مدنية إلى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فإنّها نزلت بعرفات، وحكمها مدنية (١)، وهي ماية واثنتان وعشرون آية حجازي شامي.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ المواثيق الشرعيّة التي تكون عقدها طاعة عن ابن عباس (٢)، والحال تدل عليه وإنما ابتدأ بهذا الأمر لما أعقبه من الأوامر والنواهي وهي عقود وعهود كلها.
﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث التمسك بعقد الإحرام في اجتناب الصيد. ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ الإبل والبقر والغنم (البهيمة) كل دابّة أبهمت عن العقل والتمييز واستبهمت عن الكلام وجمعه بهائم، و(الأنعام) جمع النعَم، وهي جمع لا واحدَ له من لفظه، ويقع هاهنا على البقر الوحشيّة والظباء والوعُول لقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْد [إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ استثنى من بهيمة
_________________
(١) نقل محمَّد الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير (٧/ ١٢١) أنها مكية بالاتفاق، وذكر عن ابن عباس أنها نزلت بمكة ليلًا جملة واحدة كما رواه عنه عطاء وعكرمة، كما روي عن ابن عباس - ﵄ - أن ستة آيات منها نزلت بالمدينة، ووافق المؤلف فخر الدين الرازي بكونها مدنية إلا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ﴾ [المَائدة: ٣] الآية (٣) فنزلت بعرفات. وسميت سورة الأنعام لما تكرر فيها من ذكر لفظ الأنعام ست مرات.
(٢) ابن جرير (٨/ ٩،٦)، والبيهقي في "الشعب" (٤٣٥٦) بلفظ: (يعني بالعهود؛ ما أحلَّ الله وما حرّم، وما فرض ).
[ ٢ / ٦٤٧ ]
الأنعام والمراد به المشبه ونحوها ﴿مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾] (١) استثناء من حالِ المخاطبينَ تقديره غير محلين للصيد والواو في ﴿وَأَنْتُمْ﴾ للحالِ (٢) أيضًا. و(الصيد) اسم لما يصطاد والمراد هاهنا نعمَ الصيد أو كل ما يحل من الصيد في غير حالة الإحرام وإلا لما كان لتقييد الوصف بالإحرام فائدة. ﴿حُرُمٌ﴾ جمع إحرام (٣) قال الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]. ﴿مَا يُرِيدُ﴾ تكون الإرادة بمعنى المشيئة فيدل على أنه ليس تحت حكم ولكنه متصرف على قضية مشيئة أو بمعنى المحبّة فيدل على أن الأحكام الشرعية كلها محبوبة مرضيّة محمودة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في شريح بن ضبيعة بن شرحبيل أتى المدينة، وقال لرسول الله: إلى ما تدعو إليه؟ قال: "إلى (٤) شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة"، قال: إن ما تدعو إليه حسَن، ولكن لي قومًا لا أقطع الأمر دونهم، فقال: "لقد دخل هذا بوجه كافر وخرج بعقبى غادر، وما هو بمسلم" فمرَّ على سرح المدينة فاستاقها، فلما كان العام المقبل خرج هذا الرجل حاجًا في حجاج بكر بن وائل فاستأذن المسلمون رسول الله في التعرض لهم فأنزل. وعن السدي وابن جريج أن اسم الرجل حُطم (٥). ﴿شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ غير المعطوف عليه كالمواقيت التي لا
_________________
(١) ما بين []، من "ي" فقط، وفي "أ" ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المَائدة:١] فقط.
(٢) أي أن جملة "وأنتم حُرُم" مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال وهي حال من ﴿مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المَائدة:١] وهو اختيار الزمخشري والأقرب أنها حال من الضمير في "مُحلي" وهو اختيار مكي بن أبي طالب ورجحه السمين الحلبي. [الكشاف (١/ ٥٩١)، الدر المصون (٤/ ١٨٦)].
(٣) وقيل: "حُرُم" جمع حرام بمعنى مُحرِم، ومنه قول المخبل السعدي: فقلت لها فيئي إليك فإنني حَرَامٌ وإني بعد ذاك لبيبُ أي محرم ومُلَبٍّ. [أمالي القالي (٢/ ١٧١) اللسان "لبب"].
(٤) (إلى) ليست في "ب".
(٥) هذه رواية الواحدي في أسباب النزول (١٠٧) بدون سند. وقد ورد عن الحُطَمُ بن هند البكري والبعض يقول: (شريح بن ضبيعة بن شرحبيل) نفسه هو (الحُطَم ) وقد رواه ابن جرير (٨/ ٣١ - ٣٣).
[ ٢ / ٦٤٨ ]
يجوز مجاوزتها بغير إحرام، وكالحرم لا يجوز القتال فيه ﴿الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ رجب، وعن عكرمة ذو القعدة (١) ﴿وَلَا (٢) الْقَلَائِدَ﴾ قال ابن عباس: حرم الله الهدايا (٣) المقلّدة وغير المقلّدة، وقيل: كان المشركون يقلّدون الإبل بلحاء الشجر تشبيهًا بالهدايا لئلا يُتعرض لها فأمر الله باجتنابها كالهدايا، وقيل: نهى الله عن إمساك القلائد بعد نحو البدن فإن سبيلها الصدقة وهي من صوف. قالت عائشة: كنت أفتل قلائد بدن رسول الله وهو في بيته يصنع ما يصنع الحلال (٤)، ﴿يَبْتَغُونَ﴾ حال ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ إنما نصب البيت لوقوع الفعل عليه ﴿فَضْلًا﴾ رزقًا ونعمة ﴿وَرِضْوَانًا﴾ على سبيل الظن كقولهم (٥): ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ إباحة ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يحملنكم ولا يستعملنكم، و(الاعتداء) أخذ البريء بالجاني؛ لأن الصدّ كان من جهة قريش، وهم كانوا يستحلون حجاج بكر بن وائل وقد قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. ﴿تَعْتَدُوا﴾ في محل النصب بأن يدل عليه سقوط النون ﴿وَتَعَاوَنُوا﴾ في محل الجزم على سبيل الأمر بدليل سقوط النون.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾ الآية، لا بدّ من كون هذه المحرمات محرمة قبل نزول الآية، فإنها نزلت بعرفات عام حجة الوداع، وفائدة ذكرها التأكيد إذ ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ رأس آية تامّة حتى يكون النازل يوم عرفة قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٦) روي أن يهوديًا قال للفاروق: لو نزل علينا مثل هذه الآية يومًا لاتخذناه عيدًا، فقال: إنها نزلت يوم الجمعة وهو عيدنا ويوم عرفة وهو عيدنا، واستخرج بعض المنجمين أنه يوم دخول الشمس في برج
_________________
(١) ابن جرير (٨/ ٢٥) واختار ابن جرير أن الشهر الحرام هو رجب مضر وهو شهر كانت مضر تحرم فيه القتال.
(٢) (ولا) ليس في "ب".
(٣) (الهدايا) ليس في "ب".
(٤) البخاري (١٦١٥) ط. البغا، ومسلم (١٣٢١).
(٥) في "ب": (كقوله).
(٦) (دينكم) ليس في "ب" "ي".
[ ٢ / ٦٤٩ ]
الحمل. قال -﵇-: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض" (١) فكان هذا المستخرج يقول قوله -﵇- هذا حجة على جميع الفلاسفة حيث إنه علم ولم يكن منجمًا ولا صاحب منجم، ثم بين الله للمؤمنين محافظة حساب القمر دون الشمس؛ لأنه أحوط لأوقات العبادة. وروي أن اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية كان قد اتفق عند اليهود والنصارى والمجوس.
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ التي ماتت بالمنعِ عن التنفس ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ التي وُقذت بالعصا وضربت حتى ماتت ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ (٢) التي ماتت بالتردي (٣) من أعلى إلى أسفل ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ التي نطحتها صاحبتها فقتلتها. وذكر الأربع ليبين أن سبب الموت إذا كان ظاهًا لم يقم مقام الذكاة بخلاف السمك ﴿وَمَا أَكَلَ﴾ افترس السبع ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ذبحتم، والتذكية: التطهير. وفي الحديث: "ذكاة الأرض يبسها" (٤) الاستثناء راجع إلى ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ وقيل إلى ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ فما بعدها، وشرط الاستدراك أن يكون حياتها واضطرابها أكثر من حياة المذبوح و﴿النُّصُبِ﴾ ما نصب من الأوثان إلا أنه لا صورة له والصنم مصور (٥) ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ وذلك ما يتقامرون به، كانوا يجتمعون عشرة ويشترون جزورًا ويضربون بالأزلام -وهي القداح واحدها زلم وزُلم- يطلبون القسمة، فمنهم من ذهب باللحم ومنهم من غرم الثمن
_________________
(١) البخاري (٤٥)، ومسلم (٣٠١٧).
(٢) في الأصل: (المتردي).
(٣) في "أ": (التي ماتت بالمنع عن النفس) وهو خطأ.
(٤) هذا الحديث احتجت به الحنفية مرفوعًا في كتبهم كالهداية، ولا أصل له مرفوعًا وإنما ورد عن محمَّد بن علي الباقر، وروي عن أبي قلابة من قوله بلفظ: جفوف الأرض طهورها.
(٥) أي أن الأنصاب غير الأصنام فهي نوع من الحجارة يذبح عليها أهل الجاهلية. وكان عند الكعبة ثلاثمائة وستون حجرًا فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدمَ على ما أقبل من البيت وشرحوا اللحم وجعلوه على الحجارة. روي ذلك عن ابن عباس وابن جريج ومجاهد وقتادة، رواه عنهم الطبري في تفسيره (٨/ ٧٠). وانظر: تفسير مجاهد، ص٣٠٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
لما وضعوا من الرسم، وربما كانوا يفعلون على وجه البر والصلة بزعمهم وصرفهم (١) ويصرفون ذلك إلى الفقراء (٢) مراءاة ومباهاة فحرّم الله ذلك على المسلمين ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى الاستقسام (٣) بالأزلام (٤).
﴿الْيَوْمِ﴾ اللام للمعهود وهو يوم عرفة، وقيل: المراد به الآن ﴿يَئِسَ﴾ قنط، كانوا من قبل يطمعون في رجوع المؤمنين لما يشاهدون من النسخ والتبديل فلما قرن الله الشرائع كلها ونفى المشركين عن الحرم وأبطل النسيء قنطوا ويئسوا، والكامل لا يحتمل الزيادة بخلاف التمام ﴿وَرَضِيتُ (٥)﴾ الواو ليس للعطف على العامل في اليوم؛ لأن الرضا لم يختص (٦) بذلك اليوم ﴿مَخْمَصَةٍ﴾ مجاعة، والأخمص: الضامر ﴿مُتَجَانِفٍ﴾ متمايل إلى الإثم (٧) كقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تقديره (فأكل غفر له) أو يدل على الرخصة في بيان المحرمات عند الضرورة ولذلك قام مقام الجزاء.
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ نزلت في زيد الخيل الذي سماه النبي -﵇- (٨) زيد الخير، وفي عدي بن حاتم الطائي سألا رسول الله عن حكم الصيد وما يحل من
_________________
(١) (وصرفهم) ليست في الأصل.
(٢) في الأصل: (للفقراء).
(٣) في الأصل: (الاستفهام).
(٤) قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ [المَائدة: ٣] لا يعود إلى الاستقسام بالأزلام فحسب بل يعود إلى كل ما ذكره الله في الآية من المحرمات فهي خروج عن طاعة الله. وهكذا روي عن ابن عباس - ﵄ -. أخرجه عنه الطبري (٨/ ٧٧).
(٥) في "أ": (ونصبت).
(٦) في "أ": (تختص).
(٧) وهذا تفسير الطبري وأعقبه بقوله: وهو في هذا الموضع مراد به المتعمد له المقاصد إليه، من: جنف القوم عليَّ إذا مالوا، وكل أعوج فهو أجنف عند العرب، وما ذكره الطبري رواه عن ابن عباس - ﵄ - حيث قال في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾ [المَائدة: ٣] غير متعمد. وروي مثله عند الطبري عن مجاهد وقتادة. [الطبري (٨/ ٩٤)].
(٨) (-﵇-) ليست في "ب"، وفي "أ": (عليه).
[ ٢ / ٦٥١ ]
الطيبات المذكيات أو غير الخبائث من السبع والحشرات (١) ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ من الشرط والجواب ﴿فَكُلُوا﴾ و﴿الْجَوَارِحِ﴾ الكواسب من الفهود والكلاب و(التكليب) تعليم هذه الجوارح ونصب ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ حال (٢) ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حال أيضًا لمضارعته (٣).
الاسم ﴿أَمْسَكْنَ﴾ جنس الصيد على الصائد ولا يأكلن منه بالتعليم لا بالإتقان إلا (٤) الدم المسفوح ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ على الصيد حالة إرسال الجوارح ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما أحل وحرّم، ذكر (سرعة الحساب) لتأكيد الزجر والتحذير في معنى الجزاء ومن نوقش في الحساب عُذِّب (٥).
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ذبائحهم، واذكروا عليه اسم الله وحده، وفائدة تحليل طعامنا لهم رفع الجناح عنا في إطعامهم ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ العفائف
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في ابن كثير (٣/ ٢٨).
(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (١/ ٣٠٢)، وللزجاج (٢/ ١٤٩)، وإعراب القرآن للنحاس (٢/ ٤٨٤)، وهي حال من فاعل "علمتم"، وفائدة هذه الحال أن يكون المُعَلِّم ماهرًا بالتعليم حاذقًا فيه موصوفًا به. واشتقت هذه الحال من لفظ (الكلب) الحيوان المعروف وإن كانت الجوارح يندرج فيها غيره حتى سباع الطيور تغليبًا له.
(٣) ما ذكره المؤلف هو أحد الأوجه الإعرابية. والوجه الثاني: أنها جملة مستأنفة. والوجه الثالث: أنها جملة اعتراضية وهذا على جعل "ما" شرطية أو موصولة خبرها "فكلوا" فيكون قد اعترضت بين الشرط وجوابه أو بين المبتدأ وخبره. والوجه الرابع: أنها حال متداخلة أي أنها حال من الضمير المستتر في "مكلبين" فتكون حال من حال وتكون حال مؤكدة. [الإملاء (١/ ٢٠٧)، الدر المصون (٤/ ٢٠٣)].
(٤) في "أ": (لا).
(٥) قوله: "من نوقش في الحساب عُذِّب" هو قطعة من حديث أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٢٠٤/ ٧٩) من حديث عائشة - ﵂ - مرفوعًا قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "من حُوسِبَ يوم القيامة عُذِّبَ" فقلت: أليس قد قال الله -﷿-: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾؟ فقال: "ليس ذاك الحساب انما ذاك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّبَ" والحديث أخرجه أيضًا الترمذي (٣٣٣٧)، والإمام في مسنده (٦/ ٩١ - ١٢٧)، والحاكم في مستدركه (٤/ ٢٥٠) وغيرهم.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
غير الزانيات ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهنّ ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ يجحد الإسلام وشرائعه، و(حبوط أعماله) (١) إنكاره الثواب ورضاه بأن يجازى على الإسلام.
إنما قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ ليعلم أن الصلاة هي الصلاة المفتقرة إلى الوضوء دون القصد إليها وليعلم أنه شرط في صحة عبادته وليست بعبادة في نفسها (٢) ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ عن النوم (٣). عن ابن عباس وابن زيد: دلّت الآية (٤) الحال على أنهم محدثين، وممن خصّ المحدثين بالخطاب عن ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبو موسى الأشعري وجابر بن عبدالله وابن عمر (٥). وصلَّى النبي -﵇- الصلوات كلها يوم فتح مكة بوضوء واحد فقال عمر: فعلت شيئًا يا رسول الله عمدًا؛ فقال: "لتبيين الشرع" (٦)،
_________________
(١) في "ي": (عمله).
(٢) أي أن الوضوء وسيلة إلى تحقيق العبادة المتمثلة بالصلاة ليستقبل ربه بالطهور الحسين في غسل أعضاء البدن المنصوص عليها شرعًا، مع أن ذات الوضوء عبادة وقربة إلى الله -﷿- لأن فيه امتثالًا لأمر الله الذي قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المَائدة: ٦] الآية. وفيها من ألفاظ الذكر كالتسمية عند الوضوء والدعاء بعد الفراغ منه وأن العبد يؤجر في هذه العبادة أثناء الوضوء فتتساقط ذنوبه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، كما جاء في الحديث، فهي عبادة من هذا الوجه. والله أعلم.
(٣) روي ذلك عن زيد بن أسلم والسدي، رواه عنهما الطبري في تفسيره (٨/ ١٥٦). أما ما ذكره المؤلف عن ابن عباس وابن زيد فلم نجده.
(٤) (الآية) ليست في "ب " "ي".
(٥) أما عن ابن عباس - ﵄ - فرواه الطبري (٨/ ١٥٢) قال في هذه الآية: لا وضوء إلا من حدث، وأخرجه عبد الرزاق (١٦٧). وأما عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - فقال: "صلِّ بطهورك ما لم تحدث"، أخرجه الطبري (٨/ ١٥٣)، والدارمي (١/ ١٦٨)، والطحاوي (١/ ٤٥). وأما عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: لا وضوء إلا على من أحدث. أخرجه الطبري (٨/ ١٥٣)، وذكره ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٣٨). وأما عن جابر بن عبدالله - ﵁ - فقال الفضل بن المبشِّر: "رأيت جابر بن عبدالله يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بالَ أو أحدث، توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين " أخرجه الطبري (٨/ ١٥٦)، وابن ماجه (٥١١).
(٦) لفظ الحديث عن سليمان بن بريدة عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة صلى الصلوات كلها بوضوء واحد فقال له عمر: يا رسول الله، صنعت شيئًا لم تكن تصنعه. فقال: "عمدًا فعلته يا عمر". أخرجه مسلم (٢٧٧)، =
[ ٢ / ٦٥٣ ]
ويجوز ترك الفضيلة لبيان الشرع، كتأخير المغرب عند تعليم المواقيت. و(الغسل) إمرار الماء على أعضاء الوضوء، فلولا قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ ماء لسقط الوجوب بالغسل بكل مائع و(إلى) بمعنى مع و﴿الْمَرَافِقِ﴾ اسم لجميع الذراع (١) والعضد، (والمسح) إمساس الماء (والباء) للتبعيض كقولك أخذت بزمام الناقة، وقيل: للاستيعاب (٢) كقوله: ﴿وَلْيَطَوَّفُواْ بِاَلبيتِ العَتِيقِ﴾ [لحج: ٢٩]. وقد روي أنه - ﷺ - (٣) مسح على ناصيته (٤) و(الأرجل) الأقدام واحدها رجل ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فاغتسلوا ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ لابتداء الغاية وهو أن يدفع يديه للمسح من الصعيد ويحتمل التبعيض.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ إن أجريت الخطاب على العموم فالميثاق المذكرر ما التزمناه عند الدخول في الإسلام أو حين عقلنا الإسلام (٥) أو ما
_________________
(١) = وأبو داود (١٧٢)، والترمذي (٦١)، والنسائي (١٣٣)، والإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٥٨)، وابن خزيمة (١٢)، والدارمي (١/ ١٦٩) وغيرهم.
(٢) قال الزجاج: المرفق في اللغة ما جاوز الأَبره وهو المكان الذي يرتفق به، أي يتكأ عليه على المرفقة - أي الوسادة - وهو حد ما ينتهي إليه في الغسل منها. فإلى بمعنى مع كما قال أهل اللغة. [(معاني القرآن (٢/ ١٥٣)].
(٣) وقيل إن الباء للإلصاق أي: أَلْصقوا المسح برؤوسكم قاله الزمخشري، وقيل: الباء زائدة فهي كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [لبَقَرَة: ١٩٥] ومنه قول الراعي النميري، وقيل لقتال وهو قول الكلابي: هُنَّ الحرائرُ لا رَبَّاتُ أَحْمِرَةٍ سُودُ المَحَاجِرِ لا يقرأْنَ بالسُّوَرِ وهذا ظاهر كلام سيبويه. وقال الفراء: تقول العرب "خذ الخطام، وخذ بالخطام". وأما ما ذكره المؤلف من أنها للتبعيض فيشهد له قول أبي ذؤيب الهذلي: شربنَ بماء البحر ثم ترفعت متى لججٍ خُضْرٍ لهنَّ نئيجُ أي شربن من ماء البحر. [الكتاب (١/ ٣٧)، الكشاف (١/ ٥٩٧)، معاني القرآن للفراء (٢/ ١٦٥)، ديوان الهذليين (١/ ٥١)].
(٤) في الأصل: (-﵇-)، وفي "ي": (عليه).
(٥) رواه الشافعي في مسنده (١٤).
(٦) وهو اختيار عبد الله بن عباس - ﵄ -، رواه عنه ابن جرير الطبري (٨/ ٢٢٠)، وأخرجه الطبراني في معجمه (١٣٠٣١)، ورجحه الطبري في تفسيره، وابن كثير (٢/ ٤١).
[ ٢ / ٦٥٤ ]
أخذ الله بقوله علينا (١) قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقيل: الخطاب للمؤمنين من اليهود، و(الميثاق) ما أخذ الله عليهم في التوراة (٢)، وقيل: الخطاب لأصحاب الشجرة أو لأصحاب العقبة، والميثاق هي البيعة المأخوذة منهم ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الضمائر، سمي للعرض هاهنا ذا جوهر، والجوهر في سائر المواضع ذا عرض فقال ﷾: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] و﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] و﴿ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ لاتساع لفظ (ذا) وإطلاقه على جميع ما ينطلق عليه اسم الشيء؛ وهو إذا أضيف إلى شيء أعربه وخرج عن كونه مشارًا إليه، وهو عند الإضافة هو المضاف إليه في الحقيقة دون ما أضيف إليه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في النبي -﵇- ذهب إلى اليهود يستقرضهم شيئًا في تحمل الدية فهمّوا بقتله فأنزل الله (٣)، وقيل: هي في صدّ قريش، و(العدل مع الكفار) أن لا يجاوزوا بالمثلة وقتل (٤) النساء والصبيان، والمقابلة بالبهتان ﴿هُوَ﴾ عائد إلى القتل، والتفضيل وقع على غير العدل مما ذكرنا.
﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ المغفرة والأجر العظيم، وإنما ارتفع على الابتداء أو على أنه خبر اللام ولم ينتصب (٥) لأنه جاء محكيًا إذْ الوعد كالقول (٦).
_________________
(١) وهذا قول مجاهد رواه ابن جرير (٨/ ٢٢٠)، تفسير مجاهد (٣٠٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٦٥) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٤١) عن ابن عباس - ﵄ -.
(٣) أخرجه ابن جرير (٨/ ٢٢٨) عن عبد الله بن كثير. وانظر: سيرة ابن هشام (٣/ ١٨٣)، والبداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٥٢٨) وسنده ضعيف ففيه ضعيفان ومدلس.
(٤) في "ب" "ي" والأصل: (وقيل).
(٥) في الأصل: (ينصب).
(٦) إجراء الوعد مجرى القول هو مذهب كوفي ويجعل "وعد" واقعًا على الجملة التي هي قوله "لهم مغفرة". و"وعد" تتعدى لاثنين، الأول: الاسم الموصول، والثاني: محذوف. وجملة "لهم مغفرة" مفسرة لذلك المحذوف وهي الجنة وقد صرح بها في آية التوبة (٧٢) في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [التوبَة: ٧٢] الآية. =
[ ٢ / ٦٥٥ ]
﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو للاستئناف ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ آخر مع خبره، خبر المبتدأ الأول.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عن جابر أن العرب همّوا (١) باغتيال رسول الله - ﷺ -، فبعثوا إليه أعرابيًا ورسول الله نازلٌ تحت شجرة علّق فيها سلاحه وقد تفرق عنه أصحابه مستظلين تحت العضاة (٢)، ففجئه الأعرابي شاهرًا سيفه وقال: مَنْ يمنعك مني؟ قال: "الله"، وكرر الأعرابي كلامه ثالثًا وكرر النبي -﵇- (٣) جوابه، فصرف الله المخذول عنه فرجع خائبًا فأنزل (٤)، وعن ابن عباس: أن اليهود صنعوا طعامًا ودعوا رسول الله يريدون به القتل فأعلمه الله وصرف كيدهم (٥)، ثم ذكر منّته على المؤمنين بذلك، وعن مجاهد والسدي وأبي مالك وعكرمة أنه -﵇- كان صالح اليهود من قريظة والنضير على أن يقرضوه إذا استقرضهم فيما يحتاج إليهم من الديات، ثم إن عمرو بن أمية الضمري قتل قتيلين من الأسلميين خطأ، فذهب النبي -﵇- (٦) معه أبو بكر وعمر وعلي إلى بني قريظة يستقرضهم شيئًا في دية القتيلين، فقالوا: مرحبًا بأبي القاسم، ثم قالوا: إخواننا بنو النضير لا نقضي دونهم شيئًا ترجع اليوم وتأتينا يوم كذا، ثم تآمروا فيما
_________________
(١) = وذكر الزمخشري في جملة "لهم مغفرة": يجوز أن تكون بيانًا للوعد أو منصوبة بقول محذوف، التقدير - قال لهم مغفرة - أو أنه أجري الوعد مجرى القول كما هو مذهب الكوفيين. [الكشاف (١/ ٥٩٨)، الدر المصون (٤/ ٢١٨)].
(٢) في الأصل "ب ": (هو).
(٣) العضاة: شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك، الواحدة: عِضة بالتاء، وقيل: واحدته: عضاهة [النهاية (٣/ ٢٥٥)].
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) القصة في البخاري ومسلم دون ذكر سبب نزول الآية أما سبب نزول الآية ففي عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٨٥)، وعبد بن حميد (١٠٨٠)، وابن جرير (٨/ ٢٣٢، ٢٣٣)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٧٤)، وأبي نعيم في "دلائل النبوة" (١٥٢).
(٦) رواه أبو نعيم في "الدلائل" (٤٢٥)، وابن جرير (٨/ ٢٣١)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٦٦) إلى ابن أبي حاتم.
(٧) (السلام) ليست في "ي".
[ ٢ / ٦٥٦ ]
بينهم وأجمعوا على الفتك به يوم الميعاد، فلما أتاهم يوم الميعاد أجلسوه مع أصحابه في صفة وخرجوا يرفعون الأسلحة وينتظرون كعب بن الأشرف وكان غائبًا، فلما كاد يتم كيدهم أطلع الله نبيه على ذلك فخرج ولم يُعلم أحدًا من (١) أصحابه لئلا يقابلوهم بالشر، ثم (٢) خرج (٣) واحد بعد واحد في أثره فأنزل الله الآية (٤).
وسبب اختلاف الرواة في مثل هذه الآية غيبتهم عن النبي -﵇- وقت النزول ومشاهدتهم إياه يتلوها في حادثة مثل ما نزلت فيه، وكانوا يظنون أنها نزلت في (٥) ابتداء ﴿هَمَّ﴾ أراد وقصد ﴿أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أن يصيبوكم بمكروه ويبسطوا عليكم يقال: بسط يده بسطًا، ومنه قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقال هابيل لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ [المائدة: ٢٨].
(النقيب): فوق التعريف سمي نقيبًا لكونه بالمرصاد من قومه لا ينفذ لهم أمر دونه (٦)، والنقب الطريق (٧). والنقباء اثنا عشر الذين اختارهم موسى -﵇- وبعثهم عيونًا إلى العمالقة فنصح لله اثنان وخان عشرة، وقيل: هم كفلاء الأسباط وضمناؤهم، وكان لكل سبي كفيل وضمين، وقيل: هم ملوك بني إسرائيل منهم من أوفى بالعهد ومنهم من نقض العهد (٨) ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾
_________________
(١) (من) ليست في "أ".
(٢) (ثم) ليست في "ب".
(٣) (خرج) ليست في "ب".
(٤) أما عن مجاهد فرواه ابن جرير (٨/ ٢٢٨). وأما عن السدي وأبي مالك فعند ابن جرير كذلك (٨/ ٢٣١)، وأما عن عكرمة فرواه ابن جرير (٨/ ٢٣٠ - ٢٣١).
(٥) (في) من "ي" "ب".
(٦) في "ي" "ب": (ليردونه).
(٧) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن (١/ ١٥٦): النقيب هو الأمين الضامن على القوم، وهو قول الربيع بن أنس. وهو الذي يفتش عن أحوال القوم وأسرارهم ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [ق: ٣٦].
(٨) أخرج الطبري (٨/ ٢٤١) عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المَائدة: ١٢] قال: هم من بني إسرائيل، بعثهم موسى لينظروا له إلى المدينة، =
[ ٢ / ٦٥٧ ]
بالموالاة قبل التحريف والتبديل، والخطاب لبني إسرائيل، و(تعزير الرسل): موافقتهم ومظاهرتهم، وقيل: تعظيمهم وتوقيرهم. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ (١)﴾ جواب لقوله: ﴿لَئِنْ﴾.
﴿وَنَسُوا﴾ تركوا (٢)، وقيل: تغافلوا حتى خفي عليهم وذهب عنهم عمله. ﴿تَطَّلِعُ﴾ افتعال من الطلوع وهو الوقوف على الشيء، و(الخائنة): الخائن دخلت الهاء للمبالغة، وقيل: صفة للطائفة، وقيل: مصدر كالعاقبة والكاذبة، وخيانتهم مكرهم (٣) ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ عبد الله بن سلام وأصحابه ﴿فَاعْفُ﴾ اترك محاربتهم ما لم يظهروا عدوانهم، وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً (٤)﴾ [الأنفال: ٥٨] الآية.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ دليل أنهم لُقِّبُوا بهذا اللقب مبتدعين من عند أنفسهم (أغرينا) هيجنا وسلطنا بينهم؛ بين فرق النصارى، فتفرقوا اثنتين وسبعين فرقة، وقيل: بين اليهود والنصارى، وأسباب المودة والعداوة وغيرهما لا تنقطع إلا يوم القيامة فيومئذ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [القصص: ٦٦]، وكانت أفئدتهم هواء ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ﴾ تهديد ﴿يَصْنَعُونَ﴾ يفعلون.
_________________
(١) = فانطلقوا. فنظروا إلى المدينة، فجاؤوا بحبةٍ من فاكهتهم، وِقْرَ رجلٍ فقالوا: اقدروا قوة قوم وبأسهم هذه فاكهتهم فعند ذلك فتنوا، فقالوا: لا نستطيع القتال. اهـ. وعزا السيوطي هذا الأثر في الدر المنثور (٢/ ٢٦٧) إلى ابن أبي حاتم، وظاهر القرآن يشهد أنهم نقضوا الميثاق ولذا جعل الطبري محذوفًا في الكلام، وقدر الكلام بدلالة الظاهر عليه فيكون المعنى: فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل، فنفضوا الميثاق، فَلعَنْتُهم، فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم.
(٢) المثبت من "أ"، وفي جميع النسخ (لأن كفرن).
(٣) في الأصل: (نزلوا) وهو خطأ.
(٤) الأظهر أن "خائنة" بمعنى خيانة وهو قول قتادة [أخرجه عنه عبد الرزاق بـ "سند صحيح"]. واختاره الزجاج وقال: فاعله في أسماء المصادر كثيرة، نحو عافاه الله عافية وكقوله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقد يقال: رجل خائنة كقول الشاعر: حَدَّثْتَ نفسك بالوَفَاءِ ولم تكنْ للغدرِ، خائنةً مُغِلَّ الإصبَعِ فقال: خائنة على المبالغة لأنه يخاطب رجلًا. [معاني القرآن للزجاج (٢/ ١٦٠)].
(٥) (خيانة) ليست في "أ".
[ ٢ / ٦٥٨ ]
﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ترك بيان ما بدلوه من الفروع في شرائعهم لم نؤمر به ولا نهينا عنه في شريعتنا، وقيل: عفوه عن كثير كان معلقًا بشرط الإسلام فإن الإسلام يهدم ما قبله.
﴿نُورٌ﴾ نبينا (١)، وقيل: الكتاب. ﴿رِضْوَانَهُ﴾ نصب بـ (اتبع) و﴿سُبُلَ (٢) السَّلَامِ﴾ بأنه مفعول ثان للهداية (٣) والمفعول الأول ﴿مَنِ اتَّبَعَ﴾، وذلك من ابتغى رضوان الله بمحافظة الواجبات العقلية هداه الله بالوحي طريق السلام وهي ما وعد الله عليه الجنة من الفروع السماعية مثل دار السلام، والسلام اسم الله، وقيل: السلامة عن الآفات، وإنما ذكر (ليخرجهم من الظلمات إلى النور) لينبه على التوفيق بعد الهداية، ثم بيّن أن سُبل (٤) السلام تؤدي إلى العدل والحق وذكر اللفظين تأكيدًا.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (٥)﴾ دخل فيها كل نصراني اعتقد أن المسيح أو شيء فيه حادث (٦) غير محدث أو ادعى ثلاث أقنومات أو أقنومين ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لا يقدر أحد صرف مشيئة الله وإرادته، وقيل: إن هلاك (٧) المسيح وأمه متصور.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وإنما خصّ لاستيعاب غاية جهات
_________________
(١) في "أ" "ب": (-﵇-).
(٢) في "ي": (سبيل).
(٣) ويجوز في "سبل السلام" أن ينتصب على أنه بدل من "رضوانه" إما بدل كل من كل؛ لأن "سبل السلام" هي من رضوان الله تعالى، وإما بدل اشتمال؛ لأن الرضوان مشتمل على سبل السلام، وإما بدل بعض من كل؛ لأن سبل السلام بعض الرضوان، قاله السمين الحلبي. [الدر المصون (٤/ ٢٢٩)].
(٤) في "ي" "ب": (سبيل).
(٥) (ابن مريم) من الأصل.
(٦) (حادث) من "ب".
(٧) في "أ": (إهلاك).
[ ٢ / ٦٥٩ ]
فوق و(١) غاية جهات تحت ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الحيوان والنبات وغيرهما (٢) ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ يدل على أنه يخلق اختيارًا واقتدارًا من غير احتياج واضطرار (٣).
﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إنما ادعوا البنوة لما رأوا أن الله ﷾ قال ليعقوب -﵇-: ولدك بكر ولدي، فإن صح فتأويله عندنا إضافة مُلك، كما يقول صاحب الماشية: تاجي ورسلي، ثم أن بعضهم قال: ولد الله وبعضهم قال: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] فكذب الله الطائفتين بكونهم بشرًا مدبرين مقهورين، ودعواهم المحبّة مبنية على دعواهم الأولى، والتعذيب بالذنب لا ينافي المحبّة لجواز أن يكون إرادة للخير، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] ﴿مِمَّنْ خَلَقَ﴾ من جنس سائر الناس.
﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ على وجه الحال تبيينًا لكم ما لا يتبين بالعقل دون السماع ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ على حين فترة: يعني مدة ما بين عيسى ونبينا ﵉.
ولد عيسى -﵇- في الشام في ولاية هوادش الإسرائيلي وهو والٍ من تحت يد قيصر، فخافته مريم فاحتملته إلى ناصرة فنشأ هناك وكان الزمان زمان الطوائف بعد الإسكندر، وقيل: أن جرجيس كان بعد عيسى وكان تلميذًا لبعض الحواريين، وقيل: الفترة ما بين جرجيس ونبينا -﵇- وهذا (٤) ليس بسديد لأن جرجيس لم يوصف بالرسالة واختلف في نبوته (٥)، وقيل: الفترة ما بين الثلاثة المرسلين الذين قصتهم في سورة يس ونبينا -﵇-، وقيل: الفترة ما بين خالد بن سنان العبسي ونبينا -﵇-، ولا
_________________
(١) (غاية جهات فوق و) ليست في "أ".
(٢) في "أ": (وغيرها).
(٣) (واضطرار) ليست في "ب".
(٤) في "أ": (وهكذا).
(٥) من قوله (أن جرجيس) إلى قوله (في نبوته) ليست في "ب".
[ ٢ / ٦٦٠ ]
يعلم كميّة سنين الفترة أحد حقيقة إلا الله آمنا بالله وبجميع أنبيائه (١). أرسل نبينا -﵇- ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ختم به النبوة فلا نبي بعده ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ فإن الله تعالى حسم بإرسال الرسل احتجاجًا باطلًا، لو لم يرسل لما كانت للناس حجة صحيحة، والخطاب هاهنا لأهل الكتاب ولا خلاف في وجوب الإيمان عليهم.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ العامل في (إذ) قوله: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى﴾ والعامل في (إذ) (٢) الثانية ما في النعمة (٣) من معنى الإنعام ﴿فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ موسى وهارون ومن بعدهما من الأسباط ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ باستيلاء يوسف على مصر. ثم يردهم إلى ما ترك آل فرعون من جنات وعيون ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ابتلاء آل فرعون بأنواع من العذاب لألجهم وفرق البحر وأنزل التوراة في الألواح إليهم ومناجاة السبعين منهم والتوبة عليهم حين اتخذوا العجل.
﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا﴾ حين خرج بهم (٤) من مصر غازيًا غير هاربٍ وهي الخرجة الثالثة له والثانية لقومه ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أوجب الله لكم ملكها ميراثًا من أبيكم إبراهيم، وقالوا بعد ما رجعت (٥) العيون إليهم وهم
_________________
(١) ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره الخلاف في مقدار هذه الفترة التي هي ما بين نبي الله عيسى -﵇- ونبينا محمد -﵇-، فنقل عن أبي عثمان النهدي وقتادة أنها ستمائة سنة ورواه البخاري عن سلمان الفارسي. وهناك أقوال أخرى في تحديد المدة الزمنية عن الضحاك والشعبي. وأما ما ذكره المؤلف أن الفترة ما بين خالد بن سنان ونبينا محمد، وحكاه القضاعي وغيره، فهو مردود، كما قاله الحافظ ابن كثير وغيره، فخالد بن سنان ليس بنبي كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا قال: "إن أولى الناس بابن مريم لأنا؛ لأنه لا نبي بيني وبينه". [الطبري (٨/ ٢٧٥)، تفسير ابن كثير (٢/ ٤٧)].
(٢) (إذ) ليس في "أ".
(٣) في الأصل و"ي": (النقمة) وهو خطأ.
(٤) (بهم) من "أ" "ي".
(٥) في الأصل: (بعده أربت) وهو خطأ.
[ ٢ / ٦٦١ ]
اثنا عشر نقيبًا من اثني عشر سبطًا بعثهم موسى -﵇- ليأتوه (١) بأخبار (٢) الجبابرة وهم: العمالقة، وقيل: كانوا من ولد روم بن عيصو بن إسحاق وأوصاهم أن لا يقولوا إذا رجعوا إلا ما يزيدهم حرصًا وإقدامًا، فذهبوا وأقاموا بين الجبابرة أربعين يومًا يتعرفون مداخل الأمر ومخارجه، فلقيهم رجل من العمالقة فجعلهم في كساه وذهب بهم إلى مَلِكِهم فألقاهم بين يديه، فتعجب الملك منهم وحذرهم وصرفهم إلى موسى -﵇- وزودهم شيئًا من ثمارهم، قيل: أحمل أربعة (٣) منهم عنقودًا واحدًا من العنب، وأربعة منهم نصف رمان، فلما حصلوا في معسكر بني إسرائيل خالفوا موسى -﵇- وذكروا من عظم أجسام القوم وشأنهم (٤) ما هال بني إسرائيل إلا رجلان يوشع بن نون وكالوب بنيوفنا فإنهما ذكرا كثرة النعمة وشدة خوف العدو وما فيهم من الفشل والجبن، فتمكن الخوف في قلوب بني إسرائيل بقول العشرة وخرجوا عن أمر موسى -﵇- (٥).
وقالوا ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ أقوياء عظام الأجسام. وقد يكون الجبار بمعنى العاتي وبمعنى القاهر (٦)، قيل: إنهم كفروا بذلك القول، وقيل: لم يكفروا لأنهم لم يمتنعوا عن الدخول (٧) أصلًا ولكن جادلوه على سبيل
_________________
(١) في "أ" لا توجد (ليأتوه).
(٢) في "ب": (بخبر).
(٣) في الأصل: (أحل أربعة).
(٤) في "أ" "ب": (وشوكتهم).
(٥) روى تفاصيل هذه القصة عبد الله بن عباس - ﵄ - أخرجها عنه الطبري في تفسيره (٨/ ٢٩٠)، وفي تاريخه (١/ ٤٢٨).
(٦) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المَائدة: ٢٢] الجبارين قال أبو الحسن اللحياني: أراد الطول والقوة والعِظَم، وقد يراد به القَتَّال بغير حق كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾ [الشعراء: ١٣٠]، وقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [القَصَص: ١٩] وقد يراد به المتكبر عن عباد الله كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريَم: ١٤] وأما وصف الله -﷿- بالجَبَّار، فالمراد به القاهر خلقه على ما أراد. [تهذيب اللغة (١١/ ٥٨)، المحكم (٧/ ٤٠٦)].
(٧) (عن الدخول) ليست في "ب".
[ ٢ / ٦٦٢ ]
المشاورة كما جادل المؤمنون نبينا -﵇- حين أراد الخروج إلى بدر يدل عليه قوله: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.
﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ يوشع بن نون وغالب بن يوفنا ﴿يَخَافُونَ﴾ أي يخافون الله في مخالفة أمره، مثل موسى وهارون - ﵉ - (١)، وقيل: من الذين يخافون العمالقة لم يتشككوا في وعد الله، وقيل: الرجلان رجلان من العمالقة آمنا بموسى في السرّ وكانا يخبرانه بأخبار قومهما ويحرضان بني إسرائيل عليهم وهذا من العمالقة كانوا يخافون بني إسرائيل.
﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا﴾ نفي في المستقبل نظير (قط) في الماضي (٢) ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ يدل على جهلهم وكفرهم (٣) ﴿قَاعِدُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّا﴾ ورفع الأنفس.
﴿وَأَخِي﴾ وإنما استثنى أخاه دون الرجلين المنعم عليهما؛ لأن أخاه كان رسولًا معصومًا ما فرق في الأحكام العقباوية، وقبل أن يخرجه من بينهم فأجاب الله دعوته وأخرجه من بينهم ومكنه (٤) من عوج بن عنق، وقيل (٥): لا
_________________
(١) الرجلان هما يوشع بن نون فتى موسى وكالب أو كالوب بن يوفنا ختن موسى، حيث رجع النقباء كل منهم ينهى سبطه عن قتالهم، إلا يوشع وكالوب يأمران الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم فعصوهما وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما. روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - ومجاهد وقتادة. رواه عنهم الطبري في تفسيره (٨/ ٢٩٦).
(٢) قوله: "أبدًا" ظرف زمان منصوب متعلق بـ "ندخلها" وهي هنا تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول، قاله الزمخشري. [الكشاف (١/ ٦٠٤)، إعراب القرآن لمحيي الدين الدرويش (٢/ ٤٤٦)].
(٣) وصحابة نبينا محمد -﵇- تنزهوا عن هذه الإجابة فقد روى البخاري في صحيحه (٨/ ١٢٢ - كتاب التفسير) عن عبد الله بن مسعود قال المقداد يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن امض ونحن معك، فكأنه سُرِّي عن رسول الله - ﷺ -.
(٤) في "ب": (ومكنهم).
(٥) في "ب": (وقال).
[ ٢ / ٦٦٣ ]
تحبسنا في التيه معهم (١)، ولذلك روي أنه وأخاه يقدران على الخروج ولكنهما كانا يلزمان قومهما لأنهما كانا مبعوثين إليهم.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا﴾ يعني (٢) الإرض المقدسة ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تحريم كينونة لا تحريم شرع ﴿أَرْبَعِينَ سَنَة﴾ نصب على الظرف للتحريم ﴿يَتِيهُونَ﴾ يحارون (٣) ويضلون، قال: الأرض (٤) تنبيه وبلاد تيه (٥) ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ فلا تحزن، وإنما سماهم (فاسقين) تصديقًا لموسى -﵇- وليكون أبلغ في تسليته.
﴿ابْنَيْ آدَمَ﴾ قابيل وهابيل، قال وهب: إن آدم كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، وكان الرجل منهم يتزوج أخته توأمته، فأبى قابيل أن يتزوج (٦) توأمته أخوه هابيل وقال: أنا أحق بها، فغضب آدم وقال: اذهبا وتحاكما إلى الله بالقربان فأيكم قُبل قربانه فإنه (٧) هو أحق بها، فقربا القربان (٨) بمنى، فنزلت نار فرفعت قربان هابيل ولم ترفع قربان قابيل، فازداد قابيل غيظًا وحسدًا فاغتال هابيل فرضخ رأسه بحجر وهو نائم واحتمل توأمته وذهب بها إلى واد من أودية اليمن في شرقي عدن، فكمن
_________________
(١) (معهم) ليست في "ب".
(٢) في "ب": (أي).
(٣) في "أ": (مجاورون).
(٤) في "ي" "ب": (أرض).
(٥) روي عن ابن عباس - ﵁ - فيما أخرجه الطبري عنه (٨/ ٣١٠) قال: قال الله -﷿- لما دعا موسى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، قال: فدخلوا التيه، فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات في التيه قال: فمات موسى في التيه، ومات هارون قبله، قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنة، فناهض يوشع بمن بقي معه مدينة الجبارين فافتتح يوشع المدينة. اهـ. ومعنى يتيهون كما قال الطبري وتبعه المؤلف: يحارون فيها ويضلون ومن ذلك قيل للرجل الضال عن سبيل الحق تائه. [الطبري (٨/ ٣١٥)].
(٦) في "أ": (يزوج).
(٧) (بأنه) من "أ".
(٨) في الأصل و"ي": (القرآن).
[ ٢ / ٦٦٤ ]
فيه، ووجد آدم هابيل قتيلًا وقد نشقت الأرض دمه، فلعن الأرض، فمن أجل لعنته -﵇- تنشقت الأرض وأنبتت الشوك (١).
وقيل: لما أراد آدم -﵇- أن يخرج إلى حج بيت الله تعالى استحفظ السماء أهله فأبت، واستحفظ الأرض فأبت، واستحفظ الجبال فأبين، وقبلهم قابيل على أمانة الله تعالى ثم خان الأمانة فاغتال هابيل، ورأى آدم -﵇- الشجر قد اشتاكت والماء قد ملح والأرض قد تغيرت عن بهجتها فأنكرها وأحسّ بشرِّ، فلما رجع إلى أهله لم يجد هابيل فعلم أنه مقتول.
قال عمر لكعب: أي ابني آدم نسل؟ قال: ليس لأحدهما نسل أما المقتول () (٢)، وأما القاتل فهلك نسله في الطوفان، فالناس من بني نوح ونوح من بني شيت، وفي التوراة أن شيت بدل من هابيل وخلف منه، وقيل (٣): اسم توأمة قابيل أمليما واسم توأمة هابيل لبودا (٤). وكان قابيل صاحب حرث وقربانه شيء من شر زرعه، وهابيل كان راعي غنم وقربانه كان: حمل (٥) سمين ولبن وزبد، وقيل: الكبش العظيم الذي فداه ابن إبراهيم -﵇- به هو ذلك الحمل (٦) الذي كان يقرب به هابيل، وعن الحسن والضحاك أن ابني آدم رجلان من بني إسرائيل (٧) نسبهما إلى أبيهما الأعلى كما نسبنا إليه، وقال: يا ابني آدم قابيل ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ وهو يدل على قسم مضمر فقال هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾ من الذين يتقون مخالفة الله في التزويج.
_________________
(١) تفاصيل سبب هذه القصة رواها أيضًا ابن عباس - ﵄ - وابن مسعود - ﵁ -. أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (٨/ ٣٢٢).
(٢) ما بين () كلمة ممسوحة في جميع النسخ.
(٣) في الأصل: (قيل).
(٤) في "أ": (أبودا).
(٥) في "أ"؛ (جمل).
(٦) في "أ": (الجمل).
(٧) أما عن الحسن فرواه ابن جرير (٨/ ٣٢٤) وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٨٥): وهذا غريب جدًا، وقد خطّأ ابن جرير هذا القول. وأما عن الضحاك فلم أجده.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ قال هابيل: وإنما لم يبسط إليه يده (١) لأنه توعده بالقتل ولم يقاتله جهرًا فأخبره بذلك ليستميله بذلك ويدعه إلى السلم وينبهه على عظم وبال القتل، وقيل: إنهم كانوا متعبدين بترك الدفع.
﴿بِإِثْمِي﴾ أي بإثم قتلي ﴿وَإِثْمِكَ﴾ أي: وإثم ما ارتكبته وعصيان في التزويج (٢) (والإثم) هاهنا: وبال الفجور، فلا إثم عليه، فلا وبال عليه.
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾ أي: جعلت القتل فعلًا متأنيًا سهلًا طوعًا ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صار، وكان ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ المغبونين (٣) بذهاب الدنيا والآخرة، روي أن آدم -﵇- دعا عليه وقال له: كن خائفًا لا يلقاك أحد إلا خفته، فصار يفر ويتوحش وكل من رآه رماه بحجر حتى قتله (٤) بعض ولد ولده، وعن علي بن الحسن بن علي قال: أوّل دم وقع على الأرض دم حواء من حيضها وقتل يومئذ سدس الدنيا يعني هابيل؛ لأنه كان أحد الستة من أبويه وأخيه وأختيه وكأنه لم يكن لآدم -﵇- يومئذ ولد غيرهم، قال: ووكل بقابيل ملكان يطلعان به مع الشمس ويغربان (٥) به مع الشمس وينضحانه بالماء الحار إلى يوم القيامة (٦).
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ قيل إن الله تعالى بعث غرابين وقيض أحدهما ليقتل الآخر فقتله ثم واراه في التراب و(البحث) رفع ظاهر الأرض
_________________
(١) (يده) ليست في "ب".
(٢) قال الطبري (٨/ ٣٣٢): الصواب من القول بإجماع أهل التأويل عليه في قوله: "أن تبوء بإثمي وإثمك" إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي وذلك معنى قوله "إثمي"، وأما معنى "إثمك" فهو إثمه بغير قتله، وذلك معصية الله جل ثناؤه في أعمال سواء لأن الله -﷿- قد أخبرنا أن كل عامل فجزاءُ عمله له أو عليه، وإذا كان ذلك حكمه في خلقه فغير جائزٍ أن يكون آثام المقتول مأخوذًا بها القاتل. اهـ.
(٣) (المغبونين) ليست في "ب".
(٤) (قتله) ليست في "ب" "ي".
(٥) في "ب": (وينزلان).
(٦) لا نعلم دليلًا صحيحًا صريحًا على ما ذكره المؤلف وصريح القرآن لم يشر إلى مثل ذلك.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
لكشف باطنها ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ ليدله وينبهه على قبر أخيه فإنه لم يقبر أحد قبل هابيل، عن ابن عباس: أنه بقي معه سنة (١)، وعن مجاهد أنه بقي معه مائة سنة (٢)، وقيل: مائة يوم لا يدري ما يصنع به وكيف يخفيه، وإن أجرينا على قول الحسن والضحاك فمعناه ليذكر قتل أخيه فإنه تحيّر ودهش ونسي (٣) القبر، والأول أصح. و(السوأة) (٤) العورة (٥) سميت سوأة لأنها تسوء الرائي وتوحشه، وأراد هاهنا: الجسد كله ﴿يَا وَيْلَتَا﴾ نداء للويلة، والويل والويلة بمعنى، والألف في ويلتى إما للندبة أصله يا ويلتاه، وإما بدلًا من الإضافة وأصله يا ويلتي بترقيق الياء، والمقصود بنداء ما لا يجب تنبيه للنفس أو السامعين على فوق ذلك الشيء وأوانه (٦) ﴿أَعَجَزْتُ﴾ استفهام بمعنى التعجب، والعجز عن القدرة كالموت من الحياة، قيل: هو عدمها، وقيل: هو معنى يضادها و(أصبح) صار ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على قتله. وإنما لم ينفعه الندامة لقوله -﵇-: "ثلاث لا تقبل توبتهم: إبليس رأس الكفرة، وقابيل رأس القتلة، ومن قتل نبيًا أو قتله نبي" (٧) والندامة لم تكن توبة لهم
_________________
(١) أخرجه الطبري (٨/ ٣٤١) عن ابن عباس - ﵄ - بلفظ: قال ابن عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على رقبته سنة حتى بعث الله - ﷿ - الغرابين فقال: أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب؟ فدفن أخاه.
(٢) أخرجه عنه الطبري (٨/ ٣٤٣) وعزاه ابن كثير (٣/ ٨٤) إلى ابن أبي حاتم.
(٣) في الأصل: (وبمعنى).
(٤) في "ي": (السواة).
(٥) قال الليث: السَّوْء فرج الرجل والمرأة ومنه قوله تعالى: ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعرَاف: ٢٢] واللفظة لها عدة استعمالات منها ما ذكره المؤلف واقتضاه سياق الآية. [تهذيب اللغة (١٣/ ١٣٣)].
(٦) قلب ياء المتكلم ألفًا لغة فاشية في المنادى المضاف إليها كما في هذه الآية: ﴿يَا وَيْلَتَا﴾ [المَائدة: ٣١] والنداء وإن كان أصله لمن يتأتى منه الإقبال وهم العقلاء إلا أن العرب تتجوز فتنادي ما لا يعقل، والمعنى: يا ويلتي احضري فهذا أوان حضورك ومنه قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦]. [البحر (٣/ ٤٦٦)، الدر المصون (٤/ ٢٤٥)].
(٧) هذا الحديث لم أجد له مصدرًا فيما بين يدي من المصادر والمراجع.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
كالذين اتخذوا العجل من بني إسرائيل، وقيل: ندم عند معاينة البأس وحلول العذاب.
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ من جراه وجرايته وجريرته وخيانته ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى القتل ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: بغير قصاص عن نفس ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ يبيح الدم كزنا المحصن والارتداد ومحاربة الله ورسوله في التلصص أو الكفر ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ لأنه قد سبب قتلهم وسن بسنة القتل وقتل جميع المقتولين دون غيرهم ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ سبب حياتها بفداء ودواء أو نصرة أو عفو، وإنما قال أحيا الناس لئلا يكون الثواب أقل من العقاب ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني بني إسرائيل.
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث القتل. قال ابن عباس: نزلت في شأن المشركين وحكمها بتناول المسلمين إلا في خصلة واحدة (١)، وهي التوبة قبل القدرة فإنها مختصة بالكفار، عن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ تعني يحاربون أولياء الله، والعقوبات مرتب على الجزاء، ثم إن أخافوا (٢) الطريق نفوا من الأرض، وإن أخذوا المال (٣) ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا، وإن أخذوا المال (٤) وقتلوا قتلهم الإمام وصلبهم وله أن يقطعهم ثم يقتلهم ثم يصلبهم ليكون القطع ثأر الأخذ والقتل ثأر القتل والصلب للجمع بين المحظورين، والنفي عندنا بالحبس حيث (٥) يستصوبه الإمام، والصلب بعد (٦) القتل. وروى الحسن بن زياد وعن أبي حنيفة أنه
_________________
(١) أبو داود (٤٣٧٢)، والنسائي (٤٠٥٧).
(٢) في "ب": (خافوا).
(٣) في "أ": (المال لا يوجد السفر كله ولم).
(٤) (المال قتلوا وإن أخذوا المال) ليست في "أ".
(٥) (حيث) ليست في "أ".
(٦) ورد عن ابن عباس - ﵄ - فيما أخرجه عنه الطبري في تفسيره (٨/ ٣٧٣)، والبيهقي (٨/ ٢٨٣) قال: إذا حارب فقتل فعليه القتل إذا ظُهِرَ عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخذ المال وقتل فعليه الصَّلْبُ إن ظُهِرَ عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخذ ولم يقتل فعليه =
[ ٢ / ٦٦٨ ]
يصلب حيًا ثم يطعن في نحوه، وإن أخذوا مالًا ولم يخص كل واحد عشرة دراهم لم يقطعوا وضمنوا المال، ومن يغلب في الأمصار فقتل ونهب لم يكن حكمه حكم قطاع الطريق، قوله ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يدل على أن عقوبتهم [من غير توبة لم تقع طهرة له ولذلك لا يصلى عليهم.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الاستثناء رفع حكم قطاع الطريق دون غيره] (١) من الضمان والقصاص والأرش، وقيل: على توبة الحارث بن زيد، وقال أبو موسى الأشعري وأبو هريرة: توبة فلان الأسدي.
﴿إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ القربة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ وخبره جملة من شرط وجواب، فالشرط لواو الجواب واو اللام مقدرة.
وروي عن أبي حنيفة عن يزيد بن صهيب عن جابر بن عبد الله قال: سألته عن الشفاعة قال: يعذب الله أقوامًا من أهل الإيمان ثم يخرجهم بشفاعة محمد -﵇-، قلت: فأين قوله ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾؟ قال: هي (٢) في الذين كفروا وقرأ ما قبلها (٣) ﴿يُرِيدُونَ﴾ يتمنون ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾، ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم مستمر.
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن
_________________
(١) = قطع اليد والرجل من خلاف إن ظُهِرَ عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخاف السبيل فإنما عليه النفي.
(٢) ما بين أ، من "ب" "ي".
(٣) (هي) ليست في "ب".
(٤) أصل هذا الأثر في مسلم (١٩١) عن يزيد الفقير عن جابر، ويزيد الفقير هو يزيد بن صهيب، لكن الآية المستشهد بها تختلف عن هذه فقد ذكر فيِ رواية أخرى كذلك مسلم وغيره أنه استشهد بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عِمرَان: ١٩٢] وقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]. واستدلال المؤلف برواية أبي حنيفة دليل آخر على حنفيته، وأنه ليس بالجرجاني.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
الآية نزلت في طعمة بن أُبيرق سارق الدرع (١)، فتحتمل أن امرأة كانت معه ﴿أَيديَهُمَا﴾ واحدة من كل واحد منهما لأن العضو الواحد إذا أضيف إلى اثنين جمع كقوله ﴿فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] يدل عليه قراءة ابن مسعود ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ (٢) ولكل إنسان يمين واحد.
[﴿فَمَنْ تَابَ﴾ من السارق والسارقة وألفاظ (٣) العموم (من) فيمن يعقل (٤) و(ما) فيما لا يعقل (٥)، وأي: وكل واحد] (٦) ومن أحد والذي إذا كان بمعنى الشرط ولام التعريف إذا لم تفد المعهود والتنكير في النفي.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ذكر التصرف في المماليك بالقتل والقطع والصلب على سبيل المجازاة.
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ﴾ نزلت في المرجفين من اليهود والمنافقين منهم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر الأنصاري قال لبني قريظة بلسانه: انزلوا، وأشار إلى حلقه (٧) بيده ينذرهم بالذبح حين استنزلهم (٨) رسول الله على حكم معاذ (٩)، وقال: تاب أبو لبابة هذا بعد ذلك وقال: ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله (١٠) ﴿لَا يَحْزُنْكَ﴾ لا يغمك، نهي
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٣٤٨).
(٢) أخرج هذه القراءة عن ابن مسعود الطبري في تفسيره (٨/ ٤٠٧)، وسعيد بن منصور في سننه (٧٣٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٨٠) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.
(٣) في "أ": (واللفظ).
(٤) في "أ": (يفعل).
(٥) في "أ": (يفعل).
(٦) ما بين [] لا توجد في الأصل.
(٧) في "أ": (حقه).
(٨) في الأصل: (استهزلهم).
(٩) الصواب - على حكم سعد بن معاذ - وسبب النزول هذا أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٤١٣)، وابن أبي حاتم (٦٣٥٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٨٣) إلى أبي الشيخ.
(١٠) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ٣٥٧)، وعزاه إلى السدي ومقاتل.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
إلى غير المنهي كقوله ﴿تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] والمقصود من النهي التسلية و﴿مِنَ﴾ الأولى لتبيين الجنس و﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ قيل لتبيين الجنس، وقيل أنها مستأنفة (١) ﴿سَمَّاعُونَ﴾ مبتدأ أو خبر، وقيل: صفة للذين (٢) ﴿يُسَارِعُونَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ﴾ صفة للآخرين ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ في معنى الحال للذين (٣) ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ من يشأ ابتلاه بتقدير أنه معصية أو عقوبة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ﴾ يدل على ثبوت الخذلان وإرادة الكفر مع التكليف بالتقصي عنه وذلك من الله عدل وحكمة واقتدار لسبقه الذم والعيب وانتهائهما دونه ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ الجزية أو القتل والإجلاء.
(السحت) المال الحاصل بالكسب الخبيث وأصله من الهلاك قال الله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] وإنما أخذ منه لأنه لا يبارك فيه.
والتخيير بين الحكم والإعراض منسوخ بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ (٤) بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقيل: ليس بمنسوخ فإذا رفعنا إلينا لا (٥) يسعنا أن
نحكم بينهم بحكم الإسلام إلا في النكاح بغير شهود، ونكاح المعتدة (٦).
_________________
(١) يجوز أن تكون "من" الأولى بيانًا لجنس الموصول الأول وكذلك "مِنْ" الثانية فتكون تبيينًا وتقسيمًا للذين يسارعون في الكفر، ويجوز في "من" الثانية أن تكون خبرًا مقدمًا و"سماعون" مبتدأ مؤخر، ويكون التقدير: ومن الذين هادوا قوم سماعون فتكون جملة مستأنفة إلا أن الوجه الأول أقرب وأوجه والله أعلم.
(٢) قال أبو جعفر النحاس: التقدير: هم سماعون ومثله "طوافون عليكم" قال الفراء: يجوز سماعين وطوافين كما قال: "ملعونين أينما ثقفوا" ويجوز أن يكون المعنى: "قوم سماعون" ويجوز أن يكون رفع "سماعون" على معنى: ومن الذين هادوا سماعون فيكون الإخبار أن السماعين منهم وهذا مذهب الأخفش وزعم سيبويه أن هذا يرتفع بالابتداء، وتكون "من" مبتدأ بمعنى بعض، حكاه عنهم الزجاج. [معاني القرآن للزجاج (٢/ ١٧٥)، وللفراء (١/ ٣٠٩)، وإعراب القرآن للنحاس (٢/ ٤٩٧)].
(٣) ويجوز أن تكون صفة لـ"سماعون" والتقدير: سماعون محرفين، ويجوز أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم محرفون، ويجوز أن تكون في محل جر صفة لي"قوم" والتقدير: لقوم محرفين.
(٤) في الأصل "ب" "أ": (فاحكم).
(٥) في الأصل: (فلا).
(٦) الذين قالوا بعدم النسخ هم الشعبي وإبراهيم النخعي وعطاء وابن جريج. أما الذين =
[ ٢ / ٦٧١ ]
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾؟ وكيف (١) أداة تعجب (٢) وهو استبقاء درجة وجودة تحكيمهم النبي -﵇- (٣) وتسليمهم له وهم به (٤) منكرون مع (٥) مخالفتهم التوراة وهم به مقرُّون.
﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ إنما وصفهم بالإسلام ليميز بينهم وبين الذين هادوا فإن الأنبياء -﵇- بقوا على محض الفطرة المجردة وهي الإسلام (٦) ولم يقبلوا بسنن (٧) ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ يدل على أن (٨) شريعة التوراة كانت مختصة باليهود دون غيرهم في زمانهم إلى أن خوطبنا باتباع شرائعهم فيما لم ينسخ، و(الأحبار): العلماء، واحدهم حبر ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ بدل من قوله لها، و(الاستحفاظ): المطالبة بالحفظ. وقد منّ الله علينا بأن ضمن حفظ كتابنا ولم يكله إلينا حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
﴿مِنْ كِتَابِ﴾ ليتبين له الجنس و﴿عَلَيْهِ﴾ الهاء عائدة إلى (ما استحفظوا) أو إلى ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾.
_________________
(١) = قالوا بالنسخ وأنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المَائدة: ٤٩] هم الحسن البصري وعكرمة والسدي ومجاهد وقتادة والزهري، روى عن الفريقين الطبري في تفسيره ورجح عدم النسخ وأن للحاكم الخيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليه. وقصة اليهود الذين احتكموا إلى رسول الله - ﷺ - في المرأة التي زنت دليل على ما رجحه الطبري. [الطبري (٨/ ٤٤٤)].
(٢) في "أ": (فكيف).
(٣) في "أ" "ب": (التعجب).
(٤) في "أ": (النبي عليه النبي عليه).
(٥) في "ب": (له).
(٦) (مع) من "أ" "ب".
(٧) في الأصل و"أ": (ولم) مرتين.
(٨) في الأصل و"ب": (سيز).
(٩) في الأصل و"أ": (يدلان).
[ ٢ / ٦٧٢ ]
﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فداء أو جزاء أو قصاص (١) وكذلك ما بعده النفس بالنفس عام بالذكر والأنثى والحر والعبد والمسلم والذمي ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ خاص في الأحرار، والعين: العضو الذي فيه الحدقة المختص بالنظر إلى الألوان ﴿وَالْأَنْفَ﴾: العضو الحاجر بين العينين المختص بشم الروائح ﴿وَالسِّنَّ﴾: واحد الأسنان وهي العظام المهيأة للمضغ، ﴿وَالْجُرُوحَ (٢)﴾ التي يجري فيه القصاص فهو ما يمكن المماثلة فيه كالموضحة (٣) والسمحاق (٤) فهو (٥) كفارة المتصدق بالعفو. قال ابن مسعود: منه يهدم الله -﷿- من (٦) ذنوب مثل ما تصدق به. وعن ابن عمر نحوه (٧). وقال ابن عباس: الكفارة للجاني (٨) أي: كما سقط عنه الحكم الدنيوي بالعفو فكذلك العقبوي، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ المعتدون في شأن القصاص.
﴿مُصَدِّقًا﴾ حال للمقفى به وهو عيسى والتاء للموتى ﴿هُدًى﴾ الإنجيل، والتكرار للإطناب في المدح والوصف.
_________________
(١) في "أ" تقديم وتأخير، وفي كل النسخ بينهما (واو عطف)، وفي "ب": (أو).
(٢) في "أ": (والجرح).
(٣) في الأصل: (كالمواضحة).
(٤) الموضحة: هي ما أوضح العظم من الشجاج، فإذا ظهر من العظم شيء قل أو كثر فهي موضحة. قال ابن جريج ويحيى بن سعيد القطان: الموضحة لا تكون إلا في الوجه والرأس دون الجسد وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وجعل الليث جراحة الجسد إذا وضحت عن العظم كموضحة الرأس، وقال أبو عبيد: الموضحة من الشجاج التي تبدي وضح العظام. أما السمحاق: فقال الأصمعي: هي التي بينها وبين العظم قشيرة رقيقة. [تهذيب اللغة (٥/ ١٥٦ - ٣٠٢)].
(٥) (فهو) من "ي" "ب".
(٦) في "أ": (عن).
(٧) لعله عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -، أخرجه عنه الطبري بلفظ: يُهْدَمُ عنه من ذنوبه مثل ما تصدق به. وأخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٤٨)، أما عن ابن مسعود فلم أجده.
(٨) روي بمعناه عن ابن عباس - ﵄ - في هذه الآية قال: هي كفارة للجارح، وأجر الذي أصيب على الله. أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٤٧٥)، وسعيد بن منصور في سننه (٧٥٨).
[ ٢ / ٦٧٣ ]
﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فسق المجانة دون فسق الديانة أن لا يقبل شهادة النصراني الماجن على النصراني المستور، والمراد بالظلم والفسق هو الكفر (١).
﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ شاهدًا أو قاضيًا ﴿مِنْكُمْ﴾ يعني النبي -﵇- ومن معه، ويحتمل الأنبياء ويحتمل المتمسكون بالكتب المنزلة، ﴿شِرْعَةً﴾ طريقة واضحة كذلك منهاجًا وجمع بينهما للتأكيد ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ لتعبدكم شريعة كما دعاكم إليه دين واحد ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ولكن لم يجمعكم للابتلاء في مخالفة الهوى، فالابتلاء يتفاوت بتفاوت (٢) الطباع والعادات والمصالح، ثم قال: إن الله (٣) ابتلى الناس بشريعتنا ونسخ بها سائر (٤) الشرائع فقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال: ﴿وَأَنَّ (٥) هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقال: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] وما في معناها من السنة والإجماع.
﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ يعني ومما نأمرك من استباق الخيرإت (أن احكم بينهم) ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ أي يستزلوك، قالوا: وإنْ كادوا ليستفزوك، وفيه دليل أن النبي -﵇- مع كونه مأمون العاقبة كان متعبدًا بالحزن عن الموهومات ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ (٦)﴾ أي: بأكلها، وقيل: البعض صِلة، وقيل ﴿يُصِيبَهُمْ﴾ ببعضها في الدنيا وببعضها في العقبى، وقيل: إنما ذكر البعض ليبين أن الكل لا غاية له على حسب عزائمهم ونياتهم.
_________________
(١) أخرج الطبري في تفسيره (٨/ ٤٥٧)، ووكيع في أخبار القضاة (١/ ٣٨) عن البراء بن عازب، مرفوعًا عند الطبري وموقوفًا عند وكيع في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المَائدة: ٤٤] ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المَائدة: ٤٥] ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المَائدة: ٤٧]، والآيات الثلاث في الكافرين كلها. وعن الضحاك: نزلت في أهل الكتاب.
(٢) (بتفاوت) ليست في الأصل.
(٣) في الأصل و"أ": (فإن الله).
(٤) في "ب": (جميع).
(٥) (وأن) ليست في "ب".
(٦) (ببعض ذنوبهم) ليس في "ب".
[ ٢ / ٦٧٤ ]
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ (١)﴾ نزلت في بني النضير كانوا يتشرفون على بني قريظة وكانوا يأخذون منهم على الرجل الواحد ديتين ويدفعون إليهم عن الرجل الواحد دية امرأة فشكت بنو قريظة إلى رسول الله فقال -﵇-: "أنتم وإخوانكم شرع سواء". فلم يرض بنو النضير بحكمه وقالوا: لا نبطل رسمًا رسمه أولونا فأنزل الله الآية (٢) ﴿أَفَحُكْمَ (٣)﴾ استفهام كما في قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ استفهام بمعنى النفي، والحكم يتصف بالحسن والقبح كالقول والرأي ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يرونه حسنًا ويتبين لهم حسنه دون المتشككين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أنها نزلت في المنافقين ويحتمل في المؤمنين (٤) الذين والوا الكفار قبل النهي، ويحتمل المؤمنين الذين كادوا أن يتخذوا ولم يتخذوا، وروي أن عبادة بن الصامت وابن أُبي كانا يواليان اليهود قبل النهي فتبرأ منهم عُبادة، ولم يتبرأ منهم ابن أُبي فنزلت فيه وفي أمثاله (٥).
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال عطية: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول (٦) كان يتشفع لأسارى بني قينقاع فقال -﵇-: "لا بارك الله لك فيه"، فلم يبق (٧) منهم فالح إلا صرمه لدعوته -﵇- (٨)، وعن مجاهد
_________________
(١) (يبغون) ليس في "ب".
(٢) أخرجه الطبري عن ابن عباس - ﵄ - (٨/ ٤٣٧)، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٣٧٦) وأخرجه سنيد في تفسيره.
(٣) في الأصل: (الحكم).
(٤) (ويحتمل في المؤمنين) ليست في "ب".
(٥) ابن هشام في "السيرة" (٢٩٥، ٢٩٦)، وابن جرير (٨/ ٥٠٥، ٥٢٩)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١٥٥).
(٦) في الأصل: (عبد الله بن سلام أبي سلول)، وفي "ب": (عبدالله بن أبي سلول)، وفي "أ": (عبد الله بن سلام بن أبي سلول).
(٧) في الأصل و"ب": (يتق).
(٨) لم أجده.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
والسدي: نزلت في جماعة من المنافقين يوالون نصارى نجران ويهود المدينة لما يرتفقون (١) بمعاملاتهم ويرجون بنصرهم (٢)، والفاء في ﴿فَتَرَى﴾ جواب شرط مقدر يعني إن نهيتهم عن الموالاة ﴿فَتَرَى﴾ يحتمل لتعقيب وصفهم النهي ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ في موالاتهم و﴿دَائِرَةٌ﴾ نكبة ضد الدولة ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ فتح قريات اليهود والاستيلاء على نجران، وعن السدي: أنه فتح (٣) مكة ويحتمل أنه الحكم الموعود بإهلاكهم وإن لم يؤمنوا ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ وهو إظهار نفاقهم، وقيل: موتهم، وعن أنه وضع الجزية (٤) على اليهود والنصارى (٥) ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ عطف على قوله ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعضهم لبعض على سبيل التعجب من أكاذيب المنافقين وأيمانهم الفاجرة ﴿أَقْسَمُوا﴾ حلفوا، قوله: أقسم يمينًا سواء أضمر المحلوف به أو أظهره ﴿جَهْدَ﴾ توكيد (٦) والجهد المبالغة والمشقة نصب بنزع في، وقيل: على المصدر لما في القسم من معنى الجهد كقوله: ﴿تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ [العاديات: ١].
﴿يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أول ارتداد عام في أيام أبي بكر ارتد العرب ﴿فَسَوْفَ (٧) يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ وهم ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من أثناء الناس فجاهدوا ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حتى قهروهم فسبوا
_________________
(١) في الأصل "ب": (يرتفعون).
(٢) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٣٧٨) وعزاه لابن عباس.
(٣) أخرجه عنه الطبري في تفسيره (٨/ ٥١٤)، وابن أبي حاتم (٦٥٢٦).
(٤) المثبت من "ب"، وفي البقجة (للجزية).
(٥) روي ذلك عن السدي أيضًا عند الطبرى (٨/ ٥١٤) قال: الأمر الجزية.
(٦) أي أنه مصدر مؤكد ناصبه "أقسموا" فهو من معناه والتقدير: أقسموا إقسام اجتهاد في اليمين ويجوز - كما ذهب إليه أبو البقاء - أنه منصوب على الحال، والتقدير: وأقسموا بالله مجتهدين في أيمانهم، وجؤَّزَ المؤلف أن يكون منصوبًا على المصدر. [الإملاء (١/ ٢١٩)، الدر المصون (٤/ ٣٠٥)].
(٧) (فسوف) من "أ".
[ ٢ / ٦٧٦ ]
منهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ هيّنين ليّنين على إخوانهم ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ متجبرين عليهم. اللوم واللومة: الذم والتعيير.
والواو في قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ واو الجمع أي يتصدقون في الركوع. كما روي أن عليًا تصدّق بخاتمه (١) وهو راكع (٢) وهذا يدلّ على ولاية علي، وقيل: للعطف والمراد به التنفل بالنوافل.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ﴾ جواب الشرط فقد غلب أو كان غالبًا ﴿حِزْبَ﴾ القتيل والجماعة والجند.
وفائدة تكرار النهي بالاتحاد واتصال النهي الأول بأنهم سيهزمون وأن موالاتهم لا تورث إلا حسرة، واتصال هذا النهي بالإخبار على (٣) اتخاذهم الدِّين ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ وفيه نوع تحريض على المعاداة، إذ العاقل (٤) يعادي من يستهزئ به، واللعب: العبث، وفي الحديث: "كل لعب حرام إلا ثلاثة" (٥) و(الكفار) جميع أصناف الكفرة (٦).
﴿نَادَيْتُمْ﴾ النداء: الدعاء. روي أن يهوديًا تاجرًا كان (٧) كلما سمع المنادي (٨) يتشهد بالرسالة قال: أحرق الله الكاذب، فجاء خادمه ليلة بنار
_________________
(١) في "أ": (بخاتم).
(٢) رواه الخطيب في "المتفق والمفترق" (١٠٦)، والطبراني في الأوسط (٦٢٣٢)، وابن عساكر في تاريخه (٤٢/ ٣٥٦، ٣٥٧) (٤٥/ ٣٠٣) وكل هذه الأسانيد قال عنها ابن كثير (لا يفرح بها). وقال: (وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها). وقد ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" بفصل جميل على ذلك.
(٣) في "ب": (عن).
(٤) في "أ" "ب": (الغافل).
(٥) روي بمعناه عن عقبة بن عامر الجهني مرفوعًا: "كل شيء يلهو به ابن آدم باطل إلا ثلاثًا: رميه عن قوسه وتأديبه فرصه وملاعبته امرأته". أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٤٨)، والطبراني (١٧/ ٣٤١).
(٦) في "أ": (الكفر).
(٧) (كان) من "أ" "ب".
(٨) في "ب": (النداء).
[ ٢ / ٦٧٧ ]
فتطاير منها شرر فأحرق البيت والرجل (١) ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ نفي لسفاهتهم وحمقهم (٢) وخفَّتهم أو لمكابرتهم العقل وتركهم استعماله.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ نزلت في اليهود حيث عابوا المؤمنين (٣) الإيمان بعيسى -﵇- (٤) وقيل: نزلت في النصارى حيث عابوا المؤمنين الإيمان بسليمان -﵇- وببعض شرائع التوراة، وبقولهم أن عيسى عبد وافتخروا بجحود ذلك، نقول: ولستم تنقمون وتنكرون علينا إلا إيماننا بالكل وذلك منقبة وليس بمنقصة (٥) وأنتم تتفضلون علينا بأن جحدتم بعض (٦) الأنبياء ودينكم فسق (٧) ونقيصة، وأراد بالأكثر الكل أو الرفق في الخطاب أو إخراج بني سلام وأصحابه من الوصف.
﴿قُلْ (٨) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ استفهام على سبيل التهديد والتوبيخ ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ وقيل: شبّان (٩) أيلة قردة ومشايخها مسخوا خنازير (١٠)، وقيل: هم الذين كفروا من أصحاب مائدة عيسى -﵇- (١١)، وعن أبي أيوب الأنصاري كانت امرأة مسلمة من بني إسرائيل نابذت ملكهم (١٢) حين نبذ
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٣٨٦) دون أن يعزوه لأحد.
(٢) في "ب": (نفي استفهام وحمقهم)، وفي الأصل: (لسفهاتهم وجفتم).
(٣) في "ب": (المسلمين) بدل (المؤمنين).
(٤) ورد ذلك عن ابن عباس - ﵄ -، أخرجه عنه الطبري في تفسيره (٢/ ٥٩٦ - ٨/ ٥٣٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٢٩٩) ونسبه السيوطي كما في الدر المنثور (٣/ ١٠٧) لابن المنذر وأبي الشيخ وابن إسحاق.
(٥) في الأصل: (منقصة).
(٦) في الأصل: (جحدتم الأنبياء)، وفي "أ": (جحد بعض الأنبياء)، وفي "ي": (وجحدتم بعض الأنبياء).
(٧) (ودينكم فسق) ليست في "ب".
(٨) (قل) ليست في "ي" "ب".
(٩) في الأصل: (سبّان) بالسين.
(١٠) هذا مروي عن ابن عباس كما في "زاد المسير" (٢/ ٣٨٧).
(١١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٣٨٧) دون نسبة لأحد.
(١٢) (نابذت ملكهم) ليست في "ب".
[ ٢ / ٦٧٨ ]
الدين وحاربته، فنال الملك من عسكرها ثلاث مرات فأمست محزونة، ولما أصبحت وجدت عسكر الملك قد مسخوا خنازير (١).
ويمكن الجمع بين الأقوال لأنهم مسخوا غير مرة والتفصيل وقع على زعمهم، كقولك: إذا خطاك رجل بل أنت أضل وأخطأ.
﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نزلت في المنافقين من اليهود ودخولهم بالكفر وخروجهم (٢) به عبارة عن دوام حالهم به، أي لا ينفكون عن الكفر داخلين لا خارجين.
﴿لَوْلَا (٣) يَنْهَاهُمُ﴾ هلا ينهاهم على وجه الحث والتحريض.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ نزلت في فنحاص بن عازور اليهودي (٤) كانوا مخاصيب الرجال فلما كفّروا نبينا -﵇- ابتلاهم الله تعالى بالقحط وقَدَر عليهم الرزق وأذهب بركة أموالهم فضاقت صدورهم (٥)، فقالوا ذلك جزاء وإنما قالوا على سبيل المجاز والتشبيه؛ كقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ [الإسراء: ٢٩] ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ويحتمل (٦) الدعاء، ويحتمل الإخبار، ولذلك قالوا: أبخل الناس، (بسط اليد) نفاذ التصرف آمنًا بما أخبر الله من غير تأويل ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا﴾ كقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [لبقرة: ٢٦] وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥]، ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ بين (٧) فرق اليهود ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾ أي: هيجوا فتنة وشرًا من ذلك إرجافهم بخروج الدجال كل أوان سيطفئ الله شره.
_________________
(١) ابن جرير (٨/ ٥٤٠، ٥٤١).
(٢) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - وقتادة والسدي وابن زيد، رواه عنهم الطبري في تفسيره (٨/ ٥٤٧).
(٣) في "ب": (هل لا).
(٤) أخرجه سنيد في تفسيره ومن طريقه الطبري (٦/ ١٩٤) عن عكرمة وسنده ضعيف للانقطاع بين عكرمة وابن جريج.
(٥) ذكره عنه ابن الجوزي في تفسيره (٢/ ٣٩٣).
(٦) في "ب" "ي": (يحتمل) بدون واو.
(٧) (بين) ليست في "أ".
[ ٢ / ٦٧٩ ]
﴿آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ ندبهم إلى الإيمان والاتقاء (١) بعد اللوم ليوفق بعضًا ويؤكد الحجة على الباقين.
﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أعطتهم السماء مطرها ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ والأرض نباتها بإذن الله كقوله: ﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقوله: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦].
﴿أُمَّةٌ مُقْتَصِدَة﴾ معتدلة متوسطة في السيرة، قيل: هم أصحاب النجاشي، وقال مجاهد وقتادة (٢): هم مؤمنو أهل الكتاب، قيل: قوم تمسكوا بكتبهم من غير تبديل وتحريف قبل نسخها، وقيل: خروج نبينا -﵇-.
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ قال محمد بن كعب القرظي: رأى أعرابي رسول الله وحده مستظلًاّ تحت شجرة فأخذ السيف وصاح: يا رسول الله يا محمد من يمنعك مني؟ قال: "الله"، فسقط سيفه، وروي صار يضرب رأسه بالشجرة حتى انتثر دماغه (٣)، وفي الحديث: كان الصحابة يحرسون النبي -﵇-، فلما نزلت هذه الآية طلع عليهم وقال لهم (٤): "ارجعوا فقد كفيتم" (٥)، وهذا التكليف لاستحقاق الثواب، وفي الآية دليل أنه لم يكتم
_________________
(١) (والاتقاء) ليس في "أ".
(٢) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (٨/ ٥٦٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٩٧) إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
(٣) هذه القصة في البخاري أما علاقتها بهذه الآية فقد رواها أحمد (١٥٨٦٨)، وابن حبان (١٧٣٩ - موارد)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١٧٣)، وابن جرير (٨/ ٥٦٧) وليس في كل هذه الروايات تهشيم رأسه بالشجرة إلا في رواية وردت عند الطبري (٨/ ٥٧٠).
(٤) (لهم) ليست في الأصل.
(٥) الترمذي (٣٠٤٦)، وابن جرير (٧/ ٥٦٩)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١٧٣)، والحاكم (٢/ ٣١٣)، والبيهقي (٢/ ١٨٤)، والحديث حسنه الترمذي لكن ابن كثير في تفسيره يقول: وهذا حديث غريب جدًا وفيه نكارة، فإن هذه الآية مدنية وهذا الحديث يقتضي أنها مكية.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
شيئًا من الوحي لقيه (١) ولا يجوز للأنبياء ذلك خلاف ما قالت الروافض (٢)، قالت عائشة: لو كتم رسول الله شيئًا لكتم قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] (٣) وقيل: لو كتم شيئًا لكتم قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الآية، وقيل: لو كتم شيئًا لكتم قوله في حمزة ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقيل: لو كتم شيئًا لكتم قوله في أبي (٤) طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ لم تبلغ كل ما أنزل إليك ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ شيئًا من الرسالة أي تحبط (٥) عملك ﴿يَعْصِمُكَ﴾ قال: ليزيده جرأة وتيسيره لتبليغ الكافرين في الحال أو قوم ماتوا على الكفر أو لا يهديهم طريق الوصول إلى استئصال أمر النبوة.
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: قالت جماعة من اليهود (٦) للنبي -﵇-: يا محمد هل تقر بأن (٧) التوراة حق؟ قال: "نعم"، قالوا: فنحن نؤمن بها ولا نؤمن بغيرها (٨) لأنه متفق عليه (٩)،
_________________
(١) (لقيه) ليست في "ب".
(٢) نسب هذا القول للروافض القرطبي في تفسيره (٦/ ٢٤٢ - ٢٤٣) قائلًا: (.. فدلّت الآية على ردّ قول من قال: إن النبي - ﷺ - كتم شيئًا من أمر الدين تقيَّة وعلى بطلانه، وهم الرَّافضة ..) وقال: (وقبح الله الروافض حيث قالوا: إنه - ﷺ - كتم شيئًا مما أوحى الله إليه كان بالناس حاجة إليه).
(٣) الترمذي (٣٢٠٧، ٣٢٠٨)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤١)، والطبري في تفسيره (١٩/ ١١٧)، وهو مروي عن أنس كما عند ابن سعد (٨/ ١٠١، ١٠٢)، والحاكم (٤/ ٢٣، ٢٤) واستغربه الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٣/ ١١١).
(٤) في الأصل و"ي": (علي بن أبي طالب) وهو خطأ.
(٥) المثبت من "ب"، وفي البقية (حبط).
(٦) (من اليهود) ليست في "ب".
(٧) في "ب": (تقر أن).
(٨) في الأصل: (فنحن لا نؤمن بها لأنه ..).
(٩) سيرة ابن هشام (١/ ٥٦٧، ٥٦٨) عن ابن إسحاق، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٥٧٣)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١٧٤).
[ ٢ / ٦٨١ ]
فرد الله (١) عليهم بالمنع في ضمن قوله: ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ﴾ أي: لستم آخذين بها ولا مقيمين إياها وبالتنبيه على فساد أصل المقالة في ضمن (٢) قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: ما ثبت من القول الجابر بالإعجاز والأمر والنهي؛ فإن الموجب لقبول الكتاب هذا المعنى دون الإجماع، وإذا كان الموجب هذا لزم الحكم بوجوده وزال لعدمه.
﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ ارتفع عطفًا على الضمير في ﴿هَادُوا﴾ لأن الفعل لا يخلو عن ضمير تقديره: والذين هادوا وهم الصابئون، وقيل بالابتداء على تقدير التأخير أو على تقدير إلغاء حكم إنّ (٣).
﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ استيلاء بخت نصر والروم عليهم ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٤) أعاد الأمن والرخاء، وقيل: فتنة ابتلائهم بنسخ الشرائع وقبول توبتهم إن تابوا ﴿كَثِيرٌ﴾ رفع بالابتداء (٥) وخبره أو بإسناد الفعل أو بالتأكيد (٦).
﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قيل: من كلام عيسى استئناف كلام الله من الله -﷿-
_________________
(١) (فرد الله) ليست في "أ".
(٢) من قوله (قوله ﴿حَتَّى تُقِيمُواْ﴾ ) إلى قوله (في ضمن) ليست في "أ".
(٣) (أنّ) ليست في "ب".
(٤) في الأصل: (تاب الله عليهم)، وفي "ي" "أ" "ب": (ثم تاب الله).
(٥) وذهب الزجاج إلى أن "كثير" خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: ذوو العمى والصمم كثير منهم. ويجوز - كما قال الفراء - أن تجعل "عموا وصموا" فعلًا للكثير كما قال أحيحة بن الجلاح: يلومونني في اشترائي النخيـ ـلَ أهلي فكلهم أَلْوَمُ ولو نصبت "كثير" في غير القرآن لكان صوابًا ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: وسوَّد ماءُ المَرْدِ فاها فلونه كلونِ النَّؤُور وهي أدماء سَارُهَا والبيت في وصف ظبية، والمرد: الغض من ثمر الأراكَ، والنؤور: النيلج وهو دخان الشحم، يعالج به الوشم فيخضر. وسارها: أي سائرها، والأدماء من الأدمة وهي في الظباء لون مشرب بالبياض. [معاني القرآن للفراء (١/ ٣١٦)، معاني القرآن للزجاج (١٩٥/ ٢)].
(٦) في "ب": (بإسناد الفعل أو بإسناد الفعل أو بالتأكيد).
[ ٢ / ٦٨٢ ]
والهاء ضمير الأمر والشأن، قالت: ثلاثة أحدهم وما في (١) الاثنين أحدهما.
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ من مقالة هؤلاء على سبيل وصفهم بتناقض قولهم (٢) كلامهم، وقيل: ابتداء كلام من الله تعالى ودخول من للتأكيد، والانتهاء التمسك بالنهي والامتناع عن النهي عنه أحسن والله ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾.
﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ﴾ استفهام (٣) على سبيل الحث والتحريض فدخلت من قبله عارض ينبه على فناء المسيح ومضيّه لسبيله.
ولا بدّ للنبي من إمامة مطلقة، والمرأة لا تقدر عليها فلذلك لم يصف أمه بالنبوة ووصفها بالصدق ﴿يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ تنبيه على احتياجهما والاحتياج آية للحدوث والعبودية (٤) ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون و(الإفك): ما صرف من الكلام إلى الباطل ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ استفهام بمعنى الإنكار وفيه دليل أن العبد وإن اتصف بالقدرة لم يملك لأحد ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ إلا بمشيئة الله تعالى وتقديره: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا﴾ في شأن النصارى، وقيل: في اليهود والنصارى جميعًا ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ قيل: استثناء منقطع وقيل متصل (٥) ﴿ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ سلفهم ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ من إخوانهم.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ هم الذين ناصبُوه مع طالوت ماتوا على ذلك من غير توبة وأصحاب إيلة وأمثالهم والذين لعنوا على لسان عيسى هم اليهود والذين قامت عليهم الحجة بعيسى -﵇-. (التناهي): تفاعل من النهي أي: لم ينه بعضهم بعضًا ﴿يَتَوَلَّوْنَ
_________________
(١) في "أ": (ويأبي)، وفي "ي": (ويأتى).
(٢) (قولهم) من الأصل.
(٣) (استفهام) ليست في "أ".
(٤) في الأصل و"ي": (العبود).
(٥) استبعد أبو حيان الاستثناء المتصل والمنقطع وذهب الزمخشري إلى أن قوله: "غير الحق" نعت لمصدر محذوف، والتقدير: لا تغلوا في دينكم غلوًا غيرَ الحق. وذكر أبو البقاء أنه منصوب على الحال من ضمير الفاعل في "تغلوا" والتقدير: لا تغلوا مجاوزين الحق. [الكشاف (١/ ٦٣٥)، البحر (٣/ ٥٣٩)، الإملاء (١/ ٢٢٣)].
[ ٢ / ٦٨٣ ]
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المشركون ﴿أَنْ (١) سَخِطَ اللَّهُ﴾ بيان لما قدمت ﴿لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: إن حلوا محل المسخوط عليهم بكسبهم خصالًا لا يرضاها الله تعالى و(السخط): الغضب وفيه معنى الكراهية ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾ نزلت في المنافقين من أهل الكتاب لأنه نفي إيمانهم به وبالنبي -﵇- وما في شأن الجميع والشعبي موسى -﵇- أو عيسى -﵇-.
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ في اليهود والمشركين على العموم ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ النصارى على العموم وقيل: جماعة مخصوصة من النصارى وهم أصحاب النجاشي. عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد والسدي (٢)، وقال قتادة (٣): هم قوم كانوا على دين عيسى -﵇- آمنوا بنبينا -﵇- اثنان وثلاثون من الحبشة قدموا مع جعفر الطيار وثمانية من الشام وأربعون من نجران، ﴿مَوَدَّةً﴾ محبة ذلك إشارة إلى وجودهم وقربهم ﴿قِسِّيسِينَ﴾ جمع قسيس وهو العالم (٤) بلغة الروم، والقس في لغة العرب تتبع الخير والقساس التمام (٥) ﴿وَرُهْبَانًا﴾ جمع راهب وأنهم أي النصارى.
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ صفة الذين قدموا على النبي -﵇- وأسلموا ويجوز أن يجاب إذا بفعل المستقبل. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ [الصافات: ١٤] ﴿تَفِيضُ﴾ تمتلىء مع السيلان، يقال للخبر الفاشي فائض ومستفيض و﴿الدَّمْعِ﴾ ماء العين من فرحٍ كان أم حزن، ويحتمل (٦) أنهم بكوا فرحًا لإدراك النبي -﵇- ويحتمل خوفًا على إفراطهم.
_________________
(١) في "أ": (أي).
(٢) أما عن ابن عباس فرواه الطبراني في الكبير (١٢٤٥٥)، وفي الأوسط (٤٦٣٩)، وأما عن سعيد بن جبير فرواه ابن جرير (٨/ ٦٠٠)، وابن أبي حاتم (٦٦٧٣). وأما عن مجاهد فرواه ابن جرير (٨/ ٥٩٥)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٣). وأما عن السدي فرواه ابن جرير (٨/ ٥٩٦، ٦٠١)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٤).
(٣) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٤٠٦ - ٤٠٧) لأبي الشيخ.
(٤) في "أ": (الغلام).
(٥) في "أ": (العمام).
(٦) في "أ" "ب": (يحتمل) بدون واو.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾ استفهام على سبيل التعجب توجه إلى من أنكر عليهم إيمانهم ﴿لَا نُؤْمِنُ﴾ في الحال وما وبما جاءنا ونطمع عطف على لا نؤمن وقيل استئناف كلام، الإثابة جزاء الخير.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ قيل: أن علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون والمقداد وسالمًا مولى أبي حذيفة وأبا ذرّ تذاكروا القيامة فيما بينهم فتعاقدوا وتعاهدوا في بيت عثمان بن مظعون على لبس المسوح وإخصاء الأنفس وترك الشهوات والسياحة في الجبال (١).
وقيل: إن أبا بكر وعمر كانا معهم (٢)، وقيل: إن ابن مسعود وعمار وسلمان (٣) الفارسي معهم فأنزل الله هذه الآية، فجاء رسول الله بيت عثمان فلم يجده واستخبر امرأته فقالت: إن أخبر الله رسوله (٤) بشىء فهو الحق فقال: "إذا رجع زوجك فقولي لا تحدث شيئًا حتى تراني"، فلما رجع أخبرته فجاء إلى رسول الله - ﷺ - وأظهر عليه ضميره فأنكر عليه رسول الله - ﷺ - (٥) وقال: "لكنّي أصوم وأفطر وأصلي وأنكح النساء فمن أخذ بسنتي فهو مني ومن لم يأخذ بسنتي (٦) فليس مني" (٧).
﴿وَكُلُوا﴾ إباحة وهاهنا أمر باعتقاد الاستباحة بدليل النهي عن اعتقاد التحريم قبله.
(الأيمان المعقودة) هي التي محافظتها موهومة، ويجوز أن يؤمر بها وينهى عنها، و(الكفارة) (٨) مختصة بها دون اللغو والغموس، وحقيقة
_________________
(١) ابن جرير (٨/ ٦٠٩ - ٦١١)، وله شواهد عند الطبراني (٧٧١٥)، وعبد الرزاق في المصنف (١٢٥٩٢).
(٢) عزاه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٤١٠) لابن عباس.
(٣) في الأصل و"ي": (أو)، وفي "أ": (سليمان) وهو خطأ.
(٤) في الأصل: (إن أخبر الله بشيء)، وفي "ب": (إن الله أخبر رسوله).
(٥) (- ﷺ -) ليست في "أ".
(٦) (فهو مني بسنتي) ليست في "أ".
(٧) أصل الحديث في البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١).
(٨) في الأصل: (الكفار).
[ ٢ / ٦٨٥ ]
الإيمان ما يكون بأسماء الله تعالى وبصفاته التي يوسف بها ولا يوصف بضدها. كفارة الحنث، وقيل: العقد، وعلى هذا إيمانكم كفارة حنث أيمانكم، ولا يجوز التكفير قبل الحنث خلافًا للشافعي - ﵀ -، و(الإطعام): لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو صاع من شعير، وإن عشاهم (١) وغدّاهم جاز خلافًا للشافعي، وإن أطعم واحدًا عشرة أيام جاز خلافًا للشافعي، ويجوز دفع القيمة خلافًا له، و(الكسوة) إزار ورداء وقميص أو قبا، وعن محمد أجازه السراويل أو المئزر، ويجوز فيه الكافرة (٢) والمسلمة (٣) إذا لم تكن مستهلكة المنفعة أو السن أجمع، ولا يجوز صوم الكفارة إلا متتابعًا خلافًا للشافعي (٤) كما روي في قراءة ابن مسعود وأبي ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ (٥).
﴿رِجْسٌ﴾ قبيح مستقذر وفاعله يسمى رجسًا والعقوبة عليه يسمى رجساَّ ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ من رسومه وموضوعاته ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي: الرجس أو عمل الشيطان أو الشيطان بعينه. إيقاعه العداوة بين الشرب وسوسته بالعربدة وبين المقامرين وسوسته بالمشاجرة وصدهم و(٦) إلهاؤهم ﴿مُنْتَهُونَ﴾ أمر بالانتهاء كقوله: ﴿هَل أَنتُم مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] إنما (ما) الكافة ولولاها لانتصب البلاغ وهذا تعريض بالتهديد أي: هو لا يؤاخذ بإعراضكم وأنتم المؤاخذون بذلك.
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقال سعيد بن جبير: لما نزلت قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] تأثم بعض الناس إلى أن نزل
_________________
(١) (أوصاع عشاهم) ليست في "أ"، وفي "ي" "ب": (وغداهم وعشاهم).
(٢) في الأصل: (الكافر).
(٣) (والمسلمة) ليست في "أ".
(٤) (للشافعي) ليست واضحة في الأصل.
(٥) قراءة ابن مسعود رواها ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٤، ١١٩٥)، وأما قراءة أُبيّ فرواها ابن جرير (٨/ ٦٥٢)، وابن أبي داود في "المصاحف" (٥٣)، والحاكم (٢/ ٢٧٦)، والبيهقي في سننه (١٠/ ٦٠)، والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
(٦) (وإلهاؤهم) الواو ليست في الأصل.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فامتنع آخرون عن الشرب بالنهار وشربوا بالليالي (١)، فلما نزل هذه الآية قال عمر: بعدًا (٢) لكِ يا خمر وسحقًا قرنت بالأنصاب والأزلام، وتركها جميع الناس ووقع في صدور الناس شيء وأتوا رسول الله وسألوه عن حمزة ومصعب ابن عمير وعبد الله بن جحش وأمثالهم أليسوا في الجنة؟ قال: "بلى"، قالوا: إنهم ماتوا يشربون الخمر فما بالنا لا نشرب؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ﴾ الآية وفي حمزة وأصحابه هذه الآية (٣).
وحدّ الشرب ثمانون جلدة وعند الشافعي أربعون جلدة، قال علي: إنه إذا شرب سكر وإذا سكر (٤) هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة (٥)، إبقاء الأول إبقاء عن الكفر (٦)، والثاني بقاء على إبقاء الأول وإبقاء عن الارتداد بعد الإيمان، والإيمان بقاء على الإيمان السابق، والأحكام الناسخة المستقبلة كقوله: ﴿زَادَتهُم إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] والثالث: إبقاء عن السيئات والإحسان الذي قال -﵇-: "هو أن تعبد الله كأنك تراه (٧) فإن لم تكن تراه فهو يراك" (٨).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ نزلت عام الحديبية وهم كانوا محرمين فحشر الله الصّيد إليهم وابتلاهم بكثرتها وتيسير تناولها مع الحظر عنها، وتقديره: والله ليبلونكم ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ لتبيين الجنس ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ البيض
_________________
(١) في "أ": (بالليل).
(٢) في "ي" والأصل: (بعيدًا).
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٤٥٨) لابن المنذر.
(٤) (وإذا سكر) ليست في "أ".
(٥) مرّ تخريجه.
(٦) في "أ": (الكفرة).
(٧) في "أ": (كأنه يراك).
(٨) هذه جملة من حديث جبريل الطويل الذي رواه عمر بن الخطاب - ﵁ - عندما سأل جبريل النبي -﵇- عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة، والحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب الإيمان (١/ ٣٧)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان (١/ ٣٩/ ٥)، والإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٧ - ٣/ ١٠٧) وغيرهم.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
والفراخ التي لا يمتنع، وما تناله الرماح: المتوحش الممتنع كالظباء والحبالة والنعامة وغيرها. و(الرماح): جمع رمح ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ أي ليعلمه وقد خاف بعدما علمه سيخاف ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هو: التعزير والتأديب، وقيل: وعيد عقباوي.
وكفارة الصيد (١) تجب على القاتل عمدًا بنص الكتاب وعلى القاتل خطأ بالسنة والاستدلال؛ لأن النبي -﵇- أوجب في الضبع كبشًا مسنًا (٢) ولم يفصّل، وعن عمر: تمرة خير من جرادة (٣).
﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ تبيينًا لجنس الجزاء أو لجنس (٤) ما قتل من الصيد (٥) ﴿النَّعَمِ﴾ نعم المواشي الأهلية والصيد جزاء ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ أي القيمة لأنها علامة متأتية في الصيد (٦) كله ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ بالمثل وهو القيمة، ثم ينظر المحكوم عليه إن لم يجد بها ما يصح في المتعة والقران أطعم أو صام، وإن وجد اختار من الكفارات الثلاث ما شاء. ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ يدل أن (٧) الكفارة تجري مجرى العقوبات وبال الخصلة السيئة (٨) ﴿أَمْرِهِ﴾ فعله وشأنه ﴿عَفَا اللَّهُ﴾ عن المكفر (٩) ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ وعيد لا يرفع الكفارة لأن القاتل بدأ قبل القود فقد هتك الحرمة ثم الكفارة لازمة، وعن سعيد بن جبير وعطاء: إن عاد (١٠) أعيد عليه (١١).
_________________
(١) في "أ": (العمد).
(٢) رواه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع)، ص ٢٦٤ قريبًا منه، والحاكم (١/ ٤٥٣) وسنده صحيح. انظر: إرواء الغليل (٤/ ٢٤٣).
(٣) ابن أبي شيبة (٤/ ٧٧).
(٤) في الأصل: (والجنس).
(٥) (من الصيد) من "ب".
(٦) (والصيد) ليست في "ب".
(٧) في الأصل: (يدلان).
(٨) في "أ": (الخصال السبعية).
(٩) في "أ": (الكفر).
(١٠) من قوله (وعيد لا) إلى قوله (إن عاد) سقط من "ب".
(١١) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (٨/ ٧١٥)، وسعيد بن منصور في سننه (٨٣١) عن عطاء، وعبد الرزاق في مصنفه (٨١٨٠)، وابن أبي شيبة (٤/ ٩٩) عن سعيد بن جبير.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ خطاب للمحرمين وطعامه ليس مصيدًا (١) في الظاهر وطعامه ما قذفه البحر من السمك فمات عطشًا أو بسبب دون الطافي. وعن ابن عباس في رواية وابن جبير ومجاهد وقتادة أن الطري من السمك دخل في اسم الصيد والمملح منه دخل في اسم الطعام (٢) ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وإنما خص لأن المخاطبين محرمين كانوا سيارة فذكر في مثل حالهم من الناس ولأنهم هم المحتاجون إليه في الغالب، ويحتمل أنه من باب اقتصار أحد طرفي الكلام كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] وقيل: الآية خطاب للمقيمين فذكر السيّارة ليعم الحكم عامة الناس ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ كل ما كان جنسه متوحشًا مأكول اللحم أو غيره، قال -﵇-: "خمس تقتلهن في الحل والحرم: الغراب والحداة والفأرة والحية والكلب العقور" (٣) حصره بعدد، ويلحق غيرها بها حالة وجود العدوان.
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث إمساك المناسك و﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ هي الكعبة حرسها الله، والمكعب في المساحات ما له طول وعرض وسُمك ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ يكون (٤) آمنًا لمن التجأ إليها، ويتوجه العالم إليها في يوم وليلة خمس مرات في أقطار الأرضين متحرمين بالصلاة جموعًا وفرادى وبإحجاج المحتاجين عن الموتى وذوي الأعذار وبحفر الآبار واستخراج المياه في طريقها واختلاف السفر إليها وتوقير زائريها أبدًا ما عاشوا مع ما (٥) انضم إليه بيان سمت القبلة وبناء المساجد والمنارات ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ كان ﴿قِيَامًا﴾ لهم لتركهم القتال فيه وتقلبهم آمنين ﴿وَالْهَدْيَ﴾
_________________
(١) في "ي": (مصدر)، وفي "أ": (يصيد).
(٢) أما عن ابن عباس فرواه سعيد بن منصور (٨٣٤ - تفسير)، وابن جرير (٨/ ٧٢٣، ٧٣١)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢١١). وأما عن سعيد بن جبير فرواه الطبري (٨/ ٧٢٤)، وأما عن مجاهد وقتادة فرواه الطبري أيضًا (٨/ ٧٣٢).
(٣) البخاري (١٧٣١) ط. البغا، ومسلم (١١٩٨).
(٤) في الأصل: (ويكون).
(٥) (ما) من "ب" "ي".
[ ٢ / ٦٨٩ ]
قيامًا لهم لانتفاع المحتاجين والفقراء، وكذلك ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾ لامتناعهم عن الغارة على أصحاب القلائد (١)، ذلك إشارة إلى الجعل أو الخبر عنه، وإنما كان علّة لعلمنا لوجودنا المصالح فيما جعل إذا اعتبرنا الغالب ولا يكون ذلك إلا فعل حكيم عليم.
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ نبه على العقاب للحث على محافظة ما هي قيام للناس، ثم ذكر أنه ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لئلا يؤدي بهم التخويف إلى القنوط.
وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ يفيد خلوص الحجة على المخاطبين وخروج المبلغ عن الملام، وفيه نوع تنبيه كما قال: ﴿فَإِنَمَا عَلَيكَ اَلْبَلَغ وَعَلَينَا اَلِحْسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ زجرًا عن النفاق والعقائد المذمومة.
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ نزلت في المؤمنين حيث أرادوا أن يُغِيرُوا على حجاج اليمامة فنهاهم الله عن ذلك وزهدهم فيه (٢)، (الخبيث): الكافرون، و(الطيب): المؤمنون (٣)، ذكرهم لعموم الخطاب ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ على سبيل المبالغة ولذلك لم يقتض جوابًا كقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] وقال:
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ولو قطعوا لديك رأسي وأوصالي (٤)
_________________
(١) قوله "القلائد" جمع قلادة كان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شَعَر فأحمته ومنعته من الناس. وكان إذا نَفَرَ تقلد قلادة من الإذخر، أو من لِحَاء السَّمَر فمنعته من الناس، حتى يأتي أهله، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية. روي نحو ذلك عن ابن عباس - ﵄ -. [الطبري (٩/ ١٠)، ابن كثير (٢/ ١٣٥)].
(٢) لم نجده.
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري (٩/ ١٢)، وابن أبي حاتم (٦٨٧٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣٤)، إلى أبي الشيخ كلهم عن السدي.
(٤) البيت من الطويل وهو لامرئ القيس في ديوانه ص ٣٢، والصحيح أن عجزه هو =
[ ٢ / ٦٩٠ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا﴾ قال أبو أمامة (١) وأبو هريرة: لما نزل قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُّ اَلبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قال رجل من الأعراب: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه، فأعاد عليه ثلاث مرات فاستغضب، فمكث (٢) طويلًا ثم تكلم فقال: "من هذا السائل؟ " قال الأعرابي: أنا، فقال: "ويحك! ما يؤمنك أن أقول نعم! لو قلت نعم لوجب ولو وجب لكفرتم" فأنزل الله الآية (٣)، وإنما أنكر السؤال؛ لأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار إلا بقرينة ولم يقع سؤاله للضرورة. أبو صالح عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ذات يوم غضبان قد احمرّ وجهه فجلس (٤) على المنبر فقال: "لا تسألوني (٥) عن شيء إلا أحدثكم (٦) به" فقام رجل وقال: أين أبي؟ قال: "في النار"، فقام عبد الله بن حذافة وكان يطعن في نسبه فقال: من أبي؟ قال: "أبوك حذافة" فقام عمر وقال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبالقرآن إمامًا وبمحمد نبيًا، يا رسول الله كنا حديث عهد في الجاهلية وشرك فالله أعلم من آباؤنا، قال: فسكن غضبه، ونزلت الآية (٧). وعن سعيد بن جبير نزلت في السائل عن البحيرة والسائبة والوصيلة (٨) يعني
_________________
(١) = (ولو قطعوا راأسي لديك وأوصالي). وهو هكذا في المصادر. [خزانة الأدب (٩/ ٢٣٨)، الخصائص (٢/ ٢٨٤)، شرح أبيات سيبويه (٢/ ٢٢٠)، لسان العرب (١٣/ ٤٦٣) "يمن"].
(٢) في "أ": (تمامة).
(٣) في "أ": (فمكت).
(٤) أما عن أبي أمامة فرواه ابن جرير (٩/ ١٩، ٢٠)، والطبراني في الكبير (٧٦٧١)، وسنده ضعيف كما قال ابن كثير. وأما عن أبي هريرة فرواه ابن حبان (٣٧٠٤) وسنده صحيح.
(٥) في "أ": (وجلس).
(٦) (لا تسألوني) ليس في الأصل.
(٧) في "أ": (وحدثكم).
(٨) ابن جرير (٩/ ١٧)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢١٩)، والطحاوي في المشكل (١٤٧٥)، وعزاه السيوطي في الدر (٢/ ٣٣٥) للفريابي وابن مردويه.
(٩) أخرجه الطبري (٩/ ٢٢)، وابن أبي حاتم (٦٨٧٩)، والطحاوي في المشكل (٤/ ١١٨)، وعزاه السيوطي في الدر (٢/ ٣٣٦) إلى أبي الشيخ.
[ ٢ / ٦٩١ ]
عن (١) أسلافهم الذين ماتوا في الجاهلية متدينين بذلك في الحياة (٢)، البحيرة والسائبة عن مقسم على حكم سعد بن معاذ وقال: [تاب أبو لبابة هذا (٣) بعد ذلك وقال: ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله ﴿لَا يَحزُنكَ﴾ [المائدة: ٤١] لا يغمك نهي إلى غير المنهي كقوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] والمقصود من النهي التسلية ومن الأولى لتبيين الجنس ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤١] قيل: لتبيين الجنس وقيل إنها مستأنفة ﴿سَمَّاعُونَ﴾ [المائدة: ٤١] مبتدأ أو خبر.
وقيل: صفة للذين يسارعون أو السماعين إذ الآخرين وتحريفهم ما سبق ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ [المائدة: ٤١] ابتلاه بتقدير أنه معصية أو عقوبة] (٤) نزلت في الطالبين بالآيات الملجئة، وهذه السؤالات مذمومة لعدم الفائدة و﴿أَشْيَاءَ﴾ جمع شيء، وشيء في الأصل شيء على وزن شفيع فلينت الهمزة الأولى وأدغمت كما في ميت وهين فصار شيًا ثم استخف بحذف المدغم ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ تحزنكم ﴿عَفَا اللَّهُ﴾ أمهل الله، وقيل: عفا الله عن أمواتكم الماضية.
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ﴾ هم المضيقون عليهم أمر البقرة والمطالبون بالرؤية جهرة والمستنزلون مائدة وأمثالهم، (البحيرة) للخامس (٥) من ولد الناقة إن كان أنثى بحروا أذنها وحرموا ركوبها ولحومها على النساء إن قتلت، وإن ماتت حلّت للنساء (٦)، و(السائبة) ما كانوا يخرجونه عن الملك إلى مالك
_________________
(١) (عن) ليست في "أ".
(٢) (الحياة) ليست في "ب".
(٣) (على حكم) إلى قوله (.. لبابة هذا) ليست في "ب".
(٤) ما بين [] من نسخة "ب" وهو كذلك في نسخة "أ" ولكنه شطب.
(٥) في "أ": (الخامس).
(٦) البحيرة: فعيلة من قولك: بحرتُ أُذن هذه الناقة - إذا شققتها - وناقة مبحورة ثم تصرف إلى فعيلة، فيقال: بحيرة، ومنه حديث أبي الأحوص عن أبيه قال: دخلت على النبي - ﷺ - فقال: "أرأيت إبلك، ألست تنتجها مُسَلَّمَةً آذانها فتأخذ الموسَ فتجدعها، =
[ ٢ / ٦٩٢ ]
ويحرمون الانتفاع به من كل وجه ولا يرون ذوده عن المرعى، و(الحمى والوصيلة) قال ابن عرفة: ما كان البطن السابع من ولد الشاة ذكرًا أو أنثى توأمين (١) قالوا للأنثى: وصلت أخاها فلا يذبح ويكون لحمها حرامًا على النساء، قال ابن الأنباري: كانت الشاة إذا ولدت ستة أبطن عناقين عناقين وولدت في السابعة عناقًا وجديًا قالوا: وصلت أخاها حلّوا لبنها للرجال دون النساء، و(الحامي) الفحل الذي ركب ولد ولده، وقيل: إذا كان من ولده عشرة أبطن، قالوا: حمى (٢) ظهره فلا يركب ولا يمنع عن (٣) مرعى. نفى الله أن تكون هذه الأحكام دينًا له وأمر أمته، والمبتدع لهذه الأحكام عمرو بن لحي وهو الذي نصبَ الأنصاب وبدّل الحنيفية وأدخل الإشراك في التلبية (٤).
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ تقديره: حفظ أنفسكم وإصلاحها دون التعليق بما كان عليه الآباء فإنهم لا يضرونكم إذا اهتديتم، وفيه ما يدل على نسخ الأمر بالمعروف خطبة أبي بكر الصديق وقال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتعتقدونها رخصة الله، والله ما نزلت آية أشد من هذه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وإني سمعت أن (٥) رسول الله - ﷺ - يقول: "إنّ
_________________
(١) = تقول: هذه بحيرة، وتشق آذانها " الحديث، أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٩)، وابن أبي حاتم (٦٨٨٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٤٢)، والبغوي في شرح السنة (٣١١٨)، والإمام أحمد (١٧٢٢٨).
(٢) في "أ": (تومين).
(٣) في الأصل و"ب": (أحمى).
(٤) في "ب": (من).
(٥) عمرو بن لحي الخزاعي أول من سيب السوائب وغيَّر دين إبراهيم كما في حديث زيد بن أسلم مرفوعًا. قال ﵊: "إني لأعرف أول من سيب السوائب وأول من غير عهد إبراهيم، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: "عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار يؤذي ريحه أهل النار " الحديث، أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٢٨)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٩٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٣٨) إلى عبد بن حميد، وأصل الحديث في صحيح مسلم.
(٦) (أن) من "ب".
[ ٢ / ٦٩٣ ]
الناس (١) إذا رأوا منكرًا فلم يغيّروه يوشك أن يعمهم الله بعذاب" (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ابن جبير عن ابن عباس كان تميم الداري
وعدي بن نبدي نصرانيان يختلفان إلى مكة بالتجارة، فخرج مسلم من بني
سهم فتوفي بأرض ليس بها مسلم فأوصى إليهما فلما رجعا من سفرهما دفعا
تركته إلى أهله وحبسا (٣) جامًا من فضة مخوّصًا بذهب فاستحلفهما
رسول الله - ﷺ - ما كتما ولا اطّلعا، ثم عرف الجام بمكة فقال الذين اشتروه:
اشتريناه من عدي وتميم، فقام رجلان من أولياء السهمي وأخذا الجام وفيهم
نزلت الآية (٤)، دليل أن الورثة صدقوهما في الوصاية واتهموهما في الأمانة
ولذلك استحلفهما على الكتمان والاطلاع، وفيه دليل أن المراد بالشهادة
اليمين وإنما وجب عليهما اليمين لأن الورثة يدّعون عليهما الزيادة.
وفي أيمان الورثة وجهان: فإن ادعى الوصيان وصية أو ملكًا في الجام يخرجان به عن حكم الميراث والورثة ينكرون ذلك فهذا حكم قائم، وإن كان يمينهم قائمة مقام البينة وإبطال اليمين الأولين فهذا حكم منسوخ، وعن زيد بن أسلم (٥) قال: كان ذلك في رجل توفي في أرض حرب والناس كفار وليس عنده أحد من أهل الإسلام وكان الناس يتوارثون بالوصيّة، ثم نسخت (٦) الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها والمراد بقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الإخبار أو الأمر (٧) ﴿إِذَا حَضَر﴾ توقيت
_________________
(١) (إن الناس) ليست في "أ".
(٢) أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨، ٣٠٥٧)، والنسائي في الكبرى (١١١٥٧)، وابن ماجه (٤٠٠٥)، وأحمد (١/ ١٧٧، ١٩٧، ٢٠٨، ٢٢١)، وأبو يعلى (١٣٢)، وابن جرير (٩/ ٥١، ٥٢)، وابن حبان (٣٠٤، ٣٠٥)، والحديث صحيح.
(٣) في الأصل و"ي": (وجلسا).
(٤) الترمذي (٣٠٥٩)، وابن جرير (٩/ ٨٨، ٨٩)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٣٠، ١٢٣١)، والنحاس في ناسخه ومنسوخه (٤٠٩)، وأبو نعيم (١٢٢٣)، والحديث ضعيف.
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٦٧) وذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢١٢).
(٦) (ثم نسخت الوصية) ليست في "أ".
(٧) هذه الآية كما قال مكي بن أبي طالب: في قراءاتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها =
[ ٢ / ٦٩٤ ]
﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ بدل (١) عن التوقيت اثنان أي شهادة اثنين فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ صفة للخبر أي ذوا عدالة ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ أو شهادة آخرين عدلين ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، والعدالة كون الإنسان مرضي السيرة في دينه، والشهادة في العدالة (٢) شرط واليمين ليس بشرط ولكنه احتياط فإن المنكرين إذا كانوا جماعة فيستحلف عدولهم كما في القسامة ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ صلاة العصر، وفائدة ما بعدها لأن أهل الذمة يوافقدننا في حرمة ذلك الوقت واجتناب الإثم فيه، وقيل: استحلاف المؤمنين كانوا في تلك الساعة أشد تورعًا منهم في غيرها (٣) ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ يعني الوصي والأمين لا يحلفان إلا عند الريبة والتهمة ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ باسم الله وقوله ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ دليل أن الوصيين كانا قريبين للميت ﴿وَلَا نَكْتُمُ﴾ ما تحملناه عن الميت من وصية ﴿إِنَّا إِذًا﴾ أي إن (٤) اشترينا وكتمنا.
﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ العثور الاطلاع والإعثار: أن تطلع غيرك على شيء، قال: وكذلك اعترافًا، (الاستحقاق): الاستحباب، وهذا يدل على أن قضاء القاضي ينفذ في الظاهر، ثم بين وجه الاحتياط الحبس للاستحلاف بعد الصلاة.
﴿أَنْ يَأْتُوا (٥) بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ والثاني أن يبطل الخوف (٦) من أن يبطل (٧)
_________________
(١) = وأحكامها من أصعب آي القرآن وأشكلها، ومثله قال السخاوي والواحدي، فعلى قراءة الجمهور فيها خمسة أوجه إعرابية، وفي قراءة الرفع منونة وهي قراءة الحسن والأعرج والشعبي، وفي قراءة النصب منونة وهي قراءة السلمي والحسن، أوجه إعرابية متعددة يطول ذكرها. [الكشف (١/ ٤٢٠)، المحرر (٥/ ٢١٧)].
(٢) في "أ": (تدل).
(٣) في "ب" والأصل: (العدالة في الشهادة).
(٤) في "ب" "ي": (وغيرها).
(٥) (إن) من "أ" "ي".
(٦) (أن يأتوا) ليست في "أ" "ب".
(٧) (أن يبطل الخوف) ليست في "أ" "ب"، وفي "ي": (للخوف).
(٨) في "أ": (تبطل).
[ ٢ / ٦٩٥ ]
إيمانهم بإيمان غيرهم إذا عثر على خيانتهم، وقيل: أو بمعنى الواو أي الاحتياط أحد المعنيين.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾ العامل في الظرف ﴿وَاتَّقُوا﴾ وقيل: لا علم وفائدة السؤال توبيخ الأمم وتقريعهم وثناء الرسل على الله وتبريهم عن علم الغيب، وفيه دليل أن السؤال يكون عن الصادفة والصادرة عن (١) العقائد. (إذ) بدل عن ﴿يَومَ﴾ وهما للماضي، ولكن عني بهما زمان مستقبل، وإنما جاز ذلك لتحقيق وجوبه فكأنه كان ومضى كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤].
(عيسى): اسم في محل النصب و(مريم) لعيسى بمنزلة الأب كمحمد ابن الحنفيّة ومحمد بن زبيدة. النعم (٢) المنعم بها على عيسى ما نطقت به الآية، والنعمة المنعم بها على والدته كلامه في إظهار شهادة ببراءة والدته وفي اكتهاله على مسرّة والدته (٣) و﴿الْكِتَابَ﴾ القدرة على القراءة، وقيل: الزبور، و﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ (٤) الفقه وسائر ما آتى الله من الحجج والبيان، و(كف بني إسرائيل): صدّهم عنه حين أرادوا قتله وصلبه.
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾ الوحي هاهنا الإلهام (٥)، وقال السدي: قذف في قلوبهم (٦)، وقال الزجاج: أمرهم الله تعالى على لسان عيسى (٧).
_________________
(١) في الأصل: (وعن).
(٢) في الأصل: (والنعم) بالواو.
(٣) (كلامه في والدته) ليست في "أ".
(٤) في الأصل: (الحمة).
(٥) في الأصل و"أ": (إلهام).
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١١٦)، وابن أبي حاتم (٧٠٠٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٤٦) إلى أبي الشيخ.
(٧) ذكره الزجاج في معاني القرآن (٢/ ٢١٩) واستشهد له بقول الشاعر وينسب إلى العجاج وهو في ديوانه (٥): الحمد لله الذي استهلَّتِ بإِذنهِ السماءُ واطمأَنَّتِ أوحَى لها القرارَ فاستقرَّتِ أي أمرها.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
و(المائدة): الخوان (١) حالة (٢) كون الطعام عليه مشتق من الميد وهو العطاء والنفع والعون، تقول: مادني ويميدني، وإنما أنكر عليهم إما للمطالبة والإعجاز على وجه التمني والشهوة وإما لجهالة قدرة القديم الفاعل.
﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ﴾ إما للحرص الطبيعي الذي هو في نفس الحيوان وإما للتشرف (٣) والتبرك وإما لكسب العلم الضروري وحسم توهم السحر واللبس، فالذوق والمضغ والابتلاع ويحتمل أنهم تنوّعوا في هذه المعاني أنواعًا وافترقوا فرقًا على حسب همهم.
﴿قَالَ عِيسَى﴾ في الحال دلالة أنه استنزل المائدة بعد الإذن في السؤال والدعاء ﴿تَكُونُ﴾ أي كانت لنا عيدًا أو هي على سبيل المجاز؛ لأن المائدة لا يتصور أن تكون عيدًا ولكن زمانها من السنة عيد مأخوذة (٤) من عاد يعود، وقيل: نزلت المائدة يوم الأحد فاتخذوه عيدًا، فيوم الأحد (٥) لهم كيوم السبت لليهود ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ بدل عن (٦) ﴿لَنَا﴾.
قال الله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ عن الحسن ومجاهد (٧) أن القوم لما سمعوا هذا الوعيد ندموا وتابوا ولم ينزل المائدة (٨)، والأكثرون على أنها نزلت فيما روى الكلبي عن بعضهم أن عيسى -﵇- سأل شمعون
_________________
(١) في الأصل و"ب": (الخون).
(٢) في الأصل: (كون حالة).
(٣) في الأصل: (للتشريف).
(٤) في الأصل و"ي": (مأخوذ).
(٥) (فاتخذوه عيدًا فيوم الأحد) ليست في "أ".
(٦) قاله الزمخشري أنها بدل من "لنا" بتكرير العامل ويجوز في قوله: "لأولنا وآخرنا" أن يكون متعلقًا بمحذوف صفة لـ"عيدًا". [الكشاف (١/ ٦٥٥)].
(٧) أخرجه الطبري عنهما في تفسيره (٩/ ١٣٠)، وابن أبي حاتم (٧٠٤٦) عن الحسن وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٤٨) عنهما إلى أبي عبيد وابن المنذر.
(٨) في "أ": (ينزل من المائدة).
[ ٢ / ٦٩٧ ]
- وهو أفضل الحواريين -: هل معك طعا؟ قال: نعم معي سمكتان وستة أرغفة، فقال: عليَّ بها فجاء فقطعها (١) قطعًا صغارًا ثم قال للقوم: اقعدوا وترفّقوا رفاقًا كل رفقة عشرة، ثم قام عيسى ودعا الله تعالى فاستجاب له بالبركة فيها، فجعل عيسى -﵇- يلقي إلى كل رفقة ما تحمل أصابعه ويقول: كلوا باسم الله والطعام ينمى حتى بلغ ركبهم، فأكلوا ما شاء الله وفضل خمسة وثلاثون مكيلًا، وقيل: أربعة وعشرون مكيلًا، وكان الناس خمسة آلاف ونيفًا، فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله. ثم سألوا مرة أخرى فأنزل الله خمسة أرغفة وسمكتين فصنع لها مثل ما صنع في المرة الأولى، فلما رجعوا إلى قراهم (٢) ونشروا الحديث ضحكوا وقالوا: إنما سحر أعينكم، فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرته ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فمكثوا ثلاثة أيام ثم مسخوا خنازير.
وفي هذه الرواية (٣) النزول هو النموّ والبركة، وعن عمار بن ياسر وقتادة: أن المائدة كانت عليها من ثمار الجنة كانت تنزل عليهم بكرة وعشيًا كال منّ والسلوى (٤).
وعن باذان وأبي ميسرة: كان عليها كل شيء إلا اللحم (٥)، وعن عطية: وجدوا في السمك طعم كل شيء (٦)، وعن عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي قال: لما سألوا المائدة لبس (٧) صوفًا وبكى وسأل الله (٨)
_________________
(١) في الأصل و"ي": (بقطعها).
(٢) في "ي" "ب": (قربهم).
(٣) في "أ": (الآية).
(٤) ابن أبي حاتم (٤/ ١٢٤٥) عن عمار بن ياسر بلفظ: نزلت المائدة عليها ثمرٌ من ثمر الجنة. وأما عن قتادة فرواه ابن جرير (٩/ ١٢٩)، وابن الأنباري في الأضداد (٣٥١).
(٥) هذا مروي عن سعيد بن جبير رواه ابن أبي حاتم (٤/ ١٢٤٥، ١٢٤٨).
(٦) ابن جرير (٩/ ١٢٥، ١٢٦)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٤٦)، وابن الأنباري في الأضداد (٣٥١).
(٧) في "أ": (للبس).
(٨) (وسئل الله) ليست في "ب".
[ ٢ / ٦٩٨ ]
فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وغمامة تحتها وهم ينظرون إليها (١) وهي تهوي حتى سقطت بين أيديهم، فبكى -﵇- وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها فتنة، ثم قام وتوضأ وصلَّى صلاة طويلة ثم كشف المنديل عنها فإذا تحته سمكة مشوية ليس عليها فلوسها ولا شوك (٢) وعند رأسها ملح وعند ذنبها خلّ وحولها من أنواع البقل ما خلا الكراث، وروي إلا الخمس (٣) والكراث، وإذا (٤) خمسة أرغفة على (٥) واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس زبيب أو شيء آخر، فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال عيسى: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة فكلوا ما سألتم، فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال عيسى -﵇-: يا سمكة احيي بإذن الله، فاضطربت السمكة وعاد عليها فلوسها وشوكها ففزعوا منها، ثم قال: يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله فعادت مشوية كما كانت، وقالوا (٦): يا رسول الله كن أنت أول آكل منها (٧)، فقال عيسى: معاذ الله أن آكل منها ولم يأكل من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا عيسى (٨) -﵇- أهل الفاقة والمرضى وأهل البرص والجذام والمقعدين فأكلوا وصحّوا كلهم، وإذا السمكة كما كانت، ثم طارت المائدة إلى السماء وهم ينظرون (٩).
_________________
(١) (إليها) ليست في "أ".
(٢) في "ب" والأصل: (شواك).
(٣) في "أ": (النحل).
(٤) في الأصل: (ولم ذا).
(٥) (على) ليست في "أ".
(٦) في "أ": (فقالوا).
(٧) (منها) ليست في الأصل.
(٨) (عيسى) ليست في "أ".
(٩) في "أ": (ينظر).
[ ٢ / ٦٩٩ ]
فلبث أربعين صباحًا تنزل عليهم المائدة ضحى فلا تزال منصوبة يأكلون منها فوجًا فوجًا حتى إذا فاء الفي طارت وهم ينظرون في ظلها حتى توارت، وكان ينزل غبًّا، فأوحى الله إلى عيسى اجعل ما ترى رزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء (١) وتشككوا (٢) الناس وقالوا: أترون (٣) أنها تنزل من السماء حقًا؟ فقال عيسى: تشمروا لعذاب الله، فمسخ منهم ثلثمائة وثلاث وثلاثون رجلًا خنازير في ليلة واحدة ولم يبيتوا (٤) الدواب ولم يأكلوا ولم يشربوا ولكنهم كانوا يبعدون (٥) الطريق ويترددون ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام (٦).
﴿أُعَذِّبُهُ﴾ عائد إلى (من يكفر) ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾ عائد إلى الفعل المفعول وهو العذاب وذلك ما خصّهم من الألم المخصوص بهم حالة المسخ أو ما خصهم به من عذاب الآخرة.
﴿وَإِذْ﴾ بمعنى إذا، لتحقق الوجوب (٧)، وعن السدي (٨) أنه للماضي وذلك عند رفعه إلى السماء، فالسؤال سؤال لوم وتقريع للنصارى عند الجمهور وسؤال الابتلاء والاختيار أي (٩) عند السدي روى أن عيسى -﵇-
_________________
(١) (فعظم ذلك على الأغنياء) ليست في "أ".
(٢) في الأصل: (فشككوا).
(٣) في "ب": (تريدون).
(٤) في الأصل و"ب": (ينتهوا).
(٥) في الأصل و"ب": (يفدون في).
(٦) ابن أبي حاتم (٤/ ١٢٤٤ - ١٢٥٥)، وأبو الشيخ في "العظمة" (١٠١١) واستغربه ابن كثير في تفسيره.
(٧) بمعنى هل هذا القول وقع وانقضى أو سيقع يوم القيامة؟ قولان؛ فقيل: إنه لما رفعه إليه قال له ذلك. وعلى هذا تكون على بابها في الدلالة على المضي وهذا هو الظاهر الذي تدل عليه الآية، وقيل: إن الله سيقول له ذلك يوم القيامة وعلى هذا فـ "إذ" بمعنى "إذا" و"قال" بمعنى يقول. [الدر المصون (٤/ ٥١١)].
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٣٣)، وابن أبي حاتم (٧٠٥١).
(٩) (أي) ليست في "ب".
[ ٢ / ٧٠٠ ]
لما سئل (١) هذا السؤال أُرعِد كل مفصل منه وانفجرت من تحت كل شعرة عين دم ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ تأكيد للنفي إذ لا يصح شيء من الأشياء لا يعلمه الله تعالى والعلم أعم من السر (٢) قال: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه: ٧]، ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي (٣)﴾ مضمر ما في قلبي ولا أعلم ما هو مستور في غيبك، وإنما ذكر النفس لمردوح الكلام ولا يحل نفس الله شيء من الحوادث تعالى الله (٤) أن يكون ظرفًا للإنسان (٥).
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ترجمة للمستثنى المقول (٦) ﴿عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي شهدت عليهم وعلمت خيرهم وشرهم، (الرقيب) الشهيد.
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ قول عيسى -﵇- إرجاء منه الأمر إلى الله وترك للتحكم والتالي عليه كما قال نوح: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ [هود: ٣١] الآية، وقال إبراهيم ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية، وإنما قال العزيز الحكيم ليبين أن مغفرته لم تقع عن جهل ولا عجز ولكنه يعفو مع القدرة على الانتقام، حكيم فيما فعل، وقيل: إنما وصف بالعزيز الحكيم (٧) دون الغفور الرحيم ليبين أنه غير متشفع (٨) لهم هذا أي الأمر والحكم أو الشأن.
﴿يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ عيسى ومن شهد من الأنبياء والصدّيقين ﴿﵃﴾ صرف عنهم موجبات سخطه بوجود المرضي عنهم وهو الصدق ﴿وَرَضُوا﴾ صرفوا الكراهة عن نعم الله تعالى بوجودها مرضية في الحال والمال مأمونة الخبال والوبال، واللَّه أعلم.
_________________
(١) في الأصل: (مثل).
(٢) في "ب": (السمع).
(٣) في الأصل: (النفس).
(٤) (الله) ليست في الأصل.
(٥) في جميع النسخ (للانسا) والمثبت من "أ".
(٦) في "أ": (القول).
(٧) من قوله (وترك للتحكم) إلى قوله (بالعزيز الحكيم) ليست في "ب".
(٨) في "أ": (مشفع).
[ ٢ / ٧٠١ ]