مكية (١)، وهي خمس وتسعون آية في عدد أهل الحجاز (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿مَنْ فِي (٣) النَّارِ﴾ من (٤) في طلب النار، وقيل: المراد به روح من أمر الله، وفي مصحف عبد الله وأبي بن كعب (٥): ﴿بوركت النار ومن حولها﴾ والعرب تقول: باركك الله وبارك فيك وبارك عليك.
﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ﴾ عائد إلى المنادي أو إلى جاعل النار في الشجرة، وقال الفراء: هو (٦) عماد.
﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ (٧) أي لم يكن على ما وراءه، قال شمر: كل راجع
_________________
(١) مكية باتفاق أهل التفسير.
(٢) في الكوفي (٩٣) آية، (٩٤) آية في البصري والشامي. انظر "البيان" ص ١٩٩.
(٣) (في) ليست في الأصل.
(٤) (من) ليست في "أ".
(٥) ذكر ابن حبان في "البحر المحيط" (٧/ ٥٦) أنها قراءة شاذة وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وعكرمة. وذكرها في "الدر المنثور" (١١/ ٣٣٥) وعزاها عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٦) (هو) مكررة في الأصل.
(٧) المشهور في التعقيب حديث ابن عمر مرفوعًا: "من عقب ما بين المغرب والعشاء بني له في الجنة قصران " أخرجه الجرجاني في تاريخ جرجان (١/ ٧٤)، وذكره في كنز العمال (٧/ ١٦١)، أما اللفظ الذي ذكره المؤلف فلم نجده.
[ ٣ / ١٣٣١ ]
معقب، وعن سفيان: لم يمكث، وفي الحديث: "من عقب في صلاة" (١) أي من أقام بعد ما يفرغ من الصلاة في مجلسه ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ نفي الخوف عنهم على سبيل الإطلاق لزوال قدرتهم واختيارهم، ولا يحلوا بروح الله تعالى لنزول الوحي عليهم، أو لاستبقائهم الكرامة وإرادة الخير كأهل الجنة في الجنة، ويحتمل نفي الخوف عنهم على سبيل التفنيد أي لا يهابون في مراقبته شيئًا من مخلوقاته.
﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾ استثناء متصل، والمراد بالظلم الخوف نفسه لا غير، وقيل: استثناء منقطع، والمراد به الأنبياء -﵇- وغيرهم، وفائدة اللفظ تنبيه موسى -﵇- (٢) على الاستغفار من خطيئته ﴿جَيْبِكَ﴾ وهو الشق في القميص يخرج الإنسان منه رأسه.
﴿وَجَحَدُوا﴾ الجحود ضد الإقرار، والتقدير: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ ظلمًا وعلوًا ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ عرفتها وتيقنت بكونها معجزة إلهية، ألا ترى قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤].
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ قيل: كان لداود -﵇- (٢) تسعة عشر ابنًا فلم يرثه إلا سليمان -﵇- ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ أخص من القول وأعم من التكلم، فظاهر الاستعمال لأن القول يوصف به الجماد، والنطق لا يوصف به إلا ذوات الأرواح، والتكلم لا يوصف به إلا القادر على تصميمه مقولة حروف التهجي.
﴿يُوزَعُونَ﴾ يحبسون، يحبس أولهم على آخرهم لئلا ينقطع بعضهم عن بعض، وقيل: فهم يحبسون في طاعته أي يسخرون له.
﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ كان معروفًا في ذلك الزمان أو ذكره معروفًا فيما بين
_________________
(١) المثبت من "ي"، وفي البقية (صلاة) بدون (في).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٣٣٢ ]
العرب (١)؛ لأن الله تعالى سلط النمل على كثير من الأمم فجلاهم عن ديارهم، وإنما خاطبت خطابًا لتكليفها إياهنّ تكليف العقلاء، ﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾ قراهن وجحرهن ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسرنكم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ تمهيد لعذر سليمان وجنوده أو تحقيق للإنذار كي لا يقول واحد لا تظلمنا، وهو تبرؤ وتقبيح لتركهن الحذر؛ فإن من تعرض لسهم عزب كان أجهل وأشد لومًا ممن تعرض لمتعهد (٢) القتال.
وعن الشعبي أن النملة التي فقه سليمان -﵇- (٣) كلامها كانت ذات جناحين (٤).
﴿فَتَبَسَّمَ﴾ أظهر الضواحك من الأسنان فرحًا للشكر على تفهيم الله إياه كلام النملة، أو على إلهام الله النملة عذر سليمان، أو لتعجيبه على قضية الطبيعة ﴿أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني واجعلني مولعًا بشكرك (٥) وبالعمل الصالح، وفي الحديث: "كان موزعًا بالسواك" (٦) أي مولعًا به.
﴿وَتَفَقَّدَ﴾ طلب المفقود بجواز أن يكون مترتبًا على مقدار؛ أي صرفت (٧) عن رؤيته ﴿أَمْ (٨) كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ وقيل: أم بمعنى الاستفهام، وقيل: بمعنى بل، وفي الآية دليل على وجوب التفقد والتيقظ على الإمام والرئيس. و﴿الْهُدْهُدَ﴾ جنس من الطير ملون في حجم الفاختة، له عرف
_________________
(١) قيل إنه بالطائف - قاله كعب -، وقيل إنه بالشام - قاله قتادة - ذكره عنهما ابن الجوزي في تفسيره [زاد المسير (٣/ ٣٥٦)].
(٢) في "أ": (لمتعمد).
(٣) في "ي": (السلم).
(٤) ابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٥٧).
(٥) في "أ" "ب": (يشكرك).
(٦) هذا الحديث ورد في كتب الغريب واللغة كالنهاية (٥/ ٣٩٣)، والفائق (٤/ ٥٧)، وكتاب العين (٢/ ٢٠٧)، ولسان العرب (٨/ ٣٩٠).
(٧) في الأصل و"أ": (صرف).
(٨) بدل (أم) في "أ": (أي).
[ ٣ / ١٣٣٣ ]
ورائحة منتنة، وكان الهدهد معجزة لسليمان كغراب نوح وورد إبراهيم وحمار عزير.
روى الشعبي عن عبد الله بن سلام قال: أعطي سليمان -﵇- (١) من عظيم الملك ما كان يخبز له في مطبخه كل يوم ستمائة كرّ حنطة ويذبح له كل غداة ستة آلاف ثور وعشرون ألف شاة، فكان يطعم الناس ويجلس معه على مائدته خاصة اليتامى والمساكين وأبناء (٢) السبيل ويقول: مسكين بين مساكين. قال: ولما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس ومسجدها تجهز فسار يحمله وجنوده الريح ويظلهم الطير، فوغل في البادية حتى وراء أرض تهامة واد في الحرم، فذبح للبيت طول مقامه بمكة كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة، وقال لمن حوله من أشراف قومه: إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناوأه ويكون سيفه سطوة على من خالفه، ويبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده سواء في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم.
قالوا: فبأيّ دين يخرج؟.
قال: بدين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه.
قالوا: وكم بيننا وبينه؟.
قال: زُهاء ألف عام، فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيّد الأنبياء وخاتم الرسل، وإن اسمه لمكتوب في زبر الأنبياء الماضين -﵈- (٣). فأقام بمكة أيامًا حتى قضى حجه.
ثم سار نحو أرض اليمن يوم نجم سهيل، فخرج من مكة صباحًا فوافى أرض صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ التي كانت تظله وجميع من كان معه من أصحابه، فرأى مكان الهدهد خاليًا
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في "ب": (وابن).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٣٣٤ ]
ليمس فيه الهدهد فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ إلى آخر الآيتين قال: وكان تعذيبه الطير نتفه ريشه لئلا يقدر على الطيران.
وكانت قصة الهدهد أنه نظر إلى هدهد ساقطًا على شجرة فانقض نحوه ليسأله عن خبر تلك الأرض، فقال له: أية أرض هذه؟ قال: هذه أرض سبأ، قال: فمن هذا الملك الذي سخر له ما أرى من الريح والشياطين والطير فإني لم أر من الناس أعطي مثل ما أعطي هذا، قال: هذا سليمان بن داود -﵇-، قال: وإنه لهو؟ قال: نعم، قال: فأين هو من ملكة هذه الأرض؟ فقال هُدهُد سليمان (١): ومن هي؟ قال: هي بلقيس بنت الهداهد الحميرية (٢) فإنها قد أعطيت من الملك والسلطان ما لم يعط أحد ممن مضى من ملوك هذه الأرض.
قال: فانطلق حتى ترينيها، فانطلق معه فأراها إياه وهي في قصر لها بصنعاء أمرت ببنائه على رؤوس الأساطين من الرخام، كل أسطوانة طولها خمسون ذراعًا قد نصبت فوق وحملتها خمسمائة، وبين كل أسطوانتين عشرة أذرع وعليها سقف من ألواح الرخام طُعِّم (٣) بعضها إلى بعض بالرصاص، والقصر فوق ذلك السقف فيه مجالس مطلية بالذهب والفضة مفصصة بألوان الجواهر، وللقصر شرف مطلية بماء الذهب الأحمر مفصصة بألوان الجوهر، وباب القصر مما يلي المدينة وله درج من الرخام الأبيض والأخضر والأحمر، كانت الشمس إذا طلعت على ذلك القصر التهب ذلك الذهب وتلك الجواهر كالتهاب النيران، تكاد تغشى العيون وتحار منها الأبصار، وبني لها في أسفل التل من قرار الأرض حائط بالصخور المنحوتة، حتى أرجع ذلك الحائط إلى ذروة التل، فكان ارتفاع باب القصر من القرار مائة ذراع، وهي حول التل
_________________
(١) من قوله (بن داود) إلى هنا سقط في "ب".
(٢) ورد ذكر اسم بلقيس عند القرطبي (بلقيس بنت السرح بن الهداهد بن شراحيل)، وانظر: "مختصر تاريخ دمشق" (١/ ٧١٤).
(٣) المثبت من "أ"، وفي البقية (لحم).
[ ٣ / ١٣٣٥ ]
قصر مشيد (١) مقطع بالحجر، ولكل قطعة باب يسير إلى التل يسكن فيها أحراسها وخدمها، فكان إذا دخل عليها قوادها ورؤساء أهل مملكتها من وراء حجاج، فإذا حزبها أمر أسفرت لهم عن وجهها.
وكان لها أربعة وعشرون قائدًا تحت كل قائد ثلاثون ألف رجل، وكان اثنان وعشرون وزيرًا، فقالت لوزرائها: ما كان يعبد آبائي الماضون؟ قالوا: كانوا يعبدون إله السماء، قالت: وأين هو؟ قالوا: هو في السماء وعلمه في جميع الأرض، فقالت: كيف أعبده وأنا لا أراه ولست أعرف شيئًا أنور نورًا من الشمس فهي أولى بالعبادة، ثم عبدت الشمس من دون الله وحملت قومها على عبادتها، فكانوا يسجدون لها إذا طلعت وإذا غربت.
فانصرف الهدهد إلى سليمان -﵇- فأخبره بأمرها فكتب إليها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾، فحمل الهدهد الكتاب وأقبل به حتى دخل عليها وهي في مجلسها بينها وبين قومها ستارة وتكلمهم من ورائها، فكان دخوله عليها من كوة في جدار ذلك المجلس، فقذف الكتاب في حجرها ففزعت منه، فلما قرأته قالت للهدهد: من أرسلك بهذا الكتاب؟ قال: أرسلني نبي الله سليمان بن داود -﵇-، قالت: وأين هو؟ قال: معسكر بجنوده من الجن والإنس والطير على تخوم أرضك. فعندها قالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ إلى قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ فأهدت سليمان ألفي فرس مجللة بالحرير، وألف وصيف وألف وصيفة، وركبوا تلك الخيول منها ألف فرس ذكور وعليها الوصفاء، وألف إناث وعليهن الوصائف مسورين بأسورة الذهب مكللين بالتيجان، وأرسلت إليه بحُقِّ مصمت (٢) لا ثقب فيه وفي جودها مائة ياقوتة (٣)، فانبرت للحق دودة - تكون اليوم في
_________________
(١) (مشيد) من "ب"، وفي البقية (فسد).
(٢) (مصمت) ليست في الأصل.
(٣) في "أ": (يا قوم).
[ ٣ / ١٣٣٦ ]
الخشب- فثقبته بأسنانها، وذلك أنها قالت للرسل: سلوه أن يثقبه بغير حديد.
وأهدت إليه درة على عظم البيضة لم يكن في ذلك العصر مثلها وكانت غير مثقوبة، فقالت للرسل (١): سلوه أن يثقبها بغير حديد، فانبرت دودة حمرة تكون في الماء، فقالت: يا نبي الله أنا أثقبها على أن تسأل الله أن يجعل رزقي في الماء، قال: ذلك لك، فثقبتها بأسنانها.
وأرسلت إليه بدرة لها ثقب معوج، وقالت للرسل: سلوه أن يدخل في الثقب خيطًا، فانبرت دودة فقالت: أنا أدخل فيه خيطًا على أن تسأل الله أن يجعل رزقي في الفواكه، قال: فإن ذلك لك، فلوت خيطًا على رأسها ودخلت في ذلك الذي في الدرة تتخلل حتى خرجت من الجانب الآخر.
فلما أتته الهدية قال (٢): ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ إلي قوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فلما ردّ عليها الهدية عزمت على إتيانه وقالت لقومها: إني صائرة إليه وممتحنة إياه بمسائل، فإن أصابها فهو نبيّ ولا طاقة لنا به، وإن كان ملكًا عزمنا على محاربته.
فسارت إليه في مائة وعشرين رجلًا من عظماء قومها ومع كل واحد منهم مائة رجل من حشمه وغلمانه.
وبلغ سليمان توجهها إليه، فعند ذلك قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ قال الشعبي: فسألت ابن عباس - ﵄ - عن الذي عنده علم الكتاب قال: كان ذلك آصف (٣) وكان يعرف اسم الله الأعظم.
_________________
(١) في "ب": (إلى الرسول).
(٢) تفاصيل الهدية التي أرسلتها إلى سليمان -﵇- ذكر بعضًا منها الضحاك وابن زيد ووهب بن منبه ذكره عنهم الطبري في تفسيره (١٨/ ٥٧)، وذكر ابن الجوزي تفاصيل الهدية عن ابن عباس مفصلة ومطولة. [زاد المسير (٣/ ٣٦١)].
(٣) ابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٨٥).
[ ٣ / ١٣٣٧ ]
فقال سليمان: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ فجعلوا مكان الذهب فضة ومكان الفضة ذهبًا وكذلك بدلوا الجواهر.
ونزلت بلقيس على علوة من معسكر سليمان -﵇- (١) ورأت ما أعطي سليمان من عظم الملك فتقاصر إليها ملكها، وأقامت ثلاثة أيام لا تبرح من مكانها فقال لها قومها: ألا تأتين هذا الملك فتنظري ما عنده؟ قالت: أنا صائرة إليه اليوم (٢) لأعرف عنه أمره، قالوا: وبم تعرفين ذلك؟ قالت: إن الملوك لا يجلس إليهم إلا بإذنهم، فإن أمرني بالجلوس إليه فإنه ملك وأمره هين، وإن لم يأمرني بالجلوس إليه ولم ينهني عن القيام فهو نبي ولا طاقة لي به، وسأمتحنه بثلاث مسائل فإن أصابهن لم أشك في نبوته وإن لم يصبهن علمت أنه ملك صاحب دولة.
وإن سليمان -﵇- (١) أمر الجن فبنوا عن يمين مجلسه وشماله رواقًا بلبن الذهب مفروشًا به وتركوا من فرشه موضع لبنة، ثم أقبلت ومعها خادم لها على عنقه لبنة من ذهب لتجلس بلقيس عليها، فلما دخلت الرواق فأبصرت ما أبصرت ونظرت إلى موضع اللبنة التي ليست بمكانها كرهت أن يظن القوم أن اللبنة المنزوعة التي هي معها، وأمرت الخادم بوضع اللبنة التي كانت معها في ذلك الموضع فاستوى مرسى الرحى بتلك اللبنة، ثم وقفت أمام سليمان فحيَّته بتحية الملوك، وقامت ساعة لا يأمرها بالجلوس ولا ينهاها عن القيام.
ثم رفع طرفه إليها وقال: يا هذه! إن الأرض بساط الله وإن العباد عباد الله فمن شاء فليقم ومن شاء فليقعد، فقعدت أمامه على كرسي من ذهب والإنس على يمين سليمان والجن على شماله ما يلفظ أحد منهم بكلمة، ونظرت إلى عرشها فأنكرته فقيل لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (اليوم) ليست في الأصل.
[ ٣ / ١٣٣٨ ]
فقال لها سليمان: يا أمة الله أدعوك إلى توحيد الله وتعظيمه وخلع ما تعبدين من دونه فيكون لك ما لنا وعليك ما علينا، فإن أبيت فأذني بحرب من الله ورسوله ولن يعجز بهما، فقالت: قد فهمت مقالتك أيها الملك ولست أعرف عنه أمرك إنك نبي أم ملك، وإني سائلتك عن ثلاثة أمور (١) فإن أخبرتني بها علمت أنك نبي ودخلت في دينك، وإن لم تعرفها علمت أنك ملك ثم انظر في محاربتك ومسالمتك.
قال: سلي ما بدا لك لأخبرك بما يوحي إلي فيه ربي.
قالت: فأخبرني عن شبه الولد بأبيه وآخر بأمه، وائتني بماء ليس من أرض ولا سماء، وصف لي صفة ربك لأعرفه.
فقال: أما صفة الولد وشبهه فإن نطفة المرأة إذا سبقت نطفة الرجل أشبه الولد أمه، وإذا سبقت نطفة الرجل نطفة المرأة أشبه الولد أباه.
وأما الذي سألت أن ليس من أرض ولا سماء فإني آتيك به الساعة، فأمر راضة الخيل فأجروا الخيل حتى عرقت فملؤوا من ذلك العرق قلة فأتوها بها.
فأما الثالثة قالت: فأخبرني عن المسألة، قال: حتى يوحى إليَّ فيها، قال: فأوحى الله تعالى إليه أني قد أنسيتها المسألة الثالثة فقل لها: ما كانت مسألتك الثالثة؟ قالت: ما سألتك غير هاتين المسألتين وقد أجبت عنهما وأنا ناظرة يومي هذا في أمري وعائدة عليك غدًا بما أرى.
ثم قامت فيمن كان معها من عظماء قومها فانصرفت إلى معسكرها فجمعت إليها من كان معها فقالت: إن هذا الرجل نبي مكرّم فما الذي ترون؟ قالوا: أنت أفضلنا رأيًا فافعلي ما بدا لك وفيه صلاحك وصلاح قومك، قالت: قد رأيت أن أسالمه (٢) وأدخل في طاعته لئلا يستبيح بلدتي ولا يسبي الذراري ولا يقتل المقاتلين قالوا: الرأي ما رأيت.
_________________
(١) (أمور) ليست في "ب".
(٢) في "أ" "ب": (أسأله).
[ ٣ / ١٣٣٩ ]
قال: ثم إن الجن الذين كانوا مع سليمان كرهوا أن يتزوجها سليمان لأنها كانت منتسبة من جهة أمها إلى الجن، واحتالوا وقالوا لسليمان: يا نبي الله إن هذه المرأة من جنية، وإن الجنية لم تلد إنسية وكان قدم الولد كحافر الحمار. فأمر سليمان الجن فاتخذوا أمام مجلسه صرحًا من قوارير تحته الماء، وفي الماء سمك، ففعلوا ذلك واعتذروا إلى سليمان مما قالوا في بلقيس وأقروا أنهم كذبوا عليها، فأعجب سليمان ذلك الصرح وقال لهم: أحسنتم، قد عفوتكم عما قلتم فلا تعودوا إلى مثله.
قال (١): وأقبلت بلقيس حتى قربت من الصرح وسليمان قاعد في ذلك الجانب من الصرح فنظرت إليه وقالت لقومها: هذا الرجل إنما دعانا ليغرقنا في هذه اللجة، فقال لها قومها: مرينا بأمرك فإنا لا نبالي أفي الماء غرقنا أم بالسيوف قتلنا، ثم سلَّ القوم سيوفهم، فقال آصف لبعض العفاريت: أصح بهم صيحة، فصاح بهم ذلك العفريت فخروا على وجوههم ثم وثبوا وهم فزعون.
قال: وتقدمت بلقيس إلى الصرح لتعبر (٢) وهي تظن أنه ماء جار، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتخوضه، ونظر سليمان إلى قدميها فإذا هما أحسن قدم يكون على (٣) امرأة، فأمر مناديًا فناداها أن غطي ساقيك فإنه ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ فاستحيت بلقيس وأرسلت ثوبها على ساقيها ثم قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وأقبلت حتى جلست على كرسي أمام سرير سليمان وقالت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وحملت الريح صوتها إلى قومها قالوا بأجمعهم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
قال: ونظر سليمان إليها وتأملها لحسنها وجمالها فقال لها: ويحك يا بلقيس أفنيت شبابك في عبادة الشمس من دون الله.
_________________
(١) (قال) ليست في "ب".
(٢) في الأصل و"أ": (فيغيروا).
(٣) (على) ليست في "أ".
[ ٣ / ١٣٤٠ ]
قالت: يا نبي الله دع ما مضى فالآن قد دخلت في دينك وقلت بمقالتك وشهدت بشهادتك غير أني أرى خاتمك (١) منقوشًا بلا حفر ولا كتابة فما الذي على خاتمك؟.
قال سليمان -﵇-: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله.
قالت بلقيس: من محمَّد؟.
قال سليمان: محمَّد رسول الله يكون في آخر الزمان.
قالت بلقيس: فلم صار اسمه على خاتمك دون اسمك؟.
فقال: لأنه أكرم على الله مني، ولن ينفعك الإيمان ولن يقبل الله منك صرفًا ولا عدلًا حتى تؤمني بمحمد - ﷺ - (٢).
فآمنت بلقيس ومن معها بنبينا محمَّد -﵇- (٣) من قبل أن يولد بدهر طويل.
قال: وهمّ سليمان أن يتزوجها وكره ما رأى من تلك الشعر وعرفت ذلك منه فقالت: يا نبي الله إن الرمانة لا تدري ما طعمها حتى تكسر.
فقال سليمان: ما لا يحلو في العين لا يحلو في القلب.
فقال بعضهم من نصحاء سليمان من الجن: يا نبي الله هل كرهت منها إلا هذا الشعر؟ أنا أحتال لها حتى يكون كالفضة البيضاء، قال: دونك، فعمل لها (٤) عند ذلك النورة، فتنورت فخرجت بيضاء نقية وكان ذلك أول ما اتخذت النورة، فأما الحمامات فقد كانت قبل ذلك بزمان (٥) ودهر طويل في ملك جم بن نوجهان وكان قد سخر له الجن والشياطين ولم يسخر له الريح والطير.
_________________
(١) (أرى خاتمك) من "ب" "ي".
(٢) (وسلم) ليست في "أ" "ي".
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) (لها) مكررة في الأصل.
(٥) في الأصل (بزمن).
[ ٣ / ١٣٤١ ]
قال: فتزوج بها سليمان -﵇- (١) ووقعت من قلبه موضع محبته فأقرها على ملكها وأمر الجن فابتنوا له بأرض اليمن ثلاث حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعًا وحسنًا ومجالس وقنادل مانظر من الخلق في سالف الدهر إلى مثله، قال: وجعلوا لهذا البنيان وهذه (٢) القبات أبوابًا من ألوان الجواهر، واتخذوا بين تلك الأبنية نخيلًا وأشجارًا وكرومًا من الذهب والفضة ثمرها الزبرجد والياقوت.
قال: ونظرت بلقيس إلى ذلك البنيان فبقيت متحيرة لا تقدر على الكلام ساعة ثم قالت: إن هذه القدرة لقدرة جبار عظيم لا تدركه العيون ولا تصفه الألسن، ولكنه له الملك والقدرة والسلطان لا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأفكار والأقطار، ثم أقبلت على سليمان فقالت: يا نبي الله أشهد لقد فضلك رب السماء والأرض على جميع خلقه فضيلة لا يطفأ نورها ولا يبيد ذكرها آخر الأبد ولن أصلح إلا لمثلك.
وكانت أسامي ما كانت تتولاه بأرض اليمن سليحين وبينون وغمدان، فكان سليمان -﵇- (٣) يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثًا ثم يبتكر فيمسي بالشام.
قال الشعبي: وحكي لنا أن بلقيس - ﵂ - لم تجلس على سرير الملك بعد إيمانها بالله ولا لبست حريرًا ولا ديباجًا ولا تحلَّت بالذهب، وكانت تقول: حسبي من الحسن والجمال والنور والبهاء توحيدي واسلامي وإيماني بربي (٤) وسجودي له، وحسبي من الفخر تزويجي لسليمان نبي الله ورسوله، لا جلست إلا مثل جلوس سليمان، ولا أكلت إلا مثل أكله، ولا لبست إلا مثل لباسه، ولا نظرت إلى السماء حياء من ربي إذ عبدت الشمس من دونه.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (البنيان وهذه) ليست في "ب".
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في الأصل: (يربي).
[ ٣ / ١٣٤٢ ]
قال: وكانت كذلك حتى قرأت التوراة والإنجيل وكانت مع ذلك لا تفتر (١) من القنوت والسجود في الليل والنهار (٢).
وفي قوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا﴾ دليل على كون ذلك الهدهد عاقلًا مخاطبًا مكلفًا، وفي قوله: ﴿لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ دليل على وجوب قبول العذر على الإمام والرئيس.
وعن فروة بن مسيك المرادي، قال: أتيت النبي -﵇- فقلت: يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ فأذن لي في قتالهم فأمرني عليهم، فلما خرجت من عنده سأل عني وأرسل الغطيفي فأخبرني وقد سرت فأرسل في أثري فردّني فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال: "ادعُ القوم فمن أسلم فأقبل ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث لك"، قال: وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل: يا رسول الله وما سبأ أرض أم امرأة؟ قال: "ليس بأرض ولا امرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم (٣) ستة وتشاءم منهم (٤) أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسّان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعرون وحميرة وكندة ومذحج وأنمار" فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (٥) (٦) وروى عن النبي نحوه.
وقوله: "منهم خثعم وبجيلة" يحتمل النسبة الحقيقية ويحتمل الموالاة
_________________
(١) في "أ": (تفتن).
(٢) هذا الأثر لم نجده، وأقرب شيء وجدناه ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٨٩٦، ٢٨٩٧) وذكره ابن كثير وعزاه لابن أبي شيبة وابن أبي حاتم واستنكر قول ابن أبي حاتم: (ما أحسنه من حديث) قال: بل هو منكر جدًا.
(٣) (منهم) ليست في الأصل.
(٤) في الأصل: (ونشأم عشرة أربعة).
(٥) في الأصل: (حسن بن عويب).
(٦) الترمذي (٣٢٢٢) والحديث صحيح.
[ ٣ / ١٣٤٣ ]
كما في قوله: "سلمان منا أهل البيت" (١) ثم يحتمل أن يكون وحيًا، ويحتمل أن يكون مسموعًا على سبيل الاستفاضة.
وقوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ لأن سليمان -﵇- (٢) كان مصروفًا عنه فيما ذكر (٣).
و(الصرفة) هو كاحتباس بني إسرائيل في التيه وكونهم مصروفين عما حواليه أربعين سنة.
و﴿الْخَبْءَ﴾ المخبوء وهو المستور، وفائدته أن عبدة الشمس إنما يعبدون لتبيينها المحسوسات وإظهارها المستورات، والله تعالى هو المبين لكل محسوس ومعقول فعبادته أولى.
وعن معدان بن طلحة قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله فقلت له: دلَّني على عمل ينفعني الله به أو يدخلني الجنة، فسكت عني ثلاثًا ثم التفت إلى فقال: عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله - ﷺ - (٤) يقول:"ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة" قال معدان: فلقيت أبا الدرداء فسألته عما سالت ثوبان، فقال: عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله -﵇- يقول: "ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة" (٥).
﴿نَنْظُرْ﴾ سنمتحن ونختبر.
_________________
(١) ابن سعد في الطبقات (٤/ ٩٨)، والطبراني (٦٠٤٠)، والحاكم (٢/ ٦٩١)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٤١٨) والحديث ضعيف وله شواهد.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في "ب": (مهما).
(٤) (وسلم) ليست في "أ".
(٥) الترمذي (٣٨٨، ٣٨٩)، والنسائي (٢/ ٢٢٨)، وابن ماجه (١٤٢٣، ١٤٢٤)، وأحمد (٥/ ١٦٤، ٢٨٠، ٢٨٣)، والدارمي (١٤٦١)، وابن خزيمة (٣١٦) والحديث صحيح.
[ ٣ / ١٣٤٤ ]
﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي اعتزلهم وانصرف عنهم، وقيل: ما فيه تقديم وتأخير: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾. عن ابن عباس عن النبي -﵇- (١) قال: "كرامة الكتاب ختمه" (٢).
وفي قوله: ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ دليل (٣) على حسن المشاورة، وقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ أي ممضية حكمًا.
وفي قولهم: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ دليل على حسن إظهار الجند بأسهم، وفي قولهم: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ دليل على حسن طاعة الرعية للإمام.
وفي قولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ دليل على وجوب حسن النظر في عواقب الأمور وتركهم قضية السورة والفورة ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ يجوز أن يكون أمر لكلام بلقيس على سبيل التأكيد، ويجوز أن يكون كلامًا مبتدأ من جهة الله على سبيل التصديق (٤)، وعن بعض الملوك أنها احتج بها على بعض النساك فقال: اقرأ الآية التاسعة عشرة من هذه ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾.
ففي قوله: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ دلالة على صحة امتحان رجال الآخرة ورجال الدنيا بالدنيا.
﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ﴾ لا طاقة ﴿بِهَا﴾ ولا يقابلونها بشدة وبأس.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) الحديث أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (٥/ ١)، والطبراني في الأوسط كما في المجمع (٨/ ٩٩)، والثعلبي في تفسيره (٣/ ١٢) عن ابن عباس مرفوعًا، قال الهيثمي: فيه محمَّد بن مروان السدي الصغير وهو متروك، وقال العلامة الألباني ﵀ في السلسلة الضعيفة (٤/ ٦٩/ ١٥٦٧) موضوع.
(٣) (دليل) من "ب" "ي".
(٤) جعلها ابن عباس من كلام الله، أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ٥٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٨٧٧/ ١٦٣٢٨).
[ ٣ / ١٣٤٥ ]
﴿عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ نافر قوي معه حيث وردها، يقال: رجل عفر وعفريت (١).
﴿نَكِّرُوا﴾ غيِّروا، وإنما يوجب نكره وفائدة الامتحان ظهور الفطنة وذكاء القريحة، وإن من كان أخرق في معيشته وعاجلته فأخلق به أن يكون أخرق في ديانته وآجلته، وليس يميز السفيه بين البرهان والتمويه، وعلى هذا تأول الجاحظ قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢] في كتاب المعاش والمعاد غير أنه فاسد لأن من شغله السعير عن الشعير والآخرة عن الأولى وأصبح متألهًا لم يعرف قيم السلع في السوق، وله في التوحيد والفقه رتبة لا يدري مداها ولا يبلغ أعلاها. ﴿وَصَدَّهَا﴾ يعني من شؤم إشراكها صدّها عن صواب القول، وقيل: صدّ سليمان، وهذا خلاف الظاهر.
﴿الصَّرْحَ﴾ البناء العالي كالقصر ﴿مُمَرَّدٌ﴾ ملس، وقيل: مطول ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ جمع قارورة وهو الزجاج. ولو شاء سليمان -﵇- (٢) لاطَّلع على ساقيها من غير هذه الكلفة لكن أمر بالاحتيال إكرامًا لها واحتراما إياها وتنبيهًا لها على ما آتاه الله من البسطة والتمكين. وفي الآية دليل على جواز النظر إلى الأجنبية على نية النكاح.
_________________
(١) في "عفريت" عدة لغات: الأولى: القراءة المشهورة "عِفْرِيْت" بكسر العين وسكون الياء بعدها تاء مجبورة. والثانية: قراءة أبي رجاء وأبي السمال وهي مروية عن أبي بكر الصديق "عِفْرِيَةٌ" بياء مفتوحة بعدها تاء التأنيث المنقلبة هاءً وقفًا ومنه قول ذي الرمة: كأنهُ كوكبٌ في إثرِ عِفْرِيَهٍ مُصَوَّبٌ في سواد الليلِ مُنْقَضِبُ والثالثة: "عِفْرٌ" بحذف الياء والتاء. والرابعة: عفاريةَ. والخامسة: وهي لغة طي وتميم: عِفْرَى كَذِكْرَى. والكلمة مشتقة من العفر، وهو التراب، وقيل: من العُفْر وهو القوة، والعفريت من الجن هو المارد الخبيث. [ديوان ذي الرمة (ص ١١١)، البحر (٧/ ٧٦)، اللسان (عفر)، الدر المصون (٨/ ٦١٤)، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة، (ص ٣٢٤)].
(٢) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٣٤٦ ]
﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ﴾ المؤمنون والكافرون ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يختلفون (١) في أمر صالح -﵇-.
﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ بنزول العذاب قبل أن تتم العافية المقدرة في الكتاب.
﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ كانوا يتطيرون بصالح وبالمؤمنين ويسندون الأمراض والآفات إليهم لكراهتهم مكانهم، فأخبر صالح -﵇- (٢) أن الشؤم من عند الله تعالى كما أن البركة من عند الله، لا خَيْر إلَّا خَيْره ولا طير إلا طيره ولا إله غيره، بل رد عليهم؛ أي لستم تصابون بالشر من جهتنا تختبرون بالشر لشقوتكم.
﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ قدار وأصحابه من بني عمير ﴿وَأَهْلَهُ﴾ وهم المؤمنون (٣).
﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ عصبته المتعصب له مئل أي طالب ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ مهلكه ومهلك أهله.
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ وقتلوا الناقة ﴿وَمَكَرْنَا﴾ دمرناهم، وقيل: مكرهم تقاسم هؤلاء التسعة الرهط، ومكر الله إرسال الجبل عليهم وهم في غار من الجبل قتل هؤلاء التسعة غير قدار وأصحابه خلوا به خالية.
﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ كونها مخالفة لفطرة الله تعالى، وقيل: إن بعضهم كان يأتي بعضًا في الأندية.
_________________
(١) (يختلفون) ليست في "ب".
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) التسعة رهط هم الذين عقروا الناقة وهم الذين يفسدون في أرض حجر ثمود ولا يصلحون تحالفوا على قتل صالح وأهله، ثم يقولون لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئًا، فدمرهم الله أجمعين، هكذا قال مجاهد وابن جرير والطبري في تفسيره (١٨/ ٩٠).
[ ٣ / ١٣٤٧ ]
﴿بَلْ﴾ للإضراب (١).
(أم) مرتبة على ألف الاستفهام وفيما بعدها بمعنى بل ﴿حَدَائِقَ﴾ جمع حديقة وهي البستان الذي أحدق به البناء، والبناء الذي أحدقت به الأشجار ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حسن ونضارة الأرض.
﴿قَرَارًا﴾ موضع قرار كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقيل: وجعل الأرض مستقرة كقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥].
﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ أم أدرك على سبيل الاستفهام ثم الشك، حقيقة حالهم، ثم العمى لنفي توهم الشك علمًا، فإن الشك جهل وليس بعلم، وقيل: هو كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩] ثم الشك (٢) والعمى، وقيل: ﴿ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ إيمان أكثرهم بها على سبيل الإجمال، والشك شك بعضهم والعمى عمى، و﴿بَلْ﴾ للإضراب دون الاستدراك، وقيل: الكلام على ظاهره والتناقض في أحوالهم المخبر عنها دون الخبر؛ لأنهم أيقنوا بانتهاء الدنيا في أول فكرهم ونظرهم على سبيل البديهة التي هي من قضية الفطرة، ثم شكوا فيها لتمكينهم الشبهات من قلوبهم، ثم عموا عنها باتباع الشهوات بقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] و(بل) للإضراب.
وقيل: ﴿ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ حصل لهم بتواتر الأخبار والآيات النبوية، يدل عليه قولهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ وشكهم يشككهم على سبيل المكابرة، وعماهم اعتقادهم خلاف العلم الضروري باعتقاد السوفسطائية (٣) (٤) في العالم واعتقاد الروافض في القرآن.
_________________
(١) في الأصل: (للاضطراب).
(٢) من قوله (علمًا فإن) إلى هنا ليست في "ب".
(٣) بدل (السوفسطائية) في "أ": (فراغ).
(٤) كلمة "السوفسطائية" يفسرها الفارابي في كتابه "إحصاء العلوم" ص ٢٤:"بأنها اسم للمهنة التي بها يقدر الإنسان على المغالطة والتمويه والتلبيس بالقول والإيهام " =
[ ٣ / ١٣٤٨ ]
﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي ردفكم، والسلام مقحمة كما في قوله: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦] تكن تخفى.
﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ أي بنو إسرائيل ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ إنه كان نبيًا مرضيًا أم ملكًا مقارنًا للمعصية وقد زكاه الله وأثنى عليه.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ولكن الله أسمعهم كلامه على سبيل التقريع وهم في قليب بدر.
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ وجب العذاب الموعود عليهم، والضمير عائد إلى غاية المحجوجين المخالفين بكفر أم ببغي ﴿دَابَّةً﴾ جنس من الحيوان لم يعرف بعد تكلمهم بلسان معهود معروف فيما بين الناس.
عن أنس بن مالك قال في دابة الأرض: أن فيها من كل أمة سيماها من هذه الأمة أنها تتكلم بلسان عربي مبين (١) قابل، والظاهر من هذه الدابة أنها آية ملجئة غير ملتبسة لاعتبار وقوع.
عن أبي هريرة أن النبي -﵇- (٢) قال: "تخرج الدابة معها خاتم سليمان وعصى موسى -﵇- فتجلو وجه المؤمن وتختم أنف الكافر بالخاتم حتى أن أهل الخوان يجتمعون فيقول هذا ها يا مؤمن ويقول هذا ها يا كافر" قال عيسى: هذا حديث حسن صحيح (٣)، قال إبراهيم: تخرج دابة الأرض من مكة (٤)، وقال ابن عباس: الدابة التي يخرج الله تعالى للناس يكلمهم
_________________
(١) = والكلمة يونانية مركبة من "سوفيا" بمعنى الحكمة ومن "أسطس" بمعنى المموهة. بمعنى حكمة مموهة. وقد فصل القول فيها شيخ الإسلام ابن تيمية كما في كتابه الصفدية (١/ ٩٧)، ومجموع الفتاوى (١٩/ ٧٥)، وانظر: مفاتيح العلوم للخوارزمي (ص ٩١).
(٢) (مبين) ليس في الأصل و"أ".
(٣) (السلام) ليست في "ي"، وبدلها في "ب": (- ﷺ -).
(٤) الترمذي (٣١٨٧)، وابن ماجه (٤٠٦٦)، وأحمد (٢/ ٢٩٥، ٤٩١)، والطيالسي (٢٦٨٧)، وابن جرير (١٨/ ١٢٢)، وابن أبي حاتم (٩/ ٢٩٢٣) والحديث ضعيف.
(٥) خروجها من مكة روي مرفوعًا من حديث حذيفة بن اليمان - ﵁ -، قال: قلت: يا رسول الله، من أين تخرج؟ قال: "من أعظم المساجد حرمة على الله، بينما عيسى =
[ ٣ / ١٣٤٩ ]
أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون هو الثعبان الذي كان في البيت فأرسل الله عقابًا فاختطفه (١).
وقال مجاهد: اختطف العقاب الثعبان فألقاه نحو المخسف العماليق بقية عاد (٢).
وقال مجاهد عن ابن عباس: ألقته العقاب بأجياد فمن أجياد تخرج الدابة.
وعن مجاهد عن (٣) عبد الله بن عمرو قال: تخرج الدابة من تحت الصفا فتستقبل المشرق فتصرخ صرخة يبلغ صوتها منقطع الأرض من المشرق، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة يبلغ صوتها منقطع الأرض من المغرب، ثم تستقبل اليمن فتصرخ صرخة كذلك، ثم تستقبل الشام وكذلك، ثم تغدو فتقيل بعسفان (٤).
عكرمة عن ابن عباس: إنما جعل المسبق من أجل الدابة فإنها تخرج قبل التروية بيوم أو يوم التروية أو يوم عرفة أو يوم النحر، أو الغد من يوم النحر (٢).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول (٥) الله - ﷺ -: "خمس ينذرن الساعة لا أدري أيتهن قبل، وأيتهن جاءت لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: الدابة ويأجوج ومأجوج والدجال وطلوع الشمس من مغربها وعيسى ابن مريم" (٦).
_________________
(١) = يطوف بالبيت ومعه المسلمون، إذ تضطرب الأرض تحتهم تُحَرِّكُ القنديل، وينشق الصفا مما يلي المسعى وتخرج الدابة من الصفا " الحديث أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ١٢٤)، والبغوي في تفسيره (٦/ ١٧٩)، وذكره الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/ ٢٠)، وكذا روي عن ابن مسعود كما في زاد المسير (٣/ ٣٧٠).
(٢) ذكره القرطبي في تفسيره عن ابن عباس - ﵄ - (١٣/ ٢٣٧).
(٣) ذكره الأزرقي في أخبار مكة (٢/ ١٥٨).
(٤) من قوله (ألقته العقاب) إلى هنا ليست في "ب".
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص (٩/ ٢٩٢٥).
(٦) في الأصل: (النبي رسول الله).
(٧) قريبًا منه عند إسحاق بن راهويه في مسنده (٥١٣).
[ ٣ / ١٣٥٠ ]
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ﴾ واذكر يوم نحشرهم يوم جمعهم.
﴿دَاخِرِينَ﴾ صاغرين.
﴿جَامِدَةً﴾ ضد سائلة، والجماد ضد الحيوان تكون هذه يوم القيامة كقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ [التكوير: ٣] ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة: ٥] وذلك الحسبان لقصور الرؤية عن الاحتواء بأطرافها.
﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي (١) الملجئة.
وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - ﷺ - (٢): "من قرأ طس سليمان أعطاه الله عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشرون درجة، تعداد كل من كذب موسى وصدق داود وسليمان وصالحًا ولوطًا وخرج يوم القيامة وهو ينادي بشهادة أن لا إله إلا الله" (٣).
_________________
(١) (أي) ليست في الأصل.
(٢) (وسلم) ليست في "أ" "ي".
(٣) مرَّ الكلام عليه وأنه حديث موضوع.
[ ٣ / ١٣٥١ ]