مدنية، وهي مائة وخمس وسبعون آية حجازي (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ هذه السورة تشمل على أحكام كثيرة وإنما ابتدت (٢) بالموعظة ليكون الكلام بعده أوقع في الأسماع وأنجع في القلوب ﴿خَلَقَكُمْ﴾ من غير تفصيل بين الشهود والغيب للإيجاد، وهو قريب من تغليب المفرد على المضاف والمذكر على المؤنث والأعم وجودًا على الأعز وجودًا ﴿نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ نفس (٣) آدم - ﵇ -، وإنما أُنّث اعتبارًا (٤) باللفظ (٥) ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا﴾ من تلك النفس ﴿زَوْجَهَا﴾ حواء.
_________________
(١) اتفقوا على مدنيتها، وقال أبو عمرو الداني في "البيان في عدِّ آي القرآن" (١٤٦): (هي مئة وسبعون وخمس آيات في المدنيين والمكي والبصري).
(٢) في "أ" "ب": (ابتديت).
(٣) (نفس) من "أ".
(٤) قوله: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] راعى فيه اللفظ في التأنيث ويجوز أن يراعي فيه المعنى - وهو آدم - ﵇ -، فيجوز من نفسٍ واحدٍ، فيكون التذكير باعتبار المعنى وهذا اختيار ابن جرير وغيره. [الطبري (٦/ ٣٤٠)].
(٥) في جميع النسخ: (اللفظ)، والمثبت من "أ".
[ ٢ / ٥٦٣ ]
قال ابن عباس والحسَن وإبراهيم (١): خلقت من ضلع من أضلاع آدم. وفي الحديث: "إنّ المرأة خلقت من ضلع فإذا أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها وفيها عوج" (٢). وروي أن الله ألقى النوم على آدم وخلق حواء (٣) من ضلعه اليسرى، فلما استيقظ قيل له: يا آدم ما هذه؟ قال: المرأة لأنها خلقت من المرء فقيل: ما اسمها؟ قال: حواء (٤)؛ لأنها خلقت من حيّ وليس من الحوّة واللقس، كما أن آدم ليس من الأدمة بل لأنّه من أديم الأرض، وإنما لم تخلق من مائه؛ لأنّ الماء يقتضي رحمًا يستقر فيها ولم يكن ثمة رحم وإنما تخلق من غيره لتكون شجنة منه فيكون إليها أميل وعليها أقبل وليكون هذا الجنس بعضهم من بعض.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ للتكرار كما في قوله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾ [المدثر: ١٩، ٢٠] وقوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ [القيامة: ٣٤، ٣٥] وإنما عرّف نفسَه (٥) ﷾ بالخلق والتساؤل به؛ لأنّ الخالق يستحق العبادة والمخلوق به يستحق التعظيم. و(الرقيب) (٦) دائم النظر على وجه التحفظ.
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ نزلت في رجل من غطفان وكان لابن أخ له عنده مال، فلما بلغ امتنع عن رده، فشكا إلى النبي - ﷺ - فنزلت فرد عليه
_________________
(١) أما عن ابن عباس فرواه ابن أبي حاتم (٤٧١٨)، وابن المنذر (١٣٠٤)، والبيهقي في "الشعب" (٧٧٩٨). وأما عن الحسن وإبراهيم فلم أجده.
(٢) البخاري (٣٣٣١)، ومسلم (١٤٦٨).
(٣) في "أ" "ب": (حوى).
(٤) رواه عن مجاهد ابن جرير (٦/ ٣٤١)، وابن المنذر (١٣٠٥)، وابن أبي حاتم (٤٧١٩)، وعزاه في الدر المنثور (٤/ ٢٠٩) ط. تركي لابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وعزاه في زاد المسير (٢/ ٢) لابن عباس.
(٥) (نفسه) ليست في "أ".
(٦) (والرقيب) ليست في "ب".
[ ٢ / ٥٦٤ ]
المال (١)، وسمي اليتامى بالحالة الماضية لقول عمر لبلال ألا إن (٢) العبد قد نام، وقول ابن عمر - ﵁ -: "ما زدناك على عجوة وزبيب" (٣)، ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا﴾ تستبدلوا الخبيث بالطيب أي الحرام بالحلال. قال ابن المسيب والضحاك والسدي والزهري أنه أن تأخذ من مال اليتيم شاة سمينة وتعطيه شاة مهزولة (٤). ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي مع أموالكم (٥) كقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]. (الحوب): الإثم (٦). وقال الفراء: الإثم العظيم، وفي الحديث: "ربّ تقبّل توبتي واغسل حوبتي" (٧)، وقد يطلق بمعنى الحاجة
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم (٤٧٢٨، ٤٧٣٥) عن سعيد بن جبير.
(٢) في "أ" "ب": (إلا أن).
(٣) الأثر في كتاب "الآثار" لأبي يوسف (١٠٠١) وسنده ضعيف.
(٤) أما عن سعيد بن المسيب فرواه ابن جرير (٦/ ٣٥٢)، وابن المنذر (١٣١٤)، وابن أبي حاتم (٤٧٣٦). وأما عن الضحاك فعزاه له ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٥)، والقرطبي في تفسيره (٣/ ٩). وأما السدي فرواه ابن جرير (٦/ ٣٥٢، ٣٥٣)، وابن أبي حاتم (٤٧٣٨)، وأما الزهري فرواه ابن جرير (٦/ ٣٥٢).
(٥) روي ذلك عن مجاهد قال: أموالهم مع أموالكم. أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٣٥٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤٧٣٩).
(٦) إطلاق الحوب على الإثم يشهد له الحديث الذي ذكره المؤلف: "ربِّ تقبَّل توبتي واغسل حوبتي" قال أبو عبيد: يعني المأثم، وكذا قال ابن الأثير، ومنه الحديث: "اغفر لنا حوبنا" وحديث: "إن الجفاء والحوب في أهل الوبر والصوف". وللحوبة عدة معاني فتأتي بمعنى الحاجة ومنه قول الفرزدق: فهب لي خُنَيْسًا، واحتسب فيه مِنَّةً لحوبةِ أُمٍّ، ما يَسُوغُ شَرَابُهَا وتطلق؛ ويراد بها القرابة - قاله ابن السكيت. وتطلق ويراد بها الهلاك ومنه قول الهذلي: وكلُّ حِصْنٍ، وإن طالت سلامتهُ يومًا ستدرِكُهُ النكراءُ والحوبُ وهناك معانٍ يطول ذكرها في معنى الحوب. ولغة أهل الحجاز بضم الحاء ولغة تميم بالفتح. [تهذيب اللغة (٥/ ٢٦٨)، النهاية لابن الأثير (١/ ٤٥٥)، لسان العرب (٣/ ٣٧٤) "حوب"].
(٧) أبو داود (١٥١٠)، والترمذي (٣٥٥١)، والنسائي في الكبرى (١٠٤٤٣)، وابن ماجه (٣٨٣٠)، وابن حبان (٩٤٧)، وأحمد (١/ ٢٢٧)، وعبد بن حميد (٧١٧) والحديث صحيح.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
ومنه قيل في الدعاء: "إليك أرفع حوبتي" (١). سأل عروة بن الزبير عائشة عن قول الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية. قالت (٢): يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليّها تشاركه في مالها (٣) فيعجبه (٤) مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن تقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فيقول (٥) لا تنكحوهن إلا أن تقسطوا لهنّ وتبلغُوا بهنّ على نسبهنّ في الصداق وأمروا أن ينكحوا من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس (٦) استفتوا رسول الله - ﷺ - (٧) بعد هذه الآية فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧].
قالت: والذي ذكر الله أنهُ يتلى عليكم في الكتاب هذه الآية التي فيها ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قالت عائشة في (٨) قوله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]: رغبة أحدكم عن يتيمته، التي تكون في حجره حتى (٩) تكون قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا لم يكن لهن مال وجمال (١٠)، و(١١) اليتيمة: الصغيرة، وفيه دليل على أن للولي أن يتزوجها وهو مذهب علي. ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ من غير إثم
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ وإنما هو جزء من الحديث السابق ولفظه: "اغسل حوبتي" والحوبة تغسل ولا ترفع.
(٢) في جميع النسخ: (قال)، والمثبت من "أ".
(٣) (ما لها ليعجب) ليست في "أ".
(٤) (فيعجبه) من "ب"، وفي الأصل "ي": (ليعجب).
(٥) في "أ": (وقوله).
(٦) في "ب": (النساء).
(٧) (- ﷺ -) من "أ" "ب".
(٨) في "أ" "ب": (وقوله).
(٩) في "أ" "ب": (حين).
(١٠) البخاري (٥٠٦٤)، ومسلم (٣٠١٨).
(١١) في "ي"، الأصل: (اليتيمة) بدون واو.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وكراهة و(ما) بمعنى (١) (من) كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ [الشمس: ٥]، وقوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣].
﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ معدولات من اثنتين واثنين وثلاثة وثلاث وأربعة وأربع، وإنما لم يقل اثنتين وثلاثًا وأربعًا لئلا يوهم التسع، وإنما لم يقل أو ثلاث (٢) أو رباع لأن فيه ليس معناه اثنتين فتوهم الجمع ولكن معناه اثنتين اثنتين وكذلك معنى ثلاث ورباع وإن لم يقل ومثلث ومربع ولا اثنان وثلاث ورباع ليجمع بين اللغتين (٣). ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ بين النساء في القسمة ﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي فاختاروا وعاشروا ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ما حل لكم من الحرائر ذوات الأرحام وأمهات الرضاع وأخوات الرضا عة (٤) والمشركات والذكور ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ لا تجرؤوا ولا تعتدوا، و(العول): مجاوزة (٥) الحد، وفيه العول في
_________________
(١) وهي قراءة ابن أبي عبلة حيث قرأ "مَنْ طاب" على أنها بمعنى "الذي" فتكون للعاقل. والوجه الثاني في إعراب "ما" أنها نكرة موصوفة وهو قول البصريين، والتقدير: انكحوا جنسًا طيبًا. الوجه الثالث: أن "ما" مصدرية وهو قول الفراء وذلك المصدر واقع موقع اسم الفاعل والتقدير: فانكحوا الطيب. والوجه البرابع: أنها ظرفية والتقدير: فانكحوا مدة يطيب فيها النكاح لكم. [البحر المحيط (٣/ ١٦٢)، إعراب القرآن للنحاس (٢/ ٣٩٢)، الدر المصون (٣/ ٥٦١)].
(٢) (أو ثلاث) ليست في "أ".
(٣) هذه الألفاظ "مثنى وثلاث ورباع" المعدولة فيها خلاف هل يجوز فيها القياس أم يقتصر فيها على السماع، فالبصريون يقولون بعدم القياس، أما الكوفيون فيجيزون ذلك فيقولون أحاد وموحد إلخ. ومنعها من الصرف فيه أربعة مذاهب: الأول - وهو مذهب سيبويه: أنها منعت من الصرف للعدل والوصف. المذهب الثاني - هو مذهب الفراء: وهو العدل والتعريف بنية الألف واللام. والمذهب الثالث - وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج: وهو عدلها عن عدد مكرر وعن التأنيث. والمذهب الرابع - نقله الأخفش عن بعض النحويين أنه تكرار العدل حيث عدل عن لفظ اثنين اثنين وعن معناه. [معاني القرآن للفراء (١/ ٢٥٤)، الكتاب (٢/ ١٥)، معاني القرآن للزجاج (٥١٢)].
(٤) (وأخوات الرضاعة) ليست في "أ".
(٥) وهذه الألفاظ الثلاثة تجتمع في معنىً واحد وهو الميل عن الحق، وهذا تفسير =
[ ٢ / ٥٦٧ ]
الفرائض، ومنه يقال للبكاء الشديد: العويل، ولو كان من كثرة (١) العيال أو الافتعال لقال: أن لا تعيلوا من الإعالة [وأن لا تعيلوا من العيلة] (٢).
وقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ﴾ خطاب للأزواج. وقال الفراء: خطاب لأولياء المرأة (٣). كانوا في الجاهلية لا يعطونها من صداقها إلا بعيرًا يحملونها عليه ويرسلونها إلى بيت الزوج ويحبسون ما في الصداق لأنفسهم. والصدقات جمع صدقة مثل مثلات ومثلة. وعن علي بن أبي طالب قال: لا يكون الصداق أقل من عشرة دراهم (٤)، وهذا في حكم المرفوع؛ لأنّ الغاية لا تدرك (٥) قياسًا واجتهادًا. ﴿نِحْلَةً﴾ عطيّة (٦) مصدر جاء (٧) بخلاف المصدر فهي في معنى الإيتاء وإنما أجري مجرى العطيّة لأنّه يثبت من غير معاوضة، وقيل: النحلة ما ينتحله الرجل من الدين وهي نصب لأنّه مفعول له (٨).
_________________
(١) = ابن عباس - ﵄ - ومجاهد والربيع بن أنس وقتادة وعكرمة، أخرجه الطبري عنهم، ومنه قول الشاعر ينسب إلى أبي طالب: بميزانِ قِسْطٍ لا يُخِسُّ شعيرةً وَوَازنِ صدقٍ وَزْنُهُ غيرُ عَائِلِ [الطبري (٦/ ٣٧٨)، سنن سعيد بن منصور - التفسير (٥٥٨)، ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٣٦١)].
(٢) في "ب": (كثير).
(٣) ما بين [] من "أ" "ب".
(٤) انظر معاني القرآن للفراء (١/ ٢٥٦).
(٥) ذكره الشافعي في "الأم" (٥/ ١٦٠) عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -.
(٦) في "ب" "أ": (لا تدركه).
(٧) والمراد بالنِّحْلَة: المهر كما فسره ابن عباس - ﵄ - رواه عنه الطبري في تفسيره (٦/ ٣٨٠)، وهو نفس نفسير المؤلف؛ لأن المهر عطية من الزوج لزوجته. وكذا فسرها الراغب كما في كتابه (شرح المفردات، ص ٥٠٦).
(٨) في "ب": (ما).
(٩) هذا أحد الأوجه في إعراب "نِحْلَة" ويجوز أن تكون منصوبة على المصدر والعامل فيها الفعل قبلها، ويجوز أن تكون "نحلة" مصدرًا واقعًا موقع الحال، ويجوز أن يكون انتصابها بإضمار فعل بمعنى شرع والتقدير: نحل الله ذلك نحلةً. [الدر المصون (٣/ ٥٧٠)، إعراب القرآن - محيي الدين الدرويش (٢/ ١٥٤)].
[ ٢ / ٥٦٨ ]
﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ طابت أنفسهن بالخروج لكم عن شيء من الصداق، أي رضين ببدله، وإنما قال: ﴿عَنْ شَيْءٍ﴾ ليتناول القليل والكثير والبعض والكل. و(من) في ﴿مِنْهُ﴾ ليتبين الجنس دون التبعيض فـ ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ سائغًا شافيًا حال للمفعول (١)، والمراد به نفي الوبال ورفع الحرج عن الآكلين، يقال: هنأني الطعام ومرأني، فإذا لم يقل (٢) هناني قلت: أمراني با لألف. وقال ابن الأعرابي: هنأني (٣) ومرأني وأمرأني (٤)، إذا انهضم الطعام، ولا يقول (٥): مرئني.
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ قال ابن عباس: لا تعمل إلا (٦) ما خولك الله من المال وجعله معيشة لك فتعطيه أولادك وتنظر إلى ما في أيديهم ولكن أمسكه (٧) وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقتهم (٨). وقيل: الخطاب للأوصياء، وإنما قال: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ على سبيل المجاز. كقولك: استرق بأموالنا إذا استرق أموال (٩) أقربائك وجيرانك. وكسوتك: نقيض قولك: عريته. وكسى يَكسى إذا صار مكتسيًا، والكاسي من كسَوت: وهو الملبس، ومن كسى يُكسى وهو اللباس. ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أن
_________________
(١) هذا أحد الأوجه في إعراب "هنيئًا مريئًا" وهو أنه منصوب على الحال من الهاء في "كلوه" وهو اختيار أبي جعفر النحاس، والوجه الثاني: أنه منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف. والتقدير: أكلًا هنيئًا، والوجه الثالث: أنهما صفتان قامتا مقامَ المصدر المقصود به الدعاء النائب عن فعله. [إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس (٢/ ٣٩٥)، الدر المصون (٣/ ٥٧٦)، الجدول في إعراب القرآن - محمود صافى (٢/ ٤٣٧)].
(٢) في "أ": (تقل).
(٣) في "أ" "ب": (هنيني).
(٤) عزاه لابن الأعرابي القرطبي في تفسيره (٢٧٣).
(٥) في "أ": (ولا تقولوا).
(٦) في "أ" "ب": (إلي).
(٧) في "ب" "ي" والأصل: (أمثلة).
(٨) ابن جرير (٦/ ٣٩٨)، وابن المنذر (١٣٤٩)، وابن أبي حاتم (٤٧٩١).
(٩) في "ي" والأصل: (استرف أموال أقربائك).
[ ٢ / ٥٦٩ ]
تقول: خيركم الله وأصلح بالكم ونصركم مصالح معاشكم ومعادكم، وقيل: هو العدة الجميلة وتمنيه الخير، وقيل: هو الوعظ، وفي الجملة هو أن تلطف (١) لهم القول بما يرضيهم ولا يسخط ربّه.
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ واختبروهم في المعاملات قبل البلوغ. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ تأجيل وتوقيت، وهو بلوغهم وقت الإنزال ما بين ثنتي عشرة سنة إلى ثماني عشرة سنة (٢). وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ (٣) أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] قال: ثماني عشرة سنة (٤) وإليه ذهب أبو حنيفة - ﵀ - (٥). ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ شرط؛ أي فإن أحسستم منهم هديًا في المعاملات. ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ حكم معلق بشرط ومجرده لا يدل على نفي ما عداه، ولأن الآية تضمنت حكم الدفع عند وجود الشرط ولم تتضمن الدفع عند عدمه. وعن ابن سيرين وإبراهيم النخعي لم يَريان (٦) الحجر على الحرّ (٧)، وبه أخذ أبو حنيفة - ﵀ - (٨) ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾ أي (٩): مسرفين أو بإسراف. وكل نفقة لم يأذن بها الله
_________________
(١) في "ي" والأصل: (تطلق).
(٢) أي إذا بلغوا الحُلُم، وهذا تفسير ابن عباس - ﵄ -، وهو مروي عن مجاهد والسدي وابن زيد رواه عنهم الطبري في تفسيره (٦/ ٤٠٤)، وأما تفسير سعيد بن جبير فهو بناء على الأغلب، وهو أن يحصل البلوغ بسن الثامنة عشرة، وإلا فإن البلوغ قد يحصل قبل ذلك.
(٣) في "أ": (هو).
(٤) رواه عن مع سعيد الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٢٢٠)، وانظر ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ١٥٠).
(٥) الذي روي عن أبي حنيفة هو خمسة وعشرين سنة كما في القرطبي الهداية (٧/ ١٣٥)، وانظر المفتي (٤/ ٢٩٦)، وذكره المرغناني عن الحنفية كأحد أقوالهم كما في شرح الهداية (٣/ ٢٨٤).
(٦) في "أ": (يرياني).
(٧) أما عن ابن سيرين فلم أجده. وأما عن إبراهيم النخعي فذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ١٥)، والقرطبي في تفسيره (٣/ ٣٧).
(٨) انظر القرطبي (٣/ ٣٧).
(٩) في "ب": (أي) والبقية: (أو).
[ ٢ / ٥٧٠ ]
تعالى فهي إسراف ﴿وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي: مبادرين كبرهم مصدر عمل في فعل (١) ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ محكم متفق في معناه ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ مختلف فيه. قال عمر: يا رقي إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم إن احتجت أخذت منه وإن (٢) أيسرت رددت (٣) (٤)، فهذا (٥) يدل على أنه لا يأخذه إلا على وجه الاستقراض، وبه قال أبو العالية وعبيدة السّلماني (٦). وعن ابن عباس أنه أباح للوصي الطعام إن احتاج إليه (٧) ولم يبح له الكسوة، وعنه أنه قال: إن المحتاج إنما يأكل على وَجْه العمالة (٨)، وبه قال مجاهد وابن المسيب (٩)، وقال الشعبي: هو كالمضطر فإنْ أيسر رد وإنْ لم يوسر فهو له حلال (١٠). وعن سعيد بن جبير: إن أيسر رد وإن لم يوسر دعا اليتيم فاستحل منه (١١). وهذا إن لم يفرض له الأب والقاضي عمالة، فأما إذا فرض فهو له حلال غنيًا أو فقيرًا.
_________________
(١) قوله: ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ [النساء: ٦] أقرب الأوجه في إعرابهما أنهما منصوبان على المفعول من أجله أي لأجل الإسراف والبدار، والوجه الثاني: هو الذي ذكره المؤلف وهو أنهما مصدران في موضع الحال، أي مسرفين ومبادرين.
(٢) في "أ" "ب": (وإذا).
(٣) في "أ" "ب": (رددته).
(٤) رواه عبد الرزاق في مصنفه (١٠١٢٨، ١٩٢٧٦)، وسعيد بن منصور (٧٨٨ - التفسير)، وابن سعد (٣/ ٢٧٦)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٣٢٤)، وابن جرير (٦/ ٤١٢)، والنحاس في ناسخه (٢٩٦)، وابن المنذر (١٣٩٤)، والبيهقي (٦/ ٣٥٤).
(٥) في "ب": (وهذا).
(٦) انظر زاد المسير (٢/ ١٦)، والقرطبي (٣/ ٤١) وكلاهما ذكره عن أبي العالية وعبيدة السلماني، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره بدون سند (٤٨٢٩).
(٧) ورد عن ابن عباس الإطعام كما عند ابن بي حاتم (٤٨٢٥، ٤٨٢٨)، وابن جرير (٦/ ٤١١).
(٨) في "ي" والأصل: (المعاملة).
(٩) هذا مروي عن ابن عباس وعائشة كما في زاد المسير (٢/ ١٦)، وقد ذكره عن مجاهد ابن أبي حاتم (٤٨٢٩) بدون سند، وهو مذكرر كذلك عن سعيد بن جبير وليس سعيد بن المسيب عند ابن أبي حاتم (٤٨٢٩) بدون سند.
(١٠) ذكره عن الشعبي كما في زاد المسير (٢/ ١٦).
(١١) ابن أبي حاتم (٤٨٣٠، ٤٨٣١).
[ ٢ / ٥٧١ ]
﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ ندب كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ كافيًا من شاهد، وقيل: محاسبًا لكم على أعمالكم إن أشهدتم أو لم يشهدوا.
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ نزلت في رفع حكم الجاهلية، كانت العرب لا تورث إلا من يطاعن ويحمي المال. وكانت الفلاسفة تورث الإناث دون الذكور فأبطل الله حكمها، والسبب في نزولها روي أن رجلًا توفي عن امرأة وبنات وأخوين، فأراد الأخوان أن يذهبا بالمال فجاءت المرأة ورفعت بحال (١) البنات إلى رسول الله - ﷺ - (٢)، فأنزل الله تعالى الآية، فدعاهما رسول الله - ﷺ - (٣) وتلا عليهما فقالا: أنورث من لا يطاعن بالرمح ولا يذود عن المال؟! فقال - ﵇ -: "أعطيا البنات الثلثين والزوج الثمن" يعني أمهما "وما بقي فلكما" قال: فمن يلي أموالهن يا رسول الله؟ قال: "أنتما" (٤).
وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ بدل (٥) عن قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ منه لتبيين الجنس. ﴿نَصِيبًا﴾ نصبه على الحال (٦). ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ ورثة الرجل من غير أولاده. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ أولاده لأنهم أكثر مما يبقون صغارًا يتامى (٧)
_________________
(١) في "ب": (حال).
(٢) و(٣) (- ﷺ -) من "ب".
(٣) ورد سبب النزول هذا عند أبي الشيخ عن ابن عباس كما في الدر المنثور (٤/ ٢٤١)، وأورده ابن حجر في العجاب (٢/ ٨٣٤) عن الثعلبي وهي عند الواحدي في "أسباب النزول" (١٣٧ - ١٣٨). وأورده مختصرًا ابن جرير (٦/ ٤٣٠)، وابن المنذر (١٤٠٤)، وابن أبي حاتم (٤٨٤٤).
(٤) ويجوز في قوله: (قَلَّ أو كَثُرَ) أن يكونا منصوبين على الحال من الضمير المحذوف في قوله: ﴿تَرَكَ﴾ والتقدير: تركه قليلًا أو كثيرًا، ذكر السمين الحلبي. [الدر المصون (٣/ ٥٨٨)].
(٥) قاله أبو إسحاق الزجاج وتبعه أبو جعفر النحاس، وقال الأخفش والفراء: هو مصدر كما تقول: فرضًا، ولو كان غير مصدر لكان مرفوعًا على النعت لـ "نصيب". [معاني القرآن للزجاج (٢/ ١٥)، معاني القرآن للفراء (١/ ٢٥٧)، إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس (٢/ ٣٩٧)].
(٦) في "أ": (اليتامى).
[ ٢ / ٥٧٢ ]
﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾ أصحاب الوصية، و(الرزق) هو قسم المال على فرائض الله و(القول المعروف) أن يقول: هذه حقوقكم وأنصباؤكم في كتاب الله. وعن ابن عباس وعبيدة السلماني، عن سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين ومجاهد والشعبي (١) أن المراد بهؤلاء من حضر منهم غير وارث ولا صاحب وصيّة، وأن الأمر بالرزق واجب بحكم غير منسوخ ثم اختلفوا، قال بعضهم: يعطون من نصيب البالغين برضاهم. وقال بعضهم: يرضخ لهم شيء من رأس المال. وقد ذبح لهم عبيدة السلماني شاة من التركة وأطعمهم ثم قال: كنت أحب أن يكون ذلك من مالي لولا هذه الآية (٢). وهكذا روي عن ابن سيرين وابن المسيب وأبي مالك والسدي والضحاك أن وجوب حكم هذه الآية منسوخ ولكنه باق (٣) على سبيل الندب والاستحباب (٤). و(القول المعروف) أن يقول: بورك فيكم، صنع لكم، وأن يعتذر إليهم بقلة المال.
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ﴾ قال ابن عباس وابن جبير وقتادة والسدي والضحاك (٥): وإنما أمروا بالخشية لئلا يسرفوا في الوصية إذا تركوا ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ يخافون الفقر عليهم فكأنهم (٦) كانوا يخافون الفقر (٧) على ذراريهم
_________________
(١) هؤلاء جميعًا ذكرهم ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٩)، عدا عبيدة السلماني وابن سيرين، ذكره ابن أبي حاتم (٤٨٦٢) بدون سند، وأخرجه الطبري (٦/ ٤٤٦) عن سعيد بن جبير.
(٢) ابن أبي حاتم (٤٨٥٩)، والطبري (٦/ ٤٤٥)، وأبو عبيد في ناسخه ص ٢٨.
(٣) (باق) ليست في "أ".
(٤) ذكرهم جميعًا ابن أبي حاتم بدون سند (٤٨٦٢) باستثناء ابن سيرين والسدي. وكذلك ذكرهم ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٢١)، والقرطبي (٣/ ٤٩) عدا ابن سيرين والسدي كذلك، ولم يذكروا جميعًا أنه على سبيل الندب وذكر ذلك النحاس في "ناسخه" (٣٠٣).
(٥) ذكرهم ابن الجوزي (٢/ ٢٢)، والقرطبي (٣/ ٥٢)، وانظر ابن أبي حاتم (٤٨٦٩)، وابن جرير (٦/ ٤٥١) عن ابن عباس وسعيد بن جبير.
(٦) في "أ": (وكأنهم).
(٧) (عليهم الفقر) ليست في "أ".
[ ٢ / ٥٧٣ ]
ومع ذلك يكثرون الوصية غلوًا ورياء فنهوا عن ذلك وأُمروا بالخشية والاتقاء لئلا يسرفوا في الوصية (١). وعن الحسن أن المأمورين بالخشية عوّاد المريض كانوا يحرضونه على كتاب (٢) الوصية ولا ينظرون للورثة فحذرهم الله تعالى عن ذلك وأمرهم أن يخشوا على ذرية هذا المريض كما لو كانت لهم ذرية كيف كانوا يخافون عليهم (٣).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ خص الأكل بالظلم لرفع الجناح عن المخاطبين (٤) والآكلين بالمعروف و(الصلي) و(الصلا) بمعنى، تقول: صلى يصلى صلًا وصلاة وصَليًا إذا مسّها، وصل اللحم: إذا (٥) شواه، والإصلاء والتصلية على سبيل الإحراق. و(السعير) النار المتقدة ذات الالتهاب.
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ نزلت في ورثة سعد بن الربيع فيما يروى عن جابر بن عبد الله قال: دعاني رسول الله في بني سلمة ومعه أبو بكر فوجدني لا أعقل فرشّ عليَّ الماء فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فأنزل الله الآية (٦) ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ بمعنى الأمر ومعناه: لكل ابن ضعف ما
_________________
(١) (لئلا يسرفوا في الوصية) من "ب".
(٢) في "أ": (إكثار).
(٣) هو مروي عن ابن عباس عند ابن أبي حاتم (٤٨٧٤)، وعزاه ضمنًا ابن الجوزي (٢/ ٢٢) للحسن.
(٤) في "ب": (المخالطين).
(٥) في "ي" والأصل (ذا).
(٦) البخاري (١٩٤، ٤٥٧٧)، ومسلم (١٦١٦) من قصة جابر، أما قوله سعد بن الربيع فهي أسباب نزول أخرى ذكرها ابن سعد في الطبقات (٣/ ٥٢٤)، وأحمد في المسند (رقم ١٤٧٩٨، ١٥٠٢٠)، وأبو داود (٢٨٩١، ٤٨٩٢)، والترمذي (٢٠٩٢)، وابن ماجه (٢٧٢٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤٨٩٢)، وابن حبان (١١٣٠)، وأبو يعلى (٢٠٣٩)، والحاكم (٤/ ٣٣٣، ٣٣٤)، والبيهقي (٦/ ٢١٦، ٢٢٩) وسنده حسن. قال ابن حجر في العجاب (٢/ ٨٤٤) إلا يمتنع نزولها في عدة أسباب).
[ ٢ / ٥٧٤ ]
لكل ابنة يرثون جميعًا بالتعصيب ﴿كُنَّ﴾ أي: الأولاد اسم يُطلق على الأنثى، والمراد به البنات حالة الانفراد يرثن بالفرض للابنتين الثلثان، وقال ابن عباس: لهما النصف (١)، وغيره اعتبر الابنتين بالأختين من الأب والأم أو من الأب فروي أن سعد بن الربيع (٢) استشهد وترك ابنتين وامرأة وعمّا فورّث النبي - ﵇ - الابنتين الثلثين والمرأة الثمن وأعطى الباقي للعم ولا تيقنا (٣) باستحقاق إحدى الابنتين ثلث المال وأكثر منه لو كانت واحدة وشككنا في بخسها (٤) عنه ولأن (٥) الاثنين (٦) في حكم الجماعة بدليل تقدم الإمام عليهما، فإن قيل علق بالشرط قلنا لفظة فوق زائد في الكلام (٧) قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] أي: الأعناق، وقال - ﵇ -: "لا يحل لامرأة تومن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا فوق ثلاثة أيام" الخبر، وأراد ثلاثة أيام، فلم يثبت كونها شرطًا، وإن ثبت فهو منسوخ لحديث سعد بن الربيع. ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ أي الولد واحدة،
_________________
(١) ذكر القرطبي (٣/ ٦٣) بقوله: (الصحيح عن ابن عباس أنه أعطى البنتين النصف).
(٢) هو سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير الأنصاري الخزرجي. صحابي استشهد يوم أحد. [تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢١٤)].
(٣) في "ي" للعم، وفي "أ": (تيقناه).
(٤) في الأصل: (بحثها).
(٥) في "ب": (وأن).
(٦) (الاثنين) لا توجد في "أ".
(٧) الصواب - والله أعلم - أن "فوق" ليست زائدة في الكلام كما يقول المؤلف، بل ليس هناك شيء في القرآن زائد لا فائدة فيه، فكل ما هو زائد في المبنى فهو زائد في المعنى، كما قال الحافظ ابن كثير، وأما استشهاد المؤلف بقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] أي الأعناق فهو مردود كما قاله أبو جعفر النحاس وابن عطية؛ لأن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. قال ابن عطية: لأن قوله: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ هو الفصيح وليست "فوق" زائدة بل هي محكمة المعنى؛ لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ. [ابن كثير (١/ ٥٦١)، تفسير القاسمي (٣/ ٤١)، إعراب القرآن للنحاس (٢/ ٣٩٨)].
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وتقدير الرفع: وإن كانت واحدة من الأولاد ولكل واحد من الأبوين مع الولد (١) السدس.
ثم بيّن فرض الأم إذا لم يكن للميت ولد فكان الباقي للأب ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ يعني اثنين من الإخوة والأخوات في قول عامة الصحابة، وفي قول ابن عباس ثلاثة منهم ردّ الأم إلى السدس.
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ بيان تقديم الوصية على الميراث ولفظة (أو) يطلق ويراد بها الواو، ويحتمل أنه لإباحة تقديم أيهما كان على الميراث ﴿نَفْعًا﴾ نصب على التفسير (٢)، و(النفع) هو الإيراث لم يكونوا يعلمون حتى أعلمهم الله تعالى.
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر (٣)، أي يوصيكم الله فريضة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾ أي: لم يزل ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ أي: ولد الموروث وولد ابنه وإن سفل دون ولد البنت لأنه ينسب إلى أبيه، ودون القاتل ومفارق الملة ودون المملوك.
﴿يُورَثُ كَلَالَةً﴾ أي: متكلل للنسب، نصب على الحال، وقيل: على خبر كان. وقيل: الكلالة المصدر لا بمعنى الاسم نصب بنزع
_________________
(١) (مع الولد) من "أ" "ب".
(٢) الأظهر أن "نفعًا" منصوبة على التمييز من "أقرب" وهو منقول من الفاعلية، وهو واجب النصب. [الدر المصون (٣/ ٦٠٤)].
(٣) قاله أبو جعفر النحاس في إعراب القرآن (٢/ ٤٠٠) أي أنها مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة من الوصية. ويجوز - كما قال أبو البقاء العكبري - أن تكون مصدرًا منصوبًا بفعل محذوف من لفظها والتقدير: فرض الله ذلك فريضة. [الإملاء للعكبري (١/ ١٦٩)].
[ ٢ / ٥٧٦ ]
الخافض تقديره: بكلالة، أي: بإحاطة (١) (٢) وإحداق به، ومنه سمي الإكليل إكليلًا، والكلالة يعبر به عن الموروث مرة وعلى الوارث أخرى، فالموروث الذي لا يرثه الأب والجد من فوقه، والولد من دونه، والموروث الذي ليس (٣) بينه وبين الموروث والد، وإليه ذهبَ أبو بكر الصدِّيق وابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وهو قول عمر، ثم رجع وقال: الكلالة من لا ولد له سواء كان له والد أم لم يكن. وروي عنه أنه لم يقل فيه شيئًا.
﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ من الأم، فإن كانوا أي كانت الإخوة والأخوات أكثر من ذلك" أي من واحد.
﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حال للموصي وهو أن يضار ورثته بأن يزيد وصيته على الثلث ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ كقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ [النساء: ١١]، وقيل: منصوب بإضمار فعل ﴿عَلِيمٌ﴾ لإفادته العلم والحلم (٤) ﴿حَلِيمٌ﴾ لحلمه عن المضار بالوصية ومنعه نفاذ وصيته لئلا تحق (٥) مضارته فتحق (٦) عقوبته.
_________________
(١) في إعراب الكلالة أوجه عدة تختلف باختلاف تفسيرهم لمعنى الكلالة. فجوز بعضهم أن تكون حالًا منصوبة هذا إن فُسِّرَت الكلالة بمعنى الميت، ويجوز أن تقدر على حذف مضاف والتقدير: ذا كلالة، ويجوز أن تكون جملة "يورث كلالة" خبرًا لكان وتكون كلالة على هذا إما حالًا من الضمير في "يورث" وإما أن تكون مفعولًا من أجله والتقدير: يورث لأجل الكلالة. وإما أن تكون نعتًا لمصدر محذوف، والتقدير: يورث وراثة كلالة. ويجوز أن تكون مفعولًا ثانيًا لـ "يورث"، وهناك أوجه إعرابية يطول ذكرها. [الإملاء (١/ ١٦٩)، معاني القرآن للزجاج (٢/ ٢٥)، إعراب القرآن للنحاس (٢/ ٤٠٠)، الدر المصون (٣/ ٦٠٦)].
(٢) في "أ": (حاطه).
(٣) (ليس) ليست في "أ".
(٤) في "أ": (العلم).
(٥) المثبت من "ب"، وفي البقية: (يحق) بالياء.
(٦) في "أ": (ويحق).
[ ٢ / ٥٧٧ ]
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى هذه الوصايا أو (١) الفرائض و(٢) إلى جميع الأحكام التي تقدمت، وذلك إشارة إلى الدخول الذي هو من قضية الإدخال، ويحتمل أنّه إشارة إلى الخلود، و﴿خَالِدِينَ﴾ نصب على الحال (٣) بـ "من"، ومن يصلح للواحد والجماعة.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ يأبى أحكام الله تعالى ويحكم بغيرها فيكفر وإن حمل على أدنى معصية؛ فإدخال النار جزاء فيجوز نسخه وليس بخبر (٤)، والخلود يجوز أن يكون متناهيًا. ﴿خَالِدًا﴾ نصب على الحال (٥) بـ "من".
﴿وَاللَّاتِي﴾ جمع التي على غير قياس. ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ الزنا ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ أي: من المؤمنين إن ادعى عليهن مدعٍ أنهن زنين فاستشهدوا على دعواه أربعة من الرجال العدول، هذا حكم الله لم ينسخه شيء
_________________
(١) في "ب": (واو) بدل (أو).
(٢) في "ب": (أو) بدل (واو).
(٣) أي أنه حال من الضمير المنصوب في "يُدْخِلْهُ" ولا يضر تغاير الحال وصاحبها من حيث كانت جمعًا وصاحبها مفردًا، ويجوز أن تكون "خالدين" نعتًا لـ "جنات" قاله الزجاج وتبعه التبريزي. [إعراب القرآن للزجاج (٢/ ٢٦)].
(٤) في "ي" والأصل: (لخبر).
(٥) في هاتين الآيتين نكتة بلاغية حيث ورد وصف أهل الجنة في الآية الأولى بصيغة الجمع "خالدين"، بينما ورد وصف أهل النار في الآية الثانية بصيغة الإفراد "خالدًا"، وأجيب عن ذلك بثلاثة أوجه: الأول: أن أهل الجنة ذوو مراتب متفاوتة، ولذلك اقتضى وصفهما بصيغة الجمع، وإن أهل النار لا يتفاوتون في العقاب فكلهم في النار ولذلك وصفهم بصيغة المفرد. والوجه الثاني: قيل إن الإفراد لأهل النار لأنهم فرقة واحدة زيادة في الوحشة وقساوة في العقاب، والجمع لأهل الجنة يقتضي الآنس بالاجتماع والسعادة بالتعارف واللقاء ولأنهم طبقات بحسب تفاوت درجاتهم. والوجه الثالث: وقد ذكره السمين الحلبي: وهو أن أهل الطاعة هم أهل الشفاعة، فلما كانوا يدخلون هم والمشفوع لهم ناسبَ ذلك الجمع، والعاصي لا يدخلُ به غيره النار فناسب ذلك الإفراد. [الدر المصون (٣/ ٦١٦)، إعراب القرآن للدرويش (٢/ ١٧٩)].
[ ٢ / ٥٧٨ ]
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ احبسوهن (١) إلى أن يمتن ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ أو إلى أن يحكم الله فيهن بحكم آخر صار منسوخًا بخبر عبادة بن الصامت "خذوا عني" (٢) أي: خذوا عني الخبر، ثم نسخ التغريب (٣). والجمع بين الجلد والرجم (٤) بخبر ماعز وغيره (٥).
﴿وَاللَّذَانِ﴾ قال مجاهد: الرجلان (٦)، وأبطل القاضي أبو عاصم (٧) فائدة التثنية على هذا القول إلا أن تكون الفاحشة هي اللواطة (٨). وقيل:
_________________
(١) احبسوهن من "أ" "ب".
(٢) رواه مسلم (١٦٩٠). ولفظه: "خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
(٣) في "أ": (التغرب).
(٤) في "ب": (الجلد).
(٥) الجمع بين الجلد والرجم هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو مروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، وبه قال ابن عباس وأبي بن كعب وأبو ذر، وأما الاقتصار على الرجم فهو مروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وابن مسعود، وبه قال النخعي والزهري والأوزاعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وأما ما ذكره المؤلف الجرجاني من الجمع بينهما في حديث ماعز بن مالك فالصحيح أنه لم يجمع بينهما في حديث ماعز، ولذا صح عن جابر بن عبد الله - ﵁ - أن النبي - ﷺ - رجم ماعزًا ولم يجلده ورجم الغامدية ولم يجلدها وقال: "وَاغدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" أخرجه البخاري (٣/ ٢٤١)، ومسلم (٣/ ١٣٢٤). لكن الأحاديث المذكورة في إقامة حد الثيب بالرجم والتي لم تذكر الجلد لا يدل على أنه لم يجمع بينهما، فعدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، فقد صح عن النبي ﵊ فيما رواه مسلم في صحيحه (٣/ ١٣١٦) وغيره من حديث عبادة بن الصامت قال: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" فرحم الله ماعزًا الذي قال النبي ﵊ في حقه: "لقد تاب توبة لو تابها طائفة من أمتي لأجزأت عنهم" وقال عنه أيضًا: "لقد رأيته يتخضخض - أي يغتسل - في أنهار الجنة".
(٦) ابن جرير (٦/ ٤٩٩، ٥٠٠)، وابن المنذر (١٤٧٢)، وابن أبي حاتم (٤٩٨٤).
(٧) هو شيخ الشافعية القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن عباد العبادي الهروي إمامًا محققًا مدققًا. من مؤلفاته "المبسوط" و"الهادي". توفي سنة ٤٥٨ هـ.
(٨) في جميع النسخ: (اللوط)، والمثبت من الأصل و"ي".
[ ٢ / ٥٧٩ ]
الرجل والمرأة، وعن السدي (١): أن الآية الأولى كانت في النساء الشيب وهذه الآية كانمت في البكرين (٢)، ثم نسختا جميعًا بالجلد في سورة "النور"، والرجم على لسان النبي - ﵇ -. (الإعراض) الصفح.
﴿التَّوْبَةُ﴾ إعادة النعمة، والتوقيف على الله مجازاة في ضمان الله، ووعده للذين يعملون العمل السيء بغير علم بوجوب (٣) العقوبة ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾ قبل المعاينة، فالله نفى توبته عن الذين يتوبون ويؤمنون عند المعاينة قبل خروج أنفسهم، والذين يموتون سكرى ومصعوقين وفجاءة فلا يعاينون إلا بعد الموت، فالتوبة على الله غير واجبة لهذين الفريقين ولكن أمرهم في مشيئته يغفر لمن يشاء ما خلا الشرك والكفر والنفاق من غير وعد ولا ضمان ولكن بفضل (٤) منه ورحمة.
﴿أَعْتَدْنَا﴾ أي: جعلناه (٥) عتادًا لهم، والعتاد: المعتد اللازم، والشيء العتيد: الحاصل المعدّ.
﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ كان الرجل يرث امرأة أبيه في الجاهلية بالمهر الأوّل إنْ شاء تزوجها بذلك وإنْ شاء زوجها ممن شاء أن يكون له المهر، هكذا روي عن الحسن وأبي مجلز (٦)، إلاّ أن مجاهدًا قال: ابنه لم يتزوج امرأة أبيه ولكنه يزوجها من غيره وليس ذلك بصحيح إلا أن عني به أمه (٧).
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ نهى الأزواج عن إمساكهن على وجه مضارتهن
_________________
(١) ابن جرير (٦/ ٤٩٩)، وابن أبي حاتم (٤٩٨٥).
(٢) في الأصل و"ي": (البكر).
(٣) في "ي" والأصل: (يوجب).
(٤) المثبت من "ب"، وفي جميع النسخ: (تفضل).
(٥) في "أ": (جعلنا).
(٦) أما عن أبي مجلز فذكره ابن أبي حاتم بدون سند (٥٠٣٢)، وذكره القرطبي في تفسيره (٣/ ٩٤)، وابن الجوزي (٢/ ٣٩)، وأما عن الحسن فلم أجده، وأصل الرواية في البخاري (٤٥٧٩) بلفظ مختلف عن ابن عباس - ﵄ -.
(٧) ذكره ابن حجر في العجاب (٢/ ٨٤٨).
[ ٢ / ٥٨٠ ]
ليفتدين بمهورهن، عن ابن عباس. وقال الزهري: كانوا يطلقون ويراجعون بغير عدّة ويطولون (١) العدة بذلك مضارهّ؛ لا يقربونهن ولا يدعونهن يتزوجن (٢)، فنهوا عن ذلك. و(الفاحشة المبينة) هو النشوز، عن ابن عباس وأبي مجلز: يجوز للرجل قبول الفداء حينئذ (٣).
وقال قتادة والسدي: هو الزنا والحكم على هذا منسوخ (٤)، و(معاشرفهن بالمعروف) أن يُحسن معها المقام والعشرة بالإنصاف في المبيت والنفقة وحسن الخلق وبشاشة الوجه ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ فيه ترجية وتطميع للرج الذي خير يرزقهم الله (٥) من نساء يكرهن لدمامتهن أو فقدهن مِنْ ولد أو ميراث أو موافقة أو ثواب على حسن معاشرتهن. ﴿كَرْهًا﴾ نصب بنزع (٦) الخافض (٧) ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ إن حرصتم عليها.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ هو أن يطلق (٨) امرأة ويتزوج أخرى، ويتعين ذلك على من عنده أربع وأراد خامسة (٩) ﴿وَآتَيْتُمْ﴾ أعطيتم أوجبتم لها من الصداق ﴿قِنْطَارًا﴾ مثلًا فلا تستردوا ولا تحبسوا من ذلك القنطار شيئًا يعني بغير رضاها (١٠). ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ استفهام بمعنى النهي
_________________
(١) في الأصل: (يعولون) أو (يصولون).
(٢) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٤٠) وعزاه لابن زيد فقط.
(٣) رواه ابن جرير (٦/ ٥٣٣)، وابن أبي حاتم (٥٠٣٧، ٥٠٤٠) عن ابن عباس، وأما عن أبي مجلز فلم نجده.
(٤) أما عن قتادة فلم أجده ولكن روي عن قتادة أنه فسر الفاحشة بالنشوز. أخرجه الطبري (٦/ ٢٨٩)، وأما عن السدي فذكره القرطبي (٣/ ٩٥).
(٥) (الله) من "اْ""ب".
(٦) في "ب": (لنزع).
(٧) الذي يظهر أن "كرهًا" مصدر في موضع نصب على الحال من النساء، وهذا ما رجحه النحاس، والتقدير: ترثوهنَّ كارهات. [إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس (٢/ ٤٠٤)].
(٨) (هو أن يطلق) ليست في "ب".
(٩) (خامسة) ليست في "ب".
(١٠) تقدم الكلام عن مقدار القنطار في سورة آل عمران آية (١٤).
[ ٢ / ٥٨١ ]
والإنكار ﴿بُهْتَانًا﴾ أي: بهتان وهو أن يدعي الإبراء أو يجحد الوجوب أصلًا، والآية في المدخول بها، ويدلس على جواز المفاداة بالصداق وإن كان مكروهًا.
﴿وَكَيْفَ﴾ (١) أداة التعجب، وهي هاهنا بمعنى النهي والإنكار و(الإفضاء إليها): الوصول إليها في الخلوة سواء وجد الجماع أم لم يوجد عند الزجاج والفراء (٢)، وعن ابن عباس أنه الجماع (٣)، فعلى القول الأول الخلوة أوجبت كمال المهر بالآية، وعلى القول الثاني أوجبت بقضاء الخلفاء الراشدين، و(الميثاق الغليظ) هو العقد والإشهاد. وقال الزهري: كان يقال للناكح: لله عليك أن تمسكها أو تسرحها بإحسان (٤)، وفي الحديث: "أخذتموهن بأمانة الله واسثحللتم فروجهن بكلمة الله" (٥) فهذا كله في الميثاق الغليظ.
﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ تحريم موطوءة الأب ومنكوحته عن ابن عباس وعكرمة وقتادة (٦)، وفي قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أربعة أقوال: استثناء متصلًا، كأنه قيل: أنتم منهيون عن نكاحهن وذلك موهم للماضي
_________________
(١) في الأصل: (من) وهو خطأ.
(٢) ذكره الزجاج في معاني القرآن (٢/ ٣١)، والفراء في معاني القرآن (١/ ٢٥٩)، وذكر ابن الجوزي النسخ وذكر أن ابن جرير ردّ هذا القول وعلله بأن الحد حق الله والافتداء حق للزوج وليس أحدهما مبطلًا للآخر. انظر زاد المسير (٢/ ٤١).
(٣) ابن جرير (٦/ ٥٤١)، وابن المنذر (١٥١٤)، وابن أبي حاتم (٦/ ٥٠٦).
(٤) عن الزهري لم أجده، ولكنه ورد عن قتادة كما عند عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٥٢)، وابن جرير (٦/ ٥٤٣). وقريبًا منه عن ابن عمر كما عند ابن أبي شيبة (٤/ ١٤٢، ١٤٣)، وابن المنذر (١٥١٨)، وعن أنس كما عند ابن أبي شيبة (٤/ ١٤٢).
(٥) أخرجه مسلم (١٢١٨) في حديث خطبة حجة الوداع المشهورة عن جابر بن عبد الله - ﵁ - مرفوعًا.
(٦) أما عن ابن عباس فرواه ابن جرير (٦/ ٥٥٠)، وابن أبي حاتم (٥٠٧٤)، وابن المنذر (١٥٢٦)، والبيهقي في السنن (٧/ ١٦١). وأما عن عكرمة وقتادة فلم أجده.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
والحال والمستقبل فاستثنى ما سَلَف لإزالة الإيهام، والثاني: أن النهي مقصود على ابتداء العقد دون استبقائه، وهذا لا يصح لأن الشرع لم يرد بجواز استبقاء نكاح محرمة على التأبيد، والثالث: استثناء منقطعًا بمعنى لكن، والرابع: أن يكون الاستثناء بمعنى واو العطف (١) كقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] أي: صاروا. وقيل: صار (٢) مكروهًا عند بعض العرب ويسمون الولد مقيتًا. وفي قول من قال كان (٣) في شريعة من قبلكم أو (كان) زائدة نظر. و(المقت) البغض. ﴿وَسَاءَ﴾ بئس ذلك السبيل من سبيل.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يعني: الوالدات واحدهن أمّ. والبنات الإناث من الولد وإحداهن بنت. والأخوات بنات الأبوين وإحداهن أخت. والعمات أخوات الأب وإحداهن عمّة، والخالات أخوات الأمّ وإحداهن خالة، ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ الإناث من ولد الأخ (٤). ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ الإناث من ولد الأخت، و(الأمهات من الرضاعة): المرضعات في مدة الرضاعة وبناتهن، و(أمهات النساء) و(الربائب) بنات الزوج من غير الزوج وإحداهن ربيبة، والصبي في حجر فلان؛ أي في كفالته ورعايته، و(حليلة الرجل) امرأته، وإنما سميت حليلة لأنها نزيلته، أو لأنّها تحلله. والتقدير: حرِّم عليكم نكاح أمهاتكم.
وأجناس المحرمات خمسة: النسَب والرضاع والمصاهرة والسبب والجمع.
وما يحرم من النسب سبع: الأم والابنة والأخت والعمّة والخالة وابنة الأخ وابنة الأخت.
_________________
(١) الأوجه الإعرابية الأربعة التي ذكرها المؤلف ذكرها السمين الحلبي في تفسيره الدر المصون (٣/ ٦٣٥)، ويرى النحاس أنه استثناء منقطع ليس من الأول. [إعراب القرآن (٢/ ٤٠٤)]، كما فصل الطبري في تفسيره (٦/ ٥٥٠) الأوجه الإعرابية الأربعة التي ذكرها المؤلف ولم يرجح واحدًا منها.
(٢) في الأصل و"ي": (كان).
(٣) (كان) من "أ" "ب".
(٤) (من ولد الأخ) ليست في "ب".
[ ٢ / ٥٨٣ ]
وما يحرم من الرضاع: كل ما يحرم مثلهُ من جهة الأم أو من جهة الأب في النسب.
وما يحرم من المصاهرة فأربع: أم المرأة وابنتها وامرأة الأب وامرأة الابن وموطوءة هؤلاء.
وما يحرم بالسبب فست: معتدة الغير والحامل من الغير والمبتوتة حتى تنكح زوجًا غيره، والكافرة من غير أهل الكتاب وذات الزوج والأمة على الحرة.
وما يحرم بالجمع نوعان: كل شخصين لو كانا ذكرًا وأنثى من وجهين حرم التناكح بينهما كالأختين، والجمع بين أكثر من أربع للحر (١) وثنتين للعبد.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ ذوات الأزواج ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾ جمع يمين وهي اليد اليمنى، وإنما يسند الملك إليها لأنها أضبط اليدين وأقواهما غالبًا وأكثر الكسب بها. ومجرد الملك بالسبي أو الوراثة أو الشراء لا يوجب فسخ عقد النكاح ما لم ينضم إليه معنى بسبب الزوج من مباينة الدار أو نحوها. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ وأُبيح لكم أن تتزوجوا بمن وراء هؤلاء اللواتي سبق ذكرهن ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ تفسير لما أحل ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ متزوجين غير زانين، والسفاح: الزنا، والكناية في ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ راجعة إلى (ما) وهي للواحد والجماعة ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن ﴿فَرِيضَةً﴾ مقدرة. وفي قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ إباحة الإبراء والخلع، وفي فحواه أن العقد لا يعزل عن المهر إذا اتصل بالدخول وإن جاز إسقاطه بعد الوجوب، وذكر العلم والحكمة لإفادة العلم والحكمة في الشريعة أو لعلمه بعلل النصوص وبالمصَالح فيها.
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ نزلت (٢) في أخيار المؤمنات حرائِرهن وإمائِهن على
_________________
(١) (للحر) ليست في "أ".
(٢) لم أجد من ذكر أسباب نزول في هذه الآية.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
الكتابيات حرائِرهن وإمائِهن، لا في قصر الإباحة على المؤمنات، و(الطول) الفضل والغنى منصوب على التفسير (١) للاستطاعة المنفية، وعن إبراهيم النخعي أن المراد به الهوى (٢)، والتقدير: من لم يكن عنده قصد ورأي وحزم لمصَائر الهوى وبصبر عن الإماء ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحرائِر ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فليتزوج مما ملكت أيمانكم من الإماء ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ إمائكم المؤمنات، والفتاة: الشابة في اللغة، وقال - ﵇ -: "لا يقولنَّ أحدكم عبدي وأمتي بل يقول فتاي وفتاتي أو غلامي وجاريتي فإنكم كلكم عبيد والرب واحد" (٣). وعدم الطول ليس بشرط في جواز نكاح الإماء المؤمنات ولكنه مندوب إليه بقول علي - ﵁ -: "إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للأمة الثلث وللحرة الثلثين" (٤). وقال جابر بن عبد الله: "لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة والله أعلم" (٥).
﴿بِإِيمَانِكُمْ﴾ يريد الأخذ بالظاهر وكون الحقيقة إلى الله تعالى ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: الأحرار والعبيد والحرائر والإماء، بعضهم من بعض في باب الإِسلام والشريعة والموالاة ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ يفيد وقوف العبد على إجازة المولى بخلاف العقد على الحرائر ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ مزوجات
_________________
(١) في نصب "طولًا" ثلاثة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنه مفعول به لـ "يستطع" وهذا الذي رجحه السمين الحلبي في تفسيره. والوجه الثاني: أن يكون مفعولًا له على حذف مضاف والتقدير: ومن لم يستطع منكم لعدم طول نكاح المحصنات. والوجه الثالث: أن يكون منصوبًا على المصدر وهذا اختيار ابن عطية ويكون العامل فيه الاستطاعة لأنهما بمعنى. [الدر المصون (٣/ ٦٥٣)، المحرر (٤/ ٨٣)].
(٢) ذكره عن إبراهيم النخعي القرطبي (٣/ ١٣٧)، وهو مروي عن جابر بن عبد الله كما في الطبري (٦/ ٥٩٣، ٥٩٤)، وابن المنذر (١٦٠٩)، ورواه ابن أبي حاتم (٥١٤٠) عن ربيعة.
(٣) أصل الحديث في صحيح البخاري (٢٤١٤)، ومسلم (٢٢٤٩) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
(٤) الدارقطني (٣/ ٢٨٥)، وسعيد بن منصور في سننه.
(٥) عبد الرزاق في مصنفه (١٣٠٨٩).
[ ٢ / ٥٨٥ ]
أو عفائف ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ زانيات ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ أخلاء، وإنما ذكره لأنّ من العرب من لا يعد السر سفاحًا ﴿أُحْصِنَّ﴾ بفتح الهمزة: أسلمن، عن ابن مسعود وزر والشعبي (١)، وهو يحتمل التزوج أيضًا، وبضم الهمزة (٢) إذا تزوجن عن ابن عباس ومجاهد (٣)، وهو يحتمل أدخلن في الإسلام. ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ زنين ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحرائر من الجلد، وحكم جلد العبد مستفاد من فحوى الآية وثبت بالإجماع. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الندب إلى نكاح الإماء والتنبيه عليه ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ الإثم والضرر في دينه ودنياه من العزوبة أو الهوى (٤) ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ قيل: الصبر من الكل ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقيل: الصبر عن العنت ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقيل: عن نكاح الإماء ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فإن قيل: كيف ندب إلى ما الصبر عنه خير؟ قلنا: إن فعله خير من وجه وهو أن فيه مندوحة عن الزنا، والصبر عنه خير وهو أن لا يعرض أولاده للرق.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اللام بمعنى "أن" عند الفراء والكسائي (٥)،
_________________
(١) أما عن ابن مسعود فمروي عدة روايات رواها عبد الرزاق في مصنفه (١٣٦٠٤)، وابن جرير (٦/ ٦٠٩)، وابن المنذر (١٦٢١)، والطبراني في الكبير (٩٦٩١). وأما عن زر فلم أجده. وأما عن الشعبي فرواه الطبري (٦/ ٦١٠)، والبيهقي (٨/ ٢٤٣).
(٢) القراءتان صحيحتان الضم (أُحْصِنَّ) والفتح (أَحْصَنَّ) ولذا قال ابن جرير (٦/ ٦٠٥) أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام.
(٣) أما عن ابن عباس فرواه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٩٤)، وابن جرير (٦/ ٦١١). وأما عن مجاهد فذكره ابن أبي حاتم (٥١٥٨) بدون سند.
(٤) عامة المفسرين ذهبوا إلى أن "العنت" هو الزنا كابن عباس - ﵄ - ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم ولا مانع من تفسيرها بالإثم؛ لأن الزنا من أعظم الإثم أو الضرر في الدين والدنيا بسبب العزوبة فهو من باب تفسير التنوع لأن تلك المعاني كلها كما قال ابن جرير الطبري هي جميع معاني العنت، ولذا أطلقها الله ولم يحددها فقال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. [الطبري (٦/ ٦١٦)].
(٥) ذكره الفراء في معاني القرآن وقال: العرب تجعل اللام التي على معنى كي في موضع أن في أردت وأمرت. قال تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] =
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وكذلك في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] و﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام: ٧١] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ (١) [الصف: ٨].
﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: الأحكام الشرعية ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: الأنبياء - ﵈ - (٢) لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] و﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ البقرة: ١٣٠] و﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فمن ذلك تحريم الأمهات والبنات وما لم ينسخ من الشرائع المتقدمة. والآية وما بعدها في أهل البيت وفي أولياء الله دون الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم.
﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ الميل: الجور وهو نقيض الاستقامة. و﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ الكفار والشياطين.
﴿أَنْ يُخَفِّفَ﴾ أراد رفع الإصر وضعف الإنسان وقلّة احتماله التكليف وسرعة تغيره بما يلقى من المكروه والمحبُوب.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا فضل مبتدأ واتصاله بما قبله من حيث الأحكام المأمور بها والمنهي عنها. و(الأكل (٣) بالباطل) بالربا (٤) والقمار والبخس والظلم وما يشاكلها؛ عن السدي (٥). وأكلها بغير معاوضة؛ عن
_________________
(١) = وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصف: ٨] وهذا مذهب الكوفيين كما حكاه الزجاج عنهم في معاني القرآن ورد كلامهم بقوله: هذا غلط أن تكون لام الجر تقوم مقام أن وتؤدي معناها. ورجح ابن جرير الطبري جواز أن ينوب بعض هذه الحروف عن بعض وهي (اللام، وأَنْ، وكي) وشواهده معروفة في القرآن كما تقدم وفي كلام العرب. واستشهد الطبري بقول الشاعر الذي جمع بين الثلاثة بقوله: أرَدْتَ لكيما أن تَطِيرَ بقربتي فتترُكَهَا شَنًّا ببيداءَ بَلْقَعِ [الطبري (٦/ ٦٢٠)، معاني القرآن للفراء (١/ ٢٦١)، معاني القرآن للزجاج (٢/ ٤٢)].
(٢) في "ب": (نور الله بأفواههم).
(٣) في "ب": (الإسلام).
(٤) في "ب": (أكل).
(٥) في "ب" "أ": (بالربوا).
(٦) ابن جرير (٦/ ٦٢٦)، وابن أبي حاتم (٥١٨٣، ٥١٨٥).
[ ٢ / ٥٨٧ ]
الحسن (١). والظاهر أنه بذل المال في السفاح دون النكاح لتقدم ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ والاستثناء منقطع لأن التجارة عن تراضٍ ليست من جنس المنهي عنه، قيل: لما نزلت هذه الآية امتنع الناس عن التبسط حتى نزل ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] في سورة "النور". ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، وقيل: هو نهي عن أن يقتل الرجل نفسه. وإنما وصف نفسه بالرحمة لأنه أراد بنا الخير حيث نهانا عن أكل المال بالباطل وقتل النفس المحظورين بالعقل قبل الوحي ذلك إشارة إلى قتل النفس عن عطاء، وقيل: إلى الظلم الموجود في أكل الأموال وقتل الأنفس جميعًا، وقيل: إلى ما نهى من أول السورة إلى هنا. وقوله: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ جزاء وشرط وليس بخبر (٢) ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: الإصلاء ﴿يَسِيرًا﴾ غير عسير.
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ الاجتناب والمجانبة أن تدع الشيء جانبًا ولا تتعرض له. و(الكبائر) المجمع عليها ثلاثة (٣)؛ الشرك: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، والكفر: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ [المائدة: ٥]، والنفاق، وما عداها مختلف فيه، فقيل: كل ما نهى من أول السورة إلى هاهنا من الكبائر، وقيل: كل ما أوجب الحد. وقيل: كل ذنب أوجب الله عليه (٤) حدًّا في الدنيا وتوعَّد عليه بالنار في الآخرة، وقيل: كل ذنب كان محظورًا في قضية العقل قبل الوحي، وقيل: كل (٥) ما أرسل الله في ذلك رسُولًا وعاقب عليه أمة، وقيل: ما يرجع إلى فسق الديانة والاعتقاد، وقيل: ما يبطل العدالة، وقيل: ما وصفه الله في القرآن بالعظم أو الكبر
_________________
(١) أخرجه ابن جرير عن الحسن (٦/ ٦٢٧).
(٢) لأن "الفاء" رابطة لجواب الشرط و"سوف" حرف استقبال و"نصلي" فعل مضارع والهاء مفعول به أول و"نارًا" مفعول به ثان، والجملة في محل جزم جواب الشرط مقترنة بالفاء. ولذا كما قال المؤلف أن الجملة ليست بخبر.
(٣) في جميع النسخ: (ثلاث)، والمثبت من "ب".
(٤) في "ب": (فيه).
(٥) في "أ" "ب": (كل ما).
[ ٢ / ٥٨٨ ]
والاعتداء. ولو بقيت الكبائر لخصها الناس بالاجتناب وارتكبوا سائر المناهي اتكالًا على هذه الشريطة، ولو ارتكبوا لبطل التفاضل بالورع (١).
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾ نزلت في أم سلمة قالت: الجهاد كتب علينا فنصيب من الثواب ما يصيبه الرجال (٢)، عن مجاهد، وقيل: تمنى الرجال أن يزادوا في ثواب الآخرة كما زيدوا في الميراث في الدنيا (٣)، وقيل: حسد الناس بعضهم بعضًا فنهوا عن ذلك. ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ أي: لكل واحد [من الفريقين نصيب من قضية ما كسبوا من أجل كسبه، ويحتمل أن معناه لكل واحد] (٤) من الفريقين حظ في الدنيا إذ جميع كسب الإنسان ربما لا يكون رزقًا وإنما يجمع لغيره ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إبدال عن المنهي عنه، أي: سلوا من فضله مكان ما كنتم تمنون، وقيل في الزبور: يا ابن آدم لا تقل: اللَّهم ارزقني مال فلان، ولكن قل: اللَّهم ارزقني مثل مال فلان ﴿عَلِيمًا﴾ أخبر عن معلومة من أنصباء الرجال والنساء.
تقدير الآية: ولكلِّ شيء مما (٥) ترك الوالدان والأقربون ﴿وَالَّذِينَ
_________________
(١) ذكر العلماء في حد الكبيرة عدة تعاريف. ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري جملة من هذه التعاريف منها قول الرافعي: "هي الموجبة للحد"، وقول البغوي: "هي ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنة". وقول العز بن عبد السلام: "كل ذنب قُرنَ به وعيد أو لعن". ثم قال الحافظ ابن حجر: ومن أحسن التعاريف قول القرطبي: كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو أخبر فيه بشدة العقاب، أو علق عليه الحد أو شدد النكير عليه فهو كبيرة. [فتح الباري (١٢/ ١٨٣)].
(٢) رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٥٦)، وسعيد بن منصور (٦٢٤ - تفسير)، والترمذي (٣٠٢٢)، وابن جرير (٦/ ٦٦٤)، وابن المنذر (١٦٧٧)، وابن أبي حاتم (٥٢٢٤، ٥٢٢٥)، والحاكم (٢/ ٣٠٥، ٣٠٦)، والبيهقي (٩/ ٢١) وهو صحيح عن أم سلمة مرفوعًا قالت: يا رسول الله لا نُعْطَى الميراث ولا نغزو في سبيل الله؟! فنزلت ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا ﴾ الآية.
(٣) رواه الطبري (٦/ ٦٦٤) وهو مروي عن قتادة كما عند ابن جرير (٦/ ٦٦٧، ٦٦٨).
(٤) ما بين [] سقط من "ب".
(٥) في "أ" والأصل: (ما).
[ ٢ / ٥٨٩ ]
عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ جعلنا موالي يستحقونه. أو تقديره: ولكل واحد جعلنا (١) ثَمَّ (٢) بينهم من الذين تركهم الوالدان والأقربون والذين عاقدتهم الأيمان. و(المولى) على وجوه والجميع ينهى عن نوع قرب واختصاص، وإنما أسند العقد إلى اليمين لأنها سببُ انعقاده كقوله: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] والمراد بالمعاقدين عن ابن عباس وعنه: هم الذين آخى رسول الله - ﷺ - (٣) بينهم، ومولى الموالاة يرث عندنا (٤)، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود ومسروق.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾ نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وزوجته جميلة بنت عبد الله بن أبي (٥)، وقيل: نزلت في حبيبة بنت سهل (٦)، وقيل: نزلت في سعد بن الربيع وامرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير. لطمها لطمة فانطلق أبوها إلى رسول الله - ﷺ - (٧) واستعدى عليه فأمرها رسول الله - ﷺ - بالقصاص فأنزل الله الآية فدعاهما وتلا عليهما الآية وقال: "أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا والذي أراد الله خيرًا" (٨)، وكان القصاص جاريًا بين الرجال والنساء في كل شيء إلى أن نسخ الله بهذه الآية. وقيل: أمرهُ محمول (٩) على العفو دون القصاص لاعتبار المساواة فيما دون النفس ﴿قَوَّامُونَ﴾ قيامون وقيمون (١٠) على مصالحهن بسبب ما فضلهم الله عليهن في العقل
_________________
(١) في "ب": (جعلناهم).
(٢) (ثم) ليست في "ب".
(٣) (- ﷺ -) ليست في "ب".
(٤) البخاري (٤٥٨٠، ٦٧٤٧).
(٥) ذكره القرطبي في تفسيره (٣/ ١٦٩)، وابن حجر في العجاب (٢/ ٨٦٩) عن أبي روق.
(٦) لم أجد هذا الاسم وإنما هي حبيبة بنت زيد بن أبي زهير والذي سيأتي.
(٧) (- ﷺ -) ليست في "أ".
(٨) ذكره مقاتل في تفسيره (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥)، والواحدي في أسباب النزول (١٤٤).
(٩) المثبت من "ب".
(١٠) يقال هذا قَيِّمُ المرأةِ وقوامها، ومنه قول الأحوص: اللهُ بيني وبين قيِّمِها يَفِرُّ مني بها وأَتَّبِعُ [معاني القرآن للزجاج (٢/ ٤٦)].
[ ٢ / ٥٩٠ ]
والشهادة والجهاد والولاية والإمامة وبسبب إنفاقهم على الزوجات ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ غير الناشزات الفاسدات ﴿قَانِتَاتٌ﴾ مطيعات لله ولأزواجهن ﴿حَافِظَاتٌ﴾ لأنفسهن (١) وبيوتهن بحفظ الله تعالى وعصمته إياهنّ وما حفظ الله عليهن من الأحكام الشرعية أو بما حفظ الله لهن من حقوقهن من المهر والنفقة، وإنما أثنى عليهن ليعلم أنه ما عليهن من سبيل.
والهجران في المضاجع هو أن لا يضربها مدة ويرى من نفسها الملال عنها لعلها تخاف الفرقة فتترك النشوز وتحسن العشرة والطاعة ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أدِّبوهن بضرب لا إتلاف فيه ولا تبريح ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ في الدين والفراش ﴿فَلَا تَبْغُوا﴾ تطلبوا ﴿عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ حجة وعلة ولا تتجنوا عليهن، وإنما وصف الله نفسه بالعلو والكبرياء لتعاليه عن إباحة التجني والعدوان والكبر شأنه في إقامة القسي والأخذ للمظلوم من الظالم المتجني.
﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾ حاكمًا، والظاهر أن الحاكم (٢) من تحاكم إليه الخصمان ورضيا بحكمه وجعلاه كالوكيل فيما أُسند إليه، والحاكم الذي له أن يحكم وإن لم يتحاكم إليه (٣)، وإنما أمر بحكمين لأنه أبعد من الجور والميل ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ أي: يجعل حكم أحد الحكمين موافقًا لحكم الآخر إن أرادا إصلاحًا، وليس للحكمين أن يحكما بالطلاق والخلع إلا أن يكون الزوجان قد أذنا لهما في ذلك. (الخبير العليم) كقوله: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] وقيل: المخبر والمخبّر والمعلّم واحد.
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وهذا فصل آخر يتناول ما تقدم من حيث إن الجميع أمر ونهي و﴿إِحْسَانًا﴾ نصب على الحث والتحريض (٤) ومثله قوله تعالى:
_________________
(١) في "ب": (لأنفسهم).
(٢) في "أ" "ب": (الحكم).
(٣) (والحاكم الذي إليه) ليست في "ب".
(٤) والناصب له جملة "وأحسنوا". والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا. كما تقول: ضربًا زيد أي اضرب زيدًا ضربًا. هذا ما ذكره الزجاج، وأجاز الفراء الرفع على أنه مبتدأ =
[ ٢ / ٥٩١ ]
﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]. و(الجار): النزيل في الحي وهو المجاور ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ أدنى الجيران ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ أبعدهم، وقيل: ذي القربى المناسب القريب، والجنب الأجنبي الغريب ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ الرفيق في السفر؛ عن ابن عباس وابن جبير والحسن ومجاهد والضحاك (١)، وعن ابن عباس أيضًا: هو المنقطع إليك يرجو خيرك ونفعك وإليه ذهب ابن زيد (٢)، وقال ابن مسعود وإبراهيم وابن أبي ليلى: هو المرأة (٣) ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو الضيف؛ عن قتادة وابن زيد (٤)، والمسافر الغريب؛ عن الربيع (٥) ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من العبيد والإماء، ويجوز أن يدخل في عمومه الدواب والمواشي.
وقال - ﵇ -: "كلكم راعٍ وكلكم مسوول عن رعيته" (٦)، وقال - ﵇ - في العبيد والإماء: "اكسوهم ما تلبسون وأطعموهم ما تطعمون" (٧). وقال
_________________
(١) = و"بالوالدين" خبر له وهي قراءة ابن أبي عبلة كما ذكره القرطبي في تفسيره. [معاني القرآن للزجاج (٢/ ٥٠)، معاني القرآن للفراء (١/ ٢٦٦)].
(٢) أما عن ابن عباس فرواه ابن جرير (٧/ ١١)، وابن المنذر (١٧٥٦)، وابن أبي حاتم (٥٣٠٣)، والبيهقي في الشعب (٩٥٢٤)، وأما عن سعيد بن جبير فرواه ابن جرير (٧/ ١١ - ١٣)، وابن أبي حاتم (٥٣٠٧)، وابن المنذر (١٧٦٠)، وأما عن مجاهد فرواه ابن جرير (٧/ ١١ - ١٣)، وابن أبي حاتم (٥٣٠٥، ٥٣٠٦)، وابن المنذر (١٧٥٨)، وأما عن الضحاك فرواه ابن جرير (٤/ ٨٣) ط. أخرى.
(٣) رواه عنهما ابن جرير في تفسيره (٧/ ١٥).
(٤) أما عن ابن مسعود فرواه ابن جرير (٧/ ١٤)، وابن المنذر (١٧٦٢)، وابن أبي حاتم (٥٣٠٢)، والطبراني في الكبير (٩٠٧٧). وأما عن إبراهيم النخعي فرواه ابن جرير (٧/ ١٥)، وابن المنذر (١٧٦٣). وأما عن ابن أبي ليلى فرواه ابن جرير (٧/ ١٤)، وابن المنذر (١٧٦٤).
(٥) أما عن قتادة فرواه ابن جرير (٧/ ١٨). وأما عن ابن زيد فلم أجده.
(٦) رواه ابن جرير (٤/ ٨٣) ط. أخرى.
(٧) رواه البخاري (٨٥٣) ط. البغا، ومسلم (١٨٢٩).
(٨) رواه مسلم (٣٠٠٦).
[ ٢ / ٥٩٢ ]
عند الوفاة: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" (١). و(الاختيال) افتعال من الخيلاء وهو ركوب الرأس والذهاب بالنفس. و(الفخور) الذي يكثر التفاخر بتقدير المكارم تكبرًا وتعظمًا غير شكر، وإنما لا يحب لأنه يأنف عن طاعة الوالدين ومخالطة الأقربين ومرافقة الجيران ومعاشرة العبيد والإماء، ويخاف الفقر والذلّ في بذل الأموال فلا يبذلها.
﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ عن ابن عباس ومجاهد: اليهود خاصة حيث كتموا نعت (٢) نبينا - ﵇ -، والظاهر أنه في البخيل المعتل المعتذر عند السؤال كذبًا وشحًا. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ يقتضي مضمرًا فكأنه قال: هم كافرون. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ وإنما جاز وصفهم بالكفر لأن من اعتقد أن البخل حسن محمود ورضيه وأوصى به غيره فقد كَذب الله ورسول الله (٣) فكان كافرًا (٤).
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ إنما ذكرتهم لئلا يظن (٥) ظان أن كل منفق محمود مأجور؛ فإنّ المختال الفخور ربما أنفق رياء وذلك غير مقبول منه ولا محسُوب له عند الله إذا لم يبتغ وجهه والدار الآخرة. ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾ يقتضي مضمرًا فكأنه قال: قرينهم الشيطان ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾ وإنما لم يصرح به لأن الملفوظ به يدل عليه.
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ إلزام محض من طريق النظر كقولك: هب أني مبطل في الإنذار فهل عليك بأس في الحذر، وهب أنه غير مستحق (٦) فهل عليك لوم في السخاء، كذلك الإيمان بالله واعتقاد انقضاء الدنيا واجب في العقل
_________________
(١) رواه الإمام أحمد (٣/ ١١٧) والحديث صحيح.
(٢) (نعت) ليست في "أ" "ب".
(٣) (الله) ليست في "ب".
(٤) من اعتقد أن البخل حسن محمود ورضيه لا يكون كافرًا، والبخل الذي في الآية في قوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآية هم الذين يبخلون في بيان الحق ويكتمونه، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره (٧/ ٢٥).
(٥) (لئلا يظن) ليست في "ب".
(٦) (فهل عليك مستحق) ليست في "ب".
[ ٢ / ٥٩٣ ]
قبل الدعوة، ومواساة الفقراء محمود عند كل ذي عقل، فماذا عليهم في الإجابة لداعٍ يدعو إلى هذه المعاني (١)، سواء كان عدوًا أو صديقًا صغيرًا أو كبيرًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ لا يخلف الوعد بزيادة العقاب أو نقص الثواب، ومجازه أن الله لا يظلم شيئًا وإنما ذكر ذلك لأنه أقل ما يثبت في القواعد المحسوسة، أو لأنه أقل أجزاء (٢) الجوهر لا يستثير منه بعضه. ومثقال الشيء مقداره في الوزن، والذرة من الحيوان النملة الصغيرة الحمراء؛ وهي جسم مؤلف من الذرة، والجماد جزء واحد من أجزاء الغبار وذلك ليس بجسم. فالله تعالى لا يزيد في عقاب ولا يبخس من ثواب ذلك القدر، فإن كان ذلك القدر حسنة ضعفها إلى عشرة أمثالها إلى سبع مائة إلى ما شاء من فضله، وإنما وصف الأجر بالعظم لأنه لا ينقص ولا ينفد.
﴿فَكَيْفَ﴾ في مثل هذا الموضع تقتضي تهويل الأمر، وتقديره: كيف يختالون وكيف يصنعون أو كيف هم أو كيف حالهم، وحذف المستفهم عنه أبلغ في التهديد ليذهب نفس السامع كل مذهب، والمراد بالتوقيت يوم القيامة، كما في قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا (٣) عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩] والشهداء: الأنبياء والمرسلون وسائر الأئمة، يقولون: هذا أجاب وهذا لم يجب وهذا أطاع وهذا لم يطع، وذلك بعد أن يثبت الله أقدامهم وينزل عليهم السكينة ويذهب بالوجل عن قلوبهم، وأما في ابتداء الوهلة فيقولون: لا علم لنا كما قال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] الآية، وعميت الأنباء على المشهود عليهم أيضًا فلا يتساءلون، ثم يوقف الله من يشاء للجواب الصالح ويجحد من قدر له الجحود، ثم ينطق أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بفعلهم (٤) فحينئذ
_________________
(١) في "ب": (المعايل في).
(٢) في "أ": (الجزاء).
(٣) في "ب": (ليشهد).
(٤) (بفعلهم) من "أ" "ب".
[ ٢ / ٥٩٤ ]
يقولون: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] عن ابن مسعود أن النبي - ﵇ - (١) قال له: "اقرأ" قال: عليك أقرأ يا رسول الله وعليك أُنزل؟! قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري" فقرأ سورة "النساء"، فلما انتهى إلى هذه الآية دمعت عينا رسول الله - ﷺ - (٢) (٣)، وفي بعض الروايات قال: "اللَّهم هذا علمي بمن أنا بين ظهرانيهم فكيف بمن لم يرنِ" (٤).
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفان من الزمان أضيف أحدهما إلى الآخر فصارا زمانًا معرّفًا فكأنك تقول: يوم إذ يكون كذا، فلذلك تعرف وصَار حكمه حكم الفعل وهذا على قول من يعرب اليوم من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ وأما من لم يعربه فيقولون: هذان اسمان جعلا اسمًا واحدًا بني على صيغة واحدة لزمان معين ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ واو استئناف، أي: لا ينكتم شيء مما (٥) يتحدثون فيما بينهم أو تحدث به أنفسهم.
﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ موضع الصلاة وهو (٦) المسجد- دون الدعاء والصلاة - المعهود؛ لأنه قال: ﴿إِلَّا (٧) عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ والعبور لا يتصور إلا في المسجد؛ فإن قيل عن أبي عبد الرحمن السلمي: إن عليًا وعبد الرحمن بن عوف كانا في دعوة رجل من الأنصار وأصابوا من الخمر وقدموا عليًا في صلاة المغرب وقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١] على غير ما أنزلت فنزلت الآية (٨)، قلنا: اعتبار عبور السبيل الذي نطق به الكتاب أولى
_________________
(١) في "ب": (- ﷺ -).
(٢) البخاري (٤٥٨٢، ٥٠٥٠، ٥٠٥٥).
(٣) (- ﷺ -) من "ب".
(٤) الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٢١) (٤٩٢) وفيه عبد الرحمن بن لبيبة لم أعرفه كما قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥). وأخرجه الطبري في تفسيره بدون الزيادة (٧/ ٤٠).
(٥) (مما) من "ب"، أما في البقية: (ما).
(٦) في "ي" والأصل: (وهي).
(٧) (إلا) ليست في "أ".
(٨) أخرجه أبو داود (٣٦٧١)، والترمذي (٣٠٢٦)، وابن جرير (٧/ ٤٦)، وابن أبي حاتم (٥٣٥٢)، وابن المنذر (١٧٩٨)، والحاكم (٢/ ٣٠٧)، والنحاس في ناسخه (٣٣٨) والحديث صحيح.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
من اعتبار حادثة علي، فإنْ قيل: لم لا تحملونه عليهما جميعًا (١)؟ قلنا (٢): لامتناع حمل اللفظ الواحد على الحقيقة والمجاز في حالة واحدة، فإنْ قيل: كيف حملتم قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] على العقد والوطء جميعًا، قلنا (٣): لأنه حقيقة فيهما كأسهم الإخوة في حجب الأم والمعنى المفسد عدم منه. ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الواو للحالى و(سكارى) جمع سكران، وقيل: الجمع سكرى، وسكارى جمع الجمع ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ يفيد القضاء عند الصحو ﴿وَلَا جُنُبًا إ﴾ أي: ولا مجنبين، و(الجنب): واحد وجمع إذا كان نعتًا لاسم، يقال: رجل جنب وامرأة جنب وقوم جنب، وإن أقمته مقام الاسم ثنيت وجمعت. وإنما استثنى ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ لضرورة، قال إبراهيم: هو أن لا يجد طريقًا غيره (٤)، وقيل: هو أن لا يصل إلى الماء الآية فيتيمم ويدخل ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ مقدم على الاستثناء في التقدير ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ بحال تخافون زيادة المرض باستعمال الماء. وقال ابن عباس: هو صاحب الجدري وصاحب القرحة.
﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إن كنتم مسافرين ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أي: رجع عن قضاء الحاجة. و(الغائط): اسم للمكان المنخفض (٥). و(اللمس): كناية عن الجماع؛ عن علي وابن عباس وأبي موسى الأشعري (٦)، ولأنّه لمس مطلق. والمراد بالماء: الماء الشرعي دون
_________________
(١) (جميعًا) ليست في "ب".
(٢) في "ب": (قلت).
(٣) في "ب": (قلت).
(٤) الطبري (٧/ ٥٨).
(٥) ولذا فَسَّر مجاهد "الغائط" بأنه الوادي. أخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٦٣).
(٦) أما عن علي فقد رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٦٦)، وابن جرير (٧/ ٦٧، ٦٨)، وابن المنذر (١٨٢٠). وأما عن ابن عباس فرواه عبد الرزاق في مصنفه (٥٠٦)، وسعيد بن منصور (٦٤٠ - تفسير)، وابن أبي شيبة (١/ ١٦٦)، وابن جرير (٧/ ٦٣ - ٦٧)، وابن المنذر في التفسير (١٨١٩)، وفي الأوسط (١/ ١١٦). وأما عن أبي موسى فلم أجده.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
اللغوي لجواز التيمم مع وجود الماء النجس، ولهذا جوزنا الوضوء بنبيذ التمر لأنه ماء شرعي (١)، وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ معطوف على المعنى المقدر لأن عدم الماء غير شرط في حق المريض. وقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ جواب للشرطين جميعًا، والتيمم: القصد، والقصد لا يتم إلا بالفعل، والفعل تيمم من غير حصول الانفعال، فلذلك اكتفينا بضرب اليدين من غير رفع الصعيد. و(الصعيد) وجه الأرض لقوله: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] و﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، و(الطيب): الطاهر. وإنما وصف نفسه بالعفو والغفران لأنه رفع الإصر ولم يؤاخذنا بما يشق علينا.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث ما في ضمنها من النهي عن موالاة اليهود والتحذير عنهم ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: أن تنسوا السبيل وتضيعوه.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ منكم فهؤلاء أعداؤكم وإن أظهروا مودة ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ خبر بمعنى الأمر وتقديره: اكتفوا باللهِ من ولي، و(الكافي): القائم بالحاجة، والباء في ﴿بِاللَّهِ﴾ دليل على ما النفي، وقيل: للتعجب والمبالغة و﴿وَلِيًّا﴾ نصب على الحال.
﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ يحتمل أن يكون ﴿مِنَ﴾ تفسيرًا، أو تبيينًا و﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾ ويحتمل أن تكون راجعة إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾، ويحتمل أن تكون متصلة بقوله: ﴿نَصِيرًا﴾ أي: ينصره منهم، ويحتمل أن تكون منقطعة مبتدأ تقديره (٢): من الذين هادوا من يحرفون الكلم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ [الصافات: ١٦٤] أي: إلا من له مقام معلوم (٣) ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا (٤)﴾ [مريم: ٧١] أي: يردها ولا يحسن إضمار (من) إلا في المبتدأ بمن ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ غير صاغر ولا مجبر على الاستماع؛ كأن
_________________
(١) هذا دليل على أن المؤلف ربما يخرج عن مذهبه الشافعي إلى مذهب الأحناف.
(٢) (مبتدأ تقديره) ليست في "ب".
(٣) (معلوم) ليست في "أ" "ب".
(٤) في "أ" "ب" "ي": (إلامن).
[ ٢ / ٥٩٧ ]
المؤمنين يريدون بهذا اللفظ هذا المعنى، وقيل: اسمع لا سمعت، وقيل: اسمع غير ممكّن من الاستماع وكأن المنافقين واليهود يريدون بهذا اللفظ أحد هذين المعنيين (١). ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ على أنه مفعول له أو على التفسير والطعن في الذين هو الطعن عليه وَعيبُه (٢)، وقوله: ﴿سَمِعْنَا﴾ وما بعده يدل على ما في قلبه ﴿وَانْظُرْنَا﴾ أي: انتظر وتأنّ بكلامك ﴿لَكَانَ﴾ هذا القول الثاني (٣) ﴿خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ أعدل وأقسط وأبعد عن الليّ ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ﴾ حرمهم التوفيق لمثل هذه المقالة المحمودة خبرًا لكفرهم أو أمره ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم ويحتمل ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٤) إيمانًا قليلًا، وذلك قولهم (٥): ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ نزلت في شأن اليهود (٦) ويحتمل العموم في أهل الكتاب وغيرهم بادروا وقت هذا الوعيد الكائن لا محالة، والوعيد أحد شيئين: إمّا طمس الوجوه وردها على أدبارها وإما اللعن، واختلف في الطمس والرد على الأدبار، قيل: محو آثار الوجوه من أصلها وصرف الأعين إلى الأقفية والمشي قهقرى؛ عن ابن عباس وابن جريج (٧)، وقيل: الطمس (٨) كختم القلوب وإغشاء الأسماع والأبصار وهو الخذلان،
_________________
(١) أي يقول اليهود عندما كانوا ينالون من نبينا محمد - ﷺ - ويسبونه كانوا يقولون له: اسمع لا سمعت، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس - ﵄ -. أخرجه عنه الطبري في تفسيره (٧/ ١٠٥).
(٢) (وعيبه) ليست في "ب".
(٣) (الثاني) ليست في "ب".
(٤) (إلا قليلًا) من الأصل فقط.
(٥) (قولهم) ليست في "ب".
(٦) ابن جرير (٧/ ١١٨)، وابن المنذر (١٨٤٧)، وابن أبي حاتم (٥٤١١)، والبيهقي في السنن (٢/ ٥٣٣، ٥٣٤).
(٧) أما عن ابن عباس فرواه ابن جرير (٧/ ١١٢)، وابن أبي حاتم (٥٤١٢،٥٤١٥) من طريق العوفي عنه. وأما عن ابن جريج فلم أجده.
(٨) في "ب": (الطمث).
[ ٢ / ٥٩٨ ]
والذهاب بالبركة والتوفيق. و(الرد على الأدبار): هو الحشر والإجلاء إلى الشام (١). وقيل: الطمس (٢) إنبات الشعر على الوجوه كإنباته على الأقفية وإليه ذهب الزجاج، وهذا الوعيد كائن لا محالة إما في الدنيا وإما في الآخرة. ولعن أصحاب السبت مسخهم ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: مأمور الله كقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] وفائدته على هذا الإخبار عن نفاذ القدرة في جميع المرادات، وقيل: المفعول الموعود (٣) وفائدته أن الله لا يخلف الميعاد.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ﴾ نزلت في وحشي قاتل حمزة (٤) وهي على العموم وتضمنت مغفرة من غير توبة لأنه نفي مغفرة الإشراك؛ وتضمنت مغفرة الكبائر. والإشراك بالله من وجهين: إثبات شيء لا ابتداء له مع الله تعالى (٥)، والثاني: إثبات مدبر منفرد بفعله دون الله. فالأول: إشراك الدهرية والثنوية، والثاني: إشراك عبدة الجن والإنس والملائكة والنجوم والأصنام.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ﴾ قيل في نزولها: أن اليهود حملوا أولادهم الأطفال إلى النبي - ﵇ - فقال - ﵇ - (٦): "ما عليهم ذنب" فقالوا: ما نحن إلا أمثال هؤلاء ما نعمله بالليل يغفر لنا بالنهار وما نفعله بالنهار يغفر لنا بالليل، فأنزل (٧). وقيل: سبب نزولها قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٨) [المائدة: ١٨] بأفوا ههم التراب، وقيل: إن
_________________
(١) ذكره الطبري (٧/ ١١٤)، وابن أبي حاتم (٥٤١٨).
(٢) في "ب": (الطمث).
(٣) في "أ": (للوعود).
(٤) لم أجد في أسباب نزول هذه الآية أنها نزلت في وحشي، وقد وردت آثار في أسباب نزولها غير الذي ذكره المصنف.
(٥) (تعالى) ليست في "ب".
(٦) (السلام) ليست في الأصل.
(٧) أورده الواحدي في أسباب النزول (١٤٨) من طريق الكلبي.
(٨) عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٦٤)، وعنه الطبري (٧/ ١٢٤)، وابن أبي حاتم (٥٤٣١).
[ ٢ / ٥٩٩ ]
بعضهم أثنى على بعض، والتزكية وضعه بالعدالة وبأنّه زكي، و(الفتيل) الوسخ الذي ينفتل بين الإصبعين؛ عن ابن عباس (١). وقيل: الفتيل: في شق النواة، والنقير: النقطة على ظهر النواة، والقطمير: القشر (٢) الرقيق على ظاهر النواة (٣).
﴿انْظُرْ﴾ إنما أمرنا (٤) بالنظر للتعجب، وموضع التعجب شدة وقاحتهم وغاية جهلهم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب قدما مكة فأتتها قريش وقالوا: أنتم أهل كتاب وعلم أخبرونا عنا وعن محمد - ﵇ - (٥)، قالا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: ديننا القديم ودينه الحديث؛ ونحن نسقي اللبن علي الماء ونصل الرحم ونسقي الحجيج ونفك العناة، ومحمد صُنبور (٦) قطع أرحامنا واتبعه سُرّاق الحجيج بنو غفار، فنحن أهدى أم هو أهدى (٧) وأصحابه؟ قالا: بل أنتم أهدى سبيلًا (٨)، وهما يعلمان أنهما يكذبان لا محالة لأنّهما كانا يريان (٩) محمدًا - ﵇ - يوحّد ويذكر اسم الله (١٠) على الذبيحة ويتوضأ (١١) ويغتسل ويذكر الأنبياء بخير ويؤمن بهم ويأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن
_________________
(١) ابن جرير (٧/ ١٣٠)، وابن المنذر (١٨٦٦)، وابن أبي حاتم (٥٤٣٤).
(٢) المثبت من الأصل، وفي البقية: (القش).
(٣) هو مروي عن ابن عباس كما في سعيد بن منصور (٦٥٠ - تفسير)، وابن المنذر (١٨٦١).
(٤) في "ي" "أ": (أمر).
(٥) (السلام) ليست في الأصل.
(٦) الصنبور: الرجل الفرد الضعيف لا أهل ولا عقب ولا ناصر له؛ أي أنه أبتر فإذا مات انقطع ذكره [التاج "صنبر"].
(٧) (أهدى) من الأصل فقط.
(٨) رواه ابن أبي حاتم (٥٤٤٠)، والطبراني في الكبير (١١٦٤٥)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ١٩٣)، وسنده صحيح وله شواهد.
(٩) في "ب": (يريدان).
(١٠) في "ب": (الله اسم).
(١١) كتبت في النسخ بعدة أشكال منها (ويتوضاء) (ويتوضى).
[ ٢ / ٦٠٠ ]
الزنا وعن جميع الفحشاء والمنكر والبغي، وهذا هو دين المرسلين، فأدّى بهما العدوان والخذلان إلى اختيار المشركين على المؤمنين، وروي أنهما سجدا لصنم قريش تقربًا إليهم واستمالة لقلوبهم (١).
و(الجبت): كل ما عبد من دون الله تعالى؛ عن ابن عرفة وأبي عبيد، وعن الشعبي: الجبت: الساحر (٢)، وقيل: السحر بلغة الحبشة يعني مشتركة بينهم وبين بعض العرب (٣)؛ وفي إحدى الروايتين الجبت: الأصنام (٤) ﴿وَالطَّاغُوتِ﴾ مترجم الأصنام، وفي الرواية الأخرى: الجبت: كعب بن الأشرف، والطاغوت: حيي بن أخطب (٥).
﴿أَمْ لَهُمْ﴾ متصلة معادلة لألف الاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ﴾ أنفسهم (٦) أو ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا﴾ وقيل: متعلقة بمعنى ألف الاستفهام.
و(إذًا) يوجب جواب شرط. و(النقير): أدنى ما يتعين بنقر الأصابع أو المنقار، والمعنى: أن الله تعالى وصفهم بغاية البخل.
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ قال ابن عباس: الناس محمدٌ -﵇- (٧) (٨). والفضل إباحة التزوج له بكم شاء من النساء (٩) (١٠). وآل إبراهيم:
_________________
(١) رواه الطبري بألفاظ مختلفة (٧/ ١٤٢)، والبزار (٢٢٩٣) وغيرهما.
(٢) الطبري (٤/ ١٣٢)، وابن أبي حاتم (٥٤٤٧).
(٣) هذا ورد عن ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة. وانظر الطبري (٤/ ٥٥٧ - ٥٥٨) (٧/ ١٣٧ - ١٣٨).
(٤) هذا مروي عن ابن عباس عند ابن جرير (٧/ ١٣٥)، وابن أبي حاتم (٥٤٤٦، ٥٤٥١).
(٥) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - والضحاك، رواه عنهما الطبري في تفسيره (٧/ ١٣٩)، وابن أبي حاتم (٥٤٥٠).
(٦) (أنفسهم) من "ب".
(٧) مروي عن طريق العوفي عن ابن عباس كما في الطبري (٧/ ١٥٤) وهو مروي عن عدّة من التابعين.
(٨) (السلام) ليست في "ي".
(٩) في "أ": (الناس).
(١٠) هو مروي من طريق العوفي عن ابن عباس عند الطبري (٧/ ١٥٦، ١٥٧)، وابن أبي حاتم (٥٤٦٥).
[ ٢ / ٦٠١ ]
سليمان -﵇- فالملك العظيم ملكه. وقال السدي (١) كذلك إلا أنه قال:
وآل إبراهيم داود -﵇- وملكه سليمان -﵇- وملكه. كان قد أبيح
لداود -﵇- (٢) تسع وتسعون امرأة مهرية وثلثمائة سرية، ولسليمان ثلثمائة
حرة وسبعمائة سرية، وقيل: إبراهيم وما آتاه الله تعالى (٣) في (٤) النساء.
وذلك أن اليهود عيّروا رسول الله - ﷺ - (٥) قالوا: لو كان نبيًا لشغله شأن
النبوة عن شأن النساء، فبيَّن الله تعالى حالة من مضى من الأنبياء حجة
لنبيّه -﵇-، وقال قتادة: ﴿النَّاسَ﴾ العرب (والفضل) النبوة (٦)، والوجه أنهم
حسدوهم وقالوا: هذا أمر لا يكون إلا في بني إسرائيل، فبين الله أنهم
وبنو إسرائيل شرع سواء لأنهم جميعًا من ابني إبراهيم: إسماعيل وإسحاق
فكانا اثنين آتاهما الله تعالى الكتاب والحكمة والملك، وقيل: ﴿النَّاسَ﴾
محمَّد وأصحابه (٧)، وعن الحسن: أن الملك العظيم النبوة (٨)، وقيل:
الإمداد بالملائكة.
الهاء في ﴿بِهِ﴾ و﴿عَنْهُ﴾ راجعة إلى النبي -﵇- (٩). وقيل: إبراهيم،
وقيل: إلى الخبر عن آل إبراهيم (١٠). ﴿سَعِيرًا﴾ لمن صد عنه.
_________________
(١) ابن جرير (٧/ ١٥٩)، وابن أبي حاتم (٥٤٧٢، ٥٤٧٧، ٥٤٨٠).
(٢) (-﵇-) ليست في "ب".
(٣) (تعالى) ليست في "ب".
(٤) المثبت من الأصل، وفي البقية: (هذه).
(٥) (- ﷺ -) من "أ"، وفي "ب": (النبي -﵇-).
(٦) ابن جرير (٧/ ١٥٥).
(٧) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ١١٠) وعزاه للماوردي.
(٨) لم أجده.
(٩) (السلام) ليست في "ي".
(١٠) أما أن الهاء عائدة إلى النبي فذكره عن مجاهد الطبري (٧/ ١٦١)، وابن المنذر (١٩٠٥)، وابن أبي حاتم (٥٤٨٤). وأما من قال هو إبراهيم فهو مذكور عن السدي، رواه ابن المنذر (١٩٠٦)، وابن أبي حاتم (٥٤٨٦، ٥٤٨٨). وأما عن آل إبراهيم فقد ذكر عن قتادة. رواه ابن المنذر (١٩٠٠).
[ ٢ / ٦٠٢ ]
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ الانطباخ والانشواء وهو غاية استرخاء التأليف بالحرارة ﴿بَدَّلْنَاهُمْ﴾ غيرها. والعذاب للنفوس دون الجلود إذ لا حياة في الجلود وإن كانت من جوهر النفوس، وقيل: أن يجدد جلودهم (١) النضيجة وهي أجسادهم، ويجوز (٢) إطلاق اسم الغير عند (٣) الانقلاب كقوله ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] يعني: غيره، وقيل في تفسير قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]: إنما هي (٤) هذه الأرض ولكنها تقلب ظهرًا عن بطن.
و(الظل الظليل): هو الظل الذي يستطاب ويستظل به. قال الله تعالى في هذه: ﴿إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣١] والمراد بالظل الظليل جميع أنواع السلامة عن الحرّ والبرد وغيرها في حمى الله وكنفه.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ عامة في الظاهر يدخل (٥) كل أمانة من كلام أو مال ويدخل (٥) فيه ما كان عند أهل الكتاب من نعت نبينا -﵇- (٦)، ويدخل فيه ما ائتمن الله الأئمة فيه من العهد، وروي أن النبي -﵇- أخذ مفتاح الكعبة حرسها الله يوم الفتح من عثمان بن طلحة وجه بني عبد الدار وكانت الحجابة فيهم. فقال عثمان: خذ بأمانة الله، ثم إن عباسًا أحب أن يدفع رسول الله - ﷺ - (٧) المفتاح إليه لينضم له فضيلة الحجابة إلى فضيلة السقاية، فتلا رسول الله الآية ورد المفتاح إلى عثمان، وقيل: أنها نزلت حينئذ ثم إن عثمان بن طلحة دفعه بعد ذلك إلى أخيه شيبة وهو في بيته اليوم (٨).
_________________
(١) في الأصل: (جلود).
(٢) في "ب" "ي": (فيجوز).
(٣) في "أ": (عنه).
(٤) (هي) ليست في "ب".
(٥) في "ب": (تدخل).
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) (- ﷺ -) من "ب" فقط.
(٨) ذكره ابن مردويه من طريق الكلبي. وانظر: لباب النقول للسيوطي (٧١)، تفسير ابن كثير في تعليقه على الآية، وعن الثعلبي كذلك ذكره ابن حجر في العجاب (٢/ ٨٩٣)، وذكره عن ابن جريج ابن جرير (٧/ ١٧٠، ١٧١)، وابن المنذر (١٩٢٠).
[ ٢ / ٦٠٣ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ طاعة الله (١) فريضة وطاعة رسُوله واجبة وطاعة أولي الأمر في طاعة الله فريضة. فريضة حتمًا وفي سائر المصالح حسنة مندوبٌ إليها، ولو كان حتمًا لما أمر برد المتنازع فيه إلى الله ورسوله، وينهى عن التنازع أصلًا، و(أولو الأمر) منا الولاة من مذهبنا وديننا الذين عقيدتهم ظاهرة وملتهم ظاهرة وبيعتهم سابقة، والمتنازع فيه ما اختلف فيه أهل الرأي والاجتهاد من الفروع دون الأصول، والردّ إلى الله وإلى الرسول، وقيل: رفعه إلى رسوله وانتظار نزول القرآن وهذا كان مختصًا بالصحابة، كانوا إذا رأوا من أمير السرايا شيئًا ينكرونه ذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - بعد رجوعهم.
والثاني بجعل المنصموص عليه بالسنة والكتاب أصلًا ويستنبط علة إن أمكن ثم يرد المتنازع فيه إلى ذلك الأصل بتلك العلة. والمنصوصان لغرض التعليل كالجمع (٢) بين الأختين في الكتاب والتفاضل في الأشياء الستة في الحديث، إلا ما نهى الله (٣) عن تعليله كقضاء الحائض صومها دون صلاتها، وهذا الوجه وجد بين جماعة من الصحابة وبين عمر في ولايته فمرّة رجعوا إلى قوله، ومرة رجع إلى قولهم، وكذلك وجد في ولاية عثمان وعلي.
والثالث أن (٤) ترجي أمر المتنازع فيه إلى الله إذا تجاذب الأصلان ولم يكن ترجيح لأحدهما فحينئذ يجعل حكم المتنازع فيه موقوفًا.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ نزلت في المنافقين (٥). ﴿الطَّاغُوتِ﴾
_________________
(١) (الله) ليست في "ب".
(٢) في الأصل: (كان الجمع).
(٣) (الله) ليست في "ي".
(٤) (أن) من "ي".
(٥) رواه ابن جرير في تفسيره (٧/ ١٨٩)، والواحدي في أسباب النزول (ص ١١٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٧٨) إلى ابن المنذر عن عامر بن شراحيل الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود وبين رجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين؛ لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة، فأنزل الله -﷿- فيه هذه الآية.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب عن ابن عباس (١)، وقال مجاهد وقتادة والسدي (٢): ﴿الطَّاغُوتِ﴾ هاهنا أبو بُردة الأسلمي الكاهن.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ في صفة هؤلاء المنافقين أيضًا: روي أن يهوديًا ومنافقًا يسمى بشر اختصما فيما بينهما فقال اليهودي: بيننا أبو القاسم، فرافعه إلى النبي -﵇- (٣) وكان الحق بيد اليهودي في تلك الخصومة فحكم على بشر المنافق، فلما خرجا من عنده لم يرض المنافق بذلك الحكم ورافع اليهودي إلى أبي بكر الصدِّيق فحكم لليهودي أيضًا فلم يرض المنافق بذلك ورافعه إلى عمر، فلما أتياه قال المنافق: حكم بيني وبينه رسول الله - ﷺ - وأبو بكر فلم أرض بحكمهما ورضيت بحكمك الساعة قال: رضيت بحكمي؟ قال: نعم، فدخل بيته ثم خرج شاهرًا سيفه وضرب رقبة المنافق (٤).
﴿مُصِيبَةٌ﴾ أحد شيئين: إما نزول ما يفضحهم من القرآن، وإما قتل عمر بشر المنافق. ﴿بِاللَّهِ﴾ يجوز أن يكون متصلًا بيحلفون على أنه محلوف به، ويجوز أن يكون حكايته حلفهم إذ الحلف في معنى القول ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ للأمر وتوفيقًا بين حكمك وحكم غيرك، ويحتمل ما أردنا بتوسط غيرك إلا الصلح دون مُر الحكم الذي هو من قضية الديانة والتسليم له.
_________________
(١) ورد عند ابن جرير (٧/ ١٩٣)، وابن أبي حاتم (٥٤٥٠، ٥٥٥٢) من طريق العوفي وفيه (كعب بن الأشرف فقط).
(٢) أما عن مجاهد فورد بالتلميح وليس بالتصريح في رواية لابن المنذر (١٩٤٦). وأما عن قتادة فرواه الطبري (٧/ ١٩١). وأما عن السدي فرواه الطبري (٧/ ١٩٢).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) عزاه السيوطي في الدر (٤/ ٥١٨ - ٥١٩)، وابن حجر في العجاب (٢/ ٣٠٩)، وفي تخريج أحاديث الكشاف الزيلعي (١/ ٣٣٠) للثعلبي، وهو من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهو ضعيف.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
﴿يَعْلَمُ الله مَا في قُلُوبِهِمْ﴾ إنما أبهم لأنه إن كان نفاقًا فإظهاره (١) يوجب القتل وفيه عنف ومضايقة، وإن كان إيمانًا فإظهاره (٢) يوجب قبول العذر ورفع الملام ففيه نوع إخلال بالسياسة، فلذلك أبهم إن شاء الله وردّ حكمهم إلى الإنذار والوعظ ﴿فَأَعْرِضْ﴾ عن عقوبتهم أو عن قبول عذرهم، و(وعظهم) هو لومهم على الفعل المذموم وحثهم على الفعل المحمود. والقول البليغ في أنفسهم تهديدهم بالقتل وسائر العقوبات إن رجعوا إلى مثل فعلهم ليبلغ ذلك القول في نفوسهم كل مبلغ من الإنذار والزجر.
﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ أي: إلا يستحق الطاعة، وكذلك قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وتقول المرأة لابنها: لم ألدك إلا لتكبر فتبرَّ بي ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ بأمره وحكمه ﴿وَلَوْ﴾ تدخل على الأفعال وإنما وليتها هاهنا أنّ المشددة لأنها تنوب عن الاسم والخبر، تقول: ظننت أنك عالم، أي: ظننتك عالمًا. والكناية منهم (٣) راجعة إلى المنافقين وإلى أوليائهم. و﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ ظرف والعامل فيه ﴿جَاءُوكَ﴾ أي: أتوك تائبين ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ﴾ لذنوبهم ﴿لَوَجَدُوا اللهَ﴾ أي: لأقبل الله عليهم بالتوبة والرحمة.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ نزلت في خصم الزبير بن العوام من الأنصار كانت بينهما خصومة في شرج من شراج المدينة فاختصما إلى النبي -﵇- فقال: "يا زبير اسق أرضك ثم أرسل إلى جارك" وأوصاه بالمعروف، فلم يرض الخصم بذلك وقال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟! فغضب رسول الله - ﷺ - (٤) وأمر الزبير باستيفاء حقه واستيعابه غاية الاستيعاب على سبيل المضايقة وقال للزبير: "أمسك الماء حتى يبلغ الجدر" فأنزل الله الآية (٥). ﴿فَلَا﴾ نفي لكلام الخصم، أي: ليس كما يزعم، ثم ابتداء القسم
_________________
(١) في الجميع: (ظهره)، والمثبت من "ي".
(٢) في "ب": (فإظهار).
(٣) في "ب": (هم)، وفي "ي": (في هم).
(٤) (ﷺ) من "ب".
(٥) البخاري (٢٣٥٩، ٢٣٦٠)، ومسلم (٢٣٥٧).
[ ٢ / ٦٠٦ ]
وهذا قوله ﴿فَلَا﴾ أقسم ولو أنه لتأكيد (١) النفي المتأخر عن القسم على سبيل التكرار كما تقول والله لا أفعل كذا. ﴿وَرَبِّكَ﴾ قسم ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يكونون مخلصين في الإيمان ﴿حَتَّى﴾ إلى أن يتحاكموا إليك ويرجعوا إلى قولك فيما التبس واختلط عليهم من الأمر بسبب الشجر، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا﴾ معطوفة على ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾، و(الحرج) الضيق ولذلك سمي موضع الشجر الملتف حرجًا ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ويفوضوا الأمر إليك تفويضًا.
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ قيل: لما رجع الزبير وخصمه حاطب ابن أبي بلتعة من عند رسول الله - ﷺ - (٢) مرّ خصمه على المقداد وقيل: على ثابت بن قيس وعنده يهودي فقال: لمن كان القضاء؟ قال: لابن عمته ولوى شدقه، ففطن اليهودي بذلك فقال (٣): قاتل الله هؤلاء يزعمون أنّ محمدًا نبي ثم يتهمونه في حكمه ولا يرضون به، فقال المقداد أو ثابت: والله لو أمرني محمَّد أن أقتل نفسي لقتلت، ولو أمرني أن أخرج من (٤) مالي لخرجت، فأنزل الله الآية (٥). ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ هذا القليل عمار وابن مسعود (٦)، ﴿مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ ما يؤمرون به من أمر، وإنما قال: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لأنه مشقة يوجب راحة دائمة فهو خير من لذة عاجلة تؤدي إلى العقاب، ﴿وَأَشَدَّ﴾
_________________
(١) في الأصل: (للتأكيد).
(٢) (ﷺ) من "ب".
(٣) في "ي" "ب": (وقال).
(٤) في "ب": (عن).
(٥) هذه الرواية لم أجدها بهذا السياق ولكني وجدت التالي: - أما مخاصمة الزبير وحاطب فرواها ابن أبي حاتم (٥٥٥٩). - ومن قوله: (مرّ خصمه على المقداد) إلى قوله: (ولا يرضون به) فعزاه ابن حجر في العجاب (٢/ ٩٠٧) للثعلبي. - ومن قوله: (فقال المقداد أو ثابت) إلى نهاية القول. فهو عند الطبري (٧/ ٢٠٦، ٢٠٧)، وابن أبي حاتم (٥٥٦٨) عن ثابت بن شماس.
(٦) عزاه لهما مقاتل في تفسيره (١/ ٢٠٥) وقيل: لما نزلت الآية قال رجل: لو أُمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافنا فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: "إن من أمتي لرجالًا، الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" أخرجه ابن جرير (٧/ ٢٠٧).
[ ٢ / ٦٠٧ ]
﴿تَثْبِيتًا﴾ أىِ: أثبت ثباتًاَ وهو في معنى قوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الشورى: ٣٦].
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ نزلت في ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - (١)، وكان شديد الحب لرسول الله قليل الصبر عنه، فقال: يا رسول الله إني أخاف أن لا ألقاك في الآخرة فإنك ترفع إلى الرفيق الأعلى (٢)، وعن مقاتل: نزلت في عبد الله بن زيد الأنصاري صاحب الأذان (٣)، وقيل: نزلت في جماعة من الصحابة (٤)، وهي على العموم في الظاهر.
و(الصدِّيق): فعيل من الصدق وهي لأقصى غاية المبالغة في الوصف بالصدق أو التصديق، والصديق "المجمع عليه أبو بكر، و(الشهداء) الأئمة الذين يشهدون [على قومهم أو المقتولون في سبيل الله وأنهم سموا شهداء لأنهم يتبعون وما يشهدون] (٥) الأنبياء على مخالفتهم أو لأنهم يحضرون حظيرة القدس قبل يوم القيامة، ويحتمل أن المراد بالشهداء الأشهاد، وبالشهيد الشاهد، وإنما سمي شاهدًا لأنه شهد ما يشهده النبي -﵇- من
_________________
(١) (ﷺ) من "أ" "ب".
(٢) رواه الطبراني في الأوسط (٤٧٧)، وفي الصغير (١/ ٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٢٥) عن عائشة وفي روايتها رجلًا من الأنصار. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٧): رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة. ورواه ابن عباس من طريق الطبراني في الكبير (١٢٥٥٩)، وقال في المجمع (٧/ ٧) فيه عطاء بن السائب وقد اختلط. وله شواهد مراسيل عن سعيد بن جبير والشعبي وغيرهما، ولم يذكروا ثوبان، وقد جاء اسمه في رواية الثعلبي كما عند الواحدي في أسباب النزول (١٥٨) من طريق الكلبي.
(٣) ذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره (١/ ٢٥٠ - ٢٥١).
(٤) ورد ذلك عن مسروق عند ابن جرير (٧/ ٢١٤)، وابن أبي حاتم (٥٥٧٧) (قال أصحاب محمَّد ). وفي رواية قتادة عند ابن جرير (٧/ ٢١٤)، وابن المنذر (١٩٧٥) (ذكر لنا أن رجالًا ). وفي رواية السدي التي رواها ابن جرير (٧/ ٢١٥) (ناس من الأنصار).
(٥) ما بين [] ليست في الأصل.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
علم الغيب دون سائر الناس، هاما من طريق المشاركة مثل هارون -﵇- (١)، وإما من طريق المتابعة مثل السبعين، وإنما قدم النبي لأن اسم النبي مختص بالداعي الموحى إليه فكان لاختصاصه أشرف، والصديق يستجمع معنى الشهادة كلها لصدقه، ثم يزيد صدقًا في سائر المعاني من استواء ظاهره وباطنه، فلزيادته كان أشرف، والشهيد كان أخص من الصالح (٢)؛ لأن كل مسلم صالح إذا حافظ على الشريعة سواء كان من أهل المشاهدة أو لم يكن.
﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ﴾ ما أحسن أولئك وأحسن بأولئك (٣)، ﴿رَفِيقًا﴾ مرافقة.
﴿ذَلِكَ﴾ يعني إدخال الجنة فضلًا لأنه بفضله جعلها موعودة، فلولا فضله ووعده لما كانت الجنة مستحقة ولكان يكفي المحسن أن لا يعاقب بعقوبة المفسد، ﴿عَلِيمًا﴾ أي من عليم يعلم المطيع وغيره.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اتصالها بما قبلها من حيث أنه لما رغبهم غاية الترغيب اتبعه بما تكرهه النفوس ليهون عليهم ذلك في مقابلة ما رغّبهم فيه، ﴿حِذْرَكُمْ﴾ الحذر السلاح والعدة. وقيل: الحَذر والحِذر (٤).
﴿فَانْفِرُوا﴾ فأخرجوا النفر، والنفور: الخروج في وجه العدو، والنفور: التباعد، والنفار: التجافي، ﴿ثُبَاتٍ﴾ جمع ثبة وهي السرية
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في "أ": (المصالح).
(٣) أي أنهما صيغتا تعجب. وقد حمل الزمخشري الآية على أنها صيغة تعجب ولذا قُرِىءَ "وحَسْنَ" بسكون السين وهي قراءة أبي السمَّال مثل عَضْد وعَضُد وهي لغة تميم. [الكشاف (١/ ٥٤٠)، البحر (٣/ ٢٨٩)، الشواذ (٢٧)].
(٤) الحَذَر والحِذْر: لغتان بمعنى واحد لكن قد يستعمل أحدهما في موضع ما لا يستعمل فيه الآخر فتقول: خُذْ حِذْرك بالكسر ولا يجوز فتح الأول والثاني. قاله السمين الحلبي (٤/ ٢٧).
[ ٢ / ٦٠٩ ]
والعصبة وجمعها ثبات وثبون (١)، فالله تعالى يقول: اخرجوا سرايا أو جندًا مجندًا على حسب الإمكان وموافقة للحال (٢).
﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ نزلت في المنافقين (٣) المتثاقلين عن الخروج المتربصين بالمؤمنين ﴿لَمَن﴾ اللام هي التي في قولك إنه ليفعل وإنه لفاعل، فلما قام الاسم مقام الخبر اكتسى بتلك اللام والسلام في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ اللام (٤) لام القسم (٥) فكأنه قال: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ﴾ والله ليبطئن وهي تدخل على صلة المنقوصات والنكرات (٦)، وإنما قال (منكم) لأنهم كانوا في الظاهر من جملة المؤمنين أو من أهل المدينة، والبطء: ضد السرعة، والإبطاء ضد الإسراع. أو (٧) لقوله ليبطئن وجهان؛ أحدهما: ليبطئن بالتخفيف (٨)، وإنما شدد للمبالغة.
والثاني: ليبطئن غيره من الخروج كما أخبر عنهم بقوله: ﴿وَقَالُواْ لَا
_________________
(١) وزنها في الأصل فُعَلَة كَحُطَمَة، وإنما حذفت لامها وعوض عنها لام التأنيث لأنها مشتقة من ثبا يثبو كخلا يخلو. وقيل: لأنها مشتقة من ثبيتُ على الرجل إذا أثنيتُ عليه كأنك جمعت محاسنه. والثُّبَة: الجماعة من الرجال وتُصَغَّر على ثُبَيَّة. [الدر المصون (٤/ ٢٨)، البحر (٣/ ٣٩٠)].
(٢) في "ب": (الحال).
(٣) روي ذلك عن مجاهد. أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٢٢٠)، وابن أبي حاتم (٥٥٨٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٨٣) إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وقد قال المنافقون ذلك يوم أُحُد لتثبيط المسلمين عن الجهاد.
(٤) (اللام) من "ب" فقط.
(٥) في "ب": (قسم).
(٦) التفريق بين اللامين لام "لَمَن" ولام "لَيُبَطَّئَنَّ" ذكرهما ابن جرير في تفسيره، واللام في "ليبطئن" يجوز أن تكون جوابًا لقسم محذوف -كما ذكره المؤلف- والقسم وجوابه صلة لـ"مِنْ" أو صفة لها والعائد الضمير المرفوع بـ"ليبطئن" والتقدير: وإن منكم للذي والله ليبطئن. ويجوز كما نقله ابن عطية عن بعض النحاة أنها لام التأكيد بعد تأكيد. [الطبري (٧/ ٢٢١)، المحرر (٤/ ١٧٣)، البحر (٣/ ٢٩١)، الدر المصون (٤/ ٢٩)].
(٧) في "أ" "ب": (واو) بدل (أو).
(٨) قراءة التخفيف هي قراءة مجاهد. [الشواذ ص ٢٧].
[ ٢ / ٦١٠ ]
تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١] ﴿مُصِيبَةٌ﴾ نكبة (١) ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي: شمت بالمؤمنين ويعدّ تخلفه عن موجب الإجزاء والشهادة نعمة ولم يعلم أنه خذلان وخسران، وذلك لفساد اعتقاده وإنكاره الدار الآخرة.
﴿فَضْلٌ﴾ ظفر وغنيمة، وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ عارض (٢)، والتقدير: ليقولن يا ليتني، ثم العارض يجوز أن يكون في موضعه لأن الحبيب يفرح بغنيمة الحبيب ولا يتمنى مشاركته على سبيل المزاحمة، ويحتمل أنه راجع إلى قوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾. و(يا): حرف نداء، والتقدير: يا قوم (ليتني كنت معهم فأفوز) نصب لأنه جواب (٣) التمني (٤).
﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ المؤمنون، والشري: بمعنى البيع. ويحتمل أنهم المنافقون، فيكون الشراء بمعنى الاشتراء
_________________
(١) (نكبة) ليست في الأصل.
(٢) واعتراض الجملة: قيل إنها معترضة بين جملة الشرط التي هي "فإن أصابتكم" وبين جملة القسم التي هي "ولئنْ أصابتكم" فأخرت الجملة المعترضة والنية بها التوسط. وهذا قول الزجاج ولعل هذا -كما قاله السمين الحلبي- من الزجاج تفسير معنى لا إعراب. وقيل: الجملة معترضة بين القول ومفعوله وهو قول الزمخشري. وقال أبو علي الفارسي: هذه الجملة من قول المنافقين للذين أقعدوهم عن الجهاد وخرجوا هم: (كأن لم تكن بينكم وبينه -أي وبين الرسول -﵇- مودة) فيخرجكم معه لتأخذوا من الغنيمة ليُبْغِضُوا بذلك الرسول إليهم. فأعاد الضمير في "بينه" على النبي -﵇- وتبع الفارسي في ذلك مقاتلًا. [معاني القرآن للزجاج (٢/ ٨٠)، الكشاف (١/ ٥٤١)، المحر (٤/ ١٧٤)، الدر المصون (٤/ ٣٢)].
(٣) في الأصل: (جواز).
(٤) هذا قول الجمهور أنه منصوب جوابًا للتمني، والكوفيون يزعمون نصبه بالخلاف، والجرمي يزعم نصبه بنفس الفاء. والأظهر من هذه الأقوال قول الجمهور؛ لأن الفاء تعطف هذا المصدر المؤول من "أن" والفعل على مصدر متوهم ويكون التقدير: يا ليت لي كونًا معهم. [الإنصاف (١/ ٥٥٧)، البحر (٣/ ٢٩٢)، الدر المصون (٤/ ٣٥)].
[ ٢ / ٦١١ ]
والتفسير هو الأول، وإنما قال ليقتل أو يغلب لينبه على الثواب والأجر العظيم في الوجهين، إذ كل واحد منهما إحدى الحسنيين.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، أي: وفي سبيل المستضعفين، وسبيلهم: نُصْرتهم وهم قوم لم يقدروا على الهجرة وبقوا بمكة مفتونين مستضعفين. ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ جمع ولد ﴿الْقَرْيَةِ﴾ مكة و﴿الظَّالِمِ﴾ صفة أهلها، ثم الصفة والموصوف جملة صفة للقرية فلذلك أنجز الظالم، وإنما لم يقل الظالمين لأنها صفة تشبه الفعل من حيث تقدمت على الاسم، فكأنه قيل: من هذه القرية التي ظلم أهلها و﴿أَهْلُهَا﴾ ابتدأ في اللفظ وفاعل في المعنى، قال الفراء: وفي المصحف ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء:١١].
﴿وَاجْعَلْ﴾ وابعث، قيل: استجاب الله دعاءهم فبعث الله نبيه منتصرًا لهم، وما مَرَّ عليهم عتاب بن أسيد إلا لينتصف من الظالم للمظلوم.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه تحريض للمؤمنين وتشجيع لهم. و(الكيد) ما يكره الخصم من الحيلة، وإنما قال: ﴿ضَعِيفًا﴾ لأنه يجمع أولياءه بالغرور ولا يواليهم حقيقة الموالاة، ثم يتبرأ منهم سريعًا وينكص على عقبيه.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ قيل: نزلت في عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون كانوا يستأذنون رسول الله - ﷺ - (١) في قتال قريش قبل الهجرة وقبل نزول آية السيف، وكان رسول الله - ﷺ - يقول لهم: "كفوا أيديكم" (٢) ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ كرهه فريق منهم وهو طلحة بن عبيد الله وقال ما قال،
_________________
(١) (ﷺ) من "ب".
(٢) هذه رواية مقاتل بن سليمان في تفسيره (١/ ٢٥٢)، ويشهد لها رواية عند النسائي (٣٠٨٦)، وابن جرير (٧/ ٢٣١)، وابن أبي حاتم (٥٦٣٠)، والحاكم (٢/ ٦٦، ٦٧، ٣٠٧)، والبيهقي في سننه (٩/ ١١) وهي صحيحة، وفيها ذكر عبد الرحمن بن عوف وأصحابه. وكذلك هناك رواية مرسلة عن قتادة رواها ابن جرير (٧/ ٢٣٢)، وابن المنذر (٢٠٠٧) فيها ذكر عبد الرحمن بن عوف فقط.
[ ٢ / ٦١٢ ]
فأنزل الله الآية (١)، وقال مجاهد: نزلت في اليهود (٢)؛ وذلك أن موسى -﵇- (٣) كان يأمرهم بالصبر وهم يريدون القتال، فلما كتب عليهم القتال وهم في التيه قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، وقيل: نزلت في قوم منافقين (٤)، و(الكف): الإمساك والحبس. و(لما): ظرف زمان (٥)، والعامل فيه (٦) فجاءة (٧) الفريق الخشية. و﴿إِذَا﴾ للتوقيت إن اتصلت بالفعل، وإن اتصلت بالاسم أفادت الفجاءة ﴿يَخْشَوْنَ﴾ في معنى الحال وتقديره: فلما كتب عليهم القتال فجىء فريق منهم خاشين، والمراد بخشيتهم من الناس الجبن دون الاعتقاد والحزم. ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: مثل خشيتهم من الله ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ أي: وأشد، وإنما جاز الوصف بالخشية الممثلة دون الأشد لأن الأقل داخل في الأكثر، وقيل: أو هاهنا للإبهام (٨) كأنهم (٩) موصوفون بإحدى الخشيتين لا بعينها (١٠). وقوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ إن كان إخبارًا عن المؤمنين (١١) فهو سؤال بمعنى
_________________
(١) ذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره (١/ ٢٥٢) في نفس الرواية السابقة.
(٢) ابن جرير (٧/ ٢٣٣)، وابن المنذر (٢٠٠٦)، وابن أبي حاتم (٥٦١٩).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) ذكرهم ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ١٣٤)، والقرطبي (٥/ ٣٨١) دون نسبة لأحد.
(٥) تقدم الحديث على "لما" وأنها حرف وجوب لوجوب عند سيبويه وظرف زمان بمعنى حين عند أبي علي الفارسي وأن الأقرب هو قول سيبويه؛ لأنها أجيبت بإذا الفجائية وأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها فأغنى عن إعادته. انظر الآية (١٧) من سورة البقرة.
(٦) (فيه) ليست في "ب".
(٧) في الأصل و"ي": (فجاه).
(٨) في "ب": (للأوهام).
(٩) في الأصل: (كانوا).
(١٠) الأظهر هنا أن "أو" للتنويع والتقدير: أن منهم من يخشاهم كخشية الله، ومنهم من يخشاهم أشد خشية من خشية الله. وقد تقدم مثلها في سورة البقرة الآية (٢٠٠) في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].
(١١) استنكر القرطبي (٥/ ٣٨١) أن يكون هذا كلام الصحابة فقال: (ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرًا من المقام في الدار العاجلة، على ما هو معروف من سيرتهم - ﵃ -) أهـ.
[ ٢ / ٦١٣ ]
الاسترشاد، وإلا فهو بمعنى الإنكار ﴿لَوْلَا﴾ هلا ﴿أَخَّرْتَنَا﴾ على وجه الطلب. وذلك أنه لما لزمهم فرض الجهاد وخافوا (١) القتل وطلبوا التأخير إلى أجل قريب للتخلص في الحال، كما نقول للمطالب: (خلني ساعة) وفي قوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ تزهيد لهم في الدنيا، وقوله (٢): ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ترغيب في (٣) الآخرة.
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ نزلت في المنافقين الذين قالوا لإخوانهم ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]. ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ﴾ تأكيد للشرط وتقديره: أينما تكونوا ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ يدرككم الموت، وواحد البروج: برج، وهو القصر المرتفع سُمي برجًا لظهوره، وقيل (٤): ومنه سمي الكواكب بروجًا، وتشييد (٥) البنيان تكرار الفعل في رفعه وأحكامه ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ إخبار عن بعض المنافقين تشاءموا بالنبي -﵇- وقالوا: نقص بقدومه غلاتنا وغلت أسعارنا (٦)، وهو قريب من قصة آل فرعون ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] الآية، و(الفقه): إدراك العلم بالفهم، فَقِهَ إذا فهم، وفَقُهَ إذا صار فقيهًا.
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ ليس بين الآيتين تضاد (٧) لأنه تعالى قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ ولم يقل: ما أصابهم من حسنة. ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ وما أصابهم من سيئة ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ولو كان (٨) قال هكذا يحملنا الأول على الحكاية
_________________
(١) في "أ" "ي": (خافوا) بدون واو.
(٢) (وقوله) ليست في "ب".
(٣) في "ب": (إلي).
(٤) في "أ" "ي" والأصل: (قيل) بدون واو.
(٥) أصلها (الشيد) بكسر الشين وهو كل ما طلي به الحائط من جص أو بلاط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] والمشدد لتكثير الفعل. هذا قول والآخر أن المشيّد هو المرتفع المطوّل، والمشيد هو المطلي بالشيد، انظر القرطبي (٥/ ٣٨٣).
(٦) انظر القرطبي (٥/ ٢٨٤).
(٧) في "ي" "أ": (تضاد)، وفي الأصل: (تضاده).
(٨) (كان) ليست في "ب".
[ ٢ / ٦١٤ ]
والثاني على الاستفهام (١) بمعنى الإنكار وهذه في معنى (٢) قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] أي: النعم مبتداة من الله تعالى قبل الاستحقاق والاستيهال، والحوادث إنما يقضى بها لا نسبتها لنا إياها بكونها محلًا لها ولاستباحتنا (٣) إياها بارتكاب الجرائم وإنما قال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ لأن قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ شهادة.
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ طاعة الائتمار بأمره والانتهاء إلى قوله دون منه أوانه في فعله، وليس يطيع الرسول من ينكر نسخ القرآن بالسنة، وإنما كانت طاعته طاعة الله تعالى لأنه -﵇- لم ينطق عن الهوى ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ أي: لم نبعثك جبارًا عليهم لتحفظهم عن التولي بالخبر، قيل: وهذا منسوخ بآية السيف، لم نبعثك رقيبًا عليهم لتحفظهم في السر والعلانية.
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ نزلت في المنافقين، و(طاعة) خبر مبتدأ محذوف. ﴿يُبَيِّتُونَ﴾ والتبييت إذا وقع على المعاني وهو التفكير بالليل وإذا وقع على الذوات فهو مكرها بالليل. قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ١٠٨] وقال: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] وهو واقع هاهنا على غير قولهم وهي قرينة من قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤]. ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ (٤) في اللوح المحفوظ، وقيل: كُتَّابه الحفظة ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: الهُ عنهم ولا يهمنّك أمرهم ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فيما يريدون بك وفي جميع أمورك.
_________________
(١) ورد عن ابن عباس - ﵄ - في تفسير هذه الآية أن الحسنة: هو ما فتح الله عليه يوم بدر وما أصابه من الغنيمة والفتح. والسيئة: هو ما أصابه يوم أُحُد أن شُجَّ في وجهه، وكسرت رباعيته. أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٢٤٢)، وابن أبي حاتم (٥٦٥٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٨٥) إلى ابن المنذر.
(٢) في "ب": (وهذهِ بمعنى).
(٣) في جميع النسخ: (ولاستجابنا)، والمثبت من الأصل.
(٤) (ما يبيتون) من "ب".
[ ٢ / ٦١٥ ]
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ والمراد بالاستفهام حثّهم على التدبر (١)، والتقدير: ليتدبروا في القرآن. والتدبُّر هو التأمل في عواقب الأمور وأدبارها وتصرف الرأي في مفهومها ومعقولها وكأن التدبر (٢) إبدال لهم عن تبييتهم الفاسد، ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ أي: القرآن من عند جني أو إنسي كما ظن بعضهم ﴿اخْتِلَافًا﴾ أخبارًا غير موافقة للخبر عنها في الإخبار عن الماضي والإخبار عما في ضمائرهم وعما سيكون كما يجدونه في كتب النساب والمؤرخين، وفي أحكام الكهنة والمنجمين وقيل: لوجدوا فيه تناقضًا كثيرًا كما يجدونه في كلام مطنب متفنن وضّاع قد اختلفت به الأحوال مع مباينة أجناس المخاطبين، والكلام المختلف هو المتناقض الذي لا يمكن توفيقه دون ما اختلف فيه، فإن الكتب المنزلة كلها مختلف فيها.
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ جاء في سفهاء المؤمنين والمنافقين (٣) والغاغة منهم، وإنما رتبه على التي تقدمت وهي في ذوي الرأي من المنافقين؛ لأن بعضهم كان من بعض، فقوله (أمر) أي نبأ وخبر من الأمن من الأعداء ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ منهم، أذاعوه: أفشوه، ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ أمراء السرايا (٤)، وقيل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - ﵃ - (٥)، وقيل: أولو العلم والبصَارة (٦)، ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ يستخرجونه، وإنباط الماء استخراجه (٧)، وسمي
_________________
(١) المثبت من "ب"، وفي جميع النسخ: (التدبر).
(٢) المثبت من "ب"، وفي جميع النسخ: (التدبر).
(٣) وهي الطائفة المُبَيِّتَة إما ضعاف النفوس من المسلمين أو المنافقون كما روي ذلك عن ابن جريج وابن زيد والضحاك، رواه عنهم ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٢٥٤).
(٤) هذا مروي عن ابن زيد ومقاتل كما في زاد المسير (٢/ ١٤٧)، وهو في القرطبي (٥/ ٢٩١) دون نسبة.
(٥) هذا مذكور عن ابن عباس كما في "زاد المسير" (٢/ ١٤٧) وفيه (مثل أبي بكر إلخ).
(٦) ورد عن الحسن وقتادة كما في "زاد المسير" (٢/ ١٤٧) ولفظه (العلماء)، وفي القرطبي (٥/ ٢٩١)، ولفظه (أهل العلم والفقه).
(٧) الاستنباط مأخوذ من النبي: يقال: نبط الماءُ يَنْبُطُ بفتح الباء وضمها، والنبط: الماء الذي يخرج من البئر أول حفرها، والنَّبَط أيضًا: جيل من الناس سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يستخرجون المياه والنبات. قال كعب بن سعد الغنوي: =
[ ٢ / ٦١٦ ]
الأنباط أنباطًا لعلمهم باستخراج المياه (١)، والقليل مستثنى من المذيعين، وقيل: من معلوم المستنبطين. ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ الكتاب والرسول، أو بعض أسباب التوفيق مما استغنى عنه الخاصّة (٢) دون العامة كانشقاق القمر والفتح فعل هذا القليل مستثنى من المتبعين للشيطان فإن عمرو (٣) بن زيد وزريبًا وقسًا (٤) آمنوا من غير كتاب ورسول، وأبو بكر وعلي وزيد بن حارثة آمنوا قبل انشقاق القمر، والمهاجرون والأنصار آمنوا قبل الفتح.
﴿فَقَاتِلْ﴾ الفاء جواب الشرط وهو قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ [النساء: ٨٠] ويحتمل التعقيب، هذا الأمر، الأمر بالتوكل (٥) تقديره: وتوكل على الله فقاتِل، أو التعقيب الكلام الكلام والآية الآية ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ يعني التكليف عنه، تقديره: أنك لا تكلف إلا فعل نفسك، حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، أي: لا تأخذ بتكليف غيرك وإن كانوا مكلفين مثلك، وقيل: لا تكلف نفس إلا نفسك، وهذا بعيد لأنه لو كان كذلك لضم نفسك، ثم حملناه على التكليف الضروري دون الشرعي ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حثهم على القتال ﴿عَسَى﴾ من الله إيجاب منه لأن التكريم يصدق في التطميع ولأنه تقوية لأحد الموهومين المختلفين على الآخر بالقول، فصار كالأمر باعتقاد أحدهما وذلك لا يكون إلا بالواجب، ﴿بَأْسَ﴾ شدة الإصابة والامتناع ﴿تَنْكِيلًا﴾ فعل النكال (٦).
_________________
(١) = قريبٌ ثَراهُ ما ينال عَدُوُّهُ له نَبَطًا، آبي الهوانِ قَطُوبُ [اللسان "نبط"- الأصمعيات (ص ١٠٣)، البحر (٣/ ٤٠٣)].
(٢) قريبًا من هذا المعنى عند القرطبي (٥/ ٢٩١)، وابن الجوزي كما في "زاد المسير" (٢/ ١٤٧).
(٣) في الأصل: (للخاصة).
(٤) في "ب": (عمر).
(٥) في الأصل: (وفتيا).
(٦) في "ب": (الأمر بالتوكيل).
(٧) أي أنه مصدر من قولك: نكلت بفلان، فأنا أُنَكِّل به تنكيلًا إذا أوجعته عقوبة. والمعنى: والله أشد نكاية في عدوه من أهل الكفر به، منهم فيك يا محمَّد وفي أصحابك. [الطبري (٧/ ٢٦٧)].
[ ٢ / ٦١٧ ]
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً﴾ أراد تشفيع العمل وهو أن يقرن (١) بين فعل الماضي وبين فعل الحال فيضم الحسنة إلى الحسنة أو سيئة إلى سيئة (٢). وعن الضحاك ومحمد بن جرير (٣) أن الشفاعة الحسنة موالاة المؤمنين بتشفيع وتوهم والشفاعة السيئة موالاة الكفار بتشفيع وتوهم. وعن مجاهد وابن زيد (٤): هي دعاء الرجل لأخيه المؤمن وعليه، وقيل: شفاعة بعض الصحابة عند رسول الله - ﷺ - (٥) للفقراء والمحتاجين إلى الزاد والراحلة ولأصحاب الأعذار وشفاعة بعضهم للمنافقين وللذين وجبت عليهم الحدود ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ من ثوابها ﴿كِفْلٌ﴾ نصيب من وزرها مقيتًا مقتدرًا.
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ إن حملنا الشفاعة على الدعاء والتحية على التسليم فاتصالها بها ظاهر، وإلا فالأمر بالتحية مرتب على الشفاعة الحسنة والتحية على وزن التفعيل من الحياة وأصْله بثلاث ياءات حذفت التي هي لام الفعل وعوض منها هاء وأدغمت إحدى الياءين في الأخرى كالتوصية، وقولك: التحيات لله، قيل: الإحياء لله تعالى تقول: حياك الله، أي: أحياك الله. وقيل: أوصاف الحياة لله فكأنك وصفته بالحياة كما أنك إذا كبرته (٦) وصفته بالكبرياء. وقيل: الملك لله وهذا هو الأظهر لأن التحية اسم للملك، وسمي الهدية تحية لما فيها من حقيقة أو لمجاوزتها السلام في العادة، والمراد بالتحية هاهنا التسليم والتسليم سنة وردّه فريضة. قال -﵇-: "لا تبدؤوا اليهود بالسلام فإن سلم ردّوا عليه" (٧)، وقال رجل
_________________
(١) في الأصل: (يفرق).
(٢) (إلى سيئة) ليست في "ب".
(٣) ابن جرير (٧/ ٢٦٨)، وعزاه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ١٥٠) له ولأبي سليمان الدمشقي.
(٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ١٥٠) وعزاه للماوردي، وذكره القرطبي (٥/ ٢٩٥) ولم ينسبه لأحد.
(٥) (ﷺ) من "ب".
(٦) (وصفته بالحياة كما أنك إذا كبرته) ليست فى "أ".
(٧) الثابت في هذا الباب هو قول الرسول - ﷺ -: "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام " وأنه إذا سلم علينا أهل الكتاب أن نقول لهم "وعليكم" وكلا الحديثين في البخاري ومسلم، أما رواية المصنف فلم أعثر عليها.
[ ٢ / ٦١٨ ]
للنبي -﵇- (١): السلام (٢) عليك يا رسول الله فقال: "عليك السلام ورحمة الله " فقال آخر: عليك السلام ورحمة الله فقال: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته" وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال: "وعليك"؛ لأنه أبلغ غاية السلام (٣) فلم يترك شيئًا ليزيده في الجواب. وقيل: التحية الهدية والهبة (٤) وردها مستحق ما لم يعوض إلا أن يكون ذا محرم ﴿حَسِيبًا﴾ مدركًا للحساب، وقيل: كافية. قال الله تعالى: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تسلية للمؤمنين وزجر لغيرهم و﴿إِلَى﴾ لاعتبار معنى الجمع وهو الحشد والإرجاء والتأخير أو يكون (٥) يوم القيامة من المجموع كما تقول: جمعت الخيل إلى (٦) الإبل، أي: ضممت يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] ﴿فِيهِ﴾ الهاء عائدة إلى الخبر أو اليوم ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾ استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد كلامه أصدق من كلام الله لأن الكذب غير متصور فيه.
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ﴾ قال ابن عباس: نزلت في جماعة من قريش هاجروا منافقين، ثم اجتووا المدينة واستأذنوا في الرجوع إلى مكة فرجعوا، ثم خرجوا إلى الشام تجارًا واستبضعتهم قريش بضائع وقالوا: إن محمدًا لا يتعرض لكم فإنكم تظهرون دينه، فلما خرجوا انتهى الخبر إلى المدينة قال بعض الصحابة: نخرج إليهم ونغير عليهم. وقال بعضهم: كيف نخرج إلى قوم مسلمين (٧)؟
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) السلام ليست في الأصل.
(٣) ابن جرير (٧/ ٢٧٧)، وابن المنذر (٢٠٧٣)، وابن أبي حاتم (٥٧٢٦) دون سند، والطبراني في الكبير (٦١١٤) وسنده قابل للتحسين.
(٤) في "ب": (الهدية) بدل (الهبة).
(٥) (وزجر لغيرهم أو يكون) ليست في "أ".
(٦) في "ب": (إلا).
(٧) ابن جرير (٧/ ٢٨٣، ٢٨٤)، وابن أبي حاتم (٥٧٤١)، وسنده ضعيف لأنه من طريق العوفي عن ابن عباس.
[ ٢ / ٦١٩ ]
وعن زيد بن ثابت نزلت في المتخلفين يوم أحد (١). وعن ابن زيد أنها في أهل الإفك (٢).
﴿فِئَتَيْنِ﴾ نصب على الحال (٣)، ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ نكسهمِ في الكفر والكفر مشبه بالعمق. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج: ٣١] الآية وليس الإركاس ترديًا (٤).
وقال الله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا﴾ [النساء: ٩١] بسبب ما اجترموا من إفساد الهجرة أو التخلف أو غيره ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ على وجه التعجب والإنكار على إرادتهم صرف القضاء والقدر دون هداية الكفار ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ من الدين تيسيرًا عليهم سلوكه.
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ يدل على أن الآية في (٥) الأولى في المنافقينِ من أهل مكة دون المنافقين من أهل المدينة، وفيهم قوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]. ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ لا توالوهم موالاة المسلمين فيما بينهم ولا (٦) موالاة الجلفا ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الهجرة أو هاجروا ثم أفسدوا الهجرة.
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ نزلت في المنضلين بسُراقة بن جعشم المدلجي
_________________
(١) البخاري (١٨٨٤، ٤٠٥٠، ٤٥٨٩)، ومسلم (١٣٨٤، ٢٧٧٦).
(٢) ابن جرير (٧/ ٢٨٦) وقال: إنها في شأن ابن أبي حين تكلم في عائشة - ﵂ -.
(٣) أي أنها حال من الكاف والميم في "لكم" والعامل فيها الاستقرار الذي تعلق به "لكم" وهذه الحال لازمة؛ لأن الكلام لا يتم دونها وهذا مذهب البصريين، وهناك وجه إعرابي آخر في "فئتين" منصوبة على أنها خبر كان مضمرة وهذا مذهب الكوفيين، والتقدير: ما لكم في المنافقين كنتم فئتين. [ابن جرير (٧/ ٢٨٧)، الدر المصون (٤/ ٦٠)].
(٤) الذي رجحه الطبري أن الإركاس هو ترد، فأركسهم معناه ردهم، وهذا تفسير ابن عباس - ﵄ - رواه عنه الطبري في تفسيره (٧/ ٢٨٨)، وابن أبي حاتم (٥٧٤٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٩١) لابن المنذر.
(٥) (في) من الأصل فقط.
(٦) (ولا) ليست في "ب".
[ ٢ / ٦٢٠ ]
وهلال بن عويمر الأسلمي وسائر بني (١) مدلج (٢) وأسلم كان بعضهم صالح رسول الله - ﷺ - (٣) أن لا يكون له ولاء عليه وبعضهم آمن به وصدقه ولم يهاجر، ولم يدعهم رسول الله إلى الهجرة، وكان هذا حين هاجر ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط فكانوا يستقبلونه في الطريق ليلًا ونهارًا أفواجًا وفرادى ويشاهدون منه الآيات فيتخذون (٤) لأنفسهم وعشائرهم عنده عهدًا يأمنون بها عند ظهوره على قومه، والمراد بالمنضلين المنضمّون من قريش وسائر أهل الحرب إلى هؤلاء ليكونوا على حكمهم: أمر الله أن يسالمهم أيضًا.
وقال أبو عبيدة: والمراد بالمنضلين من رجع إلى هؤلاء في النسبة لأنهم دخلوا (٥) في عموم أمانة لعشائرهم. والمراد بقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ جماعة من المستأمنين الذين قدموا المدينة أن يجيرهم كما قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التربة: ٦]. ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ضاقت ونوت الإمساك والكف عن قتال الفريقين، وقوله (٦): ﴿وَلَوْ شَاءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ يذكر نعمة الدفع إياهم ليشكروا وليسارعوا في الإجابة، و(التسليط) (٧) التخلية بين القادر والمقدور ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ اجتنبوكم ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ بيان لاعتزالهم ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: سالموا وأسلموا غير مهاجرين ﴿فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ﴾ جواب بهذه الشرائط لم يجعل الله لكم عليهم (٨) حجة في قتالهم ونهب أموالهم.
_________________
(١) (بني) ليست في "ب".
(٢) إلى هنا أخرجه ابن جرير (٧/ ٢٩٣)، وابن أبي حاتم (٥٧٥٧)، وأما بقيته فقريبًا منه عند القرطبي (٥/ ٣٠٩).
(٣) (ﷺ) ليست في "أ" والأصل.
(٤) في الأصل: (فيتخذونه).
(٥) (دخلوا) ليست في "ب".
(٦) (وقوله) ليست في "ب".
(٧) في الأصل: (التسليط).
(٨) (عليهم) ليست في "ب".
[ ٢ / ٦٢١ ]
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ نزلت في أمثال نعيم بن مسعود الأشجعي وأشباهه كانوا يظهرون الصلح مكرًا وحيلة (١)، ويحتمل أنها في الذين نافقوا (٢) وأظهروا الإسلام لا هاجروا ولا اتصلوا بأصحاب المواثيق، ولكن أقاموا بين ظهراني قريش معتذرين بأنهم مستضعفون وهم كاذبون، فأمر الله بأسرهم (٣) وقتلهم حيث ثقفوا، ويجوز قتل المنافق إذا اطُّلع على كفره لقوله تعالى في المنافقين: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] وإنما لم يقتل ابن أبي بن سلول وأصحابه لنوع من المصلحة، ألا ترى أنه لم ينكر على المستأذن في قتله (٤).
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ نزلت في عياش بن ربيعة المخزومي كان قد خرج مهاجرًا فتبعه أبو جهل أخوه من أمه والحارث بن زيد وردّاه إلى مكة وعذباه على إسلامه، ثم تخلص منهما وهاجر وحلف بالله أن يقتل الحارث حينما يراه، ثم أسلم الحارث ولم يعلم به عياش فرآه ذات يوم وجده في ظهر فناء فقتله، ثم سمع بإسلامه فندم فأنزل الله الآية (٥). (ما كان) ما جاز (٦) لمؤمن (٧) أن يقتل مؤمنًا عمدًا، المستثنى والمستثنى منه أحد اسمي الباقي (٨)
_________________
(١) الطبري (٧/ ٣٠٢)، وابن أبي حاتم (٥٧٦٧).
(٢) هذا الاحتمال من المؤلف لأني لم أجد هذهِ الرواية.
(٣) المثبت في "ي"، وفي البقية: (بأسريهم).
(٤) يشير إلى الحديث الذي رواه البخاري (٤٦٢٤) ط. البغا، ومسلم (٢٥٨٤)، وفيه أن ابن أُبي قال عند عودتهم من غزوة: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذل (يقصد بالأعز نفسه والأذل رسول الله - ﷺ -). قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه".
(٥) ابن جرير (٧/ ٣٠٦، ٣٠٧)، وابن المنذر (٢١٠٨)، وابن أبي حاتم (٥٧٨١).
(٦) في "أ": (جاوز).
(٧) في "أ" "ي": (لمؤمن).
(٨) قوله تعالى: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] فيه أربعة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنه استثناء منقطع -وهو قول الجمهور- إن أريد بالنفي معناه. ولا يجوز أن يكون متصلًا إذ يصير المعنى في الاتصال -إلا خطأ فله قتله-. والوجه الثاني: أنه متصل إن أريد بالنفي التحريم. والوجه الثالث: أنه استثناء مفرغ وينصب على أنه مفعول له أو حال أو نعت لمصدر=
[ ٢ / ٦٢٢ ]
وليس على (١) هذا التقدير دليل إباحة القتل الخطأ (٢) لأنه كالمسكوت عنه، وإثبات الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، ويحتمل أن معناه قتل المؤمن المؤمن منهي عنه معاقب عليه إلا في الخطأ؛ لأن النهي لا يتصور مع عدم القصد، والعقاب على الفعل لا يثبت مع الخطأ والنسيان، ويحتمل ما جاز لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ، فإنّ ذلك جائز مباح إذا كان غالمب ظنه أنّه كافر وأنه يريد القتل ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ عتق عبد أو أمة، ويجزىء في ذلك الرضيع الذي أحد أبويه مسلم.
و(الدية): قيمة الدم وهي مائة من الإبل عشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة لما روي عن خِشف بن مالك الطائي عن ابن مسعود "أن رسول الله - ﷺ - قضى بالدِّية في الخطأ أخماسًا" (٣).
وعن عبيدة السّلماني أن عمر جعل الديّة على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم (٤) "إلا أن يصدقوا" أن يتصدقوا الدِّية دون الرقبة؛ لأن الرقبة خالص حق الله تعالى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أسلم في دار الحرب وأقام به، هكذا روي عن (٥)
_________________
(١) = محذوف على ثلاث احتمالات ذكرها الزمخشري. الوجه الرابع: أن تكون "إلا" بمعنى "ولا" ويكون التقدير: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا عمدًا ولا خطأً. وإقامة "إلا" مقام الواو جائز في كلام العرب حكى ذلك أبو عبيدة عن يونس بن حبيب واستشهد له ببيت رؤبة بن العجاج: وكلُّ أخ مُفَارِقُهُ أخوهُ لَعَمْرُ أبيك إلا الفرقدانِ [الكشاف (١/ ٥٥٢)، الدر المصون (٤/ ٦٩)].
(٢) (على) من "ي".
(٣) في "ي": (خطأ).
(٤) رواه الدارمي (٢٣٦٧)، والإمام أحمد (١/ ٣٨٤)، وأبو يعلى (٥٢١٠) بسند ضعيف مرفوعًا، وروي موقوفًا وهو الصحيح؛ قاله الدارقطني.
(٥) رواه أبو داود (٤٥٤٢) بسند حسن.
(٦) في "ب": (وهي من عطاء).
[ ٢ / ٦٢٣ ]
عطاء بن السائب عن أبي عياض (١)، وإن كان من قوم المقتول من جملة المعاهدين وهو معاهد غير مؤمن فالواجب عليكم دية مسلمة إلى أهله كما في المسلم.
أبو داود عن الزهري عن سعيد بن المسيب "أن النبي -﵇- (٢) قضى في كل ذي عهد في عهده يقتل بدية ألف دينار" ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي رقبة (٣) ﴿تَوْبَةً﴾ نصب لأنه مفعول له (٤).
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ على سبيل الاستحلال لأنها نزلت في شأن مِقْيس بن ضُبابة. وذلك أن بني النجار قتلوا أخاه هشام بن ضُبابة خطأ فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فبعث الفهري معه إلى بني النجار ليوفوه دِيَة أخيه فذهب الفهري معه فأدّى الرسالة وأخذ له الدِّيَة ورجعا جميعًا، فلما كان ببعض الطريق أنف مقيس من الاقتصار على الدِّيَة وحدثته نفسه بقتل الفهري رسول رسول (٥) الله فقتله قال:
قتلتُ به فهرًا وحملتُ عقله سَراةَ بني النّجّارِ أربابِ فارِعِ
فأدركت ثأري واضطجعت موسّدًا فكنت إلى الأوثان أول راجع
_________________
(١) ابن جرير (٧/ ٣١٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٩٤) إلى عبد بن حميد وابن المنذر ولفظه قال: كان الرجل يُسْلِمُ، ثم يأتي قومه، فيقيم فيهم وهم مشركون، فيمر بهم الجيش لرسول الله - ﷺ - فَيُقْتَل فيمن يُقْتَل، فَيُعْتِقُ قاتلُه رقبةً ولا دية له.
(٢) في "ب": (أن - ﷺ -). وفي "ي": (أن النبي عليه).
(٣) في "ب" "أ": (الرقبة).
(٤) في نصب "توبةً" ثلاثة أوجه إعرابية: الوجه الأول: ما ذكره المؤلف ويكون التقدير: شرع ذلك توبة منه. الوجه الثاني: أنها منصوبة على المصدر. والتقدير: تاب عليكم توبةً. الوجه الثالث: أنها منصوبة على الحال ولكن على حذف مضاف والتقدير: فعليه كذا حال كونه صاحب توبة. [الإملاء (١/ ١٩٠)، الدر المصون (٤/ ٧٢)].
(٥) (رسول) ليست في "ب".
[ ٢ / ٦٢٤ ]
فأنزل الله الآية في شأنه وهذا سبب مروي (١) فصار كالمتلو فوجب تعليق الحكم به، و(التعمد) مأخوذ من العمْد وهو القصد الصادق. وقتل (٢) العمد عندنا ما (٣) يوجد بالسلاح أو ما يجري مجرى السلاح في تعريف الإجزاء. وقال -﵇-: "كل شيء خطأ إلا السيف" (٤)، وإن أجرينا على العموم فالمراد بالخلود خلود متناهٍ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نزلت في أسامة بن زيد، أو مثله عن أبي ظبيان أن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله - ﷺ - (٥) في سرية إلى حرقات من جهينة فأتيت على رجل فذهبت لأطعنه فقال: لا إله إلَّا الله، فطعنته وقتلته فجئت إلى النبي - ﷺ - فأخبرته وقال: "قتلته وشهد أن لا إله إلا الله؟! " قلت: يا رسول الله قالها تعوذًا، قال: "ألا شققت عن قلبه" (٦).
وعن خالد بن الوليد أنه سار في قوم من خزيمة (٧)، يقولون: صبأنا صبأنا، أي: أسلمنا فقال -﵇-: "اللهم إني أبرأ إليك من صنع خالد" (٨). وإنما قال: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ لأن هذه الواقعة تقع للمسافرين في الغالب ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ما يعرض من المال في الحياة الدنيا وجمعه أعراض إنما تبادرونهم بالقتل لتغنموا أموالهم ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾
_________________
(١) الطبري (٧/ ٣٤١)، وابن أبي حاتم (٣/ ١٠٣٧) (٥٨١٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٩٥) إلى ابن المنذر.
(٢) في جميع النسخ: (وقيل)، والمثبت من "ي".
(٣) (ما) من "ب" "ي".
(٤) ابن جرير (٧/ ٣٥٧، ٣٥٨)، وأصله في الصحيحين دون أسباب النزول. البخاري (٦٨٧٢)، ومسلم (٩٦).
(٥) (ﷺ) من "ب".
(٦) الطبري (٧/ ٣٣٩)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٤٢)، والدارقطني (٣/ ١٠٦)، وابن أبي شيبة (٢٧٦٨١)، وعبد الرزاق (٩/ ٢٧٣) عن النعمان بن بشير مرفوعًا وإسناده ضعيف فيه جابر الجعفي.
(٧) في الأصل: (يوم من هزيمة).
(٨) البخاري (٤٠٨٤) ط. البغا.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
صرف لهمِّهم عن مال المقتول إلى ما عند الله ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ مشركين في إسلامكم أو مسلمين بين الكفار ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أنعم الله عليكم بصرفكم (١) عن تلك الحالة إلى هذه الحالة.
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ نزلت في تفضيل المجاهدين على القاعدين، وفيها دليل بأن الجهاد فرض على الكفاية لأنه وعد القاعد بالحسنى.
عن قتادة قال: "أملى رسول الله - ﷺ - (٢) على زيد بن ثابت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فجاء (٣) ابن أم مكتوم وهو يمليها قال: يا رسول الله (٤) لو استطعت لجاهدت، قال زيد: فأنزل الله على النبي - ﷺ - (٥) وفخذه على فخذي حتى ظننت أنه يرض فخذي ثم سري عنه ونزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٦) أصحاب العلل الضارة المانعة عن المقاصد سواء كانت في البصر أم غيره ﴿دَرَجَةً﴾ رتبة وشرفًا أو منازل الجنة نصب على التفسير (٧).
_________________
(١) في "ب": (أنعم عليكم بصرفكم)، وفي الأصل و"أ": (بصرفكم)، والمثبت من "ي".
(٢) (وسلم) من "أ" "ب".
(٣) في "ب": (قام).
(٤) (قال يا رسول الله) ليست في الأصل.
(٥) في "ب": (وسلم).
(٦) هذا مروي عند البخاري (٤٥٩٣، ٤٥٩٤)، وغيره عن البراء بن عازب وعن سهل بن سعد الساعدي عند البخاري (٢٨٣٢، ٤٥٩٢). وهو مروي عن غيرهما بأسانيد صحيحة، أما الذي ذكره عن قتادة فهو ضعيف لأنه مرسل. وكان الأولى الاستناد إلى الروايات الموصولة الثابتة.
(٧) في قوله تعالى: ﴿دَرَجَةً﴾ خمسة أوجه إعرابية: الأول: ما ذكره المؤلف. الوجه الثاني: أنها منصوبة على المصدر لوقوع "درجة" موقع المرَّة من التفضيل كأنه قيل: فضلهم تفضيلةً كقولك: ضربته سوطًا. الوجه الثالث: أنها حال من "المجاهدين" والتقدير: ذوي درجة. الوجه الرابع: أنها منصوبة انتصاب الظرف، أي: في درجة. الوجه الخامس: أنها منصوبة على إسقاط الخافض أي: بدرجة. [الدر المصون (٤/ ٧٦)].
[ ٢ / ٦٢٦ ]
و﴿الْحُسْنَى﴾ نعت للحالة (١) أو الخصلة ونقيضها السوء أي ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصب على التفسير. وقد يكون التفسير بلفظ الواحد ويكون بلفظ الجمع.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ نزلت في منافقي مكة (٢)، ﴿ظَالِمِي﴾ نصب على الحال تقديره ظالمين ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ معرف بمعنى النكرة فيتم فبماذا كنتم من الدين والسؤال سؤال توبيخ.
﴿إِلَّا﴾ بمعنى آخر ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ حال لهم. تقديره: غير مستطيعين (حيلة): احتيالًا في التخلص والهجرة، و(الحيلة): التصرف النافذ اللطيف ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ طريقًا من مكة إلى المدينة (٣) أو طريقًا في المكايدة والاحتيال.
﴿أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ زلاتهم وذنوبهم لا تخلفهم عن الهجرة؛ لأن ذلك لم يكن منهم.
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ﴾ الآية نزلت فيمن هاجر واتصل وفيمن هاجر ولم يتصل، روي أن رجلًا من المؤمنين المستضعفين لما سمع وعيد المتخلفين عن الهجرة قال: لا عذر لي فإني أعرف السبيل، فأمر من حمله وكان شيخًا هرمًا فلما بلغ التنعيم مات، فأنزل الله الآية. واختلفوا في اسمه قيل جُنْدَع بن ضمرة، وقيل: جندب، وقيل: جندب بن ضمرة (٤)، وقيل:
_________________
(١) الأظهر -والله أعلم- أن "الحسنى" مفعول ثان لـ"وعد"، والمفعول الأول هو "كلًا"، مقدمًا عليه.
(٢) البخاري (٤٥٩٦)، والذي يظهر من سياق الآية والأحاديث الواردة أنهم ليسوا منافقين لكنهم مسلمين من أهل مكة، كانوا قد أسلموا وتخلَّفوا عن الهجرة إلى المدينة فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، وكانوا يعتذرون أنهم مستضعفون فلم يقبل الله عذرهم وقال: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] ثم استثنى الله منهم ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء: ٩٨] وهذا اختيار ابن جرير (٧/ ٣٨١).
(٣) روي ذلك عن مجاهد وعكرمة والسدي. أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (٧/ ٣٩٠).
(٤) لعل المؤلف هنا عكس الاسمين، ولعل الصواب ضمرة بن جندب لما أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٨٧)، وأبو يعلى (٢٦٧٩)، وابن بشكوال في "غوامض الأسماء المبهمة" (١/ ٤٨٦)، =
[ ٢ / ٦٢٧ ]
ضمضم بن عمرو (١) الخزاعي (٢). و(المراغم): الذي يراهم فيه أعداءك بحسن حالك. والمراغمة: أشد من المعاتبة.
﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ﴾ معطوف على الشرط وهو مجاز وحقيقته: ثم يمت ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾ أي: وجب، أي: ضمن الله أجره وأوجب ذلك في حكمه.
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ سافرتم، واختلفوا في رفع الجناح، قيل: هو كرفع الجناح عن المتطوف بالصفا والمروة وذلك أفاد الوجوب. كذلك هاهنا، وقيل: هو على الإباحة للقصر عن مقدار الواجب وهو عندنا لرفع الوجوب فيما زاد على الشطر من الصلوات الرباعية ﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾ والقصر النقص، والإقامة التي تُوجب (٣) الإكمال خمسة عشر يومًا ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ على سبيل اعتبار الغالب من أحوالهم كقوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] قال يعلي بن منبه: قلت لعمر: ما بالنا نقصر ونحن آمنون؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، وسألت رسول الله - ﷺ - (٤) فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوها" (٥).
_________________
(١) = ورجاله ثقات كما قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٠) عن ابن عباس - ﵄ - قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرًا، فقال لأهله: احملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله - ﷺ -، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي - ﷺ - فنزل الوحي ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [النساء: ١٠٠] الآية.
(٢) في "ب": (عمر).
(٣) أما كونه جُندع فهي رواية عزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٦٤٩) لابن سعد وابن المنذر. وأما كونه (جندب) فهي رواية الطبري (٧/ ٣٩٦ - ٣٩٧). وأما كونه ضمضم فلم أجده وإنما وجدت ضمرة بن زنباع الخزاعي. ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٢/ ١٨١).
(٤) في الأصل و"ي": (يوجب).
(٥) (ﷺ) ليس من "ب".
(٦) الذي يظهر أن القصر صدقة من الله سواءٌ في حال الأمن أو الخوف الحرب أو السلم، فما دام وُجِد سببه وهو السفر فقد تعين القصر لحديث يعلي بن منبه الذي ذكره المؤلف =
[ ٢ / ٦٢٨ ]
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الصلاة المذكورة في هذه الآية مختصة بالخوف من العدو عند اللقاء سواء تبين ظلمهم وقتالهم أو لم يتبيّن لوجود الخوف فيهما، والإمام يقوم مقام رسول الله كما في الجمعة والكسوف واختلفوا في صفة الصلاة والسلاح و(الحذر): آلة القتال ﴿فَيَمِيلُونَ﴾ أي: يعطفون ويفرون وهو معطوف على تغفلون، والرخصة في وضع السلاح عند الضرورة.
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ على عموم أحوالكم ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ أقمتم، والاطمئنان: السكون، وضده الاضطراب ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ المقيم ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ واجبًا فرضًا منجّمًا. وهذا يدل على وجوب الترتيب في الفوائت.
﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ نزلت فيما لقي المسلمون يوم أحد من أبي سفيان بن حرب وأصحابه (١). عن ابن عباس يقول: لا تضعفوا في طلب الكفار قتلًا وأسرًا ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وقيل: إنها عامة فمعناه إن كنتم من لحم ودم، ﴿تَأْلَمُونَ﴾ بالقتال فأعداؤكم أمثالكم ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، أي: إحدى الحسنيين فأنتم أولى بالإقدام والشجاعة والحكمة، وذكر العلم والحكمة لبيان كون المؤمنين أولى بالإقدام والشجاعة.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ نزلت الآيات في طعمة بن أبيرق سرق درعًا لقتادة بن النعمان الأنصاري، وكان الدرع في جراب فيه دقيق فذهب بها إلى بيت زيد بن السمين اليهودي أودعها إياه، وافتقد قتادة درعه فلم يجدها فاتبع أثر الدقيق إلى بيت زيد بن السمين وأخذه فوجد الدرع عنده
_________________
(١) = قال: قلت لعمر بن الخطاب - ﵁ -: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ ﴾ [النساء: ١٠١] وقد أمن الناس؟ فقال: عجبت مما عجبتَ منه، حتى سألتُ النبي - ﷺ - عن ذلك، فقال: "صدقةٌ تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته". أخرجه مسلم (٦٨٦)، والإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٠٨)، والنسائي (١٤٣٢) وغيرهم.
(٢) سبب النزول هذا أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٥٤٤) عن ابن عباس - ﵄ - قال: لما كان قتال أحد، وأصاب المسلمين ما أصاب، صعد النبي - ﷺ - الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: "يا محمَّد، يا محمَّد، ألا تخرج ألا تخرج " الحديث بطوله.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
فأتى به رسول الله وادعى عليه بالسرقة. قال اليهودي: أودعنيها (١) طعمة بن أبيرق وإخوته بشر وبشير ومبشر، وأنكر طعمة وإخوته ذلك ولم يكن لليهودي بينة فكان الظاهر أنه هو السارق، وجاء أناس من المسلمين يثنون على طعمة ويزكونه فهمّ رسول الله بمعاقبة زيد بن السمين فأنزل الله الآية وبرّأ اليهودي وفضح بني أبيرق وفرّ طعمة إلى مكة مرتدًا، ثم سرق هناك أيضًا فنفي إلى الشام، ورافق رفقة في طريق الشام فسرق منهم أيضًا فأخذوه ورجموه (٢) ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ بما هداك الله وبيَّن لك. و(الخصيم): في الباطل، و(الخصم): في الحق.
﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ لما هممت من مبادرة الوحي ومعاقبة اليهودي.
﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾ ولا تخاصم ولا تدافع عن بني أُبيرق ﴿مَنْ كَانَ﴾ أي: مَنْ هُوَ خوّان أثيم.
﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ ويتوارون في اختلاف المعذرة، ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ لا يخفون عليه ﴿مُحِيطًا﴾ لا يفوته أعمالهم ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ خطاب متوجه إلى المثنين علي بني أُبيرق المزكين إياهم، أي: هب أنكم دافعتم اليهودي عنه ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فهل من يدافع الله عنهم يوم القيامة ﴿وَكِيلًا﴾ كفيلًا، استفهام بمعنى النهي على سبيل التهديد.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ ندب ودعوة للذين والوْا بني أبيرق سواء ما يسوء به غيره من الغصب والسرقة ولخونهما ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بما يتعداه من الذنوب ثم يستغفر الله بالحزن والندامة.
﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ يرجع وباله إليه في الحقيقة.
(الخطيئة): ما أصيب خطأ كالقتل ونحوه، و(الإثم): ما أصيب عمدًا، وقيل: من المعاصي ما يسمى خطية ومنها ما يسمى إثمًا.
_________________
(١) في الأصل: (ادعينها).
(٢) هذه رواية ابن جرير (٧/ ٤٦٨، ٤٦٩)، وله شواهد كثيرة عند ابن أبي حاتم (٤/ ١٠٦٣، ١٠٦٦).
[ ٢ / ٦٣٠ ]
﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ يقذف بذلك الكسب أو الإثم بريئًا غير جانٍ و(البراءة) المباينة والانفصال ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ اقترف واكتسب.
ثم ذكر لنبيه نعمة ليزيد فرحًا وشكرًا قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ توفيقه وعصمته ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ كانوا يستزلونك في الحكم بأنْ يجري الأمر على ظاهره غير منتظر للوحي الممكن نزوله عليك ﴿الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الفقه ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ من الأشياء المستورة مما يجب الإيمان به عند السماع.
﴿مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ مصدر (١) ويطلق بمعنى الاسم. قال الله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] وإذ هم نجوى متناجون فإن كان المراد هاهنا الاسم فهم بنو أُبيرق والاستثناء منقطع بمعنى لكن، وإن كان بمعنى المصدر، فالكناية ترجع إلى معنى المؤمنين والاستثناء متصل (٢)، وإنما أخبر بأنه ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ لأنّ المناجاة في الشرِّ شرٌّ، وفي المباح الذي لا يمكن إظهاره شر أيضًا، قال -﵇-: "لا يتناجى اثنان دون ثالث فإن ذلك يحزنه" (٣).
﴿بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ ضيافة أو إقراض غيره ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾
_________________
(١) (من نجواهم مصدر) ليست في "ب".
(٢) في هذا الاستثناء ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾ [النساء: ١١٤] قولان: الأول: أنه متصل، والثاني: أنه منقطع، والقولان مبنيان على أن النجوى يجوز أن يراد بها المصدر كالدَّعوى فتكون بمعنى التناجي وأن يراد بها القوم المتناجون إطلاقًا للمصدر على الواقع منه نحو: رجل عَدْلٌ، فعلى الأول يكون منقطعًا لأنَّ من أمر ليس تناجيًا، والكوفيون يقدرون المنقطع بـ"بل" وإن جعلنا النجوى بمعنى التناجي كان متصلًا. ومعروف أن المنقطع منصوب أبدًا في لغة الحجاز، وأن بني تميم يُجْرُونه مجرى المتصل بشرط توجه العامل عليه، وقد رجح ابن جرير أن النجوى بمعنى المتناجين وهو أظهر معانيه، ويكون تأويل الكلام: لا خير في كثير من المتناجين يا محمَّد من الناس، إلا في من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم الخير. [الطبري (٧/ ٤٨٣)، الكشاف (١/ ٥٦٣)، الدر المصون (٤/ ٨٩)].
(٣) البخاري (٦٢٨٨)، ومسلم (٢١٨٣).
[ ٢ / ٦٣١ ]
تأليف بينهم، ذلك إشارة إلى التناجي بهذه الأشياء ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ معظم (١) قدره كثير الأجر أو لم يكن.
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ يخالفه في الكتاب والسنة بالاعتقاد ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ من بعد ما قامت الحجة عليه بالبيان والإعجاز ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يخالف بالاعتقاد إجماعهم بعد إنعقاده، وإنما صار إجماع هذه الأمة حُجّة بقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله -﵇- (٢): "لا تجتمع أمتي على الضلالة" (٣).
قوله: ﴿مَا تَوَلَّى﴾ نقلده ما تقلّد بخذلانه وتيسيره للعسرى. وهذا الجزاء إنما وجد حالة وجود الشرط، ثم لله المشيئة فيه بعد ذلك من لا يرى نسخ الوعيد، فللَّه أن لا يفعل الوعيد بمن شاء من خلقه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ﴾ نزلت في طعمة بن أُبيرق فتكون آية عذاب، والسابقة نزلت في وحشي فتكون آية رحمة (٤)، والمراد بهذه الآية عبدة الأصنام وبالأولى أهل الكتاب ﴿بَعِيدًا﴾ يبعد عن الحق وقصد الطريق، والبعيد: ضدّ القريب.
﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ تقدير الآية: إن يدعون من دونه إلا إناثًا وشيطانًا، كقولك: لا أطيع إلا الأمير ولا أطيع إلا الوزير، أي: لا أطيع غيرهما، ولو أسقطت الواو أيضًا وكلامك بالإبدال على سبيل الاستدراك ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ جنيًا كوافر حللن في الصحراء، و(الإناث) كاللات والعزى ومنوة ونبواته وناميلة، ويحتمل بالإناث الأنفس المعبودة من دون الله على سبيل العموم (٥).
_________________
(١) في "ي" "ب": (نعظم)، وفي "أ": (يعظم).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) مرّ تخريجه.
(٤) عزاه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٢٠٢) لسعيد بن جبير وقال: وهو قول الجمهور.
(٥) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٢٠٣) عن الحسن قال: كل شيء لا روح فيه كالحجر والخشبة فهو إناث. قال الزجاج: والموات كلها يخبر عنها كما يخبر عن المؤنّث.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
﴿إِلَّا شَيْطَانًا﴾ جنيًا كافرًا متمردًا وهو إبليس لعنه الله، ويحتمل أن النفي الثاني نفي المستثنى المثبت من قبل على سبيل التحقيق واعتبار الأصل كقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]، وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى (١)﴾ [الأنفال: ١٧]، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] و(المريد): المتجرد بالشر، والصخرة المراد العاصي (٢) هي الملساء، والشجرة المراد التي تساقطت أوراقها، والجدار المملس الممرد، والرجل الأمرد: الذي لا لحية له.
﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾ أي: بعزتك لأتخذن وهو في معنى قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص: ٨٢] وإنما قال هذا: بعد زوال المعرفة وألا يعلم أنه ليس بمعجز لله لا بمعاند إياه، والمراد بالنصيب المفروض غير المخلصين، و(المفروض): المقطوع المحدود بالتقدير.
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ إضلاله تزيينه وتمنيته ووسوسته بالعمل وأمره ووسوسته وكلامه من حروف الأصنام ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ يقطعن ﴿آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ أي: بحر البحيرة، ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ تغير الدين والفطرة؛ عن ابن عباس، الإخصاء؛ عن أنس وعكرمة (٣)، والوشم؛ عن ابن مسعود والحسن (٤)، وقيل: هو وصل الشعور، وقيل: هو اكتفاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء.
_________________
(١) (ولكن الله رمى) من الأصل فقط.
(٢) في "أ" "ب": (المعاصي).
(٣) أما عن ابن عباس رواه ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٢٧)، وابن جرير (٧/ ٤٩٥). وأما عن أنس فرواه عبد الرزاق (٨٤٤٤)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٢٢٦)، وابن جرير (٧/ ٤٩٤). وأما عن عكرمة رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٧٣)، وفي "المصنف" (٨٤٤٥)، وابن جرير (٧/ ٤٩٥، ٤٩٦).
(٤) أما عن ابن مسعود فرواه ابن جرير (٧/ ٥٠١، ٥٠٢). وأما عن الحسن فعزاه صاحب الدر المنثور (٥/ ٢٦)، لعبد بن حميد وابن المنذر وهو عند ابن جرير (٧/ ٥٠١)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٠٧٠).
[ ٢ / ٦٣٣ ]
﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ يحملهم على التمنِّي مختصًا معدلًا ومصرفًا قيلًا تقولًا، قال الله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] أي: قوله، ويقول: هذا من قيل فلان، أي من قوله.
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ نزلت في المنافقين والمشركين والخطاب لهم؛ عن مجاهد (١)، وقال غيره: خطاب للمؤمنين، أي: ليس إلا بمحكوم على ما يتمنون (٢)، وقوله (٣): ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ عام وبل مقدر فيه، أي: الوعيد شامل على اعتبار الأفعال من دون الذوات، إذ الذوات لا توجب ثوابًا ولا عقابًا. روي لما نزلت هذه الآية خاف أبو بكر الصدِّيق خوفًا شديدًا وأظهر ذلك لرسول الله فقال -﵇-: "أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فيجزون بذلك في الدنيا، وأمّا الآخرون فيجمع ذلك عليهم حتى يجزوا به في الآخرة" (٤). وفي بعض الروايات: "ألست تمرض ألست تحزن ألست يصيبك البلاء؟ " (٥)، مصداق ذلك قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ اشتراط الإيمان يدل على أن غير المؤمن قد يعمل صالحًا وذلك ما يحمد في العقل كالسخاء والوفاء وصلة الأرحام والصدق، وإنما شرط الإيمان لأنَّ الجنة حرام على غير المؤمن وقد أحبط عمله بكفره وابتغائه غير وجه الله ومنّه على مَنْ أنعم عليه.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ ليس أحد أحسَن دينًا ﴿أَسْلَمَ﴾ أخلصَ ﴿وَجْهَهُ﴾ أمره مقبلًا معترفًا بالتوحيد ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يدلّ أن إحسان العمل فرع الإيمان والإِسلام ﴿حَنِيفًا﴾ حال لمن أسلم ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أي:
_________________
(١) أما عن مجاهد فرواه سعيد بن منصور (٦٩٢ - تفسير)، وابن جرير (٧/ ٥١٢)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٠٧٠) وليس فيه ذكر للمنافقين.
(٢) رواه سعيد بن منصور (٦٩٣ - تفسير)، وابن جرير (٧/ ٥٠٨) عن مسروق.
(٣) (وقوله) ليست في الأصل.
(٤) رواه عبد بن حميد (٧)، والترمذي (٣٠٣٩) وسنده ضعيف.
(٥) أحمد (١/ ٢١)، وابن حبان (٢٩١٠)، وأبو يعلى (٩٨ - ١٠١) والحديث صحيح بطرقه وشواهده.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
جعله مخصوصًا بالولاية فيه ترغيب في الإسلام والإحسَان وزجر عن العمل السيء.
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ فصل مبتدأ في ذكر النساء مرتب على الفصل الأول في هذه السورة عائد إليه، والاستفتاء طلب الإفتاء وهو الإجابة ببيان الحكم. ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تَنْكِحُوهُنَّ﴾ في محل الجر معطوف على الضمير في ﴿فِيهِنَّ﴾ وتقديره: ويستفتونك في حكم البالغات وفيما يتلى عليكم من حكم اليتامى النساء غير البالغات أيضًا (١) ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أي: اللواتي لا تؤتونهن ما أوجبَ لهن من مهر المثل ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾ في نكاحهن بالمهر القليل. وهذا التفسير للإقساط المنفي المتقدم ما هو وإفتاؤه ﷾ فيهن جميعًا ما بيّن من حكم أنكحتهن ومواريثهن صغائر وكبائر وبيَّن في حكم مواريث المستضعفين ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ أي: ويفتيكم في قيامكم لليتامى بالقسط أيضًا عند الوصية وقسم المواريث.
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ علمت ﴿نُشُوزًا﴾ ترفعًا وخروجًا عن الحد المحدود في حسن العشرة، والإعراض هاهنا في معنى الهجران والطلاق، والصلح المأذون فيه تركها القسمة على أن لا يطلقها. عن عروة (٢) عن عائشة قالت: "كان رسول الله - ﷺ - (٣) لا يفضل بعضنا على بعض في القسم وكان
_________________
(١) قوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى﴾ [النساء: ١٢٧] فيه ستة أوجه إعرابية وذلك أن موضع "ما" يحتمل أن يكون رفعًا أو نصبًا أو جرًا. فالرفع من ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون مرفوعًا عطفًا على الضمير المستكن في "يُفْتيكم" العائد على الله. والثاني: أنه معطوف على لفظ الجلالة كما ذكره أبو البقاء العكبري. والثالث: أنه مرفوع بالابتداء والجر من وجهين: الأول: أن تكون الواو للقسم، ذكره الزمخشري. والثاني: أنه عطف على الضمير المجرور بـ "في" أي يفتيكم فيهن وفيما يتلى، وهذا رأي الكوفيين. وأما النصب فبإضمار فعل؛ أي: ويبين لكم ما يتلى لأن "يفتيكم" بمعنى يبين لكم. [الإملاء (١/ ١٩٦)، الدر المصون (٤/ ١٠٠)، الكشاف (١/ ٥٦٧)].
(٢) في "ب": (عرفة) وهو خطأ.
(٣) (ﷺ) من "ب".
[ ٢ / ٦٣٥ ]
قلّ يوم إلا هو يطوف علينا جميعًا فيصيب من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت له سودة بنت زمعة حين أسنّت وخشيت أن يفارقها رسول الله: يومي الذي يصيبني فيك هو لعائشة" قالت: "فيها وفي أمثالها نزلت هذه الآية" (١).
وعن سميّة قالت: "وجد رسول الله على صفية بعض الموجدة في شيء، فقالت صفية لعائشة: هل لك أن ترضي عني رسول الله - ﷺ - (٢) ولك يومي؟! قالت: نعم، فأخذت خمارًا لها مصبوغًا زعفران فرشته بالماء ليفوح رائحته واختمرت به وقعدت إلى جنب رسول الله - ﷺ - (٢) فقال: "إليك عني يا عائشة إنه ليس يومك"، قالت أم المؤمنين: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وأخبرته بالأمر فرضي عن صفية" (٣)، وعن رافع بن خديج وامرأته ابنة محمَّد بن مسلمة الأنصاري نحو من هذا (٤).
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ﴾ ألزمت إياه وقرنت به وجبلت عليه ﴿الشُّحَّ﴾ الضنّة وهي حب إمساك المال وسائر الحظوظ، والمراد به هاهنا ضنة المرأة بنصيبها من الرجل وضنة الرجل بنفسه، أي: قل ما يترك المرأة بحظها، وقيل: ما يعطيها الرجل ذلك إذا رغب ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ معاشرتهن وتنفقدا بمحافظة الحدود ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تنبيه على الجزاء.
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ نفي كل الاستطاعة، كل العدل بينهن؛ لأن الإنسان وإن سوى بينهن في القسم لم يقدر أن يسوي بينهن في الحب والمناكحة والمطايبة ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ تجوروا كل الجور بأن تقبلوا على
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٠٤٠)، والطيالسي (٢٨٠٥)، والطبراني في الكبير (١١٧٤٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٩٧) عن ابن عباس وسنده صحيح. ورواه أبو داود (٢١٣٥)، وابن سعد في الطبقات (٨/ ٥٣، ١٦٩)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٧٤، ٧٥) عن عائشة وسنده حسن.
(٢) (ﷺ) من "ب".
(٣) عزاه القرطبي في تفسيره (٥/ ٤٠٥) لابن خويز منداد في "أحكام القرآن".
(٤) مالك في الموطأ (٢/ ٥٤٨، ٥٤٩)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٧٥)، وابن جرير (٧/ ٥٥٧)، والحاكم (٢/ ٣٠٨).
[ ٢ / ٦٣٦ ]
بعضهن وتعرضوا عن بعضهن ﴿فَتَذَرُوهَا﴾ تتركوها كالمعتدة أو كالمولى عليها.
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ وإن لم يصلحا وتفرقا بالطلاق ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا﴾ كل واحد منهما عن صاحبه ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ وغناه إما بأن يبدله خيرًا منه، وإما أن يرزقه الصبر والقناعة الواسعة.
وفي قوله: ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تهديد أي: لا مهرب لكم منه ﴿غَنِيًّا﴾ ينفي الحاجة ويثبت القدرة والوسع ﴿حَمِيدًا﴾ محمود الصفات لقدمه وإحسانه وأنه يثني على عباده المطيعين.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ تضمنت الآية معنيين التهديد والإخبار عن القدرة ونفاذ المشيئة: إن يشأ إذهابكم يذهبكم، يفنيكم أو ينقلكم من الدنيا إلى الآخرة ﴿بِآخَرِينَ﴾ الرزية أو ما الله به أعلم.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾ أي: من كان مريدًا عمل الشرط في معنى كان في دون لفظه؛ فإن لفظه ماض والماضي مبني غير معرب، ولذلك أتينا بالماضي إذا توسط بين حرف الشرط والشرط متوسط في نحو قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا (١)﴾ [النساء: ١٢٨] ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] ولو أتينا به والمتوسط بالفعل المستقبل لما حسن ذلك؛ لأنا إن أعملنا الشرط فيه بطل توسط المتوسط ولا بطل معنى الشرط ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: فليطلبه بطاعة الله فإنه عند الله دون ما يطلبونه من الطواغيت.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فصل آخر مبتدأ واتصالها بما قبلها من حيث المواريث والوصايا والأنكحة تحتاج إلى الشهادة وإقامة القسط ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ والشهادة على الأنفس الإقرار والاعتراف، قال الله مخبرًا عن الكفار: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] إن يكن (٢) المشهود عليه،
_________________
(١) (نشوزًا أو إعراضًا) من "ب". وفي "أ": (نشوزًا) فقط.
(٢) في "ب": (يكون).
[ ٢ / ٦٣٧ ]
فالله أولى بكل واحد من الغني والفقير وهو يأمركم بالشهادة عليهما، أي: لا يحملنكم موالاتكم إياهما عن كتمان الشهادة؛ فإن من هو أولى منكم بما يأمركم بأدائها ويحتمل أن الكناية راجعة إلى المشهود عليه والمشهود له وتقديره فالله أولى به وبخصمه ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ لتعدلوا (١) وتقسطوا عند الزجاج والفراء (٢)، وقال ابن جرير: هذا من العدول فيكون ترجمة لاتباع الهوى.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ أي: آمنوا ببعض آمنوا بالكل لما تتلوه، وقيل: آمنوا بالنعت آمنوا بالمنعوت كقوله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقيل: آمنوا وجه النهار وآمنوا آخره لقوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ به (٣) وقيل: آمنوا بألسنتكم آمنوا بقلوبكم لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٤٠] وقيل: آمنوا فيما مضى وفي الحال وذاقوا على الإيمان في المستقبل لقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] وقيل: آمنوا بألسنتهم أخلصوا بعقائدهم تحققوا في الإيمان بدوام مراقبتكم وتهذيب خواطركم لقوله -﵇- لحارثة: "كيف أصبحت؟ " قال: أصبحت مؤمنًا حقًا (٤) الخبر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ عن قتادة: أنها نزلت في أهل الكتاب (٥)، وعن الحسن: في الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره (٦)، وعن مجاهد وابن زيد: نزلت في المنافقين (٧)، وهذا أصح لأنهم تردّدوا في أمرهم وأصرّوا
_________________
(١) (لتعدلوا) ليست في "ب".
(٢) ذكره الزجاج في (معاني القرآن) (٢/ ١١٨)، والفراء في (معاني القرآن) (١/ ٢٩١).
(٣) (به) من الأصل.
(٤) رواه عبد بن حميد (٤٤٥)، والطبراني في الكبير (٣٣٦٧)، وابن أبي شيبة (٣٠٤٢٥) بسند ضعيف، وروي عن أنس وأبي هريرة بسند ضعيف أيضًا.
(٥) رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٧٦)، وابن جرير (٧/ ٥٩٧).
(٦) عزاه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٢٢٥) للحسن.
(٧) أما عن ابن زيد فعند ابن جرير (٧/ ٥٩٨). وأما عن مجاهد فعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٧٧) لابن المنذر.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
على اعتقاد الكفر وماتوا عليه، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ شيئًا من كفرهم الأول والثاني والثالث لأن الكفر المتأخر أحبط العمل المتقدم ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ لا يوفقهم، و(التوفيق): هو التيسير لليسرى، وذلك غير واجب بعد التمكين الذي يلزم به الحجة، وقبول توبة هؤلاء مختلف فيه. ﴿أَيَبْتَغُونَ﴾ على الإنكار ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ﴾ أي: المنعة ﴿لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ يكرم بها من يشاء وقد وردها لرسوله وللمؤمنين.
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] وإن لترجمة المنزل ما هو، والتقدير: وقد نزل عليكم في الكتاب شيئًا وهو قوله: ﴿أَنْ (١) إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا (٢)﴾ بالقرآن وهو استخفافه ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ فطرد المعاشرة دون المجادلة والتقية، وإنما أباح القعود بعد الغاية لرفع الجناح ولاستمالتهم، والكناية في ﴿مَعَهُمْ﴾ راجعة إلى الكافرين والمستهزئين، والخوض في الحديث هو الشروع في الكلام وضده الإمساك عنه، ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي: إن قعدتم معهم موالين إياهم كنتم مثلهم في الكفر والنفاق ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ المضمرين الكفر و﴿وَالْكَافِرِينَ﴾ المظهرين له.
﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ أي: نزول الدوائر والحوادث ﴿فَتْحٌ﴾ نصرة ﴿نَصِيبٌ﴾ دولة ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ نشارككم في هذا الغزو ويطلبون الشركة في الغنيمة ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ﴾ ألم نغلبكم ونستول عليكم مع المؤمنين ونحكم ونُجرْكم، يذكرون أياديهم حالة الاستيلاء ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ﴾ يفصل الحكمة ﴿سَبِيلًا﴾ أي: حجة صحيحة، ويحتمل أن معناه إن ينصرهم عليهم فإنهم وإن غَلَبوا فهم المخذولون الأخسرون.
﴿كُسَالَى﴾ جمع كسلان، و(الكسل): التثبط والتبرم والقليل من الذكر ما ﴿يُرَاءُونَ﴾ ويسمعون به.
_________________
(١) (أن) من الأصل.
(٢) (ويستهزأ بها) ليست في "أ".
[ ٢ / ٦٣٩ ]
﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ مترددين مضطربين ومنه يقال لأسافل الثوب: ذباذب، ويحتمل من الذب، أي: يذبون كل فريق من أنفسهم بنوع من الخداع ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ أي: ليسوا مع هؤلاء في الإخلاص ولا مع هؤلاء في المحاربة ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾، أي: هم ضالون أضلهم الله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ يأتيها.
﴿أَتُرِيدُونَ﴾ على سبيل (١) الإذكار ﴿أَنْ تَجْعَلُوا﴾ أي: تقيموا ﴿سُلْطَانًا﴾ أي: حجة، وهذا على المجاز، وحقيقته: أتريدون أن تكونوا من الذين لله عليهم سلطان بيِّن بالإعذار والإنذار.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ لأنهم شر أصناف الكفرة لخبثهم وخداعهم، و(الدركات والإدراك): المنازل والمراتب إلى الأسفل. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عن النفاق ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ عقائدهم ﴿وَاعْتَصَمُوا﴾ امتنعوا بالله عن الشيطان ووساوسه والكفار ومكائدهم ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ أي: نابذوا الكفار وحققوا موالاة المؤمنين، وإنما قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يصرح بإيمانهم تعظيمًا لشأن النفاق.
﴿مَا يَفْعَلُ﴾ ما يصنع به، وأي غرض له فيه استفهام بمعنى النفي.
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث إن الجهر (٢) بالسوء من خصال المنافقين، وفيهم قوله: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] وقد سبق ذكرهم، وعن عبد الرحمن بن زيد: أن الآية نزلت في أبي بكر الصدِّيق شتمه رجل مرارًا وهو ساكت ورسول الله - ﷺ - (٣)، ثم ردّ أبو بكر مرة فقام رسول الله كالمنكر عليه (٤)، ومعناه: لا يحب الله
_________________
(١) في جميع النسخ: (على وجه الإذكار)، والمثبت من الأصل.
(٢) في الأصل: (الخبر).
(٣) (ﷺ) من "ب".
(٤) أما سبب النزول بهذا اللفظ فلم أجده إلا ما ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٢٣٧)، وعزاه لمقاتل، ولكن وردت هذه القصة عند أبي داود مرسلًا دون ذكر أسباب النزول.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
الجاهر بالقول السيء ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ أي: الجاهر المظلوم مثل أبي بكر، ويحتمل: لا يحب الله جهر أحد بالقول السيء إلا جهر من ظلم (١)، والاستثناء على هذين متصل، وقيل: منقطع، أي: لكن من ظلم فله أن يجهر، وعن مجاهد: أن المظلوم هو الضيف المحتاج إذا مرّ بإنسان فلم يقريه فله أن يشكوه ويذمه. (العليم): يعلم الزجر عن جهر قول السيء وعن إسراره (٢).
وفي قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ الآية ندب إلى الجهر بالقول الحسن وإلى إضماره وإلى العفو للمظلوم عفوًا يعني: فافعلوا فإن الله عفو بقدرته يحب أن يستنوا بسنته، أو فافعلوا فإنّ الله يجازيكم بعفوه قدير على مجازاتكم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ نزلت في أهل الكتاب. وفي الآية في ليل أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص (٣)، وأنه لا منزلة بين المنزلتين، وأن من اتخذ
_________________
(١) من قوله: (أي الجاهر) إلى قوله: (من ظلم) ليست في "ب".
(٢) عن مجاهد رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٧٦)، وابن جرير (٧/ ٦٢٩).
(٣) لا يوافق الجرجاني على قوله هذا بل الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا الذي تظافرت به الأدلة من الكتاب والسنة والآثار عن السلف؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفَال: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريَم: ٧٦]. وقال تعالى ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدَّثِّر:٣١]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] وغيرها من الآيات. وأما من السنة فقوله ﵊: "ما رأَيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا " الحديث أخرجه البخاري (١/ ٣٤٥) ومسلم (١/ ٧٩) كتاب الإيمان- باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وقوله ﵊: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " أخرجه مسلم (١/ ٣٥) كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان عن أبي هريرة مرفوعًا، وحديث الشفاعة وأنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، والأحاديث كثيرة في ذلك؛ ومن أقوال الصحابة قول أبي الدرداء - ﵁ -: من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه. وكان عمر - ﵁ - يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيمانًا. وكان ابن مسعود - ﵁ - يقول في دعائه: اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا. والآثار عن السلف كثيرة جدًا في ذلك؛ وبهذا يتبين الحق في هذه المسألة من أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
[ ٢ / ٦٤١ ]
من ذلك سبيلًا كان كافرًا حقًا؛ لأن الله يشهد بالصدق لجميعهم فمن كذب بالبعض فقد كذب بالكل.
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ نزلت في اليهود طالبوا النبي - ﷺ - (١) بكتاب مكتوب مثل التوراة تنزله من السماء متحكمين، فأنكر الله ذلك عليهم وبيَّن لهم (٢) أن موسى أتاهم بذلك فلم يقتنعوا به وطالبوه بما هو أجل شأنًا منه (٣)، وفيه دليل على جواز رؤية الله تعالى، ثم في قوله: ﴿اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ لترتيب الأخبار دون المخبر فيها؛ لأن مطالبة السبعين بالرؤية وعبادة الباقين العجل في آنٍ واحد ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ ما أيد الله موسى بمصر حين عبر البحر قبل المتغلب.
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ عارض بين الأسباب المذكورة لتحريم الطيبات وبكفرهم وقولهم على مريم من الأسباب المحرمة للطيبات، لمَّا عَلِمَ الله أنهم سيأتونه لا محالة عجَّل المسبب، وليس هو كتقديم العقوبة على المذنب، ولكنه كخلقه آدم وإسجاد الملائكة له (يعلم ما لا يعلمون).
﴿وَقَوْلِهِمْ﴾ أي وبقولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا﴾ وهذا من الأسباب المحرمة للطيبات أيضًا، ويحتمل أن هذا وما قبله من البهتان سبَّبا الطبع على القلوب ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ من اليهود والنصارى ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ استثناء منقطع عند البعض (٤) قالها في قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ راجعة إلى العلم أو الظن، أي: لم يحكموه.
_________________
(١) في "ب": (طلبوا - ﷺ - بكتاب).
(٢) (لهم) من "ب".
(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٦٣٩)، وابن أبي حاتم (٦١٨٦)، عن السدي وعن محمَّد بن كعب القرظي وابن جريج.
(٤) وهذا قول الجمهور، والأظهر في الآية أنه استثناء منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس من حسن العلم وهي لغة الحجاز -أي النصب- ويجوز عند تميم الإبدال من "علم" لفظًا فَيُجَر أو على الموضع فيرفع لأنه مرفوع المحل. والوجه الثاني: أنه استثناء متصل وهو اختيار ابن عطية بحجة أن العِلْم والظن يضمهما جنسُ أنهما من معتقدات اليقين. وقول ابن عطية هذا فيه بُعْد؛ لأن هناك فرقًا بين الظن -وهو ما ترجح فيه أحد الطرفين- وبين اليقين - وهو ما جزم فيه بأحدهما. وعلى هذا فإن القول الأول بأنه استثناء منقطع هو المتعين -والله أعلم-. [المحرر (٤/ ٣٠٤)، الدر المصون (٤/ ١٤٧)].
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وقيل: إلى المقتول المصلوب، أي: قتلوه متوهمين لا بيقين أنه المسيح -﵇-، وقيل: عائدة إلى المسيح ما قتلوه حقيقة ولكن على زعمهم، بل رد لكلامهم.
﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ بعيسى، وعن عكرمة: بمحمد (١)، والجميع أنه عند معاينة العباس يؤمن بالجميع فلا ينفعه إيمانه ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ - موت عيسى [-﵇-] (٢) - يؤمنون به إذا أنزل من السماء.
وإنما قيد أخذ الربا بالنهي؛ لأنه ليس بمذموم قبل النهي في العقل قبله إلا أن فيه نوع كراهة فيوقف الذم على النهي بخلاف الضد، وأكل أموالط الناس وخص الكافرين منهم لأنهم لم يكونوا سواء.
والواو في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ للجمع بين صفتي القوم والمقيمين في محل الخفض عطفًا على الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ من حملة اليهود ومنِ غيرهم من المصلين، أو عطف على قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي هؤلاء [الراسخون يؤمنون بالمقيمين أيضًا وهم الأنبياء، وقيل: نصب على المدح (٣).
_________________
(١) من قال أنه عيسى روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - ومجاهد والضحاك والحسن، ومن قال: "يؤمنن به" أي بمحمد - ﷺ - روي ذلك عن عكرمة، وقد روى ذلك عنهم الطبري في تفسيره (٧/ ٦٧٠).
(٢) ما بين [] من "ب".
(٣) أي أن "المقيمين" منصوب على المدح، وهو أظهر الأقوال، وهو منسوب لسيبويه وأبي البقاء. والقول الثاني: أن يكون معطوفًا على الضمير في "منهم" أي: لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة. والقول الثالث: أن يكون معطوفًا على الكاف في "إليك" والتقدير: يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة وهم الأنبياء. القول الرابع: وينسب إلى الكسائي: أن يكون معطوفًا على "ما" في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: يؤمنون بما أنزل إلى محمَّد - ﷺ - وبالمقيمين. [المحرر (٤/ ٣٠٨)، الإملاء (١/ ٢٠٢)، البحر (٣/ ٣٩٥)].
[ ٢ / ٦٤٣ ]
اتصال قوله ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾] (١) بما قبله من حيث مقابلة اليهود بتنزيل الكتاب المكنون نقول: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا﴾ إلى هؤلاء وإنما ابتدأ بنوح لأنه يعرفه الكل بالأخبار المتواترة، وهو المسمى آدمٍ الأصغر، ولا يعرف من قبله الأنبياء، وعطف إبراهيم على الأنبياء تشريفًا له كما قال: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأحزاب: ٧] ويحتمل النبيين هم الذين كانوا بين نوح وإبراهيم، وقدم عيسى على أيوب ويونس تشريفًا له لكونه من جملة أولي العزم، والواو لا توجب الترتيب. وأيوب -﵇- هو أيوب بن موص بن زَعّوِيل؛ عن وهب، وكان أبوه ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه، وأمه بثينة بنت لوط -﵇- وتحته ليَّا بنت يعقوب وهي التي ضربها بالضغث، وكان أيامه أيام الأسباط. وبعدهم يونس -﵇- وهو يونس بن متّى أحد عباد بني إسرائيل وزهادهم بعثه الله بعد إلياس واليسع إلى أهل نينوى، وهو ذو النون، وإنما قدمه على هارون وداود وسليمان لأن الواو لا توجب الترتيب ﴿وَهَارُونَ﴾ هو هارون بن عمران أخو موسى أكبر منه بسنة أشركه الله في أمر موسى وأرسله إلى آل (٢) فرعون، وإنما قال: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ لينوّه بذكره تعويضًا عن تقديمه أو ليعلم أنه أتى بالزبور ولم يأت به مكتوبًا من السماء.
﴿وَرُسُلًا﴾ نصب عطف على داود أي: أعطيناهم زبرًا أو لوقوعٍ القصص عنيه، وإنما قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ لينوه بذكره تعويضًا عن تقديمه أو ليعلم أنه أتى بالتوراة ولمٍ يأت به مكتوبًا عامة للحجة بما أتى من الكلام المعجز هان لم يكن مكتوبًا من السماء، وأكد بالمصدر ليعلم أن الله كلمه حقيقة وخاطبه خطابًا وليحسم توهم المجاز، ونحو قولك: مال برأسه، وقال بيده، والتكلم صفة لله تعالى حقيقة من غير كيفية.
﴿رُسُلًا﴾ أي: أرسلنا رسلًا.
_________________
(١) ما بين []، ليست في الأصل.
(٢) في "أ": (وأرسلهما إلى فرعون)، وفي "ي": (وأرسلها إلى آل فرعون)، والمثبت من "ب" "ي".
[ ٢ / ٦٤٤ ]
﴿لَكِنِ﴾ يدل على مستدرك نحو قولهم: لن يشهد لك بالنبوة حتى تنزل علينا كتابًا نقرأه، وشهادة الله هو هذا القرآن المعجز وما ذكر في التوراة والإنجيل والزبير من نعته وما آلم أولياءه من التصديق له ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: أنزله وهو عالم غير ساهٍ ولا مخطئ، و(شهادة الملائكة): إيمانهم به، وإنما أخبر لتشريف النبي -﵇-.
(صدوا): صَرَفوا الناس. ﴿وَظَلَمُوا﴾ ما ضموه إلى كفرهم من سائر الخصال المذمومة ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ كفرهم ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ التوفيق لظلمهم في ﴿طَرِيقًا﴾ سبيلًا.
﴿طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وهو الكفر ﴿خَالِدِينَ﴾ نصب على الحال للمهديين إلى النار ﴿خَيْرًا﴾ نصب على القطع عند الكوفيين وعلى المحل عند البصريين فكأنك قلت: أتيت خيرًا (١).
﴿لَا تَغْلُوا﴾ لا تجاوزوا الحد، و(الغالي): الفاحشبى، وغلوهم في دينهم: الإفراط في أمر المسيح -﵇-، ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ أب أم وابن أو روح ونفس وعلم، ﴿إِنَّمَا اللَّهُ﴾ إنما هو خالق الأشياء كلها سبحانه تنزيهًا عن السوء.
﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ لن يأنف أولًا رد على المخاطبين الذين يدعون لعيسى لنظم الكلام، ثم رد على من يشاكلهم كمن قال للأمير: لا تقاومني أنت ولا وزيرك ولا أتباعك، المراد بـ (البرهان): القرآن، وكذلك بـ (النور المبين).
﴿وَاعْتَصَمُوا﴾ بالله أو بالقرآن، ﴿فِي رَحْمَةٍ﴾: في نعمة وهي الجنة، ﴿وَفَضْلٍ﴾ ونعمة زائدة على الموعود.
﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري سأل ما يرث من
_________________
(١) انظر الكتاب لسيبويه (١/ ١٤٣)، والكاف للزمخشري (١/ ٥٨٤)، معاني القرآن للفراء (١/ ٢٩٥)، الدر المصون (٤/ ١٦٤).
[ ٢ / ٦٤٥ ]
أخته وما ترث منه أخته، ﴿إِنِ امْرُؤٌ﴾ مرتفع بإسناد الفعل إليه، هلك: في محل الجزم، ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ لئلا تضلوا، حذف للاكتفاء. وعند البصريين بين كراهة أن تضلوا، والله أعلم.
***
[ ٢ / ٦٤٦ ]