة" ولعل المثبت أصح.
(٥) وهو الذي رجحه ابن كثير في تفسيره (١/ ٤١) أن المراد بالسؤال - سؤال الهداية - المداومة والاستمرار والثبات على العمل الصالح لأن العبد مفتقر في كل ساعة وحال إلى الله - ﷿ - في تثبيته على الهداية واستمراره عليها.
(٦) أي بدل كل من كل، وهو بدل معرفة من معرفة، وفائدة البدل هنا الإيضاح بعد الإبهام، كما أنه يفيد تأكيدًا من حيث المعنى، إذ هو على نية تكرار العامل. وَجَوَّزَ ابن كثير (١/ ٤١) أن يكون "صراط" الثانية عطف بيان. وقال ابن عاشور [التحرير والتنوير (١/ ١٩٢)] أن البدل وعطف البيان هنا على حد سواء لا تفاضل بينهما.
[ ١ / ٨٨ ]
يحتاج إلى صلةٍ (١). والإنعام ها هنا: التوفيق والتثبيتُ والختمُ بالسعادة (٢).
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم اليهود (٣)، لقوله تعالى في شأنهم: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ (٤). ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: النصارى، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٥). ويجوز أن يكون المراد بالآية جميع مَن لم يُنعَم عليهم بالهداية لحصول الإجماع أن اليهودَ ضالون مع كونهم مغضوبًا عليهم، وأنَّ النصارى مغضوبٌ عليهم مع كونهم ضالِّين.
وقوله (٦).
(آمين)، قال
_________________
(١) وجملة الصلة فيه هي ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لا محل لها من الإعراب، والهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يعود على ﴿الَّذِينَ﴾، وفي ﴿عَلَيْهِمْ﴾ خمس لغات قُرِىءَ بها كلها ذكرها أبو جعفر النحاس في "إعراب القرآن" (١/ ١٢٤).
(٢) خير ما يفِسر به القرآن القرآن، وقد أوضح الله - ﷿ - في موضع آخر معنى قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فقال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]. وقد أشار إلى ذلك العلامة محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره "أضواء البيان" (١/ ١٠٤).
(٣) جاء ذلك صريحًا في أن المغضوب عليهم هم اليهود وأن الضالَّين هم النصارى فيما رواه الإِمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٢) وعبد الرزاق كما في "الدر المنثور" (١/ ١٦) وأبو يعلى في مسنده (٧١٧٩) والطحاوي (٣/ ٣٠١) والبيهقي (٦/ ٣٢٤). وقال ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤): إسناده صحيح. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٥٩): إسناده حسن. عن عبد الله بن شقيق: أنه أخبره من سمع النبيَّ - ﷺ - وهو بوادي القُرَى، وهو على فرسه وسأله رجل من بني القَيْن، فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟ قال: "المغضوب عليهم" وأشار إلى اليهود. قال: فمن هؤلاء؟ قال: "هؤلاء الضالين " الحديث.
(٤) البقرة: ٩٠.
(٥) المائدة: ٧٧.
(٦) أي: قول قارئ الفاتحة، وإلا فإنَّ (آمين) ليست من كتاب الله بالإجماع. وهي - أي (آمين) اسم فعل أمر مبني على الفتح، ومعناه: "استجيب". وأما اللغتان اللتان ذكرهما المؤلف في (آمين) فالأولى لغة المَد على حد قول الشاعر: آمين آمين لا أرضى بواحدةٍ حتى أُبَلِّغَهَا ألفينِ آمينا =
[ ١ / ٨٩ ]
الزجاج (١) (٢): معناه: اللهمَّ اسمع واستجِب، وفيه لغتان المدُّ والقصر، وكلاهما بالتخفيف.
_________________
(١) = وقول الآخر [وينسب إلى عمر بن أبي ربيعة]: يارَبِّ لا تَسْلُبَنَّي حُبَّها أَبَدًا وَيَرْحَمُ اللهُ عبدًا قال آمينا أما الثانية وهي لغة القصر على حد قول الشاعر: تَبَاعَدَ عنِّي فُطْحُلٌ إذ دعوتُهُ آمينَ فزاد اللهُ ما بيننا بُعْدا انظر الإملاء لأبي البقاء (١/ ٨)، القرطبي (١/ ١٢٨) ابن عطية (١/ ١٣٥) - اللسان (أمن) - ديوان المجنون ص ٢٨٣ - أمالي الشجري (١/ ٢٥٩).
(٢) أبو إسحاق إبراهيم بن السَّري بن سهل، لقب بالزجاج لأنه كان يحترف خراطة الزجاج. تتلمذ على ثعلب والمبرد وكان حسن المعتقد متأثرًا بمذهب الإمام أحمد بن حنبل حتى قال وهو على فراش الموت: اللهم احشرني على مذهب أحمد بن حنبل. توفيُ - ﵀ - سنة إحدى عشرة وثلاثمائة هجرية. [معاني القرآن للزجاج (١/ ٥)؛ إنباه الرواة (١/ ١٥٩)؛ بغية الوعاة (١١٥)؛ معجم الأدباء (٥/ ١٢٠)].
(٣) معاني القرآن (١/ ٥٤).
[ ١ / ٩٠ ]