مكية في قولهم (١) وهي مائة وتسع عشرة (٢) آية في غير عدد أهل الكوفة (٣).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ وعن كعب قال:" لم يخلق الله بيده إلا ثلاث أشياء: خطَّ التوراة بيده وخلق آدم بيده وغرس الجنة بيده ثم قال: تزيني، فتزينت - قالها ثلاث مرات- ثم قال لها: تكلَّمي، فتكلمت فقالت: قد أفلح المؤمنون" (٤).
وعن عمر بن الخطاب قال: كان النبي -﵇- (٥) إذا نزل عليه الوحي سمع عند وجهه دوي كدوي النحل، فأنزل عليه يومًا فمكثنا ساعة فسري عنه واستقبل الكعبة فرفع يديه وقال: "اللهم زدنا ولا تنقصنا، وكرمنا ولا تهنَّا، وأعطِنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضِنا وارضَ عنّا" ثم قال: "أنزل على عشر آيات من أقامهن دخل الجنة" ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
_________________
(١) هذا قول ابن عباس كما عند ابن مردويه. انظر: الدر المنثور (١٠/ ٥٥٣).
(٢) في الأصل و"أ" "ي": (عشر).
(٣) عند الكوفيين (١١٨) آية. وانظر: البيان في عدَّ آي القرآن (١٩١).
(٤) عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٤٣)، وابن جرير (١٧/ ٥).
(٥) السلام ليست في "ي"، وفي "ب": (- ﷺ -).
[ ٣ / ١٢٦٣ ]
الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ حتى ختم عشر آيات (١)، قيل: الخبر محمول على أن الآيات قبل فرض الحج والصوم، وقيل: فرضها دخل في جملة قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾.
وعن أبي هريرة: رأى رسول الله رجلًا يلعب بلحيته في الصلاة فقال: "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" (٢).
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما أبيح ﴿الْعَادُونَ﴾ جمع عادِ في قوله ﴿بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣ ﴿رَاعُونَ﴾ رعايته مراعاته ومحافظته، وعن مجاهد عن ابن عمرو (٣) قال: أول ما خلق الله من آدم فرجه قال: هذه أمانتي فأمسك عليها، وأن الفرج أمانة والسمع أمانة والبصر أمانة ولا إيمان لمن لا أمانة له (٤)، وقال -﵇- لأبي ذرّ: "الإمارة أمانة وهي يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى عليه فيها وأدى له ذلك يا أبا ذر" (٥).
وعن ميمون بن مهران قال: "ثلاث يؤدين إلى البر والفاجر: العهد يوفى إلى البر والفاجر، والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر والرحم تصلها برة كانت أو فاجرة" (٦).
ابتدأ الله تعالى بذكر الخضوع في الصلاة وانتهى بذكر المحافظة عليها لتشريفها وتأكيدها.
_________________
(١) الترمذي (٣١٧٣)، والنسائي في الكبرى (١٤٣٩)، وعبد الرزاق في المصنف (٦٠٣٨)، وعبد بن حميد (١٥)، والحاكم (٢/ ٣٩٢)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ٥٥) والحديث ضعيف.
(٢) رواه عن أبي هريرة الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٣/ ٢١٠)، وحكم بوضعه الشيخ ناصر في الإرواء (٢/ ٩٢). وذكره عن علي مرفوعًا صاحب "كنز العمال" (٢٢٥٣٠) للعسكري في "المواعظ" وقال: فيه زياد بن المنذر متروك. ورجح أنه قول سعيد بن المسيب. وقد رواه ابن أبي شيبة من قول سعيد بن المسيب (٦٧٨٧).
(٣) في جميع المخطوطات (ابن عمر) والصواب (ابن عمرو) والتصحيح من المصادر.
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "الورع" (٣٣)، وفي "مكارم الأخلاق" (٢٧٥)، والحكيم الترمذي في نوادره (٢/ ٢٠٦) (٣/ ١٥٥).
(٥) مسلم (١٨٢٥).
(٦) ذكره سعيد بن منصور في سننه (٢٦٠١).
[ ٣ / ١٢٦٤ ]
﴿سُلَالَةٍ﴾ ما انسل من الطين المسلول (١) وروي الفُعَالة مختصة بالقليل كالقلامة والفضالة.
﴿قَرَارٍ﴾ مكان مطمئن ﴿مَكِينٍ﴾ موضع التمكن فيه، وقيل: متمكن في مكان آخر كتمكن أوعية المني فيما بين الصلب والترائب وتمكن الرحم في البطن.
﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ من الغذاء، ولذلك لا تحيض الحبلى ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أي نسمة وجسدًا متصورًا ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ تعالى وتعظم، وقال ابن عرفة (٢): هي تفاعل من البركة وهي كثرة الخير والسعة. روي أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح (٣) كان يكتب لرسول الله (٤) هذه الآية فجرى على لسانه: فتبارك الله أحسن الخالقين، فقال -﵇- (٥): ["اكتب ما جرى على لسانك" فقال: إنما هو كلامي، فقال -﵇- (٥)] (٦): "كذلك أنزل علي"، فكتب ثم ارتاب في أمر النبوة وكان ذلك سبب ارتداده (٧). وقال القتبي: كان يكتب مكان العزيز الحكيم الغفور الرحيم، وكان ذلك سبب ارتداده.
﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ قال أبو عبيد الهروي: الطرائق سموات واحدتهن طريقة لأنها طرائق الملائكة والأنبياء (٨).
﴿فَوَاكِه﴾ جمع فاكهة وهو ما يتعلل به من الثمار على سبيل الاقتيات.
﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ جبل بالشام، والشجرة الخارجة منها: هي الزيتونة،
_________________
(١) روي ذلك عن قتادة، أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٨).
(٢) في "أ": (عروة).
(٣) في الأصل: (سراح).
(٤) في "ب": (- ﷺ -).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) ما بين [] ليست في "ب".
(٧) عزاه ابن حجر في "المطالب العالية" لابن راهويه (٤٠٤٩)، والطبراني في الأوسط (٤٦٥٧)، ولكن ليس عن عبد الله بن سعد بن أبي سرح ولكن معاذ بن جبل. والحديث المذكور ضعيف جدًا وخبره فيه نكارة جدًا، إذ السورة مكية ومعاذ أنصاري.
(٨) العرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة، وبه سميت كل سماء طريقة.
[ ٣ / ١٢٦٥ ]
ووجه التخصيص: الإشهار والغلبة ﴿بِالدُّهْنِ﴾ المائع الذي يعلو الماء ولا يمتزج به، ﴿وَصِبْغٍ﴾ إدام.
﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ﴾ يتشرف ويجتهد عليكم، وإنما أنكروا سماعهم لدروس أثر إدريس -﵇- (١) ومن تقدمه أو لظنهم أنهم لم يكونوا أمثال (٢) نوح -﵇- (١) أو لوقاحتهم ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (٣) القرن الآخرين قيل: عاد ورسولهم هود -﵇- (١)، ويحتمل غيرهم وغيره يقول الله تعالى لا يعلم إلا الله.
ذكر أهل اللغة في ﴿هَيهاتَ﴾ سبع لغات: هيهاتَ بالفتح بغير تنوين، وهيهاتًا بالفتح والتنوين، وهيهاتُ بالضم من غير تنوين، وهيهاتٌ بالضم والتنوين، وهيهاتِ بالكسر من غير تنوين، وهيهاتٍ بالكسر والتنوين، وأيهات بإبدال الهمزة من الهاء الأولى ومعناها النهي والنفي (٤)، وفيها شيء من معنى كلاهما ﴿كَذَّبوُنِ﴾ أي بسبب تكذيبهم.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ مذريًا أو شذرًا وعشيرته، قال الله تعالى (٥): ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٥]، ﴿تَتْرَى﴾ من المواترة والتواتر مثلما وجد لموازنته غير أو معين ما ظاهر معيون وهو المرئي بالعين.
عن سعيد (٦) بن المسيب (٧) في قوله: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أنها دمشق، وقيل أنها مصر (٨)، وقيل: أنها الناصرة (٩) وهذه هجرة من
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في الأصل: (مثال).
(٣) (آخرين) ليست في الأصل.
(٤) في الأصل: (النهي والتقي).
(٥) (تعالى) ليست في الأصل.
(٦) في الأصل و"أ": (سعد).
(٧) عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٤٥)، وابن أبي شيبة (٣٢٤٦٣)، وابن جرير (١٧/ ٥٤)، وابن عساكر (١/ ٢٠٥).
(٨) هذا ورد عن ابن وهب، وابن زيد، وابن عباس، انظر: الدر المنثور (١٠/ ٥٨٩ - ٥٩١).
(٩) الناصرة بلدة في فلسطين، ولذا فسرت الربوة أنها فلسطين، روي ذلك عن أبي هريرة أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ٥٤).
[ ٣ / ١٢٦٦ ]
عيسى -﵇-، وقال -﵇-: "بشر الفرارين بدينهم إيمانًا واحتسابًا من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى قرية أنهم معي ومع إبراهيم -﵇- يوم القيامة كهاتين" وجمع بين إصبعيه الوسطى والتي تليها (١).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -﵇- (٢): "إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الآية وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] " قال: وذكر الرجل مطيل السفر أشعث أغبر يمدُّ يديه (٣) إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك (٤).
﴿أُمَّةً﴾ نصب على الحال والمراد بها الأمة النبوية الحنيفية المستمعة إلى الوحي الإلهي.
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ إلى اليهود والنصارى والصابئين بعد أن كانوا حنفاء في الأصل، فهي كتبهم المختلفة من تلقاء أنفسهم وإن كانت (٥) جمع زبرة فهو أنهم صاروا فرقًا قطعًا ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ لأن الله تعالى لم ييسر لهم ما يسَّره لهم إلا على سبيل الاختيار دون الاضطرار والإجبار.
﴿غَمْرَتِهِمْ﴾ غشوتهم وسكرتهم.
﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾ ففي المسارعة في الخيرات بإمداد المال والبنين لكونهما على سبيل الوقف والمراعاة إلى مقابلتهما بشكر أو كفر، قال -﵇-: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] فمن رآهما ابتلاء حسنًا واستوثق الله تعالى بالإصلاح فيهما تمخضا خيرًا، ومن كانا مبلغه من
_________________
(١) لم نجد له أصلًا لكن جاء عن الحسن مرسلًا: "إن الفرارين بذنوبهم يحشرون يوم القيامة مع عيسى ابن مريم" أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ٤١٦).
(٢) (السلام) ليست في "ي" وبدله في "ب": (- ﷺ -).
(٣) في "ي" "أ": (يده).
(٤) مسلم (١٠١٥).
(٥) في "ب": (كان).
[ ٣ / ١٢٦٧ ]
العلم كانا مبلغه (١) من الغنم، وكفر بهما وبالًا حينئذ، وفي تأخير الإيمان عن الخشية دليل على وجود الإيمان بالعقل قبل وجوده بالسماع، ولولا ذلك لما تقدم الإشفاق من خشية الله على الإيمان بالآيات، فإنما تأخر نفي الشرك عن إثبات الإشفاق والإيمان لوجود الشرك في أهل الكتاب بعد ادعائهم الخشية والإيمان.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ صفة أولياء الله تعالى المعتقدين أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن موجب السعادة والشقاوة هي التقدير الأولي دون السبب العملي، وعلى هذا (٢) قال -﵇- (٣): "ما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى" وقال -﵇- (٣): "أيكم ينجيه عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني برحمته" (٤)، وعن عائشة قالت: سألت رسول الله عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ فقلت: أهم الذين يشربون الخمور ويسترقون؟ قال: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلُّون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات" (٥).
وعن شقيق بن إبراهيم (٦) الزاهد العاقل: لا يخرج من هذه الثلاثة إلا خوف: أولها أن يكون خائفًا لما سلف منه من الذنوب، والثاني لا يدري ما ينزل به ساعة بعد ساعة، والثالث يخاف من اتهام العاقبة ﴿بَلْ
_________________
(١) (من العلم كانا مبلغه) ليست في "أ".
(٢) بدل (العملي وعلى هذا) في "ب": (العلمي ولهذا).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٠٩٨)، ومسلم في صحيحه (٢٨١٨) من حديث عائشة - ﵄ - مرفوعًا بلفظ: "واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة! " قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل".
(٥) الترمذي (٣١٧٥)، وابن ماجه (٤١٩٨)، والحديث حسن.
(٦) هو شقيق بن إبراهيم البلخي الإمام الزاهد شيخ خراسان كان من كبار الزهاد وكان غازيًا بل مات في إحدى الغزوات سنة ١٩٤ هجرية. انظر ترجمته في السير (٩/ ٣١٣)، وحلية الأولياء (٨/ ٥٨).
[ ٣ / ١٢٦٨ ]
قُلُوبُهُمْ﴾ بل للإضراب عن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾ وقيل: مرتب على قوله: ﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ من الأعمال الفاسدة القبيحة من دون الكفر والجهل، وقيل: أعمالهم المقدرة عليهم أن يكتبوها في المستقبل من أعمارهم.
﴿بِالْعَذَابِ﴾ قال مجاهد: هو يوم بدر (١)، وقال الكلبي: هو القحط سبع سنين (٢)، ويحتمل معاينة العباس ورفع الالتباس، ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يرفعون أصواتهم.
و(الهجر): الهذيان، و(الإهجار) الإفحاش.
﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ بالبيت العتيق، وقيل: الضمير عائد إلى نكوصهم إن كنتم ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ (٣) بنكوصهم ﴿سَامِرًا﴾ كالباقي والحامل، وفي حديث قبله: إذا جاء زوجها، من السامري: أي من السمر (٤).
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ القرآن، فيعلموا أنه ليس في جنس كلام الناس؟ بلى قد تدبروه فسمَّوه سحرًا يؤثر ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ في
_________________
(١) عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٤٧).
(٢) أي أنها نزلت على رسول الله - ﷺ - حين أخذ الله قريشًا بسني القحط إذ دعا عليهم رسول الله - ﷺ -، حتى جاء أبو سفيان إلى النبي -﵇- فقال: يا محمَّد، أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العِلْهَز -وهو شيء يتخذونه في سني المجاعة يخلطون الدم بأوبار الإبل ثم يشوونه بالنار ويأكلونه (النهاية ٣/ ٢٩٣) - فاْنزل الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ ﴾ الآية، روى سبب النزول هذا عبد الله بن عباس - ﵄ -. أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ٩٣)، والنسائي في الكبرى (١١٣٥٢)، والطبراني في الكبير (١٢٠٣٨) وغيرهم.
(٣) (به) من "أ" "ب".
(٤) قوله "سامرًا" من السمر وهو السهر بالليل، والخطاب للمشركين فكانوا يسمرون ليلتهم حول البيت ويلعبون ويلهون ويتكلمون بالشعر والكهانة، وكانوا يقولون نحن أهل الحرم لا يخافون. [الطبري (١٧/ ٨٢ - ٨٣)].
[ ٣ / ١٢٦٩ ]
معنى قوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقيل في معنى قوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١].
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ بالأبوة والأمانة والمروءة والصيانة ومجانبة الكتابة والكهانة.
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ عن الدين، وقيل: عن الديّان.
﴿لَنَاكِبُونَ﴾ لمائلون ومنحرفون (١)، ومنه: تنكب فلان عن الطريق، ومنه النكباء والمنكب.
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾ أراد الرحمة الظاهرة وما بعدها بيان لها، لتمادوا.
﴿بِالْعَذَابِ﴾ با لجوع والخوف ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾ تضرعوا وتذللوا.
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾ إنما يلامون على ما عملوا، إنما حل بأولئك الماضين ولا قدوة في السفر.
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ الاضطرار بالإقرار لعامة الكفار لإجماعهم أن العالم مستند إلى صانع ما.
﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾ الاستعاذة من حيث مأواهم قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
﴿هَمَزَاتِ﴾ غمزات، وفي الحديث: "أما الهمزة فالموتة" (٢) قيل لأعرابي: من يهمز الفأرة؟ قال: السنور يهمزها ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ بمعنى (٣) يتدانوا مني ﴿حَتَّى﴾ غاية لعوجهم وأنهم لكاذبون.
_________________
(١) وهو في معى قول ابن عباس - ﵄ - حيث قال: "ناكبون" عادلون. والعدول عن الصراط هو الميل وإلانحراف عنه. [الطبري (١٧/ ٩١)].
(٢) هو من قول عمر بن الخطاب. انظر: كتاب أبي داود وسنن ابن ماجه، وقال ابن ماجه: الموتة: يعني الجنون، وذكره القرطبي في تفسيره (١٢/ ١٤٨).
(٣) في "ي" "ب": (أن) بدل (بمعنى)، وفي "أ": (أي).
[ ٣ / ١٢٧٠ ]
﴿بَرْزَخٌ﴾ حاجز لطيف بين الشيئين المجتمعين المتضايقين.
﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ لأن ليوم القيامة أحوالًا مختلفة وأهوالًا مؤتلفة، فإذا كانت النفخة الأولى لم يبق أحد إلا هلك (١) ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، ولانقطاع الإنساب وجوه:
اْحدها: قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾ إلى قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
والثاني: قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦].
والثالث: انتقال التعريف يومئذ إلى الأعمال والملك.
والرابع: كون كل واحد مبعوثًا من التراب مثل آدم -﵇- (٢) غير متولد من أحد، وقد قال -﵇-: "كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" (٣).
﴿تَلْفَحُ﴾ تصيب أشد من النفخ، وعن أبي سعيد الخدري عنه -﵇- قال: " ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: تشويه النار فتقلّص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته" (٤) قال عبد الله: مثل الرأس النضيح (٥).
﴿سِخْرِيًّا﴾ أي شيئًا سخريًا.
وفائدة السؤال من قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ هو التنبيه على الحيرة ﴿فَاسْأَلِ
_________________
(١) من قوله (فلا أنساب) إلى هنا سقط من "ب".
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) رواه الطبراني في الكبير (٢٦٣٤)، والبزار (٢٧٤)، والحاكم (٣/ ١٤٢)، وأبو نعيم (٢/ ٣٤)، والبيهقي (٧/ ٦٣).
(٤) الترمذي (٢٥٨٧، ٣١٧٦)، وأبو يعلى (١٣٦٧)، والحاكم (٢/ ٢٤٦، ٣٩٥)، وابن أبي الدنيا في "صفة النار" (١٠٩)، والحديث ضعيف.
(٥) عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٤٨)، وهناد في الزهد (٣٠٣، ٣٠٤)، وابن جرير (١٧/ ١١٦).
[ ٣ / ١٢٧١ ]
الْعَادِّينَ﴾ قيل: الكرام الكاتبين، وقيل: ﴿فَسْئَلِ﴾ معطوف على قوله ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ دون جوابهم.
﴿عَبَثًا﴾ لعبًا.
﴿فَتَعَالَى﴾ الفاء للعطف على معنى الاستفهام وهو إنكار العبث تعالى عن الاتصاف بالعبث. عن أبي بكر الصديق عنه -﵇- (١) قال: "لم (٢) يصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة" ينبغي أن يكون استغفاره على الحقيقة غفر له لقوله عليه: "من ساءه ذنبه غفر له وإن لم يستغفر" (٣). وعن أبي بن كعب عنه -﵇- (١): "من قرأ سورة المؤمنون بشره الملائكة بروح وريحان وتقرّ به عينه عند نزول ملك الموت" (٤).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (لم) سقطت من الأصل "أ".
(٣) ذكره في كنز العمال (١٠٢٨٢) بلفظ: (من ساءته خطيئته غفر له".
(٤) مرّ الكلام عليه وأنه حديث موضوع.
[ ٣ / ١٢٧٢ ]