مكية (١)، وروى المعدل عن ابن عباس أن آية واحدة نزلت بالجحفة ورسول الله مهاجر إلى المدينة (٢) قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وهي ثمان وثمانون آية (٣).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَهَامَانَ﴾ رجل من آل فرعون كان عزيز مصر في زمانه مثل قوطفير ولم يبلغنا من نسبته ما نعتمد عليه (٤).
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ جواريه، والسلام لام العاقبة (٥) ﴿وَحَزَنًا﴾ أي سبب حزن ﴿امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ آسية، ولم يبلغنا أنها كانت من العمالقة أم
_________________
(١) ممن ذهب إلى مكيتها ابن عباس، كما عند ابن الضريس (١٧/ ١٨)، والنحاس (ص ٦١١)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٤٢ - ١٤٤). وكذا عبد الله بن الزبير كما عند ابن مردويه كما في الدر المنثور (١١/ ٤٢١)، وهو قول الحسن وعطاء كما عند القرطبي (١٣/ ٢٢٢)، وزاد المسير لابن الجوزي (٦/ ٢٠٠).
(٢) ذكره عنه القرطبي (١٣/ ٢٢٢)، وابن الجوزي (٦/ ٢٠٠)، وأضاف القرطبي قتادة.
(٣) انظر: "البيان في عدّ آي القرآن" (ص ٢٠١).
(٤) "هامان" ظاهر الآيات يدل على أنه وزير فرعون، وهو لقب وليس باسم، ويطلق على وزير الملك في مصر في ذلك العصر. [التحرير والتنوير لابن عاشور (٢٠/ ٧٢)].
(٥) أي اللام في قوله "ليكون" لام العاقبة وجعلها أبو جعفر النحاس في إعرابه (٤/ ٥٤٣) لام كي.
[ ٣ / ١٣٥٣ ]
من القبط، أوزعها الله محبة موسى -﵇-، وأكرمها بالإيمان ورزقها الشهادة وهي التي قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، وكانت لها ماشطة إسرائيلية فهي التي كانت توحي إليها علم التوحيد والإِسلام فيما يروى، وهي امرأة حزقيل النجار مؤمن آل فرعون.
قيل: وجلب كهنة فرعون صلات عظيمة ليلبسوا أمر موسى على فرعون.
﴿فَارِغًا﴾ ضد شاغل، وإنما فرغ قلبها بعد التقاطهم، وإنما ﴿كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ حين ألقته في اليم، أو حين دعيت لتكفله وترضعه، واسم أم موسى يوخابذ بنت لاوي واسم أخته مريم (١).
عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال: وهم قائلون قبل المدينة عن الشمس (٢)، وقال مقاتل: هي قرية تدعى خانين على فرسخين من مصر ﴿فَوَكَزَهُ﴾ فضربه بجمع كفه ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ فأمضى موسى -﵇- (٣) القتل بوكزه ﴿قَالَ هَذَا﴾ إشارة إلى قتل النفس بغير إذن الله.
﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ أي استر الجناية على آل فرعون لئلا يؤاخذوني عاجلًا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أراد إنشاءه في حجر عدوه، وقيل: ستر الجناية وترك المؤاخذة عاجلًا ﴿عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ﴾ معطوف (٤) على مقدر أي تبت ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ قال ابن عباس: إن موسى -﵇- (٣) لم يستثن في كلامه فابتلي بالبطش ثانيًا (٥).
_________________
(١) ذكر ابن الجوزي [زاد المسير (٣/ ٣٧٥)] عن مقاتل أن اسم أم موسى يوخابذ، وذكر القرطبي في تفسيره (١٣/ ٢٥٠) عن السهيلي أن اسمها أيارخا أو أيارخت، وعن الثعلبي أن اسمها لوحا بنت هاند بن لاوي بن يعقوب، وأما اسم أخت موسى فقد ذكر المؤلف أن اسمها مريم وهذا مروي عن مقاتل ذكره ابن الجوزي في تفسيره (٣/ ٣٧٦).
(٢) ابن جرير (١٨/ ١٨٥)، وابن أبي حاتم (٩/ ٢٩٥٣).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) (علي فلن أكون معطوف) ليست في "أ".
(٥) قول ابن عباس - ﵄ - ذكره القرطبي في تفسيره (١٣/ ٢٦٣).
[ ٣ / ١٣٥٤ ]
﴿بِالْأَمْسِ﴾ اليوم الماضي مبني على كسرة آخره. قال الكسائي: بني على الأمر من أمسى يمسي فإذا دخلته لام التعريف أعرب، وإنما قال للمستصرخ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ لاستنصاره موسى -﵇- وترك البقية والرفق، وهو يعلم ما ابتلي به موسى -﵇- بالأمس من جهته.
﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ بوجوب إغاثة الملهوف والذب عن المؤمنين، وإنما قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ لخوفه بجهله وحماقته، وقيل: الصديق الجاهل شر من العدو العاقل.
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ أي خربيل النجار مؤمن آل فرعون من الجانب الآخر من المدينة من جهة باب فرعون ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ لأن القبطي حيث سمع قول الإسرائيلي خلاه ومضى على وجهه يخبر فرعون بالقصة.
﴿امْرَأَتَيْنِ﴾ هما ابنتا شعيب -﵇-، وقال الكلبي: هما ابنتا يثرون ابن أخي شعيب رجل صالح شاخ وعمي في آخر عمره ﴿تَذُودَانِ﴾ تجلسان عن الماء ﴿الرِّعَاءُ﴾ جمع راعي وليس بالقياس.
عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال: ما سأل إلا الطعام (١).
﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ متسترة بكمها (٢) وذيلها.
وإنما قالت: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ لاستقائه وحده بدلو ما كان يطيقها، ولغضِّه البصر فإنه قال للمرأة: تخلَّفي عني فإن ضللت الطريق فناديني من ورائي.
شرط المنفعة لولي المرأة غير المميز (٣) وجعل ما يستحق على الولي مهرًا للمرأة ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ دليل على جواز الزيادة بالمهر، وذلك إشارة إلى كلامه جملة أو إلى قوله ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره عن ابن عباس - ﵄ - (١٨/ ٢١٦)،
(٢) في "أ": (بكما).
(٣) في الأصل و"ب": (المهر).
[ ٣ / ١٣٥٥ ]
﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ سئل ابن عباس: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أكثرهما (١)، وعن النبي -﵇- (٢) قال: "سألت جبريل: أي الأجلين قضى؟ قال: أتمهما وأكملهما" (٣).
﴿بِخَبَرٍ﴾ أي خبر الطريق فإنهم كانوا محتاجين إليه ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ يشعل فيها النار.
﴿شَاطِئِ الْوَادِ﴾ وشاطئه شقه (٤) ﴿الْأَيْمَنِ﴾ ضد الأشأم، وهو نعت الشاطئ، أو أيمن الوادي من يسلكه ويعبره ﴿الْبُقْعَةِ﴾ القطعة المتميزة من الأرض، جمع بقع كتحفة وتُحَف ونطفة ونطف، والبقاع جمع بَقعة بفتح الباء كقصعة وقصاع.
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ يحتمل معنيين: التجمع والقبض لاستدراك القوة وإزالة الرهبة من الحية، والثاني: التضاؤل والتواضع من رهب الله تعالى يحتمل قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ متصلًا بقوله ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]، وقوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ عائد إلى قوله: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.
وعن مقاتل: الرهب: الكم، قال: وضعت الشيء في الرهب أي في الكم، وهذا تأويل بعيد.
﴿أَفْصَحُ﴾ أقدر على البيان.
﴿بِآيَاتِنَا﴾ يجوز أن يتصل بما قبله وأن يتصل بما بعده.
﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ لنتخذ آجرًّا فبنى الصرح منه وصعد به
_________________
(١) أخرجه الطبري عن ابن عباس - ﵄ - (١٨/ ٢٣٥) بلفظ: "سئل ابن عباس: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأوفاهما" وفي لفظ: "خيرهما وأوفاهما".
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وبدلها في "ب": (- ﷺ -).
(٣) البزار (٢٢٤٥ - كشف)، وأبو يعلى (٢٤٠٨)، وابن جرير (١٨/ ٢٣٦، ٢٣٧)، وابن أبي حاتم (٩/ ٢٩٧٠)، والحاكم (٢/ ٤٠٧) ورجاله ثقات كما في المجمع (٧/ ٨٧).
(٤) في الأصل: (بنفسه).
[ ٣ / ١٣٥٦ ]
للاطلاع نحوه ﴿لَعَلِّي﴾ أراد أن يلبس الأمر على الجهال من قومه أو لجهالته وسفهه (١)، وكأنه كان يتوهم (٢) كون السماء مقرونة بالسحاب دون الأفلاك ودون النار.
﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ المطرودين المبعدين، وفي حديث عمار: "اسكت مقبوحًا مشقوحًا منبوحًا" (٣).
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ فائدة النفي التنبيه على كونه -﵇- مخبرًا عن الغيب الذي لا يعلمه مثله إلا بوحي إلهي (٤).
﴿وَلَكِنَّا كُنَّا﴾ وجه العطف تبعيد ما بين موسى ونبينا -﵇- (٥) بامتداد الزمان وتطاول العمر واستطالته وطوله (٦) بمعنى، قال الله تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦].
﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ أي ما أنت بالذي كان فيما بينهم ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ فرجعت إلى عادتك ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ إياه كما أرسلنا.
عن الضحاك [عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ قال: لما أخذ موسى الألواح ونظر فيها قال: إلهي لقد أكرمتني] (٧) بكرامة لم تكرم بها أحدًا قبلي، فأوحى الله إليه: يا موسى إني اطلعت على قلوب عبادي فلم أجد أشد تواضعًا من قلبك، اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك بجد ومحافظة وكن من الشاكرين، يعني
_________________
(١) في "ب": (الجهالة وسفرته).
(٢) في "أ": (يتوهمه).
(٣) أثر عمار ذكره ابن الأثير في النهاية (٢/ ٤٨٩) ولفظه: قال عمار لمن تناول من عائشة: "اُسْكُتْ مقبوحًا مشقوحًا منبوحًا" والمشقوح المكسور أو المُبْعَد.
(٤) في الأصل و"أ" "ب": (إلا وهي).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) في "أ": (وقوله).
(٧) ما بين [] ليست في الأصل، وبدله (الضحاك بن مزاحم عن بكرامته).
[ ٣ / ١٣٥٧ ]
شهادة أن لا إله إلا الله، ومت على التوحيد يعني محمَّد -﵇- (١)، قال موسى -﵇- (١): إلهي وما محمَّد؟ فأوحى الله تعالى إليه: محمَّد مكتوب على ساق العرش من قبل أن أخلق السماء والأرض بألفي عام، إنه نبيي وصفيي وخيرتي من خلقي، وهو أحب إلى من جميع خلقي ومن ملائكتي.
فقال موسى: إلهي إن كان محمَّد أكرم عليك من جميع خلقك وجميع ملائكتك فهل خلقت أمة أكرم من أمتي؟ ظللت عليهم الغمام وأنزلت عليهم المن والسلوى، فأوحى ﵎: يا موسى إن فضل أمة محمَّد -﵇- على سائر الأمم كفضلي على خلقي، قال موسى: يا ليتني رأيت أمة محمَّد -﵇-، قال: يا موسى لن تراهم ولكن تحب أن تسمع كلامهم؟ قال: نعم يا رب، فنادى ربنا -﷿-: يا أمة محمَّد، فأجابوه بالتلبية: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك لا شريك لك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، فجعل تلك الإجابة شعائر الحج، ثم نادى: يا أمة محمَّد إن رحمتي سبقت غضبي قد غفرت لكم من قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم من قبل أن تعصوني، فمن جاء منكم بشهادة أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه أدخلته الجنة (٢) وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر (٣).
﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي ولكن أخبرناك بالغيب رحمة عليك وعلى المتذكرين من قومك.
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾ جواب مضمر في آخر الآية إنا أرسلناك إليهم
﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ﴾ هلا أرسلت.
قالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ المراد بالكتابين التوراة
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (الجنة) ليست في "أ".
(٣) أشار القرطبي في تفسيره إلى رواية ابن عباس بعضًا منها (١٣/ ٢٩٢)، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٨٤).
[ ٣ / ١٣٥٨ ]
والقرآن وبالنبيين موسى ومحمد -﵈-[وقيل التوراة والإنجيل وموسى وعيسى -﵈-، وقيل: إنه موسى وهارون والنبيين هما -﵈-] (١).
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ المراد بالكتاب الذي وقع فيه التحدي بالإتيان به، كتاب مخالف لهما، غير كتاب مصدق لهما، وفحوى الخطاب دالة عليه.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ أهل الكتاب يؤتون أجرهم مرتين لإيمانهم.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ يدفعون الكفر بالإيمان والإنكار بالإقرار.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -﵇- (٢) لعمه: "قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة" قال: لولا أن تعيرني قريش بهما لحمله عليه الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٣).
وعن عمر قال: نزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ في أبي طالب (٤)، عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - ﷺ - (٥) فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة (٦) وقال: "أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله (٧) بن أبي أمية: أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله يعرضها عليه ويعاودانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، قال رسول الله: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ
_________________
(١) ما بين [] من "ب" "ي".
(٢) (السلام) ليست في الأصل، وبدلها في "ب": (- ﷺ -).
(٣) مسلم (٢٥).
(٤) وجدته عن ابن عمر كما في النسائي في الكبرى (١١٣٨٤).
(٥) في الأصل: (السلام)، وسقطت في "أ" "ي".
(٦) (بن المغيرة) ليست في الأصل.
(٧) (عبد الله) مكررة في "أ".
[ ٣ / ١٣٥٩ ]
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] فأنزل الله بأبي طالب فقال رسول الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (١) إيمانه، مثل أبي طالب ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ مثل حمزة وعباس وأروى وصفية وعاتكة.
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى﴾ كانوا يعتذرون إلى رسول الله بأنهم لا يقاومون العرب قاطبة حواليهم إن طلقوا دينهم فرد الله عليهم عذرهم بأنه هيأ لهم أسباب الحرمة وهم (٢) كفار جهال فكيف لو اعتصموا بالعروة الوثقى ﴿يُجْبَى﴾ يجمع، ويحمل.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلا سكونًا (٣) قليلًا.
﴿الْمُحْضَرِينَ﴾ في النار.
﴿الَّذِينَ حَقَّ (٤) عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ المتبوعين في الضلالة دون المعبودين.
﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ وودوا أي وتمنوا أنهم لو كانوا يهتدون، ويحتمل أن المراد به رؤية العذاب عن الذين يحشرون على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا.
﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ الخِيَرة والخِيرة كالطِّيَرة والطِّيرة، والآية في ردّ قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فيها دلالة أن المختار للإمامة من ميَّزه الله تعالى بالتوفيق دون من ميَّزه بالتخليق، وعلى فساد اختيار الناس إمامًا غير موافق للسنة والجماعة.
﴿سَرْمَدًا﴾ دائمًا أبدًا.
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (٣٨٨٤)، ومسلم في صحيحه (٢٤/ ٣٩)، والنسائي (٢٠٣٤) وغيرهم عن سعيد بن المسيب عن أبيه.
(٢) في الأصل: (كانوا).
(٣) أي لم يسكن مساكنهم إلا المسافرون ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة، قاله ابن عباس - ﵄ -، نقله عنه ابن الجوزي في تفسيره (٣/ ٣٨٩).
(٤) في الأصل: (يحق).
[ ٣ / ١٣٦٠ ]
﴿شَهِيدًا﴾ أي يشهد عليهم ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ يجوز أن يكون خطابًا للشهداء على سبيل التوفيق، ويجوز أن يكون خطابًا للمشهود عليه على سبيل التحدي والتقريع.
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ ذكر الحدادي (١) في تاريخه أن قارون ابن عم موسى وكان فرعون قد ملَّكه علي بني إسرائيل حين كان بمصر، فلما قطع موسى البحر ببني إسرائيل ومعه قارون أغرق الله فرعون وجنوده وجعلت الجنود لهارون وهو الرئيس الذي يقرب القربان وبيده المذبح، وجعلت الرسالة لموسى -﵇- (٢). وجد قارون في ذلك من نفسه فلم يزل كذلك حتى دخل التيه فقال قارون لموسى: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء من ذلك لا أصبر على هذا، قال موسى: والله ما أنا صنعت ذلك لهارون بل جعله الله له، قال: لا والله لا أصدقك أبدًا حتى تريني آية أعرف بها أن الله جعل ذلك لهارون.
قال: فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل رجل منهم بعصًا ثم يلحوا بها ثم ألقي في التيه التي كان يوحى إليه فيها، ودعا موسى ربه أن يريهم بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيهم فأصبحت عصا هارون يهتز لها وفرق (٣) مكان (٤) من شجرة اللوز، قال موسى: يا قارون [أترى أنّ الله صنعه لهارون، قال قارون لموسى: ما هذا بأعجب مما يصنع من السحر.
_________________
(١) هو إما: طاهر بن محمَّد بن أحمد بن نصر المروزي تاج الدين الحدادي البخاري المحدث روى عن أبي الليث السمرقندي، توفي في حدود سنة ٤١٠ هـ، من مؤلفاته "عيون المجالس وسرور المدارس". انظر: هدية العارفين (١/ ٢٢٤). أو هو أبو الفضل محمَّد بن الحسين بن محمَّد بن مهران المروزي الحدادي، شيخ أهل مرو في الحديث والفقه والتصوت، توفي سنة ٣٨٨ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٧٠).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في "ي" "ب": (ورق).
(٤) في "ب": (وكانت).
[ ٣ / ١٣٦١ ]
واعتزل قارون على] (١) حدة وولي هارون الحبورة فكان معه القربان والمذبح، فكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم إلى هارون فيضعها على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكلها، فقال قارون: والله ما هذه النار إلا مثل نارنا فإن شئت يا موسى جئتك بنار فإن لم تفعل مثلما تفعل هذه فأنا كذاب، فقال موسى: فأبعث إذًا بنار، فانتدب لقارون خمسون ومايتا رجل يأخذون نارًا من أول نارهم ثم يجعلونها في مجامرهم، فجاؤوا بها إلى القربان فلما انتهوا إلى القربان نزلت نار من السماء فأكلتهم كلهم، فجعل ابنان لهارون (٢) يسكنان النار، فلما انتهيا إلى النار أحرقتهما، فقيل لأبيهما: إني قد قضيت أن لا يجيء رجل بنار عربية إلا أحرقته وإني قد جعلتهما شهيدين.
واعتزل قارون ومن تبعه وكان كثير المال والتبع من بني إسرائيل، فاعتزل موسى فلم يكن يأتيه ولا يجالسه، فقال موسى: يا رب إن قارون قد أفسد عليّ بني إسرائيل فمر الأرض أن تطيعني فيه وفيمن معه، فأمرت أن تطيعه، فأقبل موسى إلى قارون ومن معه حتى انتهى إليهم قال: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فإن مات بغير ما يموت الناس أو تغيرت به الأرض عن حالها فإني صادق فيما قلت، فمن كان معي فليعتزل ومن كان معه فليثبت مكانه.
فلما سمعوا ذلك عرفوا أن موسى صادق فاعتزلوا غير رجلين من بني روبيل فقال موسى -﵇- (٣): يا أرض القميهم (٤) فابتلعيهم، فقال: يا موسى أنشدك والرحم، فلم يرق لهم فقال الله: أما وعزّتي لو إياي دعا لنجيته، ثم دعا أيضًا موسى على ماله فخسف به؛ قال: فهو يتجلجل بها كل يوم قدر قامته إلى أن تقوم الساعة.
_________________
(١) ما بين [] ليست في الأصل.
(٢) في "ب": (الرجل لهارون).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في "أ" "ي": (الهميهم).
[ ٣ / ١٣٦٢ ]
وعن الحسن البصري قال: أول من شرف الشرف قارون، وأنه لما بنى داره وفرغ منها وشرفها صنع للناس طعامًا سبعة أيام يجمعهم كل يوم فيطعمهم، ثم أرسل إلى بغيّ من بني إسرائيل لم يكن في بني إسرائيل امرأة أجمل منها فقال لها قارون: لك عندي كل شيء نطقت به وأردته على أن تفعلي ما آمرك، فقالت له: ما هو؟ قال: إذا جلست للناس غدًا وأذنت لك فأتيني فاستعدي على موسى وقولي: إنه أرادني، قالت: نعم.
فلما كان الغد واجتمع الناس في داره حتى ملأوها أبطأت عليه فلم تجبه فأرسل إليها فجيء بها، ثم أرسل إلى موسى، فقال له قارون: ما لهذه المرأة تشكوك؟ قال له موسى: ما أدري ما لها، قال لها قارون: أخبريه، فقالت المرأة: يا موسى إن هذا جعل لي ما نطقت (١) به وما أردته على أن أزعم على رؤوس الناس أنك تراودني عن نفسي، وإني والله ما كنت لأفعل، معاذ الله لقد برأك الله من ذلك، فغضب موسى -﵇- واشتدَّ غضبه، ثم قال: يا عدو الله قد بلغ جرأتك على هذا، وقال له قولًا غليظًا.
فخرج من عنده مغضبًا فدعا الله تعالى فقال: عبدك قارون الذي عبد دونك وجحدك وأنكر ربوبيتك ثم قد أراد أن يرميني به حتى متى تمهله يا رب؟! فأوحى الله إلى موسى أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت، فجاء موسى وهو فرح فدخل على قارون حين اجتمع الناس في داره وملأوها فقال: يا عدو الله كذبتني وجحدت الله وعبدت من دونه في كلام غليظ حتى غضب قارون وأقبل عليه بكلام شديد وهمّ به، فلما رأى ذلك موسى -﵇- (٢) فقال: يا أرض خذيهم، وكان قارون على فرش على سرير مرتفع في السماء، فأخذت الأرض بأقدامهم وغاب سريره ومجلسه في الأرض، وأخذت الأرض بقدميه وقد دخل من الدار في الأرض مثل ما أخذت منهم على قدرها، وأقبل موسى يوبخهم ويغلظ لهم المقالة.
_________________
(١) في "أ": (نطقته).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٣٦٣ ]
فلما رأى القوم ما نزل بهم عرفوا أن هذا أمر ليس لهم به قوة، قال: فنادوا يا موسى ارحمنا وكف عنا، وجعلوا يتضرعون ويطلبون إليه وهو لا يزداد إلا غضبًا وتوبيخًا لهم، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أوساطهم، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى آباطهم، فمدوا أيديهم على وجه الأرض رجاء أن يمتنعوا بها، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم فلم يبق على وجه الأرض إلا رؤوسهم ولم يبق من الدار إلا شرفها، وكانت الأرض تأخذ من الدار كل مرة مثل ما تأخذه منهم، وهم يتضرعون في ذلك إلى موسى -﵇- ويسألونه.
ثم قال: يا أرض خذيهم، فاستوت الأرض عليهم وعلى الدار.
فانطلق موسى وهو فرح بذلك فأوحى الله إليه: أن يا موسى تضرع (١) عبادي إليك ودعوك وسألوك (٢) فلم ترحمهم، أما وعزتي وجلالي وكرمي لو أن إياي دعوا واستغاثوا لأخرجتهم منها ولكنهم تركوا أن يجعلوا رغبتهم ومقالهم إلي ومسألتهم مني وجعلوها إليك فتركتهم.
﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ لتنوء بالعصبة أي لا ينهض إلا بنهوضهم، وقيل: ليميل بهم من ثقلها (٣).
وذكر الكلبي (٤) أن خزائنه (٥) كانت أربعمائة ألف يحملها أربعون رجلًا (٦) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ بما يلهي عن الحق.
﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ في معنى قوله: "يقول ابن آدم:
_________________
(١) في "ب": (تضرعوا).
(٢) (وسألوك) ليست في الأصل و"أ".
(٣) روي ذلك عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم (١٩/ ٣٠٠٥، ٣٠٠٦)، والحاكم (٢/ ٤٠٨، ٤٠٩).
(٤) في "ب": (الكرخي).
(٥) بدل (خزائنه) في "أ": (فراغ).
(٦) روي ذلك عن ابن عباس وأبي صالح وقتادة والضحاك أن العصبة أربعون رجلًا، أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١٨/ ٣١٥).
[ ٣ / ١٣٦٤ ]
مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" (١) وقوله: ﴿وَأَحْسِنْ﴾ في معنى قوله -﵇- (٢): "إذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن يرى أثرها عليه" (٣).
﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قيل: إن قارون كان يقرأ التوراة كلها فادعى أنه إنما أوتي ما أوتي كرامة له على علمه، وقيل: إنه كان يقول أوتيته على علم فلذلك أكرمني بهذا المال، وقيل: إن الله تعالى علم موسى -﵇- (٢) الكيمياء فعلم موسى ثلث ذلك العلم هارون -﵇- (٢) وثلثه يوشع -﵇-، وثلثه قارون لعنه الله، لا يقدر أحد الثلاثة إلا بإعانة صاحبيه، فاحتال قارون في تحصيل العلم فذلك العلم الذي ادعاه ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي ولا يسأل المجرمون عن ذنوبهم، ولكنهم يعرفون بسيماهم، وهذه إحدى حالتيهم يوم القيامة.
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ركوبه الخيل الشهب في ثلثماية من الجواري والغلمان لباسهم الأرجواني وتحت كل واحد منهم قطيفة حمراء.
﴿وَيْكَأَنَّ﴾ معناه ويلك إن الله، أي: اعلم أن الله، وأنكر الفراء (٤) وقال: لا يجوز إضمار الإعلام في أول الكلام وليس يبعد كون لفظه ويلك قائمة مقام قوله: اعلم لما (٥) في الدعاء بالويل من التنبيه، وقيل: "وي" منفصلة من كان على سبيل التعجب والتخمين، وقيل: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كله على
_________________
(١) مسلم (٢٩٥٨).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) أحمد (٢/ ٤٠٣)، والحديث ضعيف.
(٤) كما في معانيه (٢/ ٣١٢) وهي في كلام العرب تقرير كقول الرجل: أما ترى إلى صنع الله كقول زيد بن عمرو بن نفيل: ويكأنْ مَنْ يكن له نشبٌ يُحَـ بَبْ ومَنْ يفتقِر يعش عيش ضُرٍّ ثم قال الفراء: أخبرني شيخ من أهل البصرة قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت.
(٥) في الأصل و"أ": (أنا).
[ ٣ / ١٣٦٥ ]
حدتها ومعناها: التقدير إلى معاد ﴿الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ وهي الفردوس منها خرج وإليها يعود.
قال ابن عباس: من قبلنا طيب في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق.
وقال ابن عباس: أراد بـ (المعاد) مكة (١)، هاجر منها متخفيًا ثم عاد إليها يوم الفتح ظاهرًا مستوليًا بفضل من الله ورحمته.
﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ استثناء منقطع.
﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ من الأعمال الصالحة كقوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: ٤٦] وقيل: كل شيء يجوز عليه الهلاك والفساد إلا هو، ويجوز دخول الآخرة في عموم هذه الآية لأنها مما يتوهم هلاكها لولا تبقية الله إياها، فالبقاء في الحقيقة لله الذي يبقيها.
عن أبي بن كعب عنه -﵇- (٢): "من قرأ طسم القصص كان له من الأجر بعدد من صدق موسى وكذبه ولم يبق ملك في السماوات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنه كان صادقًا في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ " (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٧٧٣)، والطبري في تفسيره (١٨/ ٣٥٠)، والنسائي (١١٣٨٦) عن ابن عباس - ﵄ -.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) مرّ الكلام على أن هذا حديث موضوع لا يثبت بحال.
[ ٣ / ١٣٦٦ ]