مكية (١) في أكثر الأقاويل، وروى المعدل عن ابن عباس أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى انتهاء ثلاث آيات نزلت بالمدينة (٢)، وهي سبع وسبعون آية بلا اختلاف (٣).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿تَبَارَكَ﴾ تفاعل من البركة كالتمالك والتماسك بخلاف التضاحك والتشارك، والتبارك صفة دونه لأن العبارة عنه ثابتة لا تنافيها عبارة في وصف الله تعالى بوجه، فهو متبارك حميد مجيد لم يزل ولا يزال سبحانه من متبارك متفاعل.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ الآية عامة في المشركين من عبدة الأرواح
_________________
(١) نقل مكيتها عن ابن عباس عند ابن الضريس (١٧، ١٨)، والنحاس (٦٠٣)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٤٢ - ١٤٤).
(٢) نقل القرطبي (١٣/ ٥) عن ابن عباس مكيتها وهو قول الجمهور، ونقل عن ابن عباس وقتادة مكيتها واستثناء ثلاث آيات. ونقل عن الضحاك مدنيتها وفيها آيات مكية مثل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ ﴾ [الفرقان: ٦٨]. ونقل ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٧١) عن ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة وآخرين مكيتها. ونقل عن ابن عباس وقتادة مكيتها إلا الآيات المستثناة.
(٣) انظر: "البيان في عدَّ آي القرآن" (١٩٤).
[ ٣ / ١٣٠٣ ]
والأشخاص، يدل عليه قوله في "المائدة": ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] وفي الآيتين ردّ على القدرية.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة (١).
﴿اكْتَتَبَهَا﴾ من الكتابة التقول من القول، وقيل: استكتبها.
﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ تخصيصه به هو التنبيه على الاستدلال بما في القرآن من الأحكام لكون الكوائن في المستقبل، مثل اللزام وغلبة الروم والدخان وكفاية المستهزئين، وبما كان يخبر رسول الله من الغيب مثل أخبار ليلة الإسراء، وأكل الأرضة صحيفة قريش لما تكاتب علي بني هاشم حين أبوا أن يدفعوا رسول الله إليهم، وذلك أنهم كانوا يتهمون رسول الله أنه يتعلم من حبر ويسار وعايش فبرأه الله تعالى مرة بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومرة بقوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فلما نبههم على هذا رموه بالشعر والسحر والكهانة، وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ترغيب وتعريض بقبول التوبة إن تابوا.
فقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن نفرًا من قريش وهم ستة عشر رجلًا وهم المقتسمون؛ ثلاثة نفر من بني عبد شمس ابن (٢) حنظلة بن أبي سفيان وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وسبع من بني مخزوم أبو جهل والعاص بن وائل وأبو قيس بن الوليد وقيس بن الفاكه وزهير بن أبي أمية وهلال بن الأسد والسائب بن صيفي، ورجلان من بني أسد أبو البحتري وعبد الله بن أبي أمية، ورجل من بني عبد الدار وهو النضر بن الحارث، ورجل من بني سهم وهو نبيه بن الحجاج،
_________________
(١) رواه ابن عباس - ﵄ -، وأن الآية نزلت في النضر بن الحارث بن بمدة بن علقمة بن عبد مناف وذكر سبب النزول بطوله. أخرجه الطبري في تفسيوه (١٨/ ٤٠٠)، وانظر: سيرة ابن إسحاق (٢٥٦)، وسيرة ابن هشام (١/ ٣٠٠).
(٢) (ابن) من الأصل فحسب.
[ ٣ / ١٣٠٤ ]
ورجلان من بني جمح أمية ابن خلف وأويس بن المغيرة، اجتمعوا لرسول الله - ﷺ - (١) عند الكعبة، قد توافقوا على الكفر وبعثوا إلى رسول الله - ﷺ - (٢) ليكلَّموه، فجاء مسرعًا وهو يظن أنه قد بدا لهم فيه بداء، وكان حريصًا عليهم يحمب رشدهم وهُداهم، فلما جلس إليهم قالوا: يا محمَّد قد بعثنا إليك لحاجة فاستمع (٣) منا وأجنا بالذي نسألك عنه، فقال لهم رسول الله: "إن شاء الله".
قال: فبدأ أبو جهل بن هشام فقال: يا محمَّد أنت ابن عمنا ومن عشيرتنا وأنت فينا فقير عائل ضعيف ولا تحب أن نقول لك إلا ما يعرف قومك، وقد أتيتنا بأمر لم يواطئك عليه أحد من عشيرتك فيه خير (٤) ولا أحد ممن سواهم معه غفلة، ونراك قلت قولًا ما قاله أبوك ولا أحد معه عقله، وقد نعلم أن الشياطين يحضرون سفهاء الناس فلا تكن ممن تضع قومه وتسمع بهم الناس فيكون لنا ذلك وضيعة ما بقينا، وقد علمنا أن الله جليل عظيم لا ينبغي لرسوله أن يمشي بيننا فقيرًا عائلًا، وهو ذي أنت تمشي في الطريق معنا وتأكل الطعام كما نأكل، ولو شاء الله لجعل ملائكة من عنده يقضون من أمره إنه على ذلك قدير.
قال: ثم تكلم عتبة بن ربيعة فقال: يا محمَّد (٥) بن عبد المطلب انظر الذي تكلمت فيه فراجعنا منه فإنا لك ناصحون، وإن أنت مضيت على الذي أنت لم تضرَّ بذلك إلا نفسك، ونحرض الناس على قتلك ونعلم أن قد عصيتنا وعصيت أمرنا ورضيت فضيحتنا، فواجعنا فإنا قد علمنا أن الله رب كل شيء، فمالك لا تراجعنا ومالك لامنا يغلب كلامك، وأنت تزعم يابن عبد المطلب أنه كلام الله، أفكلامنا يغلب كلام الله؟! هذا لتعلم أنك
_________________
(١) (- ﷺ -) من الأصل فحسب.
(٢) (- ﷺ -) من الأصل.
(٣) في الأصل: (فاسمع).
(٤) (فيه خير) بدله فراغ من "أ".
(٥) المثبت من الأصل، وفي البقية: (فقال: يا ابن عبد المطلب).
[ ٣ / ١٣٠٥ ]
مغرور مسحور، ألست تعلم أن الله يعلم غيب كل شيء؟ قال: "بلى حقًا يقينًا وأنا على ذلك من الشاهدين".
قال: فإن كنت كما تزعم أنك رسوله فما منعه أن يخبرك أن قريشًا سيقولون كذا وكذا فردَّ عليهم كذا وكذا، هذا لتعلم يا محمَّد أنك قد أتيت بأمر عظيم باطل لا يصبر عليه، يابن عبد المطلب ألست تعلم أن الله يضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء؟ قال: "بلى حقًا يقينًا وأنا على ذلك من الشاهدين " قال: أفلا يلين قلوبنا لنصدقك بما تقول فنؤمن لك، هذا لتعلم أنك لتأتي (١) بأمر عظيم، أفلا ألقي إليك كنز من ذهب فتستغني به عن الناس؟!
قال: ثم تكلَّم أمية بن خلف الجمحي فقال: ي ابن عبد المطلب لا عليك ألست تعلم أن الأرض والخلق والجبال كلها لله، فقال رسول الله: "بلى حقًا ويقينًا وأنا على ذلك من الشاهدين" قال: فهلمَّ فاجعل في أرضنا زرعًا وينبوعًا وإنها أرض ضيقة جدبة شديد عيشها بعيد ماؤها، وإلا فأعطنا مالًا نتبعك عليه فإن المال يفتن الناس عن دينهم، فاعطنا مالًا لعلنا نفتتن عن ديننا ونتبع دينك، فإن لم تستطع ذلك فاسند لنا إلى السماء سلمًا نكلم الله ثم نراه، أو ائتنا بالملائكة إن كنت من الصادقين، وإلا فإنا تقدمنا إليك بالمعذرة وإن نراك فقيرًا ضعيفًا إن تعد لمقالتك فَهُلْكٌ، أمعجز الله أن يجعل في الأرض نبيًا من خيرته، أو يبعث من الملائكة من يصطفي، أو يختار رجلًا من القريتين عظيمًا إما من مكة وإما من الطائف، لقد جئت قومك بأمر عظيم أجبنًا يابن عبد المطلب؟!
فقال رسول الله: "إني آمنت (٢) بربي وربكم لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون".
ثم قال عبد الله بن أبي أمية: يابن عبد المطلب أما تستطيع أن تأتي قومك بما يقولون لك (٣)؟ قال: "لا" قال: فاتنا بالله والملائكة قبيلًا حتى
_________________
(١) (لتأتي) ليست في "ب".
(٢) (آمنت) من "ب" "ي".
(٣) (لك) ليست في الأصل.
[ ٣ / ١٣٠٦ ]
يشهدوا لك أنك رسوله، فوالله لا أؤمن لك حتى تسند سلمًا إلى السماء ثم تصعد عليه وأنا انظر، ثم تأتي بكتاب منشور من عند الله أقرأه، وتأتي بأربعة من الملائكة يشهدون لك أنه من الله، وأيم الله أن لو فعلت لظننت أني لا أصدقك.
ثم قال العاص بن وائل السهمي وقريش معه: قد تعلم يا محمَّد أنه لا بلاد أضيق من بلادنا ولا أقل أنهارًا وزرعًا ولا أشد عيشًا، فادعُ ربَّك أن يسيِّر عنا هذه الجبال التي في أرضنا فقد ضيقت علينا لينفسح بلادنا فنعرف فضلك عند ربك، وابعث لنا من مضى من آبائنا لنسألهم عما تقول فيصدقوك أو يكذبوك، وليكن ممن يبعث قصي بن كلاب وإنه كان شيخًا صدوقًا، وقد جئتنا بذكر الرحمن ونحن لا نعرف إلا الله، فأما الرحمن
فقد علمنا أنه كذاب باليمامة يعلِّمك هذه الأحاديث.
فقال رسول الله - ﷺ - (١): "الرحمن اسم من أسمائه (٢) كريم شريف ولم أبعث بما سألتموني وإنما بعثت داعيًا إلى الله".
قالوا: فخذ لأهل بيتك بعض ما سألناك لنعرف فضلهم أو فليكن لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرًا.
قال: "لا أقدر على ذلك وليس ذلك إليَّ".
قال: فخذ حذرك فإنا نراك يصيبك من الزلازل ما يصيبنا ونراك تمشي في الأسواق معنا تبتغي من يسير العيش فاسأل الله أن يجعل لك جنانًا وقصورًا وكنوزًا من ذهب وليبعث معك من يصدقك ويكلمنا دونك.
فقال رسول الله: "ما ذلك إليّ إنما أدعو إلى الله عزوجل يصنع فيه ما يشاء".
قالوا: يا محمَّد إنا ناظروك بسحرك هذا ثلاث ليالٍ ففكِّر بينك وبين
_________________
(١) (- ﷺ -) من الأصل فحسب.
(٢) في "أ": (أسماء الله) بدل أسمائه.
[ ٣ / ١٣٠٧ ]
نفسك فلا تبقين إلا عليها، إما أن نتخذك لنا عدوًا، وإما أن نجعلك من المهلكين، وإما تأتينا بأمر شاف نرضاه.
فرجع رسول الله مهتمًا حزينًا قد شقَّ عليه ما قال له قومه وما ردوا عليه من أمره فأنزل (١).
﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ جمع سوق، و(السوق) موضع البيع والشراء يذكَّر ويؤنث.
﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ ضربهم الأمثال لرسول الله وصفهم إياه بأنه ساحر أو (٢) مسحور وشاعر ومجنون (٣) ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ضربت (٤) على الضلالة أي (٥) ما داموا مصرين على الضلالة لم يستطيعوا أن يصدقوا في وصفك فقال: لا يستطيعون حيلة في أمرك أي في قهرك.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا﴾ عن حبيب قال: قيل للنبي - ﵇ - (٦): نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها لم نعطها أحدًا قبلك لا ينقصك ذلك عند الله شيئًا فقال: "أجمعها لي في الآخرة" فقال الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ﴾ (٧).
وعن ابن عباس قال: بينما رسول الله جالس وجبريل معه قال جبريل: هذا ملك قد نزل من السماء لم ينزل قط استأذن ربه في زيارتك، فلم يمكث إلا قليلًا حتى جاء الملك وقال: السلام عليك يا رسول الله
_________________
(١) روي مختصرًا بمعناه عن ابن عباس - ﵄ -. أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ٤٠٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٦٦٥).
(٢) "أو" من الأصل فقط، وفي البقية: (ساحر ومسحور).
(٣) في "ب": (صهور)، وفي الأصل و"ي": (صبور).
(٤) في "ي" "أ": (مرتب).
(٥) في الأصل و"ي": (التي).
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) أخرجه الطبري في تفسيره عن حبيب مرفوعًا (١٨/ ٤٠٨)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٦٦)، وابن أبي شيبة (١١/ ٥٠٩).
[ ٣ / ١٣٠٨ ]
إن الله يخبرك أن يعطيك خزائن كل شيء ومفاتيح كل شيء لم يعطه أحدًا قبلك ولا يعطيه أحدًا بعدك من غير أن ينقص لك مما ادخر لك شيئًا، فقال النبي -﵇- (١): "بل يجمعها لي جميعًا يوم القيامة" فنزلت (٢).
وعن ابن عباس قال: قال النبي -﵇- (١): "عرض علي جبريل بطحاء مكة ذهبًا فقلت: بل شبعة وثلاث جوعات" (٣) وذلك أكثر لذكري ومسألتي تقول: ذلك الجبل ينظر إلينا ويحتمل أن الله تعالى يحدث للنار رؤية كما يحدث لها نطقًا، وسماع التغيظ لغليان صدر المتغيظ واحتقانه وتتابع أنفاسه.
﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ أي في مكان ضيق ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مسلسلين أيمانهم عند
أعناقهم، وقيل: يجمع بين ناصية الكافر وعقبيه (٤)، وقيل: يجمع بينه وبين شيطانه وقرينه.
﴿ثُبُورًا﴾ هلاكًا وحرمانًا، ودعاؤهم: واثبوراه، والثبور مصدر ولذلك لم يجمع.
﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ دليل على أن أهل الجنة مخيرون في أنواع ما يخطر ببالهم من الخير.
﴿نَسُوا الذِّكْرَ﴾ تغافلوا وأعرضوا عن الاتعاظ بالموعظة ﴿بُورًا﴾ بسائر وهو الهالك (٥).
﴿وَمَنْ يَظْلِمْ﴾ بالإصرار على الشركاء والزيادة على الكفر، وقيل:
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) عزاه في "الدر المنثور" (١١/ ١٣٩ - ١٤٠).
(٣) الترمذي (٢٣٤٧)، وأحمد (٥/ ٢٥٤)، والطبراني في الكبير (٧٨٣٥) والحديث ضعيف أو ضعيف جدًا.
(٤) من قوله (وقيل يجمع) إلى هنا ليست في "أ".
(٥) قاله ابن عباس - ﵄ - ومجاهد. أخرجه الطبري عنهما في تفسيره (١٨/ ٤١٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٦٧٣)، وانظر تفسير مجاهد (ص ٤٩٦).
[ ٣ / ١٣٠٩ ]
جحودهم يوم القيامة بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ليكون العذاب الكبير الختم على الأفواه وإنطاق الجلود.
﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ أمر كقوله: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤]، وقيل: على سبيل الاختصار أي فتصبرون فنثيبكم عليها أم لا تصبرون فيهلككم ويستخلف قومًا غيركم.
﴿لَا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون، ويحتمل أنه حقيقة الرَّجاء لأن ضده الإياس، والإياس كفر.
﴿يَوْمَ﴾ نصب على الظرف، ﴿لَا بُشْرَى﴾ لكم بالإياس ودخول الجنة ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حرامًا محرمًا (١) على سبيل الإيجاب والدعاء.
عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ (٢) أي وعهدنا إلى ما عملوا من عمل لغير الله في الدنيا فجعلناه في الآخرة هباء (٣)، نقول: بطلت أعمالهم فلم تقبل جعلت كالهباء المنثور، والهباء: ما يدخل من شعاع الشمس من الكوة مقبلًا وقت قيلولة في نصف النهار (٤).
﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (٥)، قال الفراء: بالغمام وعن الغمام، كقولك: رميت بالقوس وعن القوس (٦)، فهذا الغمام فوق السماء.
_________________
(١) قاله الضحاك بن مزاحم وقتادة. أخرجه الطبري عنهما في تفسيره (١٨/ ٤٢٨). ومنه قول المتلمس: حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها حِجْرٌ حرام ألا تلك الدهاريسُ [ديوان المتلبس (ص ٨٤) واسمه حميد بن ثور الهلالي].
(٢) (وقدمنا إلى عملوا) ليست في الأصل.
(٣) لم نجده بهذا المعنى عن ابن عباس ولكن روي بمعناه عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة. نقله عنهم ابن الجوزي في تفسيره [زاد المسير (٣/ ٣١٧)].
(٤) قاله الخليل والزجاج والجوهري، وهو مروي عن علي بن أبي طالب والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة [معاني القرآن للزجاج (٤/ ٦٤)، زاد المسير (٣/ ٣١٧)، الصحاح (نثر)].
(٥) في الأصل بدل الآية (السموات).
(٦) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٢٦٧).
[ ٣ / ١٣١٠ ]
﴿يَعَضُّ﴾ يمضغ وهو الكدم من ذوي الخف، واللسع من الحية، والمراد به التأسف، والمراد بـ ﴿الظَّالِمُ﴾ الجنس أي كل ظالم كقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ﴾ [النبأ: ٤٠].
وقال ابن عباس (١) [في رواية الكلبي: نزلت في عقبة بن أبي معيط (٢) وذلك أنه لا يقدم من سفر إلا صنع طعامًا فدعا عليه جيرانه وأهل مكة كلهم، قال: فكان (٣) كثر مجالسة النبي -﵇- (٤) ويعجبه حديثه ويغلب عليه الشقاء، فقدم ذات يوم من سفره فصنع طعامًا ثم دعا رسول الله إلى طعامه فقال: "ما أنا بالذي أفعل حتى تقول" فشهد بذلك، قال: وطعم من طعامه، قال: وبلغ ذلك أُبَي بن خلف، فأتاه فقال له: صبوت يا عقبة، وكان خليله، فقال: لا والله ما صبوت ولكن دخل عليَّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له، واستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فقال أبي بن خلف: ما أنا بالذي أرضى عنك أبدًا حتى تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ على عنقه، قال: ففعل عقبة ذلك فأخذ رحم دابة فألقاها بين كتفيه، فقال رسول الله: "لا ألقاك خارجًا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف" فأنزل.
ثم أسر عقبة بن أبي معيط يوم بدر فقتله ثابت بن الأفلح صبرًا، ولم يقتل من الأسارى يومئذ غيره وغير النضر بن الحارث بن كلدة، ذكره الواقدي.
وعن ابن عباس قال: كان أمية بن خلف صديقًا لعقبة بن أبي معيط وخليلًا، وكان عقبة قد غشي رسول الله حتى كاد يسلم، فلقيه أمية بن خلف فقال: بلغني أنك صبوت واتبعت دين محمَّد، فقال عقبة: ما فعلت، قال
_________________
(١) من هنا سقط طويل وينتهي قبل نهاية السورة في نسخة "ب".
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره عن ابن عباس (١٧/ ٤٤٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦٨) إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(٣) في "أ" "ي": (وكان).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٣١١ ]
أمية: وجهي من وجهك حرام إلا أن تأتيه فتتفل في وجهه وتبرأ من دينه وتعلم قومك أنك عدو لمن عاداهم وفرق جماعتهم، قال: فخرج عقبة فلما خر نظر في وجهه تفل في وجهه ولم يصب وجه النبي -﵇- (١)، ثم رجع إلى أمية فأخبره فسرَّ بذلك، فأنزل (٢): ﴿فُلَانًا خَلِيلًا﴾ أي ابن خلف (٣).
وقال الزجاج: أبي بن خلف على ما ذكره الواقدي، والظاهر أن ﴿فُلَانًا﴾ اسم مبهم (٤) ينطبق على قرين سر مضل.
﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أي الشهادة بالتوحيد والرسالة.
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ﴾ قيل: قاله رسول الله حين أَيِس من قومه فأخبر الله عنه ﴿مَهْجُورًا﴾ متروكًا، وقال مجاهد: مهجورًا فيه (٥) لأنه قال: والغوا فيه، ويحتمل أنه سيقوله رسول الله في القيامة حين يشهد على أمته بالكفر والإيمان.
﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ والجملة تأليف الأجزاء المتفرقة، تقديره: بل ننزله متفرقًا، أو تقديره: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ أي كالتوراة بل ننزله متفرقًا ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾ فصلناه.
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ اتصالها من حيث اعتبار (٦) وصفهم ما يتمنونه من القرآن أن ننزله جملة واحدة واعتبار ذلك عليهم ردّ الله بعلة معقولة، وهي تثبيت الفؤاد بحفظ القرآن؛ لأن التوراة أنزلت مكتوبة ولم يكن إعجاز
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) روى سبب النزول هذا ابن عباس - ﵄ - والشعبي ومجاهد. أخرجه الطبري عنهم في تفسيره (١٧/ ٤٤٠ - ٤٤١)، وانظر: تفسير مجاهد (ص ٥٠٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٦٨٣).
(٣) أبو نعيم في الدلائل (٤٠١).
(٤) نقله الزجاج في معانيه (٤/ ٦٥)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ٢٧٧).
(٥) أخرجه الطبري عن مجاهد (١٧/ ٤٤٣)، وانظر: تفسير مجاهد (ص ٥٠٤)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٨٧).
(٦) في "أ": (اعتبارهم).
[ ٣ / ١٣١٢ ]
موسى في كونه أميًا، وكان هذا معجزة نبينا -﵇- (١)، فهيأ الله له أسباب الحفظ منها أن يتلقن شيئًا بعد شيء على سبيل التراخي.
أي: كيف المراد عن اللفظ المشكل مأخوذ من الفسر وهو الكسف، وقيل: مقلوب من قوله سفرت البيت أي كنست.
﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ وقع التفضيل على زعم الكفار من إضافة الشر والضلالة إلى المؤمنين.
﴿اذْهَبَا﴾ يعني أنت وأخوك.
﴿وَقَوْمَ﴾ نصب بالتدمير، وقيل: بالإغراق المضمر (٢).
﴿الرَّسِّ﴾ البئر الذي لم (٣) يطو (٤)، وقال عكرمة: أصحاب الرس رموا (٥) نبيهم في بئر (٦)، وقال الكلبي: قوم كانوا باليمامة بفلج (٧).
﴿وَكُلًّا﴾ نصب بضربنا، وقيل: على سبيل اتباع اللفظ.
﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ﴾ أي قرية لوط.
﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ اتخاذهم ذلك عبادتهم للخواطر التي يتوهمونها بالشبهات فيتمنونها بالشبهات.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) أي أنه يجوز أن يكون منصوبًا عطفًا على مفعول "دَمَّرْناهم"، ويجوز أن يكون منصوبًا بفعل مضمر يفسره قوله: ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ كما يجوز أن يكون منصوبًا بفعل مقدر لا على سبيل الاشتغال، والتقدير: اذكر قوم نوح. [الدر المصون (٨/ ٤٨٣)].
(٣) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - قال: هي بئر كانت تسمى الرس. أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ٤٥٣).
(٤) في "أ": (تطو).
(٥) في "أ" "ي": (رسوا).
(٦) ابن جرير (١٧/ ٤٥٢)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٩٥).
(٧) هذا رواه ابن جرير (١٧/ ٤٥٣)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٩٥).
[ ٣ / ١٣١٣ ]
﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هو أن يمشي (١) بالليل جوف كل وادٍ ويغيب الأفق، قال (٢) الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ [القصص: ٧١] الآية ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ هو انفلاق الصبح ليبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، والصبح من مقدمات ضياء الشمس لا محالة فلا يزال ينبسط وينتشر هذا وينزوي ويستتر هذا إلى أن يفيض الليل كله.
﴿قَبْضًا﴾ سهلًا رفيقًا من غير فزع ولا خطر، وقد بدت الشمس على ظلال الأشخاص بالنهار أيضًا ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ إلى حكمنا الغيب.
﴿اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ التشبيه من حيث وقوع التستر به ﴿سُبَاتًا﴾ استراحة في استرخاء ﴿نُشُورًا﴾ أي وقت نشور وانتشار.
﴿مِمَّا خَلَقْنَا﴾ مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى لاعتبار نظم الآي ورؤوس الآي ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ قال الفراء: أصل إنْسَان إنْسيَان لأن تصغيره أنيسيان (٣)، فالأناسي في الأصل أناسين أبدلوا من نونًا كزبرقان وزباريق، وقيل: جمع إنسان كقرطاس وقراطيس، وقيل: جمع إنسي على النسبة ككرسي وكراسي.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أي القرآن، وقيل: الماء الطهور (٤).
_________________
(١) في "أ" "ي": (يمتلي).
(٢) (قال) من "أ" "ي".
(٣) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٢٦٩).
(٤) من قال إنه المطر هو ابن عباس - ﵄ - وابن مسعود ومجاهد وابن زيد. أخرجه الطبري عنهم في تفسيره (١٧/ ٤٦٩)، وأما من قال: إن الضمير يرجع إلى القرآن بناء على ذكره في أول السورة حيث قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ. . .﴾ [الفرقان: ١] وقوله: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] كل ذلك يدل على أن الضمير يرجع إلى القرآن. ذكر ذلك القرطبي في تفسيره (١٣/ ٥٧).
[ ٣ / ١٣١٤ ]
﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ (١) أي بالقرآن والكلام دون السيف لأن الآية مكية.
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ مرج إشارة إلى ما يتصوره المخاطب في قلبه كأنه ينظر إليه، قال الله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] ﴿مِلْحٌ﴾ ماء فيه ملوحة ﴿أُجَاجٌ﴾ ماء في غاية الملوحة. و(العذب): الماء الطيب، و(الفرات) في غاية العذوبة ﴿بَرْزَخًا﴾ يعني الحواجز الواسعة، ويحتمل أن المراد بالبحرين بحر مجاور للساحل وبحر كمين في الساحل، وقيل: بحر بحرا وبحر قلزم فإن سواحلهما غير محاط بها، وفيه إشارة إلى الدمع الذي فيه ملوحة واللعاب الذي فيه عذوبة، والمملوح الذي فيه قرارة، والحام الذي سخ فلم يفسد شيء بمجاورة غيره، وإلى اللبن الحليب ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦].
﴿نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ أي مناسبًا ومصاهرًا يناسب بعضه، لتبقية الألفة وحفظ الأصل وتظاهر بعضه (٢) بعضًا لاستفادة الألفة، وإنشاء النسل.
﴿ظَهِيرًا﴾ معيبًا لمثله على إنكار ربه وتبديل دينه ومعاداة نبيه.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ﴾ استثناء كقوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] لأن ذلك يوجب حسن الظن به، وقوله: (وما سألتكم من أجر فهو لكم) أي على زعمكم فهو مردود عليكم ما أريد منكم ذلك، وقيل: المودة في القربى هو لكم أي حظكم ونصيبكم، وقيل: طالبهم بالمودة في القربى ثم ترك واقتصر على المودة في الله.
﴿الرَّحْمَنُ﴾ رفع بإسناد الاستواء إليه أو لتقديره مبتدأ (٣) ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾
_________________
(١) (وجاهدهم به) ليست في الأصل.
(٢) من قوله: (لتبقيه) إلى هنا ليست في"أ".
(٣) يجوز في ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أن يكون خبرًا والمبتدأ جملة ﴿الَّذِي خَلَقَ ﴾ ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ مضمر كما قال المؤلف والتقدير: هو الرحمن. ويجوز أن يكون بدلًا من الضمير في "استوى" أو يكون مبتدأ وخبره الجملة من قوله ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ [الفرقان: ٥٩] على رأي الأخفش ومنه قول الشاعر: وقائلةٍ: خولانُ فانكح فتاتهم وأكرومةُ الحَيَّيْنِ خِلْوٌ كما هيا [معاني القرآن للأخفش (ص ١٢٤)، الكتاب (١/ ٧٠)، الدر المصون (٨/ ٤٩٣)].
[ ٣ / ١٣١٥ ]
أي عنه، والضمير عائد إلى خلق السماوات والأرض أو إلى الاستواء على العرش (١) أو اسم الرحمن، قال -﵇- (٢): "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار" (٣).
﴿سِرَاجًا﴾ مصباحًا.
وفي قوله: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ دلالة على جواز قضاء صلاة الليل بالنهار وقضاء صلاة النهار بالليل (٤).
﴿وَعِبَادُ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ خبره، والمراد بهم أولياؤه وخاصته ﴿هَوْنًا﴾ متواضعين ﴿سَلَامًا﴾ أي قولًا يؤدي إلى المسالمة والمتاركة، وقيل: منسوخة بآية السيف.
﴿غَرَامًا﴾ لزومًا، وقال بعضهم: هلاكًا (٥) وهو غير مشهور.
الإقتار والقتر والتقتير لضيق النفقة ﴿وَكَانَ﴾ إنفاقهم ﴿بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ عدلًا، وقيل: قوام الأمر قوامه ونظامه وملاكه.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ﴾ عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أي وحشيًا لما قتل حمزة مكث زمانًا ثم وقع في قلبه الإسلام،
_________________
(١) (على العرش) ليست في "أ".
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (١/ ٨٧/ ٣٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
(٤) روي بمعناه عن عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن، قالوا: معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار ومن فاته بالنهار أدركه بالليل. وجاء في صحيح البخاري مرفوعًا: "ما من امرئ تكون له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم فيصلي ما بين طلوع الشمس إلى صلاة الظهر إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة". وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: "من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل".
(٥) الذي قال هلاكًا: أبو عبيدة نقله عنه ابن الجوزي في تفسيره [زاد المسير (٣/ ٣٢٨)].
[ ٣ / ١٣١٦ ]
فأرسل إلى رسول الله يعلم أنه وقع في قلبه الإسلام ويقول: سمعتك تقول: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ﴾ الآية، وإني فعلتهن فهل من رخصة؟.
فنزل جبريل فقال: قل له يا محمَّد ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية، فأرسل بها إليه، فلما قرئت عليه قال: أرى في هذه الآية شروطًا أخشى أن لا آتي بها ولا أجدني أطيق أن أعمل صالحًا، فهل عندك شيء ألين من هذا؟ فأنزل جبريل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فأرسل بها رسول الله إليه فقرئت عليه فقال: إنه يقول لمن يشاء (١) وأنا لا أدري لعلي لا أكون مما يشاء، فنزل جبريل بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية، فأرسل بها رسول الله إليه فقرئت عليه، فأسلم وأرسل إلى رسول الله أني أسلمت فأذن لي في إتيانك فأرسل إليه أن لا أر وجهك فإني لا أستطيع أن أملأ عيني من قاتل عمي حمزة (٢). . . الخبر.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم أو إلى الإشراك أو إلى فعل شيء متقدم على سبيل الاستحلال. ﴿أَثَامًا﴾ جزاء الإثم، يقال: أثمه يأثمه إذا جازاه جزاء إثمه.
﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ لها وجوه؛ منها إقامة الندامة مقام ما كانت الندامة منه، ومنها التوفيق للكفارات والأعمال الصالحة، ومنها الابتلاء بالمصائب والمكاره الممحصة للذنوب الموجبة للثواب، ومنها تقلب المباحات من أفعاله المقترنة بالكفر طاعات بعد التوبة، كالأكل والشرب، ولهذا قال علي: بقية عمر المرء لا ثمن له يصلح فيه ما أفسد وبستدرك به ما فات.
﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ﴾ إنما كرر التوبة التوبة لاتصالهما بزيادة وهي ذكر الله، كأنه قيل: ومن يتب عن المعاصي فإنه يتوب إلى الله.
_________________
(١) من قوله (فارس) إلى هنا ليست في "أ".
(٢) ذكره القرطبي (١٥/ ٢٣٤) قريبًا منه، وكذا هو مختصرًا عند ابن جرير (١٧/ ٥١٧)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٣١، ٢٧٣٤).
[ ٣ / ١٣١٧ ]
﴿الزُّورَ﴾ الشرك عن الضحاك (١)، وعن محمَّد ابن الحنفية وأبي الجحّاف: أي اللغو والغناء (٢).
عن إبراهيم بن ميسرة: أن ابن مسعود مرّ بلهو فلم يقف عليه فقال رسول الله: "لقد أصبح ابن مسعود كريمًا إذا مشى كريمًا إذا أمسى" (٣).
لم يستقروا ولم يصروا على تكذيبها.
﴿صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ لأن الاستقرار غاية غاية (٤) السقوط، وقضيته كالوجوب.
﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ عبارة عن المرضى وضده سخنة العين وسخين العين ﴿وَاجْعَلْنَا (٥) لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي وفِّقنا للتقوى وأتبعنا ذرياتنا بالتقوى، وإنما لم يقل لاعتبار كل واحد من الراعين أو لاعتبار المصدر أو لاعتبار كون الاسم مشتقًا من القول، كقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]. ﴿الْغُرْفَةَ﴾ الغرفة: العلية، وهي المنزل الرفيع.
﴿يَعْبَأُ﴾ يبالي، فكأنه قيل: هل يبالي الله بكم وهل يراعي جانبكم بإصلاح المعيشة ورفع الآفات ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ دعاء بعضكم، (٦) يعني المؤمنين، قال النبي -﵇-: "لولا رجال خشع وصبيان رضع وبهائم رتع لصبّ عليكم العذاب صبًا" (٧)، وقيل: لولا دعاء بعضكم الذي سيدعو في علم الله أنه سيؤمن، وقيل: معناه لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد على سبيل
_________________
(١) ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٣٧).
(٢) قولهما عند عبد بن حميد كما في الدر المنثور (١١/ ٢٢٧).
(٣) ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٣٩)، وابن عساكر (٣٣/ ١٢٨).
(٤) (غاية) ليست في "أ" "ي".
(٥) (واجعلنا) ليست في الأصل.
(٦) إلى هنا انتهى السقط الكبير في "ي".
(٧) رواه الطبراني (٢٢/ ٣٠٩/ (٧٨٥»، وفي الأوسط (٦٥٣٩، ٧٠٨٥)، وأبو يعلى (٦٤٠٢، ٦٦٣٣)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٤٥)، وفي الشعب (٩٨٢٠) والحديث فيه ضعف.
[ ٣ / ١٣١٨ ]
الوعظ والتمكين من الاختيار، قاله الفراء (١). وقال القتبي: معناه ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم من دونه شركًا.
﴿لِزَامًا﴾ هلاكًا، والعذاب لازمًا يعني يوم بدر.
أبي بن كعب عنه -﵇- (٢): "من قرأ الفرقان بعثه الله يوم القيامة وهو موقن أن الساعة آتية لا ريب فيها ودخل الجنة بغبر حساب" (٣).
(١) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٢٧٥).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) هذا جزء من الحديث الموضوع عن أبي.
[ ٣ / ١٣١٩ ]