مكية (١)، وعن ابن عباس: الآية نزلت بالمدينة وهي قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٢٨] (٢)، وعن الحسن: إلا هذه وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا﴾ [الكهف: ٢٨] (٣) وقصة ذكر القرنين (٤)، وهي ماية وخمس آيات في عدد أهل الحجاز (٥).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
عن أبي الدرداء عنه -﵇-: "من حفظ أول الكهف عصم من فتنة الدجال" (٦) وروي (٧) عنه مرفوعًا (٨) -﵇- (٩): "من قرأ عشر (١٠) آيات من أول الكهف عصم من فتنة الدجال" (١١).
_________________
(١) هو المروي عن ابن عباس وابن الزبير كما في "الدر المنثور" (٩/ ٤٧٣). وهو اختيار أبي عمرو الداني في كتابه "عد آي القرآن" (١٧٩).
(٢) ذكره أبو السعود في تفسيره (٥/ ٢٠٢)، وأسباب نزولها تؤيد ذلك كما سيأتى.
(٣) لم نجده عن الحسن، ولكن أسباب النزول تؤيد ذلك.
(٤) ذكره أبو السعود في تفسيره (٥/ ٢٠٢)، وأسباب نزولها تؤيد ذلك.
(٥) أبو عمرو الداني في "عد آي القرآن" (١٧٩) وذكر أنها في العد الشامي (١٠٦)، وفي الكوفي (١١٠)، وفي البصري (١١١).
(٦) مسلم (٨٠٩).
(٧) (وروي) ليست في "ب".
(٨) (مرفوعًا) من "ب" "ي".
(٩) (-﵇-) ليست في "ب" "ي".
(١٠) في "ب" "ي": (ثلاث).
(١١) إن كان (ثلاثة) كما في بعض النسخ فهو يشير إلى رواية أبي الدرداء عند الترمذي (٢٨٨٦) وهي رواية ضعيفة. = =
[ ٣ / ١١٣٥ ]
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ الكتاب صفة عوج.
﴿قَيِّمًا﴾ مستقيمًا، وفيها تقديم وتأخير تقديرها: أنزل على عبده الكتاب قيمًا ولم يجعله عوجًا، واتصال قوله فيما يقوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ أحسن اتصال قوله: ﴿عِوَجًا﴾ به.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ بالله ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ حقيقة لأنهم لا يعرفونه ولا يعلمونه وأن تلفظوا بأسمائه، وقيل: عائد إلى اتخاذ الولد، وأراد به نفي الاتخاذ ونفي الولد كقوله: ما أرى في الدار أحدًا نفي المرئي دون الرؤية ﴿كَبُرَتْ﴾ كثرت (١) مقالتهم: اتخذ الله ولدًا (فقال لهم) مضمر في هذا الفعل ملتبسة والتاء دالة عليه، ومعناه عظمت كلمة نصب على التفسير.
﴿بَاخِعٌ﴾ قاتل ومهلك ﴿آثَارِهِمْ﴾ خلفهم وهم معرضون عنك، والأثر رسم الشيء بعد مضيه ﴿أَسَفًا﴾ أخر لرؤوس الآي والتقدير: باخع نفسك أسفًا.
﴿زِينَةً﴾ نصب على الحال أو القطع أو المفعول الثاني (٢) ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ هو الصبر والشكر على موجودها عند عبد الله بن عمرو، وعنه -﵇-: "خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا، ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرًا؛ من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله شاكرًا صابرًا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله شاكرًا ولا صابرًا" (٣) وذكر حديث:
_________________
(١) = وأما (العشرة) فهو رواية عن عائشة رواها ابن مردويه كما في الدر المنثور (٩/ ٤٧٥).
(٢) في "ي": (كبيرة)، وفي "ب" لا توجد.
(٣) انتصاب "زينة" على الحال هذا إذا جعلت "جعلنا" بمعنى خلقنا، وأما جعلها مفعولًا ثانيًا هذا إذا جعلت "جعل" تصييرية، ويجوز أن تكون اللام زائدة في المفعول كما يجوز أن تتعلّق بمحذوف صفة "لزينة". [الدر المصون (٧/ ٤٤٣)].
(٤) الترمذي (٢٥١٢)، وابن أبي الدنيا في "الشكر" (٢٠٤)، وفي "القناعة والعفاف" (١٤٥)، والطبراني في مسند الشاميين (٥٠٥، ١٣٨٧) مختصرًا، وهو ضعيف.
[ ٣ / ١١٣٦ ]
"ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأعمى وأقرع " على ما في الصحيحين (١).
﴿جُرُزًا﴾ مكانًا لم يصبه المطر، وقيل: غليظة يابسة لا نبت فيها، وقيل: كأنه أكل نباتها، وأوانه إمّا عند خروج يأجوج ومأجوج، وإما عند انقطاع الحرث والنسل وإما عند البعث ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠]، الآية.
﴿أَمْ﴾ بمعنى استفهام (٢) وإنما لم يكونوا من آيات (٣) الله عجبًا لجريان سنة الله بالكرامات (٤)، وأصحاب الكهف فتية من اليونانية، واليونانية جيل من الناس كانوا يسكنون بلاد الروم ويختلطون بهم، والاختلاف بينهم كالاختلاف بين القحطانية والعدنانية، وكانوا معنيين بعلم الفلسفة مختلفين فيها؛ فمنهم موحد ومنهم مشرك، وكان ذو القرنين منهم فلما توفاه الله امتنع ابنه عن المملكة فورث ملكه البطالمة؛ قاسم بطليموس الأول لوغوس وكان ملكه ثمانيًا وثلاثين سنة، واسم بطليموس الثاني دقيانوس وكان ملكه أربعون سنة وكان مشركًا، فابتدا أمر هؤلاء الفتية في زمانه وكانوا قد هربوا منه. وامتد سلطان البطالمة من بعد دقيانوس إلى نيف وستين ومائة سنة، ثم زال ملكهم وتحول أمر الروم إلى القياصرة من أولاد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم (٥) وأولهم أغسطوس، وفي عصره كان ميلاد عيسى -﵇-، وانتهت مدة هؤلاء الفتية في الكهف إلى نهايتها والقياصرة يومئذ على النصرانية.
و﴿الْكَهْفِ﴾ الغار ﴿وَالرَّقِيمِ﴾ قرية عند الكهف (٦)، وقال الفراء: اللوح من رصاص فيه قصتهم وأسماؤهم (٧).
_________________
(١) حديث هؤلاء في الصحيحين البخاريُّ (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٢٣٧).
(٢) هذا عند جمهور النحاة ويجوز أن تكون منقطعة فتقدر بـ"بل" التي للانتقال.
(٣) (آيات) ليست في "ب".
(٤) في الأصل: (بالمكرمات).
(٥) من قوله (ثم زال) إلى هنا ليست في "ب".
(٦) وقيل: هو اسم للكلب الذي كان مع أصحاب الكهف، وأنشدوا لأمية بن أبي الصلت: وليس بها إلا الرقيم مُجاورًا وصيدَهُمُ، والقومُ بالكهفِ هُمَّدُ [البحر (٦/ ٩٣)، ديوان أمية (ص ٣٧٥)].
(٧) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ١٣٤).
[ ٣ / ١١٣٧ ]
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: مدينة بالروم ظهر عليها ملك من الملوك كان يقال له دقيانوس على قريتهم وأرضهم وهي تسمى أقسوس، فجعل يدعوهم إلى عبادة الأوثان وجعل يقتلهم، فمن كفر بالله واتبع دينه تركه، فهدى الله شابًا من أهل تلك المدينة إلى دين الإسلام فجعل يدعوهم سرًا حتى تابع على ذلك ستة أغلمة، ففطن بهم الملك، فأرسل إليهم فأخذهم فدفعهم إلى آبائهم يحفظونهم حتى يرسل إليهم من يطلبهم من آبائهم، فأرسل إليهم فهربوا فقالت الآباء: والله لقد خرجوا من عندنا بالأمس فلا ندري أين هم، ومرّوا بغلام راعي ومعه كلب لهم فدعوه إلى أمرهم فأعجبه ذلك فتابعهم عليه ومضى معهم واتبعه كلبه واسم كلبه قطمير (١)، حتى أتوا على (٢) غار كهف فدخلوا فيه، ثم أرسلوا بعضهم إلى السوق يشتري لهم طعامًا من السوق قال: وركب الملك والناس معه في طلبهم يسألون عنه، فسمع رسولهم بذلك فعجل أن يشتري لهم كل الذي أرادوا واشترى بعضًا فأتاهم به وأخبرهم أن الملك والناس في طلبكم، فأكلوا مما أتاهم به ولم يشبعوا ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ يقول مخرجًا، ثم ناموا على جوعهم فضرب الله على آذانهم بالنوم سنين عددًا -ثلثمائة سنة وتسع سنين-.
قال: ويسير الملك والناس معه يقفون آثارهم حتى انتهوا إلى باب الكهف فوجدوا آثارهم داخلين ولم يجدوا آثارهم خارجين، فدخلوا الكهف فطلبوهم فعمى الله عليهم أبصارهم فلم يجدوا شيئًا، فقال دقيانوس: سدوا عليهم باب الكهف حتى يموتوا فيه فيكون قبورهم، إذ كانوا فيه نيامًا ثلثمائة وتسع سنين ويقلبون في كل عام مرة مخافة أن تأكل الأرض لحومهم. وعن مجاهد أنهم مكثوا ثلثمائة عام على شق واحد وقلبوا في تسع سنين (٣).
_________________
(١) ورد في رواية عن ابن عباس عند الطبراني في الأوسط (٦١١٣)، وعن الحسن عند ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٩/ ٥٠٨)، وفي مصادر أخرى (قُطْمُور).
(٢) (على) ليست في "ب" "ي".
(٣) ذكره في "الدر المنثور" (٩/ ٥٠٨) وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ٣ / ١١٣٨ ]
قال الكلبي: ثم انصرف الملك والناس حين سدوا عليهم الكهف إلى مدينة أفسوس، وعمد رجلان مسلمان يكتمان إيمانهما من دقيانوس الكافر حين انصرف الجبار، عمدا إلى اللوح من رصاص فكتبا فيه الفتية وأسماء (١) آبائهم ومدينتهم وأنهم خرجوا فرارًا من دقيانوس الملك الكافر ممن ظهر عليهم فإنهم مسلمون، ثم ألزقاه في السد من داخل الكهف، وكان دقيانوس أظهر علامات الكفر بالمدينة (٢) وقد دخل الفتية وهم يرونها، وكانوا كلما غزا ملك تلك المدينة ظهر عليها أظهر (٣) علاماته، إن كان مسلمًا أظهر علامات المسلمين وإن كان كافرًا أظهر علامات المشركين.
ثم إن صاحب الأرض التي كان فيها احتاج إلى أن يبني حظيرة لغنمه (٤) فهدم ذلك السد فبنى لغنمه (٥) فكان باب السد مفتوحًا وقد اختلف الناس فقال قائلون: لا تقوم الساعة وليست بشيء، وقال الآخرون: هي كائنة حقًا.
ثم استيقظوا بعد ثلثمائة سنة وتسع سنين على جوعهم الذي ناموا عليه، فنظر مكسملينا وهو سيدهم إلى الشمس قد زال (٦) عن مكانها الذي (٧) كانت حين دخلوا فقال: كم لبثتم؛ فقالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم. وأسماؤهم يمليخا ومرطونس ونواس (٨) وسارينوس وكشفوطط وبطيونوس.
_________________
(١) في "ب": (فكتبا فيه أسماء الفتية وأسماء )، وفي "أ": (فكتبا فيه الفتية أسماء ).
(٢) من قوله (وقد دخل) إلى هنا ليست فى "ب".
(٣) (أظهر) ليست في الأصل.
(٤) في الأصل: (يبني لغنمه).
(٥) في الأصل: (ليبني لغنمه).
(٦) في "ب": (زالت).
(٧) في "ب": (التي).
(٨) (ونواس) ليست في "أ" "ب".
[ ٣ / ١١٣٩ ]
﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ وقال مكسملينا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ وهم يرون ملكهم دقيانوس كما هو عليه ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ يقول: أيها أحل ذبيحة لأنّ عامتهم كانوا مجوسًا يوم دخلوا الكهف ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ يقول: طعامًا منه ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ في الشري ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [يقول: لا يعلمن بكم أحدًا] (١) من المجوس.
﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ العود في دينهم: الشرك بالمجوسية (٢) ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ قال: فخرج رسولهم يمليخا فلما انتهى إلى باب السد إذا حجارة مكسورة على بابه، فقال: إن هذا الشيء ما رأيناه، وكان صاحب الكهف هدمه واسمه زندليس بني حظيرة لغنمه فقال: إن هذا ما رأيناه أمس حين دخلناه، فكان أول شيء أنكره (٣) وأنكر الطريق، قال: فرجع إليهم فأخبرهم بالحجارة فأنكروه وأنكروا الطريق، فقال (٤) مكسملينا عند ذلك: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ ثم مضى يمليخا حتى أتى السوق ولا يعرف أحدًا من أهلها، وإذا ملك من الملوك مسلم يقال له: بسفاد قد غزا تلك المدينة فظهر عليها وكسر علاماتها وأظهر علامات المسلمين، فسأل يمليخا: أي مدينة هذه؟ قالوا: هذه مدينة أفسوس، قال: فأي رستاق هذا؟ قال: فأخبروه، قال: فقال: لقد أصابنا شيء إن هذه لمدينتنا وإن هذا لرستاقنا ما أعرفهما ولا أهاليهما، قال: ثم أتى خبازًا وهو يخبز فقال: يا خباز بعني من طعامك هذا، وأخرج ورقة، فلما رآها الخباز أنكرها وأنكر الرجل، فقال: إني لأنكرك فمن أين لك هذه الدراهم؟ فقال له يمليخا: ولم؟ قال: لأن معك دراهم دقيانوس الملك الكافر وقد ضربت منذ ثلثمائة سنة وتسع سنين، وأنكرك لأنك لا تشبه أهل قريتنا، إما أن تعطيني من هذا الكنز الذي وجدت وإما أن أرافعك (٥) إلى
_________________
(١) ما بين [] ليست في الأصل.
(٢) في "أ": (بالمجوسية).
(٣) من قوله (لغنمه) إلى هنا ليست في "أ".
(٤) في "ب": (قال).
(٥) في الأصل: (لدافعك).
[ ٣ / ١١٤٠ ]
ملكنا المسلم يقال له بسفاد الملك فإنك قد وجدت كنزا وإن هذه الدراهم لدراهم ما نعرفها، فكان كل ملك يحدث بعد آخر يضرب دراهمه كلها على ضربه، فمن وجد معه غير ذلك (١) الدراهم علم أنه موجد كنزًا، فلما وجدوا معه تلك الدراهم قالوا إنه كنز (٢)، فقال لهم يمليخا: إن هذه الدراهم ما خرجت بها من المدينة إلا أمس، فظن الخباز أنه يتجانّ عليه ليرسله فقال: إنك تتجان عليّ لأرسلك والله لا أرسلك (٣) حتى تعطيني من هذه (٤) الكنز أو أرافعك (٥) إلى السلطان، فلما رآه لا يعطيه شيئًا رفعه إلى ملكهم فإذا هو رجل متعبد مجتهد قائم على مسح يجتهد لربّه حيث ردّ الله على أهل تلك المدينة دينهم كما كان وقد جعل قاضيين فقيهين يهيئان أمر الناس ويدبرانه.
فرفعه الملك إلى ذينك القاضيين فسألاه فقال يمليخا: أهلي أو بنو عمي أو بعض معارفي، وجعل يبكي فرقًا أن يرفع إلى ملكهم الجبار الذي فرّ منه، فلما أدخل على القاضيين [ولم ير الجبار الذي فر منها] (٦) سكن فقال له القاضيان: دلّنا على هذا الكنز وإلا عذبناك، فقال: ما هذا بكنز إنما خرجت أنا وأصحاب لي عشية أمس هاربين من الملك دقيانوس، فقالا له: إنك رجل شاب وذلك الملك قد مضى منذ دهر طويل، قال: فقالوا: مجنون، فرفعوه إلى ملكهم فساءله فقال له: من أين لك هذه الدراهم؟ قال: خرجت بها معي عشية أمس أنا وأصحاب لي هاربين من دقيانوس وها هم أصحابي فانطلقوا إليهم، قال: وجاع أصحابه جوعًا شديدًا حين أبطأ عليهم فقال الملك: قد عرفت أنك إنما ترمي أنك مجنون لأرسلك وما أنا بالذي أرسلك حتى تخبر من أين هذه الدراهم، أخبرنا بقصتها. فقصَّ عليه أمره وأمر أصحابه فقال أناس من المسلمين قد أخبروا
_________________
(١) في "ب": (تلك).
(٢) في "ب" "ي": (لكنز).
(٣) في الأصل و"أ": (لارسلك).
(٤) في "ب": (هذا).
(٥) في الأصل: (أرفعك).
(٦) ما بين [] ليس في "ب".
[ ٣ / ١١٤١ ]
بقصته: إن آباءنا قد أخبرونا أن فتية خرجوا بدينهم، وهم مسلمون فرارًا من دقيانوس، وإنا والله ما ندري لعله صادق فاركب فانظر لعله (١) شيء أراد الله أن يظهرك عليه وأن يكون في ولايتك، فركب الملك وركب معه الناس المسلمون والكافرون حتى انتهوا إلى الكهف، فدخل صاحبهم وهم يبكون فأخبرهم بأمره الذي لقي وقال: لقد أتاكم الملك، فعانق بعضهم بعضًا يبكون ولا يشكون أنه الملك الجبار والكافر الأول، فدخل عليهم الملك والناس يسألونهم عن أمرهم، وقصوا عليهم قصتهم (٢) والذي فروا منه، فنظروا فإذا في (٣) اللوح الرصاص الذي كتبه المسلمان فيه أسماؤهم وأسماء آبائهم ودينهم وفرارهم من دقيانوس الملك الكافر فقال الملك: قوم هلكوا في زمان دقيانوس فأحياهم الله في زماني، فحسبوا ذلك فوجدوه ثلثمائة وتسع سنين، فلم يبق مع الملك أحد إلا أسلم إذ رآهم، فبينما هم (٤) إذ ماتوا فضرب الله على آذانهم بالنوم.
ثم تنازع فيه المسلمون الأول أصحاب الملك قبل أن يأتوا الكهف والمسلمون الذين أسلمُوا حين رأوهم فقال المسلمون الآخرون: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ و﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ الملك والمسلمون الأولون معه ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ قال: فبنوا على الكهف مسجدًا، ثم قال الملك المسلم وأصحابه المسلمون الأولون: مكثوا في الكهف ثلثمائة وتسع سنين، وقال المسلمون الآخرون: بل مكثوا كذا وكذا، فقال المسلمون الذين مع الملك: الله أعلم بما لبثوا في الكهف فذلك قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا﴾ أي الفريقين والقبيلين أحفظ لما لبثوا، المراد بالمسلمين النصارى وإنما سماهم ابن عباس مسلمين لأنهم لم يكونوا يقولون في عيسى قول النصارى.
_________________
(١) في "أ" (. . . . لعله صادق فاركب فانظر لعله شيء) وهو تكرار خاطئ.
(٢) في الأصل: (قصته).
(٣) (في) من الأصل.
(٤) العبارة في الأصل و"أ" غير واضحة المعنى.
[ ٣ / ١١٤٢ ]
﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ ختمنا عليها بما يمنعها النوم والسمع.
وهذا النوم ﴿أَمَدًا﴾ غاية نصب على التفسير ﴿لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾.
﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ أي هدايتهم؛ أي هداية قومهم الاعتراف بالصانع وهدايتهم توحيد الصانع إذا كانوا على مجلس نحوهم.
﴿شَطَطًا﴾ جورًا.
﴿وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ معطوف على الضمير المنصوب المتصل بالاعتزال والاستثناء على سبيل المجاز؛ لأن المشركين كانوا يعبدون الله على سبيل المجاز بما يظهرون من الخضوع، كما يعبدون أوثانهم وإن كانت عبادتهم (١) في الحقيقة تقع معصية بمخالفتهم (٢) الأمر.
﴿تَزَاوَرُ﴾ تمايل (٣) وتزايل ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تحدوهم، يقال: حدوته وقرضته (٤) ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ ﴿فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ فرجة (٥) من الكهف.
﴿أَيْقَاظًا﴾ جمع يقظ وهو المنتبه ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ جمع راقد وهو النائم ﴿ذِرَاعَيْهِ﴾ ذراع اسم يشتمل على الكف إلى المرفق ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ فناء البيت (٦) عند العتبة، وفائدة ذكر الكلمة بقاؤه في تلك المدة على تلك الحالة من جملة الآيات فصار كالحمار والبقرة المذكورين في سورة "البقرة"، أو ذكر الكلب كان موجودًا في قصتهم عند أهل الكتاب كعدة
_________________
(١) في الأصل: (عادتهم).
(٢) في الأصل: (لمخالفتهم).
(٣) قاله ابن عباس - ﵄ - وسعيد بن جبير وقتادة، رواه عنهم الطبري في تفسيره (١٥/ ١٨٥).
(٤) في "ب": (وقرضته حذوته).
(٥) في الأصل و"أ": (فوجد).
(٦) قاله ابن عباس - ﵄ - وسعيد بن جبير ومجاهد، أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١٥/ ١٩٢).
[ ٣ / ١١٤٣ ]
الملائكة تسعة عشر ﴿فِرَارًا﴾ هاربا نصب على التفسير (١) ﴿رُعْبًا﴾ نصب على أنه مفعول ثانٍ ألبسهم الله المهابة كيلا يدنوا منهم.
﴿أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ دراهمكم ﴿أَيُّهَا﴾ أي الأطعمة ﴿أَزْكَى﴾ أطهر وأنظف (٢) ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ وليتكلف اللطف في القول والفعل كيلا يفتضح.
﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٣) - ﵄ -: أن حبري أهل نجوان وهما السيد والعاقب قدما بمن معهما على رسول الله (٤) فكان السيد مار يعقوبنا والعاقب نسطوريا فسألهم نبي الله عن عدد أصحاب الكهف فقال السيد وأصحابه: ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال العاقب: خمسة سادسهم كلبهم ﴿رَجْمًا﴾ ظنا ﴿بِالْغَيْبِ﴾ ولا علم لهم بذلك (٥)، فلما رأى الله ذلك منهم قال لنبيه -﵇-: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ قال ابن عباس: أنا من جملة أولئك القليل الذين استثناهم الله منهم، فهم ثمانية: سبعة سوى الكلب (٦)، والواو في ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ للاستئناف كما في قصة بلقيس ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] ﴿مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ جدًا على وجه يشترك فيه الخاص والعام، والنهي عن الاستثناء منهم لقطع الجدال.
﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ (٧)﴾ نهي للنبي -﵇- حين قال: "أخبركم غدًا"
_________________
(١) وفيه وجه آخر وهو أن يكون منصوبا على المصدر من معنى الفعل قبله؛ لأن التولي والفرار من واد واحد، ويجوز أيضًا أن يكون مصدرًا في موضع الحال أي فارًّا وتكون حالًا مؤكدة، كما يجوز أن يكون مفعولًا له. [الدر المصون (٧/ ٤٦١)].
(٢) في "أ" "ب": (وألطف).
(٣) ذكره ابن الجوزي عن ابن عباس - ﵄ - (٣/ ٧٤)، لكن قال: رواه الضحاك عن ابن عباس وليس الكلبي كما ذكر المؤلف.
(٤) في "ب": (رسول الله -ﷺ-).
(٥) في "ب" "ي": (به) بدل (بذلك).
(٦) عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٤٠٠)، وابن سعد (٢/ ٣٦٦)، وابن جرير (١٥/ ٢١٩، ٢٢٠).
(٧) (لشيء) من "ب".
[ ٣ / ١١٤٤ ]
الأشياء الثلاثة التي ذكرناها في سورة (١) بني إسرائيل، وكان الوحي قد احتبس لذلك (٢)، وفي الآية ردّ على القدرية وهي متصلة بما يليها واذكر الاستثناء بمشيئة الله إذا نسيت الاستثناء (٣)، والتوقيت من مجاز الكلام والمراد به الشرط والحال يدلّ عليه أن الذكر والنسيان لا يجتمعان في وقت، وللتقدير فيه: إن نسيت الاستثناء عند القول فاستثنِ عقيب قولك.
﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ يدلني إلى ما يكون أقرب إلى الصواب من قولهم.
﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قيل: ازدادوا تلبثهم تسع ليال، وقيل: تسع سنين، وقيل: لم يلبثوا إلا ثلثمائة سنة ولكن الناس ازدادوا عليها تسعًا في الإحصاء، والمروي عن ابن عباس - ﵄ -: تسع سنين (٤).
﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ صورته صورة الأمر والمراد به التعجب، أي ما أبصره وهو جامد يجري مجرى الحروف.
﴿مُلْتَحَدًا﴾ معدلًا وملجأ (٥).
_________________
(١) (سورة) من الأصل فقط.
(٢) ابن جرير (١٥/ ٢٢٥)، والطبراني في الكبير (١١٠٦٩)، والحاكم (٤/ ٣٠٣).
(٣) في هذا الاستثناء عدة أوجه إعرابية، فقد ذكر أبو البقاء العكبري أن في المستثنى منه ثلاثة أوجه: الوجه الأوّل: هو من النهي، والمعنى لا تقولنَّ: أفعل غدًا، إلا أن يؤذن لك في القول. الوجه الثاني: هو من "فاعل" أي: لا تقولنَّ إني فاعل غدًا حتى تقرن به قول "إن شاءالله". والوجه الثالث: أنه منقطع، وموضع "أن يشاء الله" منصوب على الاستثناء أو الحال، وما ذهب إليه العكبري وافقه عليه الطبري وابن عطية. [البحر (٦/ ١١٥)، الإملاء (٢/ ١٠١)، الدر المصون (٧/ ٤٦٩)].
(٤) المروي عن ابن عباس - ﵄ - فيما نقله ابن الجوزي عنه أنه قال: هو حكايته عما قال الناس في حقهم وليس بمقدار لبثهم، ولو كانوا لبثوا ذلك لما قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ وكذا قال قتادة. [زاد المسير (٣/ ٧٨)].
(٥) قاله مجاهد وقتادة وابن زيد رواه عنهم الطبري في تفسيره، وكذا قال الفراء. =
[ ٣ / ١١٤٥ ]
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ نزلت فيمن نزلت آيات الأنعام (١) وفيها زيادة إنعام وهي نهي العينين عن أن يجاوزاهم إلى غيرهم من أبناء الدنيا، وفي ذلك دلالة على كونهم شهدوا رسول الله، وقيل: عينيه في الأرض بعد اتصافه ليلة المعراج بقوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] الآية، ولم يستحقوا هذه الرتبة إلا بعد ما طاشت لدينهم ودنياهم وتلاشت نفوسهم في محياهم ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ رد على القدرية وهي في شأن أبي جهل وأمثاله ﴿فُرُطًا﴾ ضائعًا (٢) منها، وقال أبو عبيدة (٣): ندمًا، وقيل: سرفًا.
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المأمور بالقول (٤) لهم هم الذين آمنوا برسول الله، الإيمان به أن أعرض الفقراء كقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] و(السرادق): الحائط من المدر والوبر (٥) ﴿يُغَاثُوا﴾ على سبيل المجاز لازدواج الكلام. و(المُهْل) ذائب الرصاص والصفر
_________________
(١) = وقال الزجاج: معدلًا عن أمره ونهيه. والملتحد: مفتعل من اللحد يقال منه: لَحَدْتُ إلى كذا إذا ملت إليه، ومنه قيل للَّحد: لَحْدٌ لأنه في ناحية من القبر، ومنه الإلحاد في الدين وهو المعاندة بالعدول عنه والترك له. [تفسير الطبري (١٥/ ٢٣٥)].
(٢) الآية لها عدة أوجه في سبب نزولها منها حديث سلمان الفارسي قال: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله -ﷺ- عيينة بن بدر والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا: يا نبي الله إنك لو جلست في صدر المسجد، ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم - يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف ولم يكن عليهم غيرها - جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك فأنزل الله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ [الكهف: ٢٧]، حتى بلغ ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩]، يتهددهم بالنار، فقام نبي اللهﷺ - يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله فقال: "الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجالٍ من أمتي، معكم المَحْيَا، ومعكم الممات" أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٤٠)، والواحدي في أسباب النزول (ص ٢٢٤)، وأبو نجم في الحلية (١/ ٣٤٥)، والبيهقي في الشعب (١٠٤٩٤).
(٣) قاله ابن عمرو - ﵄ - ومجاهد. أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٤٢)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢٣٥٨).
(٤) نقله ابن الجوزي عنه في تفسيره (٣/ ٨٠).
(٥) في "ب": (به القول).
(٦) قاله أبو عبيد الهروي، وقال ابن عباس: هو حائط من نار، وقيل: "السرادق" =
[ ٣ / ١١٤٦ ]
ونحوهما، وقيل: هو دردي (١) الزيت (٢)، وقيل: هو الصديد (٣) ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي ساءت النار مرتفقًا.
﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ "من" صلة أو تبعيض (٤) و﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ "من" للتجنيس، أساور: جمع أسورة، وأسورة: جمع سوار (٥)، والسوار: القُلْب وهو زينة الذراعين ﴿مِنْ سُنْدُسٍ﴾ رقيق الديباج ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ غليظه ﴿الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة يغلب على السرير في الحجلة، الأزهري (٦): كل ما اتكأت عليه (٧).
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ كانا من بني إسرائيل وكانا أخوين اسم أحدهما يهودا واسم الآخر يوفظروس، وكان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا وقد ورثا (٨) من أبيهما مالًا، فأما المؤمن فأنفق حصته في سبيل الله حتى افتقر، وأما (٩) الكافر فاشترى بحصته الضياع والكراع والمتاع حتى كَثُر ماله
_________________
(١) = ما أحاط بشيء كالمضرب والخباء. وقيل: هو الحجرة تكون حول الفسطاط، وقيل: كل بيت من كُرْسُف -أي قطن- فهو سرادق ومنه قول رؤبة: يا حَكَمُ بنَ المنذرِ بن الجارُوْدْ سرادق المجدِ عليك مَمْدُودْ [ديوان رؤبة (ص ١٧٢)، اللسان (سردق)، الطبري (١٥/ ٢٤٦)].
(٢) في "ب": (وردي)، وفي "ي": (هي دردي).
(٣) دردي الزيت: ما يبقى في أسفله. انظر: اللسان (درد).
(٤) قاله مجاهد. أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٤٩).
(٥) من قال إنها زائدة هو الأخفش واستدل بقوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ﴾ [الإنسان: ٢١]، وذكر المؤلف أنها تكون للتبعيض، وقيل: هي لبيان الجنس. وهذه الأوجه الثلاثة ذكرها أبو البقاء العكبري. وهناك وجه رابع ذكره السمين الحلبي وهو أنها للابتداء، ولم أجد الأخفش أشار إلى زيادتها في كتابه "معاني القرآن" فلعله في موضع آخر، ونقل عنه السمين الحلبي أنها زائدة. [معاني القرآن للأخفش (ص ٩٨ - ٢٠٩)، الإملاء (٢/ ١٠٢)].
(٦) وأسورة جمع سوار، ليست في "ب".
(٧) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة (١٠/ ٣٥٤).
(٨) ذكره الأزهري في الصحاح (٤/ ١٥٧٢) وقال: سرير منجد مزين في قبة أو بيت فإذا لم يكن في سرير فهو حجلة.
(٩) في الأصل: (وزنا).
(١٠) في الأصل: (وما).
[ ٣ / ١١٤٧ ]
وحسنت حاله وافتقر أخوه إلى نفقته فتعرض له، وكان من قصتهم ما نطق به الكتاب ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا﴾ أي أحدقنا بهما.
(كلا) و﴿كِلْتَا﴾ اسمان موحدان في اللفظ ومعناهما التثنية (١) وألفهما كألف على (٢) وإلى، ويكون خبره مفردًا والمعنى كل واحدٍ أو كل واحدة منهما كذا وكذا.
﴿يُحَاوِرُهُ﴾ يراجعه في الكلام. (النفر): الخول والولد دون العشيرة وأنهما كانا في العشيرة سواء (٣).
﴿أَنْ تَبِيدَ﴾ تهلك، قاله حماقة وغفلة أو اعتقادًا في الطوالع، وقيل: هذه إشارة وهذه أشبه بظاهر كلامه وإنكاره قيام الساعة.
﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ طمع الخبيث في خير مع كفره بقيام الساعة لاعتقاده بأن الساعة إن كانت حقا فيستشفع شركاءه الذين يدعوهم من دون الله، أو لاعتقاده بأن ابتغاء مرضاة الله في عمارة العالم، وتنمية الأموال دون الإيمان والإحسان.
﴿أَكَفَرْتَ﴾ هذا حكم بالكفر وأنكر عليه لإنكاره خراب الدنيا والتحول إلى العقبى، ويحتمل أنه لم يحكم به ولكن استفهم واستعلمه أهو كافر حيث رآه ينكر البعث والنشور ولا يعترف بأن النعمة من الله إن شاء أسلبها.
﴿هُوَ اللَّهُ (٤) رَبِّي﴾ ضمير اسم الله تعالى في محل الرفع على سبيل الابتداء، واسم الله كالبدل منه أو كالبيان له (٥)، وقيل: هو ضمير الأمر والشأن.
_________________
(١) المثبت من "ي"، وفي البقية: (التنبيه).
(٢) في الأصل: (إلى).
(٣) في "أ": (سواه).
(٤) (الله) ليست فيا "أ" "ي".
(٥) (له) ليست في "ب".
[ ٣ / ١١٤٨ ]
﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ مبتدأ، أي: ما شاء الله كان، وقيل: خبر؛ أي هذه ما شاء الله (١) ﴿إِنْ تَرَنِ﴾ شرط (٢) لقوله: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ لأنّ رؤية المجالس الفقير داعية إلى الشكر والاعتبار ﴿أَنَا﴾ عماد، وقيل: توكيد (٣) لا محلّ له من الإعراب كالضمير المتصل في قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١].
﴿حُسْبَانًا﴾ ابن عرفة: عذابًا، الأزهري: المرامى الصغار من برد أو حجارة أو نحوها (٤)، وحسبان القتبي معرفة ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ مزلة ملساء لا يثبت فيها قدم، يقال: زلق رأسه إذا حلق.
﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ عبارة عن غاية التأسف، كما أن صك الوجه عبارة عن غاية التعجب.
﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى الساعة التي أنكر الكافر قيامها، وهذه الإشارة يجوز أن تكون من جهة المؤمن، ويجوز أن تكون من جهة الله تعالى ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ مثيب ومعقب إثابة وإعقابًا (٥) و(العقب): العاقبة.
﴿هَشِيمًا﴾ ما تكسَّر وتفتق من النبات بالدوس وغيره، و(الهشام):
الكسر ﴿تَذْرُوهُ﴾ إجزاؤه في الهواء (٦) بسرعة وتفريق.
_________________
(١) إذا قلنا إن "ما" موصولة بمعنى "الذي" فإنها تكون مبتدأ وخبرها محذوف كما قدره المؤلف، وإذا قلنا "ما" شرطية فتكون في محلّ نصب مفعولًا مقدمًا وجوبًا بـ"شاء" أي: أيَّ شيءٍ شاء الله والجواب محذوف؛ أي ما شاء الله وإن ووقع. وعلى كلا التقديرين فهذه الجملة في محل نصب مقول القول. [الدر المصون (٧/ ٤٩٥)].
(٢) (ما شاء الله ﴿إِنْ تَرَنِ﴾ شرط) ليست في "أ".
(٣) توكيد لياء المتكلم في "ترني".
(٤) انظر "روح المعاني" للألوسي (١٥/ ٢٨١). وعذابًا- مروي عن ابن عباس وقتادة والضحاك- ومن فسرها "مرامي" هو أبو عبيدة وابن قتيبة والنضر بن شميل.
(٥) في الأصل: (وأحقابًا).
(٦) في "ب": (الهوى).
[ ٣ / ١١٤٩ ]
إبراهيم (١) في قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قال: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" (٢). أبو هريرة عنه -﵇-: "لإن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس" وقال: "هن الباقيات الصالحات" (٣). ابن عمر: أن النبي -﵇- خرج على قومه فقال: "خذوا جُنتكم" فقالوا: يا رسول الله من عدوّ حضر؟ قال: "بل من النار" قالوا: وما جنتنا من النار؟ قال: "سبحان الله والحمد لله (٤) ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله فإنهن يأتين يوم القيامة (٥) مقدمات ومجنبات ومعقبات وهن الباقيات الصالحات" (٦) وقيل: الباقيات الصالحات الصلوات الخمس (٧) ﴿أَمَلًا﴾ طمعًا.
﴿وَيَوْمَ﴾ واو العطف على قوله ﴿وَاضْرِبْ﴾ والتقدير: واذكر يوم كذا ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ وتسييرها قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً (٨)﴾ [النمل: ٨٨] الآية، والمعنى فيه فسخ نظام الدنيا وتسطيح العرصات وتهويل الأمر وما شاء الله من المعاني اللطيفة الخفية (٩). عمرو بن دينار: لتسبيحة (١٠)
_________________
(١) الذي ورد عن إبراهيم النخعي في "الباقيات الصالحات" أنهن الصلوات الخمس. أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٧٥)، وهكذا ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٨٨).
(٢) وردت عدة روايات في تفسير "الباقيات الصالحات" بهذه الكلمات منها ما رواه أحمد (٣/ ٧٥) عن أبي سعيد الخدري، والحديث حسن. ومنه ما رواه أحمد (٤/ ٢٦٧) عن النعمان بن بشير وهو حديث صحيح. وهناك روايات أخرى عن ابن عباس وأبو هريرة وعلي - ﵃ -.
(٣) أصل الحديث في مسلم (٢٦٩٥) وليس فيه "هن الباقيات" لكنها وردت في رواية أخرى عند النسائي في الكبرى (١٠٦٨٤)، وابن جرير (٥/ ٢٧٨).
(٤) في "ب": (والحمد لله وسبحان الله).
(٥) في الأصل: (القيامات).
(٦) الحديث عن أبي هريرة رواه النسائيُّ (١٠٦٨٤)، وابن جرير (٥/ ٢٧٨)، والحاكم (١/ ٥٤١)، والبيهقي في الشعب (٦٠٦).
(٧) روي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي. أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٧٥)، وابن أبي حاتم (٦/ ٢٠٩٢).
(٨) (جامدة) من "ب".
(٩) في الأصل: (الخفيفة).
(١٠) في الأصل: (التسبيحة)، وفي "ي": (للتسبيحة).
[ ٣ / ١١٥٠ ]
بحمد الله في صحيفة مؤمن يوم القيامة خير له من جبال الدنيا ذهبًا (١) ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ﴾ أي لم نترك ولم نخلف.
﴿صَفًّا﴾ مصدر كالاصطفاف، وقيل: اسم (٢) وهو ترتيب بعض الأشياء بجنب بعض والتشبيه بحيرتهم واشتغالهم بأنفسهم ووضع الكتاب في أيديهم أو في موازينهم.
﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ تعجب، والاستثناء منقطع.
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ عائد إلى إبليس وذريته وإلى كل معبود عبد من دون الله ﴿عَضُدًا﴾ معينًا.
﴿مَوْبِقًا﴾ مهلكًا، يقال: أوبقه الله أي أهلكه، والمراد به الوصلة التي كانت (٣) بين المشركين وآلهتهم في الدنيا أو النار يوم القيامة فيما بينهم يتهافتون ﴿مُّوَاقِعُوهَا﴾ النار، اقتحامها -النار- اسم جنس.
﴿جَدَلًا﴾ فالجدل طبيعة الإنس وإن تفاوتوا في ذلك. وقد وصف الله تعالى الصحابة بذلك فقال: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٦] قال -﵇-: "ثلاث أتخوفهم عليكم: فيض المال فيكم، وزلة عالم، ورجال يجادلون بالقرآن" (٤). والنجاة من فيض المال الشكر، والنجاة من زلة العالم أن ينتظر فتنة ولا يعمل بزلته، والنجاة من الذين يجادلون بالقرآن أن يعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه.
﴿سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ قولهم ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، وقوله: ﴿أَوْ
_________________
(١) الزهد لابن المبارك (٩٣١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٧٢)، والبيهقي في الشعب (٦٩٢) عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير.
(٢) في "أ": (أهم).
(٣) ما بين [] ليست في الأصل.
(٤) لم نجده بهذا اللفظ ولكن ورد مفرقًا منه ما رواه البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢١١) عن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعًا: (اتقوا زلة العالم". وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "لا تجادلون بالقرآن فإنما ضل من كان قبلكم بجدالهم" رواه الحارثي في مسنده [(زوائد الهيثمي (٢/ ٧٤٠)].
[ ٣ / ١١٥١ ]
﴿يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [النحل: ٤٥]، إلى أن يأتيهم العذاب نظيره ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾.
﴿لِيُدْحِضُوا﴾ ليُزلّوا وليزلقوا، ومكان دحض: أي زلق مزلة.
﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي لو لم يحلم عنهم وضيق عليهم الأمر ﴿مَوْئِلًا﴾ منجى، قيل لعلي: هلا احترزت من ظهرك، قال: فإذا أمكنت من ظهرك فلا وألت، وتلك إشارة إلى القريات التي ذكر إهلاكها في القرآن ومن جملتها جنة أحد الرجلين.
﴿مَوْعِدًا﴾ وقتًا (١) مؤقتًا لآجالهم عند الله تعالى.
عن ابن عباس أنه تمارى هو والحرّ بن قيس فمرَّ بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل (٢) موسى السبيل إلى لقيه هل سمعت رسول الله يذكر شأنه؟ قال: نعم سمعت رسول الله (٣) يقول: "بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ قام إليه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدنا خضر. فسأل موسى السبيل إليه فجعل له الحوت آية، وقيل: إذا فقلت الحوت فارجع فإنك ستلقاه فكان يتبع أثر الحوت، فقال فتاه (٤): ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قال له موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا﴾ فكان من شأنهما الذي قصَّ الله في كتابه" (٥).
عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب بني إسرائيل ليس بموسى صاحب الخضر، قال: كذب
_________________
(١) (وقتًا) من "ب" "ي".
(٢) في "أ": (يقال).
(٣) في "ب": (رسول الله -ﷺ-).
(٤) في الأصل و"أ": (قتادة).
(٥) الطبري (١٥/ ٣٢٤).
[ ٣ / ١١٥٢ ]
عدو الله سمعت أبي بن كعب يقول: سمعت رسول الله (١) يقول: "قام موسى خطيبا في بني إسرائيل فسُئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى -﵇-: أي رب، فكيف لي به؟ فقال: احمل حوتًا في مكتلك فحيث تفقد الحوت فهو ثم، فانطلق هو وانطلق معه فتاه يوشع بن نون فجعل موسى حوتا في مكتله، فانطلق هو وفتاه يمشيان حتى أتيا الصخرة فرقد موسى وفتاه فاضطرب الحوت في المكتل حتى خرج من المكتل (٢) فسقط في البحر، فقال: وأمسك عنه جرية الماء حتى كان مثل الطاق فكان للحوت ولموسى وفتاه عجيبًا، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما ونسي صاحب موسى أن يخبره، فلما أصبح: ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قال: ولم ينصب موسى حتى جاوز المكان الذي أمده به فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ " قال: يقصَّان آثارهما.
فقال (٣) سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة لا يصيب ماؤها شيئًا إلا عاش، قال: وكان الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش، قال: "فقصا آثارهما حتى أتيا الصخرة فرأى رجلًا مسجى عليه بثوب (٤)، فسلَّم موسى (٥) فقال: أنَّى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: يا موسى إنك على علم من الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علَّمنيه الله لا تعلمه، فقال موسى -﵇-: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ
_________________
(١) في "ب": (رسول الله -ﷺ-).
(٢) في "أ": (حتى خرج من المكتل) ليست موجودة.
(٣) في "ب": (قال).
(٤) في "ب": (سوف).
(٥) في الأصل: (عليه).
[ ٣ / ١١٥٣ ]
﴿تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ قال: نعم.
فانطلق الخضر وموسى يمشيان على ساحل البحر فمرَّت بهما سفينة فكلماهم أن يحملوهما فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نولٍ، فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه، قال موسى: قوم حملونا بغير نولٍ فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾.
ثم خرجا من السفينة، فبينا هما يمشيان على الساحل إذا غلام يلعب مع الصبيان فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [قال: وهذه أشد من الأولى] (١) قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ يقول (٢): مائل، قال الخضر بيده هكذا ﴿فَأَقَامَهُ﴾ قال له موسى: قوم أتيناهم فلم يضيفونا ولم يطعمونا و﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾.
قال رسول الله -ﷺ-: "رحم الله موسى لوددنا أنه كان صبر حتى يقص علينا من أخبارهم" (٣) وقال رسول الله -ﷺ- (٤):"الأولى كان من موسى نسيانًا"، قال: "وجاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة ثم نقر في البحر
_________________
(١) ما بين [] من "ب" "ي".
(٢) في الأصل و"ي": (هول).
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٣٢٦)، والبخاري في صحيحه (٣٢٧٨)، ومسلم في صحيحه (١٧٠/ ٢٣٨٠) عن ابن عباس - ﵄ -.
(٤) (ﷺ) من "ب" والأصل.
[ ٣ / ١١٥٤ ]
فقال له الخضر -﵇-: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر" (١).
وذكر الكلبي هذا الحديث عن أبي صالح عن ابن عباس موقوفًا عليه، وذكر أن مجمع البحرين بحر فارس والروم (٢)، وذكر فيه عين الحياة، وذكر أن الخضر -﵇- قال لموسى حين التفت إليه: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال موسى: ومن أخبرك بأني نبي بني إسرائيل؛ قال له الخضر: أخبر (٣) بذلك الذي أخبرك بي، فعرف موسى عند ذلك أن الخضر كان أعلم منه. وذكر بعد خرق السفينة: جلس موسى -﵇- يقول في نفسه: ما كنت أصنع أن أتبع هذا الرجل يظلم هؤلاء القوم وينقب سفينتهم كنت في بني إسرائيل أقرا عليهم كتاب الله غدوة وعشية يقبلون مني فتركت ذلك وصحبت هذا الذي يظلم هؤلاء، قال: فلما خرقها وأخرج أهل السفينة متاعهم قال الخضر لموسى: حدثتك نفسك بكذا وكذا،
ثم رجعنا إلى تفسير (٤) الآية و﴿حُقُبًا﴾ ابن عرفة: دهرًا أو زمانًا طويلًا، الأزهري (٥) في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ [النبأ: ٢٣]، جمع حقب وهو ثمانون سنة، صاحب الديوان: الحقبة ولهذه (٦) الحقب وهي السنون (٧).
﴿سَرَبًا﴾ مسلكًا الذي يواريه ما يخفيه.
_________________
(١) البخاري (٤٧٢٦)، ومسلم (٢٣٨٠).
(٢) ذكر ذلك عن قتادة كما عند عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٤٠٥). وذكره الفراء في معانيه (٢/ ١٥٤).
(٣) في "ب": (أخبرني).
(٤) ذكره القرطبي (١١/ ١٦).
(٥) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة (٤/ ٧٣)، ونقل عن الليث أن الحقبة زمان من الدهر لا وقت له، وتجمع على أحقاب. واختلفوا في تحديدها زمنيا ما بين ثمانين سنة كما قاله الليث وأبو عبيد والكسائي وما بين سنة كما قاله الفراء.
(٦) في "ب": (واحدة).
(٧) ذكره الفراء في معانيه لكن قال: الحُقُب في لغة قيس: سنة. [معانى القرآن (٢/ ١٥٤)].
[ ٣ / ١١٥٥ ]
﴿غَدَاءَنَا﴾ طعام الغداة.
﴿الصَّخْرَةِ﴾ الكتلة العظيمة من الحجر ﴿نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ أي ذكر أمر الحوت أنه عاد حيًا وتسرب في الماء، وإنما أسند الإنساء إلى الشيطان لكون النسيان (١) سبب ذوات المقصد الذي خرجا إليه، و﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بدل عن الضمير في ﴿أَنْسَانِيهُ﴾، وتقديره: أن أذكره لك ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ خبر منه لموسى -﵇-.
﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي النبوة، يقول تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، وفيه دليل على نبوة الخضر -﵇- واختصاصه بأيام مخصوصة.
﴿أَتَّبِعُكَ﴾ أصحبك.
﴿خُبْرًا﴾ علمًا.
﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الاستثناء لمعنيين؛ أحدهما: أنه سنة الأنبياء والأولياء في مواعيدهم، والثاني: وقوع التوهم بأن طاعته عسى أن تكون طاعة لله تعالى وأن تكون معصية فإذا دخل الاستثناء نفى (٢) الوعد حالة الموافقة وانتفى حالة المضايقة.
﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي حيث ابتدأنا منه (٣) ذكرًا منه.
﴿إِمْرًا﴾ شيئًا عجبًا مكروهًا كالداهية.
﴿بِمَا نَسِيتُ﴾ ابن عباس عن أبي بن كعب: لم ينس موسى ولكنه من معاريض الكلام (٤). والمراد بالنسيان الثبت فيما تقدم موضع النسيان،
_________________
(١) في "ب": (الإنسان).
(٢) في "أ": (في).
(٣) (منه) من الأصل.
(٤) الذي ورد عن ابن عباس عن أُبيّ بن كعب مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]، قال: "كانت الأولى من موسى نسيانًا". أخرجه البخاري (١٢/ ٣٢٧٨)، ومسلم (٢٣٨٠) مطولًا. لكن ورد عن أبي بن كعب موقوفًا في قوله: =
[ ٣ / ١١٥٦ ]
والمراد بالنسيان (١) المنفي هاهنا حقيقة النسيان ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ لا تعجلني ﴿عُسْرًا﴾ نصبًا لقيامه مقام المصدر.
﴿غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ ابن عباس عن أبي بن كعب قال: "الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا" (٢) والجمع بين هذا وبين قوله: "كل مولود يولد على الفطرة" (٣) أن المراد بكفر الغلام كفر النعمة لا كفران الديانة (٤) فحيث الطبيعة الراجعة إلى الكفر بعد حين. و(النكر) (٥) ضد العرف.
﴿أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ أنطاكية ﴿فِيهَا جِدَارًا﴾ بناه بناء على القواعد ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ من مجاز الكلام، أي يكاد الله يسقطه، و(الانقضاض): سقوط في انكسار.
قال الخضر: ﴿هَذَا﴾ أي وقت ﴿فِرَاقُ﴾.
﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ الكلبي: اسم الملك جلندا (٦)، وقيل: إن أولاد آمد ميافارقين من أصله وهم الأكراد، وقيل: كان هذا الملك بأنطاكية وكان عربيًا واسمه المنذر بن جلندا الأزدي.
﴿فَخَشِينَا﴾ علمنا ﴿رُحْمًا﴾ عطفًا. قال الكلبي: فولدت أم الغلام لأبيه جارية تزوجها نبي من الأنبياء فولدت له ولدًا هدى به أمة من الأمم (٧).
_________________
(١) = ﴿بِمَا نَسِيتُ﴾ قال: لم ينس، ولكنها من معاريض الكلام، وورد عن ابن عباس موقوفًا أيضًا قال: ﴿بِمَا نَسِيتُ﴾: بما تركت من عهدك. أخرجه الطبري عنهما في تفسيره (١٥/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
(٢) في "ب": (بالإنسان).
(٣) مسلم (٢٦٦١)، والطبري في تفسيره (١٥/ ٣٥٧)، والترمذي (٣١٥٠) وغيرهم.
(٤) البخاري (١٢٩٢)، مسلم (٢٦٥٩).
(٥) ما ذكره المؤلف من كفران النعمة يخالف ظاهر الآية بل يخالف ظاهر قراءة أُبَي بن كعب (فكان أبواه مؤمنين وكان كافرا) فالمراد به الكفر الحقيقي -والله أعلم-.
(٦) في "أ": (النكرة).
(٧) ذكره القرطبي كأحد الأقوال بلفظ (الجلندي)، انظر: القرطبي (١١/ ٣٣).
(٨) ذكر ابن الجوزي عن ابن عباس - ﵄ - قال: "أبدلهما به جارية ولدت سبعين نبيًا". [زاد المسير (٣/ ١٠٣)].
[ ٣ / ١١٥٧ ]
﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ ابن عباس: كان صحف علم ليس بذهب ولا فضة وكان فيه مكتوبًا: عجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلُّبها بأهلها كيف يطمئن إليها (١)، وعنه قال: كان لوح من ذهب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله أحمد رسول الله، عجبت لمن يعلم أنه ميت كيف يفرح، وعجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يرى الدنيا وتصرف أهلها حالًا بعد حال كيف يطمئن إليها (٢). وعن المسيب عمن حدثه قال: لما فارق الخضر موسى -﵇- أوصاه فقال: انتزع يا موسى عن (٣) اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تعيِّر الخاطئين بخطاياهم وإنك على خطيئتك (٤) يا ابن عمران.
ولفقراء الله تعالى إشارة لطيفة إلى علمهم المختص بهم في مراتب خطاب الخضر -﵇- قالوا: كأنه خاطب موسى -﵇- أول مرة من عند أنية نفسه التي هي الحجاب فقال: أردت ﴿أَنْ أَعِيبَهَا﴾ وذلك لكراهة إسناد الفعل إلى الله تعالى ولا ييأس المستمع بالمجانسة، وكأنه خاطبه ثانيًا من عند إنية روحه التي هي درجة الإسناد والإيهام والاتخاذ فقال: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ وذلك لاستدراج المستمع إلى المقصود، وكأنه خاطبه ثالثًا من عند الآنية التي لا أنية لها وهي عين التوحيد وحقيقة التفريد، ثم كأنه رد إلى موقف الحجاب بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ وإنما رده إلى موقف الحجاب للإبقاء عليه حتى يبلغ الكتاب أجله.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ عن عقبة بن عامر قال: كنت أخدم رسول الله -ﷺ- فخرجت من عنده فوجدت ناسًا من أهل الكتاب معهم كتب
_________________
(١) عزاه في الدر (٩/ ٦٠٠) للشيرازي في الألقاب، وقريبًا منه عند البيهقي في "الزهد" (٥٤٤)، وابن عساكر (١٦/ ٤١٥).
(٢) عزاه في الدر (٩/ ٦٠١) لابن مردويه عن علي.
(٣) في "أ" "ي": (غريب) بدل (عن) وهو خطأ.
(٤) أحمد في "الزهد" (٦١).
[ ٣ / ١١٥٨ ]
ومصاحف قالوا: استأذن لنا على محمد رسول الله قال: فدخلت فأخبرته بمكانهم قال: "ما لي ولهم يسألونني عما لا أعلم وإنما أنا عبد لا أعلم شيئًا إلا ما علمني ربي ابغني وضوء" فتوضأ ثم دخل في مصلى بيته فصلى ركعتين فلم ينصرف حتى رأيت البشر في وجهه فقال: "اخرج إليهم فأذن لهم وانظر من كان بالباب من أصحابي فأدخله" فلما دخلوا قال: "إن شئتم أنبأتكم بالذي جئتم له وإن شئتم سألتموني فأخبرتكم" قالوا: بل أخبرنا لأي شيء جئنا وعن أي شيء نسألك قال: "جئتموني تسألونني عن ذي القرنين وكيف كان أول شأنه" فقال: "وسأخبركم ما تجدونه في كتابكم إن شاء الله: إنه غلام من الروم فأتى ساحلًا من سواحل مصر فبنى له مدينة يقال لها الإسكندرية فلما فرغ من بنائه بعث الله إليه ملكًا فرفعه إلى السماء فقال له: انظر ما ترى؟ قال: [أرى مدينتي قد اختلطت في المدائن، قال: ثم رفعه فقال: انظر ماذا ترى، قال] (١): أرى مدينتي وحدها ولا أرى غيرها، قال: هذه الذي ترى الدنيا والمدير بها البحر الأخضر، قيل له: فاذهب فحدِّث العالم وعلم الجاهل قد جعل الله لك سلطانًا، فانطلق حتى أتى مغرب الشمس وأتى مطلعها وأتى السدين وهما جبلان زلقان نزل عنهما كل شيء فبناهما، ثم أتى يأجوج ومأجوج ثم جاوزهما فأتى على قوم فصاروا يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم جاوزهم فوجد أمة من الغرانيق يقاتلون القوم الذين وجوههم على وجوه الكلاب، ثم جاوزهم فوجد أمة من الحيات الحية الواحدة تلتقم الصخرة العظيمة، ثم جاوزها حتى انتهى إلى البحر المستدير بالدنيا"، فقالوا: نشهد أنا نجده هكذا (٢).
قال: كان قد وقع السؤال عن الروح والكهف وذي القرنين وقد وقع بمكة (٣) ما قدمت والآيات فيها مكية وهذا سؤالهم بالمدينة ثانيًا، والإسكندر هو ذو القرنين الثاني، قال عمر بن الخطاب: هو ملك من
_________________
(١) مابين [] من "أ" "ي".
(٢) ابن عبد الحكم في "تاريخ مصر" (٣٨، ٣٩)، وأبو الشيخ في الطبقات (٩٧٥)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٢٩٥، ٢٩٦)، وهو حديث منكر.
(٣) في "ب" "ي": (بمكة على ما قدمت).
[ ٣ / ١١٥٩ ]
الملائكة (١)، وقيل: متولد بين عبري وهو ملك وبين قهري وهي إنسية، وزعم المجوس أنه ابن داراين مهمن بن إسفنديارين بنت فيلقوس، وزعمت النصارى أنه من صلب فيلقوس لا عرق للمجوس فيه وهذا أصح، وذو القرنين الأول هو فريدون الذي يسمى نمرود، وقيل الضحاك. واختلف في الخضر -﵇- أنه على مقدمة أيهما كان حين وجد ماء الحيوان، وإنما سمي ذو القرنين الأول بذلك لأنه عاش وامتد عمره حتى هلك قرن مع ابنه أبرح وقرن مع ابنه منوشهر، أو لأنه بني حصنين في الدنيا والحصون تسمى قرونًا وصياصي، أو لأنه ملك ابنه قوش على المشرق وابنه سلما على المغرب، فهما من الناس بمنزلة قرني ذوات القرون، أو لحديث الحيتين على منكبي الضحاك، وإنما سمي الثاني بذلك لانتهائه إلى قرني المعمورة وهما (٢) طرفاها من مطلع الشمس عليها إلى مغربها أو لطول حميتها على رأسها.
وذكر الطحاوي في كتاب "مشكل الأخبار" عن أبي الطفيل قال: قام عليّ على المنبر فقال: سلوني قبل أن تسألوني ولن تسألوا بعدي مثلي، فقام إليه ابن الكوا فقال: ما كان ذو القرنين أملكًا كان أم نبيًا؟ قال: لم يكن ملكًا ولا نبيًا ولكنه كان عبدًا صالحًا أحب الله فأحبه وناصح الله فناصحه وضرب (٣) على قرنه الإيمان فمات ثم بعثه الله ثم (٤) ضرب على قرنه الأيسر فمات وفيكم مثله (٥)، وأراد بالقرن جانب الرأس.
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ السبب: العلم الذي يوصل به إلى الشيء، نهاية المعمورة من نحو الدبور متياسرة إلى الشمال.
﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ موضع من البحر المستدير سخن ماؤه من أسن
_________________
(١) لم نجده عن عمر بن الخطاب - ﵁ -.
(٢) (وهما) ليست في "أ".
(٣) (وضرب) ليست في "أ".
(٤) في "أ" "ي": (الله وضرب).
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره، (١٥/ ٣٧١)، وابن عساكر في تاريخه (١٧/ ٣٣٤).
[ ٣ / ١١٦٠ ]
وكثر فيه الحما من حرارة الشمس قبل غروبها في العين الحمئة الحقيقة (١)، وقيل: مجاز وتمثيل، وقيل: بالإلهام، وقيل: هتف به هاتف بأمر الله تعالى: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ﴾ تمكين من الاختيار على الاختبار والابتلاء ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ من جهته ﴿يُسْرًا﴾ قولًا ميسورًا به يسكن بذلك ويذهب به رعبه.
﴿مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ نهاية المعمورة من نحو الصبا متيامنة إلى الجنوب.
﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا﴾ أي هي كما نقصه عليك أو بلغ مطلع الشمس كما بلغ مغربها أو لم يكن لهم من دونها سترًا كما لم يكن لأهل المغرب، قالوا -أي على لسان الترجمان-: يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان كطالوت وجالوت وهاروت وماروت. وهؤلاء القوم وهذا الفتح الذي سدَّه ذو القرنين من نحو القطب الظاهر المحسوس الذي يسمى قطب الشمال وبلادهم باردة وفيها جبال شامخة (٢).
﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ دليل على امتناعه عن أحد الجعل ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ بالآلاف من الرجال ﴿رَدْمًا﴾ حرزًا.
﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ قطع واحدتها زُبْرَة ﴿جَعَلَهُ نَارًا﴾ أي كالنار بالإيقاد عليه ﴿قِطْرًا﴾ نحاسًا مذابًا.
﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ يعلوه ﴿نَقْبًا﴾ ثقبًا وخرقًا.
زعم ابن المقنع أن الإسكندر كتب على السدّ: بسم الله الأعز الأكرم
_________________
(١) هذا هو الأصل أن المراد بها الحقيقة وأنها الحارة التي سخن ماؤها من حرارة الشمس، وبه قال ابن عباس - ﵄ - والحسن، ولذا كانت القراءة الثانية (حامية) وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وعبد الله بن مسعود وعمرو بن العاص وابن عمر وغيرهم. [الحجة في القراءات لابن خالويه (ص٢٣٠)، العكبري (٢/ ٨٥٩)، الكشف (٢/ ٧٣)، معاني الفراء (٢/ ١٥٨)].
(٢) ورد عن ابن عباس - ﵄ - أن السدين هما الجبلان العظيمان من قبل أرمينية وأذربيجان. رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ٣٨٦).
[ ٣ / ١١٦١ ]
بني هذا السدّ بقوة الله وسيثبت ما شاء الله، فإذا مضى مائة وستون سنة من الألف الأخيرة (١) انفتح هذا السد، وذلك عند كثرة الخطايا والذنوب وتقطع الأرحام وقساوة القلوب، فيخرج من الأمم ما لا يحصيهم إلا الله تعالى فيبلغون مغرب الشمس، فيأكلون جميع ما يصلون إليه حتى يفيضوا إلى الحشيش وورق الشجر، ويشربون جميع المياه حتى لا يدعوا صبوة، فإذا بلغوا أرض كذا هلكوا عن آخرهم بإذن الله وأمره.
عن أبي هريرة عنه - ﵇ - في السد قال: "يحفرونه كل يوم حتى إذا كانوا يحفرونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقون غدًا، قال: فيعيده كأشد ما كان حتى إذا بلغ مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس قال الذي عليهم: ارجعوا ستخرقون غدًا إن شاء الله، واستثنى، فيرجعون فيجدونه كهيئته حين تركوه فيخرقونه فيخرجون على الناس فيستقون المياه ويفر الناس منهم، فيرمون بسهامهم في السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون: قهرنا من في الأرض وعلونا من في السماء قسوة وعلوًّا، قال: فيبعث الله نغفًا في أقفائهم فيهلكون، قال: فوالذي نفس محمَّد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكرًا من لحومهم" (٢).
قال كعب: تمكث الناس بعد خروج يأجوج ومأجوج إلى الرخاء والخصب والدعة عشر سنين، حتى الرجلين ليحملان الرمانة الواحدة ويحملان العنقود الواحد من العنب فيمكثون على ذلك عشر سنين، قال: ثم يبعث الله تعالى ريحًا طيبة لا تدع مؤمنًا إلا قبضت روحه، ثم يبقى الناس بعد ذلك يتهارجون كما تتهارج الحمر في المروج فيأتيهم أمر الله والساعة وهم على ذلك.
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أراد الزمان، وقيل: بوصول يوم القيامة فإن صدره من الدنيا وأعجازه من الآخرة.
_________________
(١) في "ب" الآخرة.
(٢) أحمد (٢/ ٥١٠)، الترمذي (٣١٥٣)، وابن ماجه (٤٠٨٠)، وابن حبان (٦٨٢٩)، والحاكم (٤/ ٤٨٨)، والحديث صحيح.
[ ٣ / ١١٦٢ ]
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّم﴾ في معنى قوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾ [الشعراء: ٩١].
﴿فِي غِطَاءٍ﴾ وهو ما يستر الشيء كالغشاوة ونحوها ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ وهو ما نصبه الله تعالى من العلامات للتذكرة، أراد نفي الاستطاعة التي هي موقوفة على التوفيق دون الاستطاعة التي هي موقوفة على صحة البنية.
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ﴾ قال الكلبي: الخطاب للمؤمنين، و﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ اليهود والنصارى، وقيل: الخطاب لهم كما في قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٦٠] وفائدة الاستفهام استدراج المستمعين.
﴿ضَلَّ﴾ حبط عند الله أو عند المؤمنين وفي الآخرة سعيهم الذي سعوه ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وكان علي - ﵁ - يتأول هذه في الخوارج.
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ أراد نفي السعي المتزن، عن كعب بن عجرة قال: يجاء بالرجل يوم القيامة فيوزن بالحبّة فلا يزنها، ثم يوزن بجناح بعوضة فلا يزنها، ثم تلا هذه الآية (١).
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى المُنَزَّل فهو مبتدأ وخبره، وقيل: ذلك إشارة إلى ما تقدم أي اعلم ذلك، ويكون جزاؤهم مبتدأ منقطعًا عما تقدم (٢).
﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ الفردوس البستان بلغة الشام، قال الكلبي: الفردوس أدنى الجنان منزلًا، وزاد أبو حاتم أحمد بن حمدان صاحب كتاب الزينة: أن طعام أهل الفردوس رأس الثور الذي عليه الأرض وكبد النون، فذلك
_________________
(١) البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥).
(٢) يجوز أن يكون "ذلك" خبرًا لمبتدأ محذوف أي: الأمر ذلك، فتكون "جزاؤهم" جملة مستقلة. والوجه الثاني: أن يكون "ذلك" مبتدأ أول، و"جزاؤهم" مبتدأ ثانٍ، و"جهنم" خبره، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول، والعائد محذوف، التقدير: جزاؤهم به، كذا قال أبو البقاء العكبري. [الإملاء (٢/ ١٠٩)، الدر المصون (٧/ ٥٥٤)].
[ ٣ / ١١٦٣ ]
مقيل المؤمنين يوم القيامة كما قال: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] أبو أمامة الباهلي: أن الفردوس سرّة الجنة، وعن كعب: أنها التي فيها الأعناب.
﴿حِوَلًا﴾ تحويلًا (١) وانتقالًا، ولا وصف لطيب المكان أبلغ من نفي ابتغاء التحول عن نازليه، فإن الإنسان يسأم الحياة فكيف بما دونها.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ قال الكلبي: نزلت في اليهود حيث أنكروا على رسول الله قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] (٢) والمداد والمدد مصدران على سعة علمه وقلة علوم العالمين [في جنب علمه] (٣).
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ قيل: جاء رجل إلى النبي -﵇- (٤) فقال: يا رسول إني لأصلي وأصوم وأتصدق وأصنع المعروف وأنا والله أحب أن أذكر بذلك، قال: فسكت النبي - ﵇- (٤) عنه فنزلت ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الآية قال: فأرسل النبي - ﵇ - (٤) إلى الرجل فتلاها عليه (٥)، قال: وكان أصحاب النبي - ﵇ - (٤) يقولون: ما نزلت إلا في الرياء.
وعن شهاب بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله - ﷺ - (٦): "المؤمن نيته خير من عمله وعمل المنافق خير من نيته وكلٌّ يعمل على نيته، وليس من مؤمن يعمل عملًا إلا سار في قلبه سورتان فإن كانت الأولى لله فلا تهدم الآخرة" (٧). وعن أبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري قال: سمعت رسول الله يقول: "إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى منادٍ: من كان
_________________
(١) في "أ" "ي": (تحولًا).
(٢) ذكره القرطبي في تفسيره (١١/ ٦٨).
(٣) ما بين [] ليست في الأصل و"أ".
(٤) في "ب": (- ﷺ -).
(٥) عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٤١٤)، والحاكم (٤/ ٣٢٩، ٣٣٠).
(٦) (وسلم) من "ب" "أ".
(٧) الطبراني في الكبير (٥٩٤٢)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥٥)، وأبو الشيخ في الأمثال (٥٢)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٧) وهو حديث ضعيف، وقد ورد موقوفًا وهو الراجح.
[ ٣ / ١١٦٤ ]
أشرك في عمل عمله لله أحد فليطلب ثوابه عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشريك" (١). قال البراء بن عازب: بينما رجل يقرأ سورة "الكهف" إذْ رأى دابته تركض، فنظر فإذا مثل الغمامة أو السحابة، فأتى رسول الله فذكر ذلك له فقال - ﵇ - (٢): "تلك السكينة نزلت مع القرآن أو نزلت على القرآن" (٣). وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنه أوحي إلى من قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ كان له نور من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة" (٤).
* * *
_________________
(١) رواه الترمذي (٣١٥٤)، وابن ماجه (٤٢٠٣)، والبيهقي في الشعب (٦٨١٧) والحديث حسن.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) البخاري (٣٦١٤)، ومسلم (٧٩٥).
(٤) البزار (٢٩٧)، والحاكم (٢/ ٣٧١) قال ابن كثير: حديث غريب جدًا.
[ ٣ / ١١٦٥ ]