مدنية (١)، وهي ثلاث عشرة آية بلا خلاف (٢)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
عن علي بن أبي طالب قال: بعثنا رسول الله -﵇- أنا والزبير والمقداد قال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوا منها" فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا فقلنا: لتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لنقطعن (٣) الثياب، فأخرجت من عقاصها، فأتينا به رسول الله (٤) فإذا به: من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله (٤)، فقال رسول الله (٤): "يا حاطب (٥) ما هذا؟ " فقال: يا رسول الله لا تعجل (٦) علي، إني كنت أمرأً ملصقًا في قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون قراباتهم وأهليهم ولم تكن لي قرابة أحمي بها أهلي، فأحببت ذلك من السبب أن أتخذ منهم يدًا يحمون بها قرابتي وأهلي، ما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر (١٤/ ٤٠٢).
(٢) انظر: "البيان" (٢٤٤).
(٣) في "ي" "أ": (لتلفين).
(٤) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٥) (يا حاطب) من "أ" "ي".
(٦) في الأصل و"ب": (تجعل).
[ ٤ / ١٦١٥ ]
عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال النبي -﵇- (١): "إنه قد صدق"، فقال عمر - ﵁ -: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي -﵇- (١): "إنه قد شهد بدرًا وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، فأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (٢) صفة للاسم المذكور كقولك: لا تتخذوا صديقًا يفشي إليك سرك، الباء زائدة (٣) ﴿يُخْرِجُونَ﴾ في معنى الحال للذين كفروا و﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ تعليل لإخراجهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ شرط للنهي.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ الآية في الذين حسن إسلامهم من المؤلفة قلوبهم ومن سائر الطلقاء. وعن عبد الله بن الزبير: قال: قدمت قُتَيلة بنت عبد العزى بن أسيد على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا من ضباب وسمن وأقط فلم تقبل هداياها ولم تدخلها منزلها، فسألت بها عائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ (٤) أي أن تحسنوا إليهم ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي تؤمنوا إليهم عهودهم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال مقاتل وغيره: نزلت الآية في سبيعة بنت الحارث الأسلمية وكانت تحت صيفي بن راهب فهربت منه عام الحديبية بعد الموادعة ولحقت بالمسلمين وهم بالحديبية، فجاء صيفي ليستردّها وهو يقول: العهد بيننا وبينكم أن تردّوا علينا من لحق منا بكم فلا تغدروا بنا
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي صلى الله -﵇-).
(٢) البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤)، وأحمد (٢/ ٣٧) وغيرهم.
(٣) القول بزيادة الباء هو قول الكوفيين؛ وهو قول الفراء، وإنها مزيدة في المفعول به، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ وفيه قول آخر وهو أن الباء للسببية، والتقدير: تلقون إليهم أسرار رسول الله - ﷺ - وأخباره بسبب المودة التي بينكم. ونقل الحوفي عن البصريين أنها متعلقة بالمصدر الدال عليه "تلقون" أي: إلقاؤهم بالمودة. [معاني القرآن للفراء (٣/ ١٤٧)، الدر المصون (١٠/ ٢٩٨)].
(٤) أحمد (٤/ ٤)، والطيالسي (١٧٤٤)، والبزار (٢٢٠٨)، وسنده ضعيف، وأصله في البخاري (٢٦٢٠).
[ ٤ / ١٦١٦ ]
قبل أن تجف طينة (١) الكتاب وشنع، فقال النبي -﵇- (٢): "ذلك الكتاب في الرجال دون النساء" فأنزل الله الآية (٣) ورضي الفريقان به جميعًا، وقيل: ولم يرض المشركون بشيء فأنزل الله تعالى على رسوله قوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾.
﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ قيل: استوصفوا الإيمان، وقيل: كان رسول الله - ﷺ - يستحلف المرأة بالله أنها لم تخرج مغاضبة لبعض أهلها ولا متعشقة لبعض المسلمين ولا طالبة للدنيا ولكنها خرجت لوجه الله وحده لا شريك له (٤)، فإيمانهن إيمان القلب ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ إيمان اللسان، وحكم قوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ باق، وحكم قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ منسوخ، وحكم قوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ منسوخ، والنسخ بالسنة المتواترة بعد انتهاء الموادعة (٥)، وحكم قوله ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ باقٍ، وذهب الشيخ أبو جعفر (٦) إلى أن هذه الآية متأخرة عن قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١].
_________________
(١) في الأصل: (طيبة).
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي صلى الله -﵇-).
(٣) زاد المسير (٨/ ٢٣٨).
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٥٧٥)، والبزار (٢٢٧٢) وفيه عطية العوفي وهو ضعيف، ويغني عنه حديث عائشة - ﵂ - قالت: "كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله يُمْتَحَنَّ بقول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ﴾ الآية قالت عائشة: فمن أَقَرَّ بهذا من المؤمنات فقد أقرَّ بالمحبة " الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (١٨٦٦)، وأخرجه البخاري في "تغليق التعليق" (٤/ ٣٣٩)، والبيهقي (٩/ ٢٢٨).
(٥) يتنزل هذا الحكم الذي في الآية على الصلح الذي كان بين النبي - ﷺ - وبين قريش، والمعنى كما قال مجاهد: ما ذهب من أزواج أصحاب محمَّد - ﷺ - إلى الكفار فليعطهم الكفار صدقاتِهِنَّ، وليُمْسِكُوهُنَّ، وما ذهب من أزواج الكفار إلى أصحاب النبي - ﷺ - فمثل ذلك. قال ابن العربي: كان هذا حكم الله مخصوصًا بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة. [الطبري (٢٢/ ٥٨٦)، القرطبى (١٨/ ٦٨)].
(٦) (أبو) ليست في الأصل.
[ ٤ / ١٦١٧ ]
ولقوله: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ﴾ معنيان؛ أحدهما: أن تريد مسلمة أن تلحق بدار الحرب ثم يُغير المسلمون على الكفار ويسبوا تلك المرأة فيجب عليهن (١) أن يعطوا من القسمة زوجها الأول المسلم مثل ما كان أنفق قبل ردّتها ثم يسترقوا، والثاني: أن تلحق مسلمة بالكفار مرتدة فيرونها المشركون وتقابلهم والمسلمون يأبون مهاجرة من غير أن يسألوا ما أنفقوا ويؤتوا ما أنفقوا ويعطوا نفقة الكفار، فلا يحل لهم نكاح تلك المهاجرة على سبيل المهاجرة ولكن الواجب عليهم أن يسألوا ما أنفقوا أن يعطوا اليوم الكفار على ما سبق في الآية الأولى، وأي المعنيين صح فهو منسوخ بالسنة المتواترة.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ نزلت بعد فتح مكة، وكانت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان أم معاوية في جملة المبايعات، فلما بلغ رسول الله -﵇- (٢) إلى قوله: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح فكان لي في الأخذ من ماله مقدار ما يكفيني ويكفي أولادي، فأذن لها رسول الله (٣) بالمعروف لا وكس ولا شطط، فلما بلغ إلى قوله: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ قالت: وهل تزني الحرة؟ فتبسم عمر بن الخطاب - ﵁ - ثم قال: لا والله لا تزني الحرة، فلما بلغ إلى قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ قالت: ربيناهم صغارًا فقتلتموهم كبارًا (٤)، فضحك عمر حتى استلقى على قفاه (٥) ﴿بِبُهْتَانٍ﴾ لفظ، وعن أم سلمة الأنصارية قالت: قالت امرأة: ما هذا المعروف الذي ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: "لا تخن" قلت: يا رسول الله إن بني فلان قد أسعدوني على مصابة ولا بدّ لي من قضائهن فأبى عليّ فعاتبته مرارًا فأمر لي في قضائهن فلم أنح بعد
_________________
(١) في الأصل و"أ": (عليهم).
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله صلى الله -﵇-).
(٣) في "ب": (رسول الله صلى الله -﵇-).
(٤) في "ب": (ربيناهم كبارًا فقتلتموهم صغارًا) وهو خطأ.
(٥) ابن جرير (٢٢/ ٥٩٦) قريبًا منه. وحديث هند بنت عتبة أصله في صحيح البخاري (٢/ ٧٦٩)، والنسائي (٣/ ٤٨١)، والدارقطني (٤/ ٢٣٤) وغيرهم.
[ ٤ / ١٦١٨ ]
في قضائهن ولا غيره حتى الساعة ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري (١).
قال طاوس (٢): ما مسّت يد رسول الله (٣) يد امرأة إلا امرأة يملكها (٤).
﴿قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قيل (٥): اليهود ﴿يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ بسحرهم وكهانتهم وتحريفاتهم كما يئس المشركون من موتاهم، وقيل: المشركون يئسوا من خير الآخرة لإيثارهم البعث ﴿كَمَا يَئِسَ﴾ الذين سبقوهم بالكفر وماتوا عليه لمشاهدتهم العذاب، ونزلت الآية ردًا لعجز الكلام على صدره، والله أعلم.
_________________
(١) الترمذي (٣٣٠٧)، وابن ماجه (١٥٧٩)، وأحمد (٦/ ٣٢٠)، وابن سعد (٨/ ٨)، وابن جرير (٢٢/ ٥٥٩) وهو حديث حسن.
(٢) في "ب": (طاووس).
(٣) في "ب": (رسول الله صلى الله -﵇-).
(٤) ورد ذلك عن عائشة في البخاري (٢٧١٣).
(٥) في "أ": (قول).
[ ٤ / ١٦١٩ ]