مكية، عن ابن عباس وعطاء وابن المبارك (١) وجماعة إلا قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦]، الآية فأنزلت في منصرف النبي -﵇- من أحد (٢)، وروى همام ومعمر عن قتادة أنها مدنية (٣)، وكذا عن أُبي، وعن الحسن أن (٤) أربعين آية من أولها مكية والباقي مدني (٥)، وعن ابن عباس وقتادة أن من أول السورة إلى قوله: ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤]، مكي، ومن قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ [النحل: ٩٥]، إلى قوله: ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]، مدني (٦)، وهي مائة وثمان وعشرون آية (٧) والله أعلم.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ﴾ ابن عباس قال: لما نزلت (٨) هذه الآية ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ
_________________
(١) ذكره عن ابن عباس ابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٥/ ٩)، وأما عن عطاء فذكره القرطبي (١٠/ ٦١)، وأما عن ابن المبارك فلم أجده.
(٢) النحاس في ناسخه (٥٤١) عن ابن عباس.
(٣) لم نجده ولكن نقل أبو عمرو الداني في "البيان" (١٧٥) عنه أنها مكية إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا في اللهِ﴾ [النحل: ٤١] والباقي مدني.
(٤) (أن) ليست في "أ".
(٥) ذُكر ذلك عن قتادة كما سبق، وكذا عن جابر كما في "زاد المسير" (٤/ ٤٢٦) أما عن أُبيّ والحسن فلم أجده.
(٦) ذكره القرطبي في تفسيره (١٠/ ٦٥).
(٧) انظر "البيان في عَدّ آي القرآن" لأبي عمرو الداني (١٧٥).
(٨) في "ب": (أنزلت).
[ ٣ / ١٠٦٥ ]
حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] الآية ثم نزلت ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، ثم أميلت (١) قالت كفار قريش: يا محمَّد تزعم أنه قد اقترب للناس حسابهم والله ما يرى (٢) مما تقول شيئًا، قال: فنزل ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ﴾ فوثب رسول الله -﵇- (٣) لا يشك أن العذاب قد أتاهم حتى قال له جبريل -﵇-: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فجلس رسول الله - ﷺ - (٤).
﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ المشركين (٥)، فإن إعلامهم بتوحيد (٦) الله هو الموجب للخوف لما هم فيه من الباطل.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ عن ابن عباس: أن النبي -﵇- ذكر لقريش القرون الماضية وماذا أهلكوا به وقال: ثم يعيدهم الله خلقًا جديدًا بعد الموت يوم القيامة، فأخذ أُبي بن خلف عظمًا باليًا نخرًا يتحات بلى فجعل يفته بيده ويذريه في الرياح ويقول: عجبًا لمحمد يزعم أنه يعيدنا إذا كنا عظامًا ورفاتًا بمنزلة هذا العظم البالي، وإنما يعاد خلقًا جديدًا إلى الدنيا فتنفخ الروح! هذا والله لا يكون أبدًا، فنزل في ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ بالعظم ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨]، الأول (٧).
﴿دِفْءٌ﴾ نسل كل دابة، عن ابن عباس (٨)، وقيل: نتاج الإبل وألبانها (٩)، وقيل: سخونة أوبارها وأشعارها يستدفئونها.
_________________
(١) في "ب" "ي": (أمهلت).
(٢) في "ب": (نرى).
(٣) في "ب": (- ﷺ -).
(٤) (- ﷺ -) من "ب".
(٥) ذكره القرطبي في تفسيره عن ابن عباس - ﵄ - (١٠/ ٦٦) وقريبًا منه في "زاد المسير" (٤/ ٤٢٦).
(٦) في "ب": (توحيد)، وفي "ي": (وحيد).
(٧) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير في قصة أُبي بن خلف ولم يسنده إلى ابن عباس. [زاد المسير (٢/ ٥٥٠)].
(٨) عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٣٥٣)، وابن جرير (١٤/ ١٦٧)، وروي عن ابن عباس قال: الدفء: الثياب، ابن جرير (١٤/ ١٦٦).
(٩) روي ذلك عن مجاهد أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ١٦٧) وهو الذي حكاه ابن فارس =
[ ٣ / ١٠٦٦ ]
﴿جَمَالٌ﴾ حسن المنظر ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ تردون الإبل إلى بيوتكم ومنازلكم رواحًا (١) ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ بالغداة إلى المرعى.
﴿إِلَى بَلَدٍ﴾ قيل: مكة حرسها الله (٢)، وفي الحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد رسول الله والمسجد الأقصى" (٣). والظاهر أنه أي بلد كان.
﴿وَالْبِغَالَ﴾ ما يولد من الحمار والفرس، وفي الآية دليل على كراهية لحم الفرس (٤) ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ عام، وعن قتادة أنه السوس في النبات (٥) والدود في الفواكه (٦).
_________________
(١) = اللغوي عن الأموي قال: الدفء عند العرب: نتاج الإبل وألبانها، ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ٥٥٠).
(٢) وهو الموضع الذي تقيم فيه الإبل، وهو الذي يطلق عليه المُرَاح: أي حين تريحون إبلكم فتردونها بين الشرعي ومباركها؛ قاله الفراء والزجاج. [معاني القرآن للفراء (٢/ ٩٦)، معاني القرآن للزجاج (٣/ ١٩١)].
(٣) ابن جرير (١٤/ ١٦٩، ١٧٠) عن عكرمة وعزاه في "الدر المنثور" (٩/ ١١) لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وهو مروي عن عكرمة.
(٤) البخاري (١١٣٢)، ومسلم (١٣٩٧) وغيرهما.
(٥) النصوص الشرعية تدل على جواز أكل لحوم الخيل. من ذلك حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا قال: "نهى النبي - ﷺ - يوم خيبر عن لحوم الحُمُر، ورخص في لحوم الخيل" أخرجه البخاري في صحيحه (٩/ ٥٥٩) كتاب الصيد والذبائح، باب لحوم الخيل. ومسلم في صحيحه (١٩٤١) كتاب الصيد والذبائح، باب في أكل لحوم الخيل. وقالت أسماء -﵂ -: ذبحنا على عهد رسول الله - ﷺ - فرسًا ونحن بالمدينة فأكلناه. أخرجه البخاري (٩/ ٥٥٣)، ومسلم (١٩٤٢). وأما دعوى المؤلف أنه مكروه لعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود (٣٧٩٠)، والنسائي (٧/ ٢٠٢)، وأحمد (٤/ ٨٩) عن خالد بن الوليد أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل قوم الخيل، وهذا الحديث إسناده ضعيف فيه صالح بن يحيى بن المقدام. قال البخاري: فيه نظر. وفي بعض ألفاظ الحديث أن خالدًا شهد خيبر وهو خطأ، فإنه لم يسلم - ﵁ - إلا بعدها على الصحيح. والكلام يطول في حكم أكل لحوم الخيل لكن الذي يترجح لدينا هو الإباحة. وقد رَدَّ الطبري في تفسيره على من استدل في هذه الآية على كراهة لحوم الخيل كما ذهب إليه المؤلف وفصل القول في ذلك. [تفسير الطبري (١٤/ ١٧٥)].
(٦) في "ب": (الثياب).
(٧) ذكره القرطبي في تفسيره عن قتادة. [القرطبي (١٠/ ٨٠)].
[ ٣ / ١٠٦٧ ]
﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي إلى الله الهداية ﴿وَمِنْهَا﴾ ومن السبيل ﴿جَائِرٌ﴾ زائغ مائل شجر كله ما ينبت من الأرض.
﴿تُسِيمُونَ﴾ تزرعون (١).
﴿وَمَا ذَرَأَ﴾ في محل النصب عطفًا على ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (٢) وقيل: في محل الخفض عطفًا على قوله: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ﴾ وقيل: في محل رفع بالابتداء وخبره الجملة، و(الذرء): الخلق (٣)، و(الألوان) الأجناس مجازًا أو الأصباغ حقيقي (٤).
﴿طَرِيًّا﴾ جديد (٥)، وقيل: أراد الطبري والمالح جميعًا، اقتصر على أحد طرفي الكلام كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ﴿حِلْيَةً﴾ يعني اللؤلؤ والياقوت والمرجان والعنبر ﴿مَوَاخِرَ﴾ فواعل (٦) يقال: مَخَرَت السفينة إذا شقت الماء بصدرها ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ الواو مقحمة، وقيل: للعطف على مضمر (٧)، أي لتتفكروا ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
_________________
(١) عامة المفسرين على أن "تسيمون" بمعنى: ترعون. منهم ابن عباس - ﵄ - وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد. ولم أجد أحدًا من المفسرين من قال أن "تسيمون" بمعنى تزرعون. يقال: أسام فلانٌ إبله يسيمها إسامة إذا أرعاها، وهي إبل سائمة تطلق على الإبل التي تترك في الفلاة للرعي، ومنه قول الأخطل النصراني: مثلِ ابنِ بزعةَ أو كآخَر مثلِهِ أَوْلَى لك ابن مسيمةِ الأَجْمَالِ أي يا ابن راعية الأجمال. [الطبري (١٤/ ١٨٣)، معاني القرآن للزجاج (٣/ ١٩٢)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٩٨)].
(٢) قاله الزمخشري وجعل أبو البقاء الناصب. لها فعلًا محذوفًا والمعنى: ما خلق فيها من حيوان وشجر، والتقدير على قول أبي البقاء: أثبت ما ذرأ لكم. [الإملاء (٢/ ٧٩)؛ الكشاف (٤/ ٤٠٤)].
(٣) قاله قتادة أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٨٤).
(٤) في "ب": (حقيقة).
(٥) اللحم الطبري هي حيتان البحر؛ قاله قتادة، أخرجه عنه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٨٦).
(٦) في الأصل كلام غير مفهوم.
(٧) قاله ابن الأنباري وقدره: لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا. نقله عنه السمين الحلبي في تفسيره. [الدر المصون (٧/ ٢٠١)].
[ ٣ / ١٠٦٨ ]
﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ أي لئلا وكراهة أن تميد تميل وتتحرك ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾ وجعلنا فيها أنهارًا سبلًا.
﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعني أهل البادية المتحرين للقبلة بضوئها وبتيامنها وتياسرها في الليالي، وأصحاب الزروع بطلوعها وغروبها، والمحاسين بطوالعها وغواربها إذ لم يكن معهم آلة يقدرون بهذا ظل الشمس بالنهار.
﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ يعني الطواغيت كلها من الجن والإنس والأصنام.
﴿أَمْوَاتٌ﴾ أي الذين تدعونهم من دون الله وهم الشيطان والفراعنة ﴿أَمْوَاتٌ﴾ بقلوبهم ليست لهم حياة الإيمان، ويحتمل أن المدعوين قوم درجوا وانقرضوا من هؤلاء الشياطين والفراعنة، ويحتمل الأصنام على سبيل الحقيقة عند من يجعل الموت والجحود شيئًا واحدًا، وعلى سبيل المجاز عند من يجعل الموت معنى تعقب الموت (١) ﴿أَيَّانَ﴾ أوان.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ عن ابن عباس: نزلت في المقتسمين وذلك أن المشركين بعثوا ستة عشر رجلًا إلى عقبات مكة على طريق الناس أيام الحج، على كل عقبة أربعة ليصدوا (٢) الناس عن رسول الله وقالوا لهم: من أتاكم يسألكم عن محمَّد فليقل بعضكم: هو شاعر، وبعضكم: هو كاهن، وبعضكم: هو مجنون، وبعضكم: هو يتلو علينا أساطير الأولين، وأن لا تروه ولا يراكم خير لكم، فإذا انتهوا إلينا صدقناكم.
وبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فبعث إلى كل أربعة أربعة من المسلمين ليكذبوهم ويقولوا: "هو يهدي إلى الحق ويأمر بصلة الرحم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الخير"، فكان الناس يسألونهم: ما
_________________
(١) (الموت) ليست في الأصل.
(٢) في "أ": (ليصدقوا).
[ ٣ / ١٠٦٩ ]
هذا الخير الذي يدعو إِليه؟ فكانوا يقولون: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ فكانوا يسألون ما هذه الحسنة؟ فكانوا يقولون: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الآية (١).
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ في التفسير أن نُمرود بن كَنعانَ كان بني صرحًا ببابل يمكر به ويسخر ويهمس (٢)، عن ابن وهب: كان طولهُ في السماء خمسة آلاف ذراع (٣)، وعن كعب: كان فرسخين، فهبت ريح فألقت رأسه وخرّ عليهم الباقي من فوقهم (٤)، ويحتمل أن ذكر البنيان وهدمه على وجه التمثيل والاستعارة كنقض الغزل.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم الراسخون من جملة المؤمنين يستدلون بهذا الخطاب يوم القيامة أن الكفار المخصوصون بالزجر والإنكار وإدخال النار.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ استفهام بمعنى اللوم والتقريع.
﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ (٥)﴾ دون أمره وإذنه ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي هكذا احتج بالتقدير عند التذكير ولزوم النكير لرفع التعيير الذين كانوا من قبلهم.
وإنما جاز قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي﴾ جزاء الشرط المذكور لما فيه من الإعلام، أي فاعلم أن الأمر على هذه الصورة وبعد هذه الفترة، أي ليبعث الموتى وليبين على طريق المشاهدة.
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا في اللهِ﴾ عن ابن عباس نزلت في ستة نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - أسرهم أهل مكة بلال بن رباح المؤذن وعمار بن
_________________
(١) قريبًا منه عن السدي عند ابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٨٠).
(٢) عن ابن عباس عند ابن جرير (١٤/ ٢٠٤).
(٣) ذكره القرطبي في تفسيره (١٠/ ٩٧) عن ابن وهب وعن ابن عباس أيضًا، وزاد: وكان عرضه ثلاثة آلاف.
(٤) ذكره القرطبي في تفسيره (١٠/ ٩٧) عن كعب ومقاتل أيضًا.
(٥) (شيء) من "ب".
[ ٣ / ١٠٧٠ ]
ياسر وصهيب بن سنان وخباب بن الأرت وعايش (١)، وحين أسروهم وعذبوهم ليردوهم عن الإسلام، فأما صهيب فابتاع نفسه بماله وفيه نزل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٠٧] الآية، وأما سائر أصحابه فنالوا بعض ما أرادوا ثم هاجروا بعد ذلك إلى المدينة ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي كانت قلوبهم مطمئنة بالإيمان.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي أرسلنا هؤلاء الرسل بالبينات ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ يدل أن القرآن ما لا يعلم إلا بالتوقيف النبوي، وقوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يدل أن فيه ما يعلم بالتفكر والتدبر، فأما ما لا يعلم تأويله إلا الله فذلك جنس ثالث. وقد بين ذلك في أثناء المحكمات على طريق الإجمال دون اليقين، وما يعلم معناه عند ورود الخطاب من غير توقيف ولا تدبر (٢) ولا تفكر جنس رابع، وهو (٣) الحجة على جميع العقلاء.
﴿أَنْ يَخْسِفَ الله بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ خسف سوحها بما فيها ويحتمل تقليب الأعيان وإفساد الأبنية، وكان المراد بالخسف حالة القرار (٤) والسكون، ولذلك انعطف عليها حالة التقلب (٥).
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فالمتقدم حالة الأمن فانعطف حالة الخوف عليها، وإن أراد الحالتين فمعناه يتخوف وهو بأن يلقي الرعب في قلوبهم فلا يزالون يتخوفون من كل شيء لا يطيب لهم.
_________________
(١) ذكره القرطبي عن الكلبي ذكره عن صهيب وبلال وخباب وعمار (١٠/ ١٠٧)، وأما عايش فذكره ابن الجوزي في تفسيره (٢/ ٥٦٠).
(٢) (ولا تدبر) من الأصل فقط.
(٣) في "أ": (وهي).
(٤) في الأصل و"أ": (القرآن) وهو خطأ.
(٥) أظهر الأقوال وأجمعها في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ في تَقَلُّبِهِمْ﴾ [النّحل: ٤٦]، أنه عام في كل ما يتقلبون فيه سواء تقلبهم في أسفارهم أو في نومهم أو في ليلهم ونهارهم. [معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٠١)، زاد المسير (٢/ ٥٦٢)].
[ ٣ / ١٠٧١ ]
﴿دَاخِرُونَ﴾ صاغرون، عدي بن أرطأة قال: ألا أحدثكم بحديث (١) ما بيني وبين رسول الله إلا رجل قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن لله (٢) ملائكة في السماء السابعة سجود منذ خلقهم إلى يوم القيامة ترعد فرائصهم لا تقطر من دموعهم قطرة إلا صار ملكًا قائمًا، فإذا كان يوم القيامة رفعوا رؤوسهم فقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك" (٣).
﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ قيل: من جهته فوقهم فهم يخافون نزول عذاب ربهم من تلك الجهة، وقيل: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ الذي ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ بلا كيفية (٤).
﴿اثْنَيْنِ﴾ للتأكيد لا لتعليق الحكم بعدد (٥) محصور، يدل عليه ما بعده وهو قوله (٦): ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
﴿وَاصِبًا﴾ قال أبو عبيدة: دائمًا (٧)، وقال ابن عرفة: ثابتًا دائمًا ﴿تَجْأَرُونَ﴾ ترفعون أصواتكم بتلبية واستغاثة، والمراد به حوارهم حالة الاضطرار.
_________________
(١) (بحديث) ليست في "ب".
(٢) (إن لله) ليست في "ب".
(٣) المروزي "تعظيم قدر الصلاة" (٢٦٠)، وابن عساكر في تاريخه (٤/ ٥٨، ٦١) قال ابن كثير: إن إسناده لا بأس به، لكن الشيخ ناصر الدين الألباني -﵀- ضعفه في "السلسلة الضعيفة" (١٩٨٨).
(٤) الآية صريحة في إثبات العلو والفوقية لله -﷿-، بل الأدلة من القرآن في إثباتها كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، إلى غير ذلك من الآيات. كما أن الأحاديث في إثبات العلو والفوقية لله كثيرة جدًا ليس هذا مقام بسطها. انظر كتاب مختصر العلو للعلي الغفار للحافظ الذهبي، وكتاب شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص ٣١٥).
(٥) في الأصل: (بعد).
(٦) (قوله) ليست في الأصل و"ب".
(٧) روي ذلك أيضًا عن ابن عباس - ﵄ - وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد، رواه عنهم الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، ومنه قول أبي الأسود الدُّؤلي: لا أبتغي الحمدَ القليل بقاؤهُ يومًا بذمُّ الدهرِ أجمعَ واصِبَا
[ ٣ / ١٠٧٢ ]
﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا﴾ كقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦].
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ عن ابن عباس أن بني خزاعة وبني كنانة كانوا يزعمون أن الملائكة إناث وأنهم بنات الله (١)، تعالى الله (٢) عما يقولون، ﴿وَلَهُمْ﴾ قيل: الواو للاستئناف، وقيل: للعطف (٣).
﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ لكراهتهم البنات فكانت تجمع همومهم في قلوبهم وتتزايد أنفاسهم في صدورهم فيكظمون بها، والمخنوق يسود وجهه باجتماع الدم المخنوق الكثير في بشرته.
﴿يَتَوَارَى﴾ يختفي بما يواري ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ وترتب (أم) عليها لإثبات إحدى الحالتين حقيقة وضرورة لا بعضها، ومجازة. إما ليفعلن (٤) كذا وإما ليفعلن كذا (٥)، ﴿هُونٍ﴾ هوان، والهاء عائدة إلى ما بشر به، و(الدّس): إدخال الشيء في الشيء، كانوا يقتلون أولادهم خشية إملاق فأنزل ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ [التكوير: ٨]. ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ نسبة البنات إلى الله تعالى، أو وأد البنات وقيل لسوء وصفهم الباطل والدون (٦).
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (٧) وصفة الصدق والحق، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] الآية.
_________________
(١) ذكره القرطبي (١٠/ ١٠٣) دون نسبة لأحد، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ٥٦٧).
(٢) (الله) من "ب" فقط.
(٣) جَوَّز الفراء والحوفي والزمخشري وأبو البقاء أن تكون الواو عاطفة فتكون "ما" منصوبة المحل عطفًا على "البنات" و"لهم" عطف على "لله" أي: ويجعلون لهم ما يشتهون. [معاني القرآن للفراء (٢/ ١٠٥)، الكشاف (٢/ ٤١٤)، الإملاء (٢/ ٨٢)].
(٤) في "ب" "أ": (لتفعلن).
(٥) في "ب": (كذا هو).
(٦) (والدون) ليست في "ب".
(٧) (ولله المثل الأعلى) ليست في "أ".
[ ٣ / ١٠٧٣ ]
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ الذين يصفونه بالتعطيل عن الصفات (١).
﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ صور الجهل عقلًا والأماني براهين ووسوس بالملاذ العاجلة حتى يؤثرها على المصالح الآجلة ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ لانعقاد أسباب الاتحاد (٢) بينه وبينهم بعد انحدارهم عن التوفيق إلى الخذلان.
﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ هو قيام الساعة، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ [الذاريات: ٨،٧]، وقال: ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ [النبأ: ٢، ٣] وقيل: هو القرآن، فقيل: إنه سحر وشعر وكهانة يدل عليه قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ثم ترتب عليه بفعل آخر فيه التعرف بصفات الفعل والوجدان لاعتبار أن الجمع والجنس قريبين.
﴿فَرْثٍ﴾ رجيع (٣) في الكرش والأمعاء ودم في العروق (٤). ﴿لَبَنًا﴾ هو الحليب الطيب لا يشبه المجاورين الخبيثين في طعم ولا لون ولا رائحة ولا طبيعة مع لطافته وسرعة استحالته، وأنه يجري من الطعام والشراب ويتخذ منه الحلو والحامض والمالح والرقيق والخاثر والمنعقد، ينفع كل واحد لشيء ويستلذ بكل شيء. وقال -﵇-: "إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل معه دواء فعليكم بألبان البقر فإنها ترم من كل الشجر" (٥).
_________________
(١) الذي يكرهونه هو نسبة البنات إليهم وينسبونه إلى الله، فإذا كان ذلك صفة نقص بالنسبة لكم فكيف تنسبون صفة النقص هذه -على حد زعمكم- إلى الله فهذا من تعطيل صفات الكمال إلى الله ووصفه بصفات النقص، وهذا معنى قول المؤلف: يصفونه بالتعطيل عن الصفات أي صفات الكمال.
(٢) في "ب": (الانعقاد).
(٣) في "أ" "ي": (وجع) وهو خطأ.
(٤) كما نقل القرطبي عن ابن عباس - ﵄ - قال: إن الدابة تأكل العلف فإذا استقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثًا وأوسطه لبنًا وأعلاه دمًا، والكبد مسلط على هذه الأصناف فتقسم الدم وتميزه وتجريه في العروق وتجري اللبن في الضرع ويبقى الفرث كما هو في الكرش ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ [القمر: ٥]. [تفسير القرطبي) (١٠/ ١٢٤)].
(٥) أحمد (٥/ ٣١٤)، والنسائي في الكبرى (٦٨٦٣، ٦٨٦٤)، وعبد بن حميد (٥٦٠)، =
[ ٣ / ١٠٧٤ ]
قال ابن عباس: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله - ﷺ - (١) على ميمونة فجاءتنا بإناء من لبن فشرب النبي -﵇- وأنا على يمينه وخالد على شماله فقال لي: "الشربة لك فإن شئت آثرت بها خالدًا" (٢)، فقلت (٣): ما كنت لأؤثر على سؤرك أحدًا، ثم قال -﵇-: "من أطعمه الله طعامًا فليقل اللهمَّ بارك لنا فيه وأطعمنا خيرًا منه، ومن سقاه الله لبنًا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه" (٤). وعن أبي هريرة عنه -﵇-: "نزل عليّ ملكان بأربعة أقداح لبن وعسل وخمر وماء فقالا: إن يشرب الخمر يغو وتغو أمته، وإن يشرب العسل يسفه وتسفه أمته، وإن يشرب الماء يغرق وتغرق أمته، وكنت رجلًا أحب اللبن فأخذت قدح (٥) اللبن فشربت منه ثلاثة أنفاس، فصعد الملكان وهما يقولان: رشد ورشدت أمته الحمد لله الذي هداه للفطرة لشرب إبراهيم -﵇- (٦).
﴿سَكَرًا﴾ خمرًا وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد قبل الطبخ، عن ابن مسعود أن رجلًا به صفار أتاه فسأله عن السكر فنهاه (٧) ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ هو المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب التي من عصير العنب، وقيل: نزلت قبل تحريم الخمر.
_________________
(١) = والطبراني في الكبير (٩١٦٣، ٩١٦٤)، والبزار في مسنده (١٤٥٠)، وابن حبان (٦٠٧٥)، والحاكم (٧٤٢٥)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٦٦٦٤) والحديث حسن.
(٢) (- ﷺ -) ليست في "أ".
(٣) الترمذي (١٩٧٨)، وأحمد (١/ ٢٢٠، ٢٢٥)، والحميدي في مسنده (٤٨٢)، والبيهقي في الشعب (٥٩٥٧)، والحديث حسن.
(٤) في "ب": (فقال).
(٥) الترمذي (٣٤٥٥)، وابن ماجه (٣٣٢٢)، وأحمد (١/ ٥٢٢، ٢٨٤) والحديث حسن.
(٦) (قدح) من "أ" فقط.
(٧) لم نجده بهذا اللفظ لكن قريبًا منه حديث أنس مرفوعًا في صحيح البخاري (كتاب الأشربة - باب شرب اللبن (١٠/ ٧٠ - الفتح) وهو حينما أسري به قال: "فأتيت بثلاثة أقداح: قدح فيه لبن، وقدح فيه عسل، وقدح فيه خمر، فأخذت الذي فيه اللبن فشربت فقيل لي: أصبت الفطرة أنت وأمتك".
(٨) قريبًا منه عند ابن أبي شيبة (٢٣٨٣٢).
[ ٣ / ١٠٧٥ ]
(وأوحى إليهم) كقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧].
﴿النَّحْلِ﴾ بين الذباب والزنبور يذكَّر ويؤنث ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ قيل: بعضها كقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقيل: الجميع كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] لأنها تجنب شيئًا من الثمرات.
﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾ الوصول إلى اتخاذ العسل دون سبل الشريعة ﴿ذُلُلًا﴾ حال للسبل، وقيل: حال للنحل (١)، ﴿مِنْ بُطُونِهَا﴾ وهي الأفواه، وقيل: من بطونها حقيقة، ﴿فِيهِ﴾ في العسل (٢)، وقيل: في القرآن (٣) ﴿شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ من كل داء، وقيل: هو خاص، والعسل يعجن بها (٤) الترياقات والمسهلات الحواريات (٥)، وقالت عائشة: "كان أحب الشراب إلى رسول الله - ﷺ - (٦) الحلو البارد" (٧)، وقال القتبي: يعني العسل، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - (٨): "من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء أبدًا" (٩).
_________________
(١) وجوز السمين الحلبي أن تكون حالًا من فاعل "اسلكي" أي مطيعة منقادة. والموصوف بها إما السبل فيكون المعنى اسلكي السبل مُذَلَّلَةٌ لك فلا يتوعر عليها مكان سلكته وهذا قول مجاهد واختيار الزجاج، وقيل: الموصوف بها النحل ويكون المعنى إنك مذلَّلَة بالتسخير لبني آدم وهذا قول قتادة واختيار ابن قتيبة. [زاد المسير (٢/ ٥٧٠)، معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢١٠)، الدر المصون (٧/ ٢٦٢)].
(٢) من قوله: (وقيل حال) إلى هنا ليست في "أ".
(٣) قاله مجاهد في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ قال: في القرآن شفاء أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٨٩)، وقيل: بل أريد به العسل رواه العوفي عن ابن عباس - ﵄ - وبه قال ابن مسعود وهو الذي يدل عليه ظاهر الآية، والله أعلم. [زاد المسير (٥٧٠)].
(٤) في "أ": (به).
(٥) الحواريات: النقيات [لسان العرب (٤/ ٢١٩) "حور"].
(٦) (- ﷺ -) ليست في "أ، "ي".
(٧) أحمد (٦/ ٣٨،٤٠)، والنسائي في الكبرى (٦٨٤٤)، والحميدي في مسنده (٢٥٧)، وأبو يعلى (٤٥١٦)، والبيهقي في الشعب (٥٩٢٨) والحديث صحيح.
(٨) (- ﷺ -) ليست في "أ".
(٩) ابن ماجه (٣٤٥٠)، والبيهقي في الشعب (٥٩٣٠) والحديث ضعيف.
[ ٣ / ١٠٧٦ ]
﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ الهرم ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ﴾ لا يعقل (١)، وقيل: العلم الكسبي.
﴿وَاللهُ فَضَّلَ﴾ ابن عباس: نزلت في نصارى نجران (٢) أنهم استقبحوا إشراك مماليكهم معهم في الأموال فكان إشراكهم عيسى -﵇- (٣) بالله تعالى أقبح.
ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: البنون الصغار والحفدة ما قد أعان والده على عمله (٤)، وقال ابن مسعود: البنون الأولاد والحفدة الأختان (٥)، وقيل: الحفدة أولاد الأولاد (٦)، وقيل: الخدَم (٧).
﴿رِزْقًا﴾ مصدر نصب بالملك و﴿شَيْئًا﴾ اسم نصب بالرزق (٨)، وإنما وحِّد الفعل في أول الآية وجمع في آخرها. الإبهام ما كالذي.
﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ قالوا: هي (٩) منا بمنزلة الوالد من الولد ووصفوه بالكيفية.
_________________
(١) قاله الفراء. [معاني القرآن (٢/ ١١٠)].
(٢) عزاه القرطبي (١٠/ ١٢٦) لابن عباس ومجاهد وقتادة، وعزاه في زاد المسير (٤/ ٤٦٨) لابن عباس من طريق أبي صالح.
(٣) (السلام) ليست في "أ".
(٤) لفظ ابن عباس الذي رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٩٨) سئل عن قوله: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال: من أعانك فقد حفدك، أما سمعت قول الشاعر: حَفَدَ الولائِدُ حولهنَّ وأُسْلِمَتْ بأكفهنَّ أَزمَّةُ الأجمال
(٥) ورد في البخاري في تاريخه (٦/ ١٥٤)، وابن جرير (١٤/ ٢٩٦)، والطبراني في الكبير (٩٠٨٨، ٩٠٩٠، ٩٠٩٢، ٩٠٩٣)، والحاكم (٢/ ٣٥٥) وفيه: الحفدة الأختان.
(٦) هذا ورد عن ابن عباس عند ابن جرير (١٤/ ٢٩٧).
(٧) هذا ورد عن عكرمة عند ابن جرير (١٤/ ٢٩٨).
(٨) هذا مذهب أبي علي الفارسي ذكره في الإيضاح (١/ ١٥٥) وقيل: إن "شيئًا" منصوب على المصدر، والتقدير: لا يملك لهم شيئًا من الملك، وقيل: إنه بدل من "رزقًا" واستبعده السمين الحلبي لأن الرزق شيء من الأشياء.
(٩) في الأصل: (قال هو).
[ ٣ / ١٠٧٧ ]
﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ على انفاق شيء، تقديره: من كان عبد كل شيء (١) ثقل وعيا واشتقاقه من الكلال وهو العي.
﴿كَلَمْحِ﴾ كلحظ وهو أيسر فعل وأسرعه، فوقع التشبيه به لتعلموا إنما هو آت آت وكأن قد وقع، وقيل: التنبيه على أن الساعة متصلة بأيام الدنيا ليس بينهما زمان.
﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ أراد نفي الفعل والعلم الكسبي.
﴿جَوِّ السَّمَاءِ﴾ الهواء مجملة تفسيرها ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩].
﴿سَكَنًا﴾ موضع سكون وقرار للحاضرة ﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ وهي القباب والقشوع من الأديم ﴿ظَعْنِكُمْ﴾ ارتحالكم و﴿إِقَامَتِكُمْ﴾ لبثكم في المنازل ﴿أَصْوَافِهَا﴾ شعر الغنم ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ شعر الإبل ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ ما لا يتلبد، و(الأثاث) أمتعة البيت حين زمان الخلوقة (٢) والبلى.
﴿ظِلَالًا﴾ هي ظلال الغيوم والأشجار والأخبية ونحوها.
﴿سَرَابِيلَ﴾ قمص، وهذا مقتصر على أحد طرفي الكلام ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ وهو الدروع والجواشن والجباب المحشوة من القز ونحوه.
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ﴾ بأنها منه ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ ويسندون اتصالها إلى الأصنام.
﴿وَيَوْمَ﴾ واذكر يوم شهد الأنبياء والأئمة ﴿لَا يُؤْذَنُ﴾ حالة الختم على الأفواه كقوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] والاستعتاب طلب العتبى وهو الرضا.
(إلقاء القول): صرفه.
﴿السَّلَمَ﴾ الاستسلام والخضوع.
﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ أي فوق ما هم فيه.
_________________
(١) في "أ": (عبد أكل ثقل)، وكذا في "ي".
(٢) في الأصل و"أ": (الخلوق).
[ ٣ / ١٠٧٨ ]
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ شهادة أن لا إله إلَّا الله ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ القيام بالفرائض ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ صلتهم ﴿عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، وقيل: ما وعد الله عليه النار ﴿وَالْبَغْيِ﴾ الاستطالة توكيدها تشديدها وتوثيقها.
﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ أي كامرأة تنقض غزلها، ومن شرط الأمثال التصور دون الوجود، وزعم الكلبي أنها امرأة قرشية حمقاء كانت في قديم الدهر تسمى ريطة (١) وتلقب جعراء، كانت تغزل بمغزل مثل غلظ الذراع والصدارة مثل الإصبع وفلكة عظيمة فأبرمته وأمرت جاريتها فنقضته ﴿أَنْكَاثًا﴾ فنهى الله هذه الأمة أن تكون مثلها، والأنكاث جمع نكث (٢) ﴿دَخَلًا﴾ دَغْلًا ومكرًا وخديعة (٣) ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ أو بأن تكون أو كراهة أن تكون قبيلة أكثر عَددًا أو عِددًا من قبيلة. قال ابن عباس: كان بين كندة وبين مراد (٤) قتال حتى كلّ الظهر، ثم تواعدوا ستة أشهر حتى يصلح الظهر وتجم الخيل، فلما مضت خمسة أشهر أمر قيس بن معدي كرب قومه بالتوجه إليهم فقالوا: قد بقي من الأجل شهر، فمكث حتى علم أنه بايتهم بعد انقضاء الأجل ثم سار إليهم فإذا هو يوم انقضاء الأجل فقتلوه
_________________
(١) سماها القرطبي (١٠/ ١٥٣) (ريطة بنت عمرو بن كعب)، وانظر كذلك زاد المسير (٤/ ٤٨٥).
(٢) ومعناه: أنقاض، قال ابن قتية: الأنكاث: ما نقض من غزل الشعر وغيره. ومعنى الآية: لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود ثم تنقضوا ذلك وتحنثوا فيه فتكون كامرأةٍ غزلت ونسجت ثم نقضت ذلك النسج. ذكر هذا المعنى ابن الجوزي في تفسيره. [زاد المسير (٢/ ٥٨٠)].
(٣) [قاله ابن الجوزي. زاد المسير (٢/ ٥٨٠)].
(٤) لم نجد هذا عن ابن عباس، والذي ورد عنه في هذه الآية أنه قال: ناس أكثر من ناس. أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، وهو ما ذكره اللغويون في معنى "أربى" ومنه سمي الربا؛ لأن فيه معنى الزيادة، ومنه قول الشاعر وينسب إلى حاتم الطائي: وأسْمَرَ خَطِّيُّ كأنَّ كعوبه نوى القَسْبِ قد أَرْبَى ذراعًا على العَشْرِ [تفسير الطبري (١٤/ ٣٤٥)، تفسير ابن أبي حاتم (٧/ ٢٣٠٠)، ديوان حاتم (ص ٢٥٣)].
[ ٣ / ١٠٧٩ ]
وهزموا قومه. بين كيفية زلل الأقدام بنقض الأيمان بعد التوثيق والإبرام لأنها نزلت من الفريقين.
﴿مَا عِنْدَكُمْ﴾ هو ما استعرضنا الله تعالى من العاجل ﴿وَمَا عِنْدَ اللهِ﴾ هو ما وعدناه من الآجل ﴿يَنْفَدُ﴾ يفنى (١) ﴿بِأَحْسَنِ﴾ الذي لم يختلط به ما يفسده ويحبط أجره وهو الإيمان.
قال ابن عباس أن وفدًا من كندة وحضرموت قدموا على رسول الله فأسلموا ولم يهاجروا وأقروا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم إن رجلًا من حضرموت يقال له عبدان بن أشوع قال: يا رسول الله إن امرأ القيس الكندي (٢) جاورني في أرضي فاقتطع أرضي فذهب بها وغلبني عليها، فأنكر الكندي فأنزل ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ﴾ الآيتان، فقرأهما رسول الله على امرئ القيس فقال: أما ما عندي فينفد، وأما صاحبي فيجزى بأحسن ما كان يعمل، اللهم إنه صادق فيما قال، يا رسول الله لقد اقتطعت أرضه والله ما أدري كم هو ولكنه يأخذ من أرضي ما شاء ومثلها معها بما أكلت من ثمرها، فنزل في (٣) امرئ القيس (٤).
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ في الجنة (٥)، وقيل: في الدنيا بكسب الحلال (٦)، وقيل: بالقناعة (٧)، وقيل: بأن لا تحوج إلى أحد.
_________________
(١) (ينفد: يفنى) ليست في الأصل و"أ".
(٢) (الكندي) ليست في الأصل.
(٣) (في) ليست في "أ".
(٤) هذه القصة عن امرئ القيس بطولها رواها الكلبي عن ابن عباس - ﵄ -، وروايته عنه ساقطة، فالخبر بنزول هذه الآية لا يصح والله أعلم، والقصة ذكرها ابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ٥٨١)، والقرطبي في تفسيره (١٠/ ١٧٣).
(٥) قاله الحسن وقتادة ومجاهد وابن زيد رواه عنهم الطبري في تفسيره (١٤/ ٣٥٣).
(٦) قاله ابن عباس - ﵄ - والضحاك، أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ٣٥١)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢٣٠١).
(٧) روي ذلك عن علي بن أبي طالب - ﵁ - والحسن البصري، أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ٣٥٢).
[ ٣ / ١٠٨٠ ]
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ﴾ قصدت قراءة القرآن، اتصالها من حيث إن الاستعاذة من الأعمال الصالحة.
﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾ واستثناء إنما كان له (١) عليهم سلطان لتمكينهم إياه من أنفسهم أول مرة.
﴿بَدَّلْنَا آيَةً﴾ ابن عباس (٢): كان -﵇- إذا نزل عليه آية فيها شدة أخذ الناس بها وعملوا لها ما شاء الله أن يعملوا فيشق ذلك عليهم، فينسخ الله هذه الشدة ويأتيهم بما هو ألين منها وأهون عليهم رحمة من الله لهم، فيقول كفار قريش: والله ما محمَّد إلا يسخر بأصحابه: يأمرهم اليوم بأمر وغدًا بأمر ويأتيهم بما هو أهون عليهم منه، وإنه ليتكذبه ويأتيهم به من عند نفسه، وما يعلمه إلا عياش غلام حُويطب بن عبد العزى ويسار أبو فكيهة مولى ابن الحضرمي وكانا قد أسلما، وكان -﵇- يأتيهما ويحدثهما ويكلمهما وكانا يقرآن كتابهما بالعبرانية فأنزل ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ﴾ الآية يزيد بن رومان: كان بمكة نصراني يقال له جبر، وكان يجلس عند المروة يبيعه له وكان -﵇- يتحدث عنده فتقول قريش: ما يعلِّم محمدًا مما يأتي به إلا جبر النصراني، وقيل: كان يهوديًا (٣) فأنزل ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾.
﴿يَوْمَ﴾ نصب بالغفران والرحمة (٤) ﴿تُجَادِلُ﴾ تدافع وتذب عن نفسها.
عن ابن عباس في قوله: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً
_________________
(١) في "ب": (لهم).
(٢) رواية ابن عباس هذه رواها عنه الكلبي، وهذا إسناد ساقط كما تقدم وذكرها الواحدي في أسباب النزول (ص٥٦٥) دون عزوٍ لقائل. وابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ٥٨٣).
(٣) لم نجده عن يزيد بن رومان، لكن ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٤٩٢).
(٤) انتصاب "يوم" بالغفران والرحمة لا يلزم من ذلك تقييد رحمته بالظرف لأنه إذا رحم في هذا اليوم فرحمته في غيره أولى وأحرى، ويجوز أن ينتصب بـ "اذكر" مقدرة؛ قاله السمين الحلبي. [الدر المصون (٧/ ٢٩٣)].
[ ٣ / ١٠٨١ ]
مُطْمَئِنَّةً (١)﴾ قال: هي مكة (٢)، أي هي مثل مكة كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ [قريش: ٣] الآية وإنما كانت ﴿آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ حين تفرست فيها قريش إلى أن ألحد فيها عمرو بن لحي، ثم ابتلوا بالقحوط مدة بعد مدة وابتلوا بالفجار الأول والفجار الثاني والفيل ويوم بدر ويوم الفتح. (أَنْعُم) جمع (نِعَم) وفي الحديث: نادى منادي رسول الله (٣) أنها أيام طعم ونعم فلا تصوموا (٤)، (إذاقةُ اللباس) كإذاقة العذاب والوبال، وفي الحديث: "لا حتى تذوقي عسيلته وبذوق عسيلتك" (٥).
﴿الْكَذِبَ﴾ نصب بنصب (٦) المضمر أي يصف ألسنتكم الوصف (٧) الكذب (٨).
﴿قَانِتًا﴾ بدل من الخبر الأول (٩) ولو كان صفة للخبر الأول.
_________________
(١) (مطمئنة) من "ب".
(٢) ابن جرير (١٤/ ٣٨٣) وبه قال مجاهد وقتادة وابن زيد.
(٣) في "ب": (الله - ﷺ -)
(٤) ذكره صاحب الكشاف في تفسيره (٦٧٠).
(٥) البخاري (٢٤٩٦)، ومسلم (١٤٣٣).
(٦) في "ب" "ي": (يوسف).
(٧) (الوصف) ليست في "ب".
(٨) أظهر الأقوال -والله أعلم- أن "الكذبَ" منصوب على المفعول به وناصبه "تصف"، ويكون معمول القول الجملة من قوله: "هذا حلال وهذا حرام" وإلى هذا نحا الزجاج والكسائي. والوجه الثاني: أن ينتصب مفعولًا به للقول ويكون قوله: "هذا حلال" بدلًا من "الكذب" لأنه عينه. والوجه الثالث: أن ينتصب على البدل من العائد المحذوف على "ما" إذا قلنا إنها بمعنى الذي. والتقدير: لما تصفه، ذكر ذلك الحوفي وأبو البقاء. والوجه الرابع: أن ينتصب بإضمار "أعني" ذكره أبو البقاء واستبعده السمين الحلبي وقال: لا حاجة إليه ولا معنى عليه. [الإملاء (٢/ ٨٦)، معاني القرآن للزجاح (٣/ ٢٢٢)، الدر المصون (٧/ ٢٩٧)].
(٩) جَوَّز أبو جعفر النحاس أن يكون "قانتًا" نعتًا أو خبرًا ثانيًا. [إعراب القرآن (٣/ ٢٢٧)].
[ ٣ / ١٠٨٢ ]
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ قال ابن عباس (١): أمرهم موسى -﵇- بيوم الجمعة فقال يفرغون إلى الله في كل سبعة أيام يومًا واحدًا، فاعبدوه في يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئًا من صنيعكم وستة أيام بصناعتكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا ينبغي إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق يوم السبت، فجعل ذلك عليهم وشدد عليهم، ثم جاءهم عيسى ابن مريم -﵇- بالجمعة بعده فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا يعنون به اليهود، فاتخذوا اليهود بقول الله: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ وقيل: الضمير عائد إلى إبراهيم -﵇- (٢) ﴿اخْتَلَفُوا﴾ أنه كان يهوديًا أو نصرانيًا.
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ الآية منسوخة بآية السيف وليس فيها ما يوجب كونها منسوخة (٣).
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ عن أبي بن كعب: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلًا ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم مثل هذا لنربينَّ عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآية فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال -﵇-: "كفوا عن القوم إلا أربعة" (٤).
_________________
(١) عزاه لابن عباس من طريق أبي صالح ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٥٠٥).
(٢) لا وجه في عود الضمير إلى إبراهيم -﵇- في قوله: "اختلفوا فيه"، وعامة المفسرين على أن الضمير عائد إلى السبت الذي اختلفت فيه اليهود مع موسى -﵇-. انظر: [تفسير الطبري (١٤/ ٣٩٩)، زاد المسير (٢/ ٥٩٢)، معاني القرآن للفراء (٢/ ١١٤)، ابن كثير (٢/ ٧٣٠)].
(٣) ذكر ابن كثير وابن الجوزي والقرطبي وغيرهم أنها منسوخة بآية السيف لكن فصل القرطبي تفصيلًا جيدًا فقال: هي محكمة في جهة العصاة من الموحدين ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين، وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة. [تفسير القرطبي (١٠/ ٢٠٠)، زاد المسير (٢/ ٥٩٣)، تفسير ابن كثير (٢/ ٧٣١)].
(٤) الترمذي (٣١٢٩)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (٥/ ١٣٥)، والنسائي في الكبرى (١١٢٦٩)، وابن حبان (٤٨٧)، والطبراني في الكبير (٢٩٣٧)، والحاكم (٢/ ٣٥٨، ٣٥٩)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٢٨٩) والحديث حسن.
[ ٣ / ١٠٨٣ ]
عن الفراء (١): لما مثَّل المشركون بحمزة يوم أحد قال -﵇-: "لأمثلن به سبعين شيخًا من قريش" فأنزل ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآية (٢)، ثم أمره بالصبر فقال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ ثم أمره بما يصبر عزيمة (٣) فقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ﴾.
_________________
(١) ذكره الفراء في معاني القرآن (٢/ ١١٥).
(٢) رواه الطبراني في الكبير (١١٠٥١) بلفظ (ثلاثين رجلًا)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٢٨٨) وفيه ضعف، وقال القرطبي [تفسير القرطبي (١٠/ ٢٠١)]: أطبق جمهور أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري وفي كتاب السير.
(٣) في "ب": (عنه).
[ ٣ / ١٠٨٤ ]