مدنية (١)، وهي اثنتان وعشرون آية في غير عدد أهل مكة وإسماعيل (٢).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ روي أن أوس بن الصامت قال لامرأته خولة بنت ثعلبة الأنصارية: أنت عليَّ كظهر أمي، وكانت هذه الكلمة يطلّق بها أهل الجاهلية، فأتت النبي -﵇- (٣) فقالت: إن أوسًا تزوجني وأنا شابة مرغوب فيَّ، فلما (٤) خلا بي وَنَثَرْتُ له بطني جعلني عليه كأمه، فقال -﵇-: "ما أراك إلا حرمت عليه" وروي: "ما عندي من أمرك شيء" فقالت: زوجي وابن عمي وأحب الناس إلى وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يخدم، أشكو إلى الله تعالى. وقالت فيما قالت: إن لي صبية صغارًا إن ضممتهم إليه (٥) ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وكانت عائشة تغسل رأس النبي -﵇- فقالت: يا خويلة اقصُري حديثك ومجادلتك مع
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر (١٤/ ٢٩٨) عن ابن عباس وابن الزبير.
(٢) انظر "البيان" (٢٤٢).
(٣) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي - ﷺ -).
(٤) من قوله (وأنا شابة) إلى هنا ليس، في "ب".
(٥) (إليه) من "ب" "أ".
[ ٤ / ١٦٠١ ]
رسول الله (١) أما ترين إلى وجه النبي -﵇- (٢)؟! تريد أنه يوحى إليه، فما تحولت عنه إلى جانب آخر حتى نزل جبريل -﵇- بآية الظهار (٣)، فجعله تحريمًا مؤقتًا بالتكفير أو شبه امرأته بظهر أمه أو بطنها أو فخذها أو فرجها أو قال: رقبتك أو رأسك أو فرجك يكون ظهارًا، ولا يجوز الظهار من الذمي والأمة لا تدخل في الظهار.
وفي قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [أربعة أقوال:
أحدها: اللام بمعنى من؛ أي مما قالوا كقوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١].
والثاني: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾] (٤) إلى إبطال أو رفع أو استدراك ما ﴿قَالُوا﴾ (٥).
والثالث: المراد بالعود الندامة والسلام بمعنى على؛ أي يندمون على ما قالوا.
والرابع: على التقديم والتأخير تقديره: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) وقد أخطأ من فسر العود بتكرار لفظة الظهار؛ لأنه لم يرد فيه توقيف، ولا هو من قضية اللغة، ولفظ "ثم" يدل على تأخر (٦) العود عن الظهار بزمان؛ فإن مسَّها قبل الكفارة فعليه الكفارة لما روي أن سلمة بن صخر جاء إلى النبي -﵇- (٧) فقال: تظاهرت من امرأتي فرأيتها في ليلة قمراء فأعجبت
_________________
(١) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) أسباب نزول هذه الآية متفقة على ذلك ولكن تفاصيل الروايات تختلف. وانظر: الطبري (٢٢/ ٤٤٦)، و"الدر المنثور" للسيوطى (١٤/ ٢٩٨ - ٣٠٩).
(٤) ما بين [] ليس في الأصل.
(٥) أي أن اللام في قوله "لما قالوا" بمعنى إلى؛ قاله الأخفش، نقله عنه القرطبي في تفسيره (١٧/ ٢٨٢).
(٦) في الأصل: (تأخير).
(٧) (السلام) ليست في "ي".
[ ٤ / ١٦٠٢ ]
بها فواقعتها، فقال -﵇- (١): "استغفر الله ولا تعد حتى تكفّر" (٢) وإن مسّها في أثناء الكفارة فعليه الاستقبال؛ لأن إيجاب جميع الصوم قبل المسيس أمر بإخلاء الشهرين عن المسيس وهو قادر على ذلك، والذي لا يستطيع شيئًا من الكفارات الثلاث فلسنا نرى (٣) أن يقرب امرأته بوجه من الوجوه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الإتيان في الوعيد ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كفار بدر، وقيل: كفار الخندق.
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ من مجاز الكلام وحقيقته (٤) استحالة اجتماعهم من غير أن يجمع وتناجيهم من غير أن يسمع، فهو واحد قبلهم وواحد معهم وواحد بعدهم، تعالى عن كل اتصال وانفصال وانعقاد وانحلال (٥).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ كان المنافقون يرجفون في المدينة على سبيل التناجي إذا خرجت سرية من المسلمين فكان (٦) يحزن من ذلك أولياء الغزاة ويظنون أنهم سمعوا مكروهًا من جهة الغزاة أو عندهم خبر سبق، فنهاهم الله عن ذلك فلم ينتهوا فأنزل الله، وعن عائشة قالت: دخل على رسول الله (٧) يهود فقالوا: السام عليكم يا أبا القاسم، قالت عائشة: فقلت: عليكم السام ونلت منهم، فقال رسول الله (٧): "إن الله لا يحب
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) أبو داود (٢٢١٣)، والترمذي (٣٢٩٩)، وابن ماجه (٣٠٦٢)، وأحمد (٥/ ٤٣٦) والحديث حسن.
(٣) في "ب": (فلسنا نرى له أن).
(٤) في الأصل: (وحقيقة).
(٥) يريد المؤلف أن الله لا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم، وهذه العبارة ابتدعها المتأخرون ولم يخض بها السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، فالأصل عدم الخوض في مثل هذا الكلام والله مستغن عن جميع مخلوقاته؛ فإن كان الاتصال يقتضي حاجته لشيء من مخلوقاته فهذا منتف عن الله. وانظر تفصيل ذلك في شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٣٢٥)، فضائح الباطنية (١/ ١٥٢).
(٦) (فكان) ليست في "أ".
(٧) في "ب": (رسول الله ﷺ).
[ ٤ / ١٦٠٣ ]
الفحش والتفحش" قالت: أوما سمعتهم يقولون: السام عليك (١)؛ قال -﵇- (٢). "أوما سمعتِني أقول: عليكم" (٣) فأنزل الله ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ﴾ نزلت فيمن لم ينفسح لثابت ابن قيس (٤)، التفسح: التوسع في المجلس، والفسحة: الوسعة ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قبوركم (٥) أو يبارك لكم في مجلسكم ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ انهضوا للعدوّ، وقيل: قيام الرجل عن المجلس لمن هو أفضل منه قرآنًا وعلمًا.
وعن مجاهد في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ قال: نهوا عن مناجاة النبي - ﷺ - (٦) إلَّا تقدموا صدقة (٧)، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب قدم دينارًا وتصدق به.
ثم أنزل ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ فشق ذلك على المسلمين فوضعت وأمر بمناجاته بغير صدقة (٨).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ نزلت الآيات في المنافقين الذين كانوا يتولون اليهود والمشركين في الشر (٩).
_________________
(١) في الأصل: (عليكم).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) البخاري (٦٠٢٤)، ومسلم (٢١٦٥).
(٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ١٩١).
(٥) لم نجد من قال أن الفسح فسح القبور ولم يرد ذكره في الآية، فلا وجه لما ذكره المؤلف. وذهب ابن الجوزي (زاد المسير ٤/ ٢٤٧) في قوله "يفسح الله لكم" أي يوسِّع الله لكم الجنة والمجالس فيها، وهو قريب مما ذكره المؤلف.
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) في الأصل: (صدق).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٤٤)، وعزاه السيوطي في الدر (١٤/ ٣٢٥) لعبد بن حميد وابن المنذر.
(٩) روي ذلك عن قتادة، أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٨٧)، وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٨٠).
[ ٤ / ١٦٠٤ ]
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ ترسًا.
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾ نزلت (١) في إبطال عذر حاطب بن أبي بلتعة حيث قال: لم أتقرب إلى قريش إلا لمكان أهل بيتي منهم (٢) ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى قوم مؤمنين ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ أىِ أوجده وأوجبه فيه ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].
_________________
(١) في الأصل: (نزل).
(٢) نقله ابن الجوزي عن مقاتل واختاره الفَرَّاء والزجاج [زاد المسير (٤/ ٢٥٢)].
[ ٤ / ١٦٠٥ ]