مدنية (١)، وهي اثنتان وستون آية في عدد أهل الحجاز (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿سُورَةٌ﴾ رفع بتقدير مبتدأ محذوف أي: هذه سورة. عن أبي عطية قال: كتب عمر: علموا نساءكم سورة "النور" (٣).
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ مجملة محتملة موقوفة على التفسير كآية السرقة ﴿فَاجْلِدُوا﴾ فاضربوا بالسياط.
عن عمر بن الخطاب قال: ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإنّ الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، فإذا وجدتم للمسلم مخرجًا فادرؤوا (٤) عنه.
وقال ابن مسعود في البكر يفجر بالبكر إنهما يجلدان وينفيان سنة، وقال على نفيهما فتنة (٥) ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ أي لا يمنعكم
_________________
(١) هذا بالاتفاق وهو قول ابن عباس.
(٢) أما عن البقية فهي (٦٤) آية، انظر: البيان في عدَّ آي القرآن (١٩٣).
(٣) أبو عبيد في "فضائل القرآن" (١٢٨)، ويروى مرفوعًا ولا يصح.
(٤) ذكره الشافعي في "الأم" عن عمر موقوفًا (٧/ ٥٦٤)، وهو عند الترمذي (١٤٢٤)، والدارقطني (٣/ ٨٤)، والحاكم (٨١٦٣) عن عائشة مرفوعًا وسنده ضعيف.
(٥) ذكرهما محمَّد بن الحسن الشيباني في كتاب الآثار مرفوعًا، وانظر: "تحفة الأحوذي" (٤/ ٥٩٢). وهو عند عبد الرزاق في مصنفه (١٣٣١٣).
[ ٣ / ١٢٧٣ ]
الرأفة عن إقامة الحد عليهما في طاعة الله ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ رجل فما فوقه.
﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ الآية مجملة محتملة كالآية الأولى موقوف على التفسير.
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد ابن أبي مرثد يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت (١) امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، فذهب مرثد ليحمل رجلًا من أسرى مكة فعرفته فقالت: مرثد! قال: مرثد، قالت: مرحبًا وأهلًا هلم فبت عندنا الليلة، قال: يا عناق حرم الله الزنا، قالت: يا أهل الخيام هذا (٢) الرجل يحمل أسراكم، فتبعه ثمانية (٣) إلى غار فغماهم الله عنه، ثم ذهب وأخذ الرجل حتى قدم المدينة فأتى رسول الله فقال: أنكح عناقًا؟! فسكت رسول الله حتى نزلت الآية (٤).
وعن ابن عباس: أن المهاجرين لما قدموا المدينة نزل في صُفّة مسجد رسول الله -﵇- (٥) أناس من المهاجرين لم يكن لهم مساكن في المدينة ينزلون بها ولا عشائر يأتونهم، وكانوا نحوًا من أربعمائة رجل يلتمسون (٦) الرزق بالنهار، فإذا أمسوا رجعوا إلى المسجد فكانوا فيه، وكان المسلمون من أراد أن يأتيهم بشيء أتاهم به، وكان في المدينة بغايا (٧) يبغين بأنفسهن متعالمات بالفجور، لهن علامات كعلامات البياطرة
_________________
(١) (وكانت) ليست في "أ".
(٢) في الأصل: (أم هذا).
(٣) في "أ": (تسعة).
(٤) أبو داود (٢٠٥١)، والترمذي (٣١٧٧)، والنسائي (٦/ ٦٦)، وابن جرير (١٧/ ١٥١، ١٥٢)، وابن أبي حاتم في تفسيرهما (٨/ ٢٥٢٦)، والحاكم (٢/ ١٦٦) والحديث صحيح.
(٥) (السلام) ليست في "ي"، وبدله في "ب": (- ﷺ -).
(٦) في الأصل و"أ": (يلتمثون).
(٧) في "ب": (بغيًا).
[ ٣ / ١٢٧٤ ]
تصبن الطعام والشراب والكسوة، فقال أولئك الذين ليس لهم مساكن ولا عشائر من المهاجرين: لو أنا تزوجنا من هؤلاء فسكنا معهن في منازلهن وأصبنا من طعامهن وكسوتهن، فإذا ارتحلنا من المدينة خلينا سبيلهن، قال: فأتوا رسول الله فذكروا ذلك من شأنهم فنزل فيما نهي عن البغايا المعروفات (١).
وعن ابن عباس قال: الزاني لا يجامع إلا زانية أو مشركة (٢). وسئل ابن عباس عن رجل ألمَّ بامرأة فأتى منها ما حرم الله فرزقه الله تعالى من تلك توبة، فأراد أن يتزوجها فقال له ناس: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ فقال ابن عباس: ليست هذه الآية في ذلك، انكحها فما كان لك من إثم فعليّ (٣).
وعن سعيد بن المسيب أن الآية منسوخة بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] (٤).
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ يقدحون بصريح الزنا ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحرائر المسلمات العفائف، وليس لها أن تطالب بالحد حتى تثبت حريتها، وهذا الحد يسقط بعفو الخصم. وفي الآية دليل على إباحة تعمد النظر إلى فرج المسافحين لتحمُّل الشهادة، واجتماع الشهود الأربعة قبل أداء الشهادة شرط، وضرب القاذف دون ضرب الزاني، واستيفاء الحدود إلى السلطان، ولا اعتبار لعدد المقذوفات، ونفي قبول شهادة القاذف المحدود على التأبيد.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يغفر فسقهم ﴿رَحِيمٌ﴾ يرحمهم بالتوبة عليهم.
_________________
(١) ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٢٢، ٢٥٢٣).
(٢) ابن جرير (١٧/ ١٥٩)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٢٢، ٢٥٢٥، ٢٥٢٦)، والبيهقي (٧/ ١٥٤).
(٣) ابن جرير (١٧/ ١٥٣)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٢١).
(٤) أبو عبيد في ناسخه (١٢٩)، وابن أبي شيبة (١٦٩٢٢)، وابن جرير (١٧/ ١٥٩)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٢٤)، والبيهقي (٧/ ١٥٤).
[ ٣ / ١٢٧٥ ]
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ المحصنات ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ دليل على أن حكم اللعان إنما يجب على من هو من جنس الشهداء دون (١) المحدودين والعبيد ونحوهم.
وعن ابن عمر أن رجلًا سأل النبي -﵇- (٢) فقال: يا رسول الله أرأيت لو أن أحدنا رأى امرأته (٣) على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلَّم تكلَّم بأمر عظيم، هان سكت سكت عن أمر عظيم، فسكت النبي -﵇- (٢) ولم يجبه، فلما كان بعد الأيام فأتى النبي -﵇- (٢) فقال: إن الذي سألتك عنه ابتليت به، فأنزل الله الآيات فدعاه فتلاهنّ عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم ثنى بالمرأة ووعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقالت: لا والذي بعثك بالحق، قال: فبدأ الرجل فشهد ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ ثم ثنى بالمرأة فشهدت ﴿تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ ثم فرق بينهما (٤)، وفيه حديث سهل بن سعد الساعدي في عويمر العجلاني وامرأته (٥).
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ﴾ مسطح وحسان بن ثابت وعبد الله بن أبي ابن سلول المنافق وحمنة بنت جحش.
روي أن عائشة قالت: كان رسول الله -﵇- (٦) إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله وذلك بعد ما أنزل الحجاب،
_________________
(١) (دون) ليست في "ب".
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في الأصل و"ب": (امرأة).
(٤) البخاري (٥٣٤٩، ٥٣٥٠)، ومسلم (١٤٩٣).
(٥) البخاري (٤٢٣، ٥٣٠٩)، ومسلم (١٤٩٢).
(٦) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب" سقطت (-﵇-).
[ ٣ / ١٢٧٦ ]
فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا (١) حتى فرغ رسول الله من الغزوة وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يحملونني فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه.
قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يهبلن- يثقلن- ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رفعوه ورحلوه. وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الحمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب.
فتيممت منزلي الذي كنت فيه فظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلى، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكراني قد عرّسَ من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب عليَّ الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني وخمّرت وجهي بجلبابي، ووالله ما يكلمني بكلمة ولا سمعت منه غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطىء على يديها فركبتها.
فانطلق يقول (٢) في الراحلة حتى أتينا (٣) الجيش بعد ما نزلوا معرِّسين في نحو الظهيرة، فهلك من هلك فيّ، وكان الذي تولَّى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول (٤).
فاشتكيت حين قدمتها شهرًا والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا
_________________
(١) في الأصل: (فيها مسيرنا).
(٢) في "أ": (يقوده).
(٣) في "ب": (أتيت)، وفي الأصل: (أتانا).
(٤) في "ي" "ب": (أبي بن سلول).
[ ٣ / ١٢٧٧ ]
أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين كنت أشتكي، إنما يدخل رسول الله فيسلّم ثم يقول: "كيف تيكم" فذلك يحزنني ولا أعرف بالشر حتى خرجت بعدما نقهت، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا.
فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب، فأقبلت وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلًا شهد (١) بدرًا؟! قالت: أي هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضًا إلى مرضي.
فلما رجعت إلى بيتي فدخل عليَّ رسول الله فسلم ثم قال: "كيف تيكم" قلت: تأذن لي أن آتي أبوي؟ قال: "نعم"، قالت: وأنا أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله.
فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمة ما تتحدث الناس؟ قالت: أي بنية هوّني عليك فوالله لقلّ ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن، قالت: قلت سبحان الله وقد يحدث الناس بهذا؟.
قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، ودعا رسول الله علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم من نفسه لهم
_________________
(١) في "ي" "ب": (قد شهد بدرًا).
[ ٣ / ١٢٧٨ ]
من الود فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرًا، وأما علي فقال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت (١): فدعا رسول الله بريرة فقال: "يا بريرة هل رأيت شيئًا يريبك من عائشة؟ " فقالت بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السنن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله.
قالت: فقام رسول الله فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول فقالت: قال رسول الله وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت عليها إلا خيرًا ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أعذرك (٢) منه يا رسول الله إن كان (٣) من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
قال: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلًا صالحًا ولكن اجتلبته الحمية قال لسعد: لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنَّه فإنك منافق تجادل (٤) عن المنافقين، فثار الحيَّان الأوس والخزرج وهمُّوا أن يقتتلوا ورسول الله على المنبر، ولم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع [ولا أكتحل بنوم] (٥) وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي.
_________________
(١) في "أ": (قال).
(٢) في الأصل: (عذرك).
(٣) (إن كان) ليست في "أ".
(٤) في "أ": (تخاطب).
(٥) ما بين [] ليست في الأصل.
[ ٣ / ١٢٧٩ ]
قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليَّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي.
قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله فسلم ثم جلس ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل (١)، ولقد لبثت شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء.
قالت: فتشهد رسول الله حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت برية فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه، قالت: فلما قضى رسول الله مقالته قلص دمعتي حتى ما أحس منها فقلت لأبي: أجب عني رسول الله - ﷺ - فيما قال، فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله، فقلت لأمي: أجيبي عني (٢) رسول الله، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن: والله لقد عرفت أنكم سمعتم بهذا حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم إني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر الله يعلم أني بريئة لتُصدِّقُنّي، والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، والله مُبدٍ براءتي، ولشأني أحقر في نفسي من أن يتكلم الله ﷻ فيَّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيّا يبرئني الله بها.
قالت: فوالله ما رام رسول الله مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه -﵇- (٣)، وأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند
_________________
(١) (ما قيل) ليست في الأصل.
(٢) المثبت في "أ"، وفي البقية: (عن).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٢٨٠ ]
الوحي أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه.
قالت: فلما أسري عن رسول الله وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "أبشري يا عائشة أما والله فقد برأك الله" فقالت لي أمي: فقومي إليه، فقلت: والله لا أقوم ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي، قالت: فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ عشر آيات، فأنزل جل ذكره هذه الآيات براءتي.
وقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وصغره: والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة (١) ما قال، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله -﷿- لي، ورجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدًا.
قالت عائشة: وكان رسول الله سأل زينب ابنة جحش زوج النبي -﵇- (٢) عن أمري ما علمت أو ما رأيت قالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرًا، وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي -﵇- (٢) فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك (٣).
وهذا الحديث أتم من سائر الأحاديث.
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال ﴿وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ من النساء (٤)، ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ من النساء ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الرجال ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ من الرجال ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ من النساء ﴿الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي ﴿ظَنَّ﴾ بعضهم ببعض
_________________
(١) في "أ": (بعائشة).
(٢) في "ي": (السلام) غير موجودة، وبدلها في "ب": (- ﷺ -).
(٣) البخاري (٤٧٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠).
(٤) تكررت العبارة (من الرجال) في كل النسخ إلا في "ب".
[ ٣ / ١٢٨١ ]
﴿خَيْرًا﴾ والبعض هاهنا الصديقة بنت الصدِّيق أم المؤمنين وصفوان بن المعطل الذي زكاه رسول الله وقال: "ما علمت عليه من سوء قط ولا غبت في سفر إلا كتاب معي" وقال: "ما كشفت له بيتي قط" (١)، وأكرمه الله بالشهادة في سبيله، وإنما توجه عليهم الملام بتركهم قولهم ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ على سبيل الظن مع كون الخبر ممكنًا متصورًا موهومًا لتواتر أدلة الكذب ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ أي في دين الله وحكمه.
﴿وَلَوْلَا﴾ ذلك لما كان كونهم (٢) كاذبين في علم الله موقوفًا على عدم إتيانهم بأربعة شهداء، وفي الآية دليل على أنهم كانوا مطالبين بأربعة شهداء ولولا الإعجاز الإلهي لكان يمكنهم أن يأتوا بعد المطالبة بشهداء الزور مع كثرة المنافقين وفرط عصبيتهم (٣).
وعن عروة، عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول الله على المنبر وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدَّهم. يحتمل أن قولهم: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ على سبيل التكرار، وأن قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ جواب لما تقدم تشنيع الفاحشة تستفيض وأراد بها هاهنا الزنا والقذف وإنما كانوا يحبون ذلك من حيث إرادتهم الترخص والتساهل في هذا الباب، فلما كانوا متلوثين أحبوا أن يلوثوا بالتهمة غيرهم كقولهم قال الله فيهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] وقوله (٤): ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ معطوفة على نظيرها قبل الجواب ويجوز أن يكون الجواب (٥) مضمرًا (٦)، ويجوز أن يكون جوابه (٧) ﴿مَا زَكَى﴾ [النور: ٢١].
_________________
(١) من قوله (ولا غبت في سفر) إلى هنا ليست في "ب".
(٢) في "أ": (كذبهم).
(٣) في الأصل و"أ": (عنتهم).
(٤) (وقوله) ليست في "ب".
(٥) (الجواب) ليست في الأصل.
(٦) إذا كان جواب لولا مضمرًا فإن التقدير يكون: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهلكتم.
(٧) (جوابه) ليست في الأصل.
[ ٣ / ١٢٨٢ ]
عن ابن عباس (١) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ نزلت في عائشة خاصة، واللعنة في المنافقين عامة.
﴿دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي جزاؤهم الحق ﴿وَيَعْلَمُونَ﴾ على الضرورة والمشاهدة. ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ يجوز أن يكون لفظها خبرًا ومعناها أمرًا وحكمًا كما في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] ويجوز أن يكون المراد بالخبيث الكفر وبالطيب الإيمان وبالطيبات الكلمات الطيبة (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد والد ولا ولد، فيأتيني الآتي فيدخل علي فكيف أصنع؟ فقال: "ارجعي" فنزل فأرسل إليها فقرأها عليها (٣) ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ (٤) تستعلموا إذن صاحب البيت وجوابه لكم، فكان عبد الله إذا دخل داره استأنس وتكلم.
وعن ابن عباس: تستأذنوا (٥)، وفيه تقديم وتأخير أي حتى (٦) تسلموا وتستأنسوا السلم (٧) عليكم أدخل (٨).
وقال عبد الله بن مسعود: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم (٩)، وقال جابر: استأذن على أمك هان كانت عجوزًا. (١٠)
_________________
(١) أخرجه الطبري عن ابن عباس - ﵄ - (١٧/ ٢٢٨)، والطبراني (٢٣/ ١٥٣).
(٢) في الأصل: (الطيبات).
(٣) في الأصل و"ب": (عليه).
(٤) ابن جرير (١٧/ ٢٤٢، ٢٤٣).
(٥) ابن جرير (١٧/ ٢٤١).
(٦) من قوله (تستأذنوا) إلى هنا ليست في "أ".
(٧) في "ب": (السلام).
(٨) (ادخل) ليست في "ب" "ي".
(٩) ابن جرير (١٧/ ٢٤٢)، والبيهقي (٧/ ٩٧).
(١٠) ابن أبي شيبة (١٧٦٠٥).
[ ٣ / ١٢٨٣ ]
وعن أبي سعيد الخدري قال: استأذن أبو موسى على عمر فلم يؤذن له فانصرف فقال عمر: مالك لم تأتني؟ قال: قد جئت فاستأذنت فلم يؤذن لي فرجعت، وقد قال رسول الله: "من استأذن ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع" فقال له عمر: أقم بيَّنة هالا أوجعتك، فقال أبو سعيد: فأتانا أبو موسى وهو مذعور فزع (١) قال: جئت أستشهدكم، فقال أبي بن كعب: اجلس لا يقوم معك إلا أصغر القوم، قال أبو سعيد: كنت أصغر القوم فشهدت له عند عمر أن رسول الله -﵇- (٢) قال: "من استأذن ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع" (٣).
﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ أي فإن لم تؤنسوا ولم تحسوا صوت أحد، ﴿هُوَ أَزْكَى﴾ أي الأخذ بهذا الحكم أزكى.
عن محمَّد ابن الحنفية في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ قال: هي الخانات تكون على الطريق ينزلها الناس وبيوت السوق (٤)، وقالت عائشة: هي بيوت التجار لا إذن فيها (٥)، وقال جابر بن زيد: لم تعن بالمتاع الجهاز ولكن ما سواه (٦)، أما منزل ينزله قوم في ليل أو نهار أراد أن ينظر إليها رجل أو خربة يدخلها رجل لحاجة، فهذا المتاع (٧) ذكر الله -﷿- وكل منافع الدنيا متاع.
﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الغض في اللغة النقص، وغض الطرف خفضه وتقليل الالتفات، وغض الصوت خفضه وتقليله، وعن علي أن النبي -﵇-
_________________
(١) في الأصل: (وفزع).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) البخاري (٦٢٤٥)، ومسلم (٢٥١٣).
(٤) ابن جرير (١٧/ ٢٤٩).
(٥) ذكره ابن جرير (١٧/ ٢٤٩) عن ابن زيد.
(٦) ذكره القرطبي (١٢/ ١٩٩).
(٧) في الأصل: (متاع).
[ ٣ / ١٢٨٤ ]
قال له: "يا علي إني أحب لك ما أحب لنفسي وكره لك ما أكره لنفسي لا تتبعن النظرة الأولى" (١) ﴿ذَلِكَ﴾ أي العفاف.
﴿إِلا مَا ظَهَرَ مِنهَا﴾ قال ابن عمر: ما ظهر منها الكفان والوجه (٢) (٣). وقال ابن عباس: الوجه والكف والخاتم (٤)، وقال ابن مسعود: هي القرط والدملج والخلخال والقلادة (٥) يعني مواضع هذه الزينة، ولهذا قلنا: لا بأس للرجل أن ينظر إلى ذوات محارمه إلى ما فوق سرتهن ودون ركبتهن إذا أمن الشهوة، والمراد بـ ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ المؤمنات دون الكتابيات ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ من المتشابه المختلف في تأويله (٦)، وكذلك التابعون، ويجوز أن يكون ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ صفة الفريقين أو استثناء منهما.
وقال الحسن والسفيانان: يكره أن ينظر العبد إلى شعر مولاته (٧)، وقال مجاهد: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ الذين لا يهمهم إلا بطونهم ولا يخافون على عورات النساء (٨) ولا يدرون ما هن من الصغر قبل الحلم، قال أبو مالك في قوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾: كن نساء في الجاهلية يجعلن في أرجلهن خرزًا فإذا مررن بالمجالس حركنه (٩)، و﴿الْإِرْبَةِ﴾ المأربة.
_________________
(١) أبو داود (٢١٤٩)، والترمذي (٢٧٧٧)، والبيهقي (٧/ ٩٠) والحديث حسن.
(٢) في الأصل: (الوجهان والكف).
(٣) ابن أبي شيبة (١٧٠١١).
(٤) ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٧٤)، وابن أبي شيبة (١٧٠١٨) وليس فيه الخاتم.
(٥) عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٥٦)، وابن جرير (١٧/ ٢٥٦، ٢٥٧)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٧٣، ٢٥٧٤)، والطبراني (٩١١٥ - ٩١١٧).
(٦) أي هل هو عام في المملوكة مسلمة كانت أم كتابية أم مشركة غير كتابية، وعن ابن جريج أن المراد بهن المسلمات دون المشركات. [الطبري في تفسيره (١٧/ ٢٦٦)].
(٧) نقلت الكراهة عن الشعبي والحسن ومجاهد وعطاء، انظر: القرطبي (١٢/ ٢٠٥)، وفتح القدير (٤/ ٣٤).
(٨) ابن جرير (١٧/ ٢٦٨).
(٩) ابن جرير (١٧/ ٢٧٢)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٠٨).
[ ٣ / ١٢٨٥ ]
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ وهو جمع أيم وهي التي لا زوج لها سواء كانت بكرًا أو ثيبًا مات عنها زوجها أو لم تتزوج، ومنه قوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها" (١) فقال عمر: ما رأيت من تعدُّ أيمًا بعد هذه الآية، وقال عمر: ابتغوا الغنى في النكاح (٢)، وكان بعض الكبار يكثر النكاح والطلاق، فسئل عنه قال: ألتمس الغناء في هاتين الخصلتين لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣) ولقوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].
وفي قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ دليل على أن الإنسان لا يفتقر ولا يضطر إلى الفاحشة كافتقاره واضطراره إلى أكل الميتة ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ إما يرزقه الله زوجة أو جارية وإما يرفع الشهوة، قال الكلبي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ نزل في غلام لحويطب ابن عبد العزى (٤).
وقوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ نزل في مُسيكة وعائذة ومعوذة (٥) ثلاث جوار لعبد الله ابن أبي ابن سلول (٦) المنافق لعنه الله (٧) ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾
أمر ندب وإرشاد ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ (٨) خَيْرًا﴾.
قال إبراهيم النخعي: صدقًا (٩)، وقال الحسن: دينًا وأمانة (١٠)، عبيدة
_________________
(١) مسلم (١٤٢١).
(٢) عبد الرزاق في مصنفه (١٠٣٨٥).
(٣) عن ابن مسعود، ابن جرير (١٧/ ٢٧٥).
(٤) عزاه ابن حجر في الإصابة لابن السكن (٣/ ٤٠٧).
(٥) لم نجد في الروايات أن إحدى جواريه (عائذة) وإنما وردت مُسيكة ومعوذة وغيرهما.
(٦) في الأصل: (أبي بن سلول).
(٧) مسلم (٣٢٠٩) وفيه جارية واحدة.
(٨) في الأصل: (وإرشادًا أو ﴿عَلِمْتُمْ فِيهِمْ﴾).
(٩) ذكره عن إبراهيم ابن الجوزي في "زاد المسير" (٦/ ٣٧).
(١٠) ذكره عن الحسن ابن الجوزي في "زاد المسير" (٦/ ٣٧)، وعند ابن جرير عن الحسن (مالًا وأمانة).
[ ٣ / ١٢٨٦ ]
السلماني: إقامة الصلاة (١)، سعيد بن جبير: إرادة الخير (٢)، مجاهد وعطاء: المال (٣).
وهذا القول محمول على استفادته المال بعد عقد الكتابة، والمراد بالعلم غلبة الظن قبل عقده الكتابة جابر معجلًا (٤) ومؤجلًا لأنه عقد على موجود مشار إليه كالبيع والخلع بخلاف السلم (٥)، والمكاتب عبد ما بقي عليه شيء، قال -﵇-: "المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته (٦) درهم" (٧). روى معبد (٨) الجهني عن عمر بن الخطاب (٩)، ومجاهد عن زيد بن ثابت (١٠) كذلك.
﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ يعني من الصدقات كما قال: ﴿وَفِي اَلرّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أو يدفع مولاه بضاعة يستعين بها على أداء الكتابة، والحط عندنا على سبيل الندب والاستحباب دون الوجوب.
وعن عائشة: وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له فكاتبت على نفسها، وكانت ملاحة تأخذها العين، فجاءت تسأل رسول الله في كتابتها، فلما قامت على الباب فرأيتها كرهت مكانها وعرفت أن رسول الله سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث وكان من أمري ما لا
_________________
(١) ذكره عن عبيدة ابن الجوزي في "زاد المسير" (٦/ ٣٧).
(٢) ذكره عن سعيد ابن الجوزي في "زاد المسير" (٦/ ٣٧).
(٣) عن مجاهد رواه عبد الرزاق في المصنف (١٥٥٧١). وعن عطاء رواه عبد الرزاق في المصنف (١٥٥٧٠)، والبيهقي في السنن (١٠/ ٣١٨).
(٤) (معجلًا جابر) في "أ".
(٥) في "ب": (العلم).
(٦) في الأصل: (كتابة).
(٧) أبو داود (٣٩٢٦) والحديث حسن.
(٨) في "ب": (سعيد).
(٩) البيهقي في سننه (١٠/ ٣٢٥).
(١٠) البيهقي في سننه (١٠/ ٣٢٤).
[ ٣ / ١٢٨٧ ]
يخفى، وإني وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس وإني كاتبت على نفسي فجئت أسألك في كتابي، فقال رسول الله: "هل لك إلى ما هو خير منه؟ " قالت: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: "أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك" قالت: قد فعلت، قال: فتسامع الناس أن رسول الله قد تزوج جويرية فأرسلوا ما في أيديهم من النبي فأعتقوهم، فقالوا: أصهار رسول الله، فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أعتق في سبيها مائة أهل بيت من بني المصطلق (١).
وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لاعتبار حال من نزلت فيه لا لتعليق الحكم بالشرط.
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ اتصالها من حيث اعتبار بيان الأحكام والزجر عن الآثام ﴿مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الذين قصصهم في القرآن.
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وصفه بها من المتشابهات التي لا ينبغي تأويلها بعد الاعتقاد بأنه متعال عن مجانسة الشمس والقمر وما في معناهما لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] و(النور) في اللغة: ما يبين المحسوس أو المعقول وليس من شرط الضياء والشعاع، قال -﵇- (٢) مخبرًا عن الله: "الشيب نوري" (٣) وقال: "اللهم اجعل النور في بصري" (٤) وقال: "من أراد أن ينظر إلى رجل نور الله قلبه فلينظر إلى حارثة" (٥) فالله نور لا كسائر الأنوار مبين كل محسوس ومعقول، ونوره غيره ألا ترى أنه قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ ولم يقل مثل نوره.
_________________
(١) أبو داود (٣٩٣١)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٦١/ (١٥٩»، والحاكم (٦٧٨١) والحديث حسن.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) هذا حديث لا يصح ذكره الديلمي في مسند الفردوس.
(٤) ورد هذا في حديث موضوع، كما ورد من دعاء بعض الصالحين.
(٥) عزاه صاحب الكنز (٣٣٢٤٤) لابن منده والطبراني، والحارث: هو الحارث بن مالك الأنصاري.
[ ٣ / ١٢٨٨ ]
وقال الكلبي وغيره: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ﴾ هادي أهل السموات (١) لأنه قال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقال ابن عرفة: نور أي منور السموات ألا ترى ذكر المصباح والكواكب، وقوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣]، وقال الأزهري: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ﴾ مدبر أمرها لحكمة بالغة وحجة نيرة ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور: ٤٣] الآية وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ [النور: ٤٥] وقيل: الله جاعل نور السموات والأرض، حذف المضاف (٢) وأقام المضاف إليه مقامه، ألا ترى قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] ثم اختلاف الفريقين في النور المضاف (٣) قيل: إنه محمَّد -﵇- (٤)، وقيل: هو القرآن (٥)، وقيل: هو المعرفة ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ ككوة لا منفذ لها (٦)، وقيل: موضع الفتيلة ﴿مِصْبَاحٌ﴾ سراج في زجاجة، وهي خلاصة شفافة من الرمل والحجر من شجرة زيت ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ شجرة بالشام ثمرتها كالتوت إلا أنها تنعصر دهنًا، والزيت هذا الدهن ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ﴾ فتزول عنها الشمس بعد الزوال ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ فلا تصل إليها الشمس قبل الزوال، ولكنها شجرة في ربوة من الأرض لا تفارقها الشمس من أول النهار إلى آخره (٧)،
_________________
(١) يروى عن ابن عباس كما عند ابن جرير (١٧/ ٢٩٥)، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٩٣ - ٢٥٩٥)، وقد ردّ شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٦/ ٣٧٤) على الذين أرادوا تأويل اسم النور بمعنى الهادي. والله نور ويهدي بنوره أما إنكار النور وأنه بمعنى الهداية فهذا الذي رده شيخ الإسلام.
(٢) (المضاف) ليست في "أ".
(٣) من قوله (إليه مقامه) إلى هنا ليست في "أ".
(٤) جاء عبد الله بن عباس إلى كعب الأحبار فقال له: حدثني عن قول الله -﷿-: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [النُّور: ٣٥] الآية، فقال كعب: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مثل محمَّد - ﷺ - كمشكاة، أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ٢٩٩)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٩٦) وهو قول سعيد بن جبير.
(٥) وهو قول الحسن وابن زيد، أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (١٧/ ٣٠٥).
(٦) وهو قول كعب وابن جريج وكذا قال الفراء. [الطبري (١٧/ ٣٠٥)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٥٢)، زاد المسير (٣/ ٢٩٥)].
(٧) وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة، أخرجه الطبري عنهم في تفسيره (١٧/ ٣١١)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٠٠).
[ ٣ / ١٢٨٩ ]
وزيتونة هذه الشجرة ألطف وأنضج، وقيل: هي التي لا تصيبها الشمس قبل الزوال ولا بعد الزوال فيغلظ زيتها وتتغير رائحتها، ولكنها في الظل وزيتها دقيق لطيف ورائحتها طيبة، ويحتمل أنها التي لا تكون في ديار الشرق ولا في ديار الغرب ولكنها في وسط الأرض بالشام فإن الشام منبت الزيتون وموضعه ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ تشبيه التشبيه وتمثيل التمثيل كقولك: مثل زيد مثل زينب العذراء التي كأنها الشمس.
﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مطروفة الزجاجة والمشكاة أو ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ أو ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ أو تسبح. وهذه (البيوت) هي المساجد ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ أمر الله ووفقه. وعن ابن بريرة قال: هن أربع مساجد لم يبنهن إلا نبي: الكعبة، بناها إبراهيم وإسماعيل -﵇- فجعلاها قبلة، وبيت أريحا بيت المقدس بناها داود وسليمان -﵇-، ومسجد المدينة بناه محمَّد -﵇- (١)، ومسجد قباء أسس على التقوى (٢) بناه رسول الله -﵇- (٣).
﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾ لا تشغلهم، قيل: هم (٤) قوم في بيوعهم وتجاراتهم يقومون للصلاة عند مواقيت الصلاة، ﴿يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ في الجوف فلا تقدر تخرج حتى تقع في الحنجرة لقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨]، وقيل: تقلبها عن طبائعها ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] الآية، و(تقلب الأبصار) شخوص أبصارهم أو نظرهم في طرف خفي.
﴿كَسَرَابٍ﴾ شعاع منعكس من وجه الأرض يتلألأ كالماء ﴿الظَّمْآنُ﴾ كالعطشان من العطش، وإنما تكون أعمالهم كذلك لاعتمادهم عليها دون فضل الله ورحمته، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ في المثل دون الممثل به.
﴿لُجِّيٍّ﴾ منسوب إلى اللجة وهي قاموس البحر ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ مسند
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) ابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٠٤).
(٣) (السلام) ليست في ل "ي".
(٤) في "أ" "ب" "ي": (قيلهم).
[ ٣ / ١٢٩٠ ]
إلى ﴿الظَّمْآنُ﴾ كأنه ابتلي بالسراب مرة وبالظلام أخرى، وقيل: مسند إلى مضمر، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾.
عن عبد الله بن المسور قال: تلا رسول الله -﵇- (١) ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] قالوا: يا رسول الله ما هذا الشرح؟ قال: "تقذف به القلوب" (٢) قالوا: يا رسول الله هل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: "الأنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل الموت" (٣).
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ اتصالها من حيث اعتبار الله نور المحسموات، ﴿وَالطَّيْرُ﴾ معطوف على ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ رفع بالتسبيح ﴿صَافَّاتٍ﴾ نصب على الحال، وصف الطائر: إذا بسط جناحه وحلق ولم يقبضها، وتخصيص هذه الحالة لقرار الطائر عليها في مكان واحد من الجو أو لحسنه عليها في رأي العين، وقيل: المراد بها الاصطفاف والانتظام في خط كالكركي ونحوها، والهاء في ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ عائد إلى الله تعالى، وقيل: إلى ﴿كُلٌّ﴾.
﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أي بين أجزائه فيجعله ﴿رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ هو القطر الجامد، قيل: ينزل من السماء بردًا من جبال في السماء الدنيا من جبال من برد وجبل باقٍ إلى يوم القيامة، وقال ابن عمر: جبال السماء أكثر من جبال الأرض.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وبدلها في "ب": (- ﷺ -).
(٢) من قوله: (قالوا يا رسول) إلى هنا ليست في "أ".
(٣) الحديث أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ٥٤١) من حديث أبي جعفر عبد الله بن المسور قال: لما نزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] قالوا: كيف يشرح الصدر؟ قال: إذا نزل النور في القلب انشرح له الصدر وانفسح. قالوا: فهل لذلك آية يعرف بها؟ قال: نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت.
[ ٣ / ١٢٩١ ]
ثم الآية بعد هذه الأقاويل تحتمل أربعة أوجه:
أحدها: أراد بالجبال السحاب فإنها تشبه الجبال.
والثاني: أراد الرياح الشديدة التي اعتمد بعض أجزائها على بعض وتلوث بالغبار (١).
والثالث: أراد نفس البرد أي: وينزل من السحاب جبالًا من برد.
والرابع: أراد الشواهق التي كانت رؤوسها في السماء لشدة ارتفاعها وطول سمكها، وهذه الشواهق قل ما تخلو من الثلج والسحاب.
والذي يعوم في الماء داخل في جملة ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾، والطير داخلة في جملة ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ والذي يزحف على أربعة كثيرة داخل في جملة ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ وإنما قيل: (من) و(منهم) كتغليب العقلاء.
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ وجه تكراره حسن رد الكلام على صدره فإن الفضل كان فضلًا، ولهذا في بيان المحسوسات والمعقولات والموهومات على مقدار الحاجة في تعمية بعضها على بعض على سبيل الابتلاء.
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا﴾ فضل مبتدأ (٢) واتصالها من حيث اعتبار الأئمة أهل الإفك فإنهم كانوا جماعة من المنافقين والفاسقين، فكذلك هذا الفضل في جماعة من المنافقين. وعن ابن عباس قال: "لما قدم رسول الله المدينة سأل الأنصار بور أرضهم التي لا تزرع للمهاجرين، قال: فدفعوها إليه وقالوا: هي لك يا رسول الله فاصنع بها ما شئت، قال: فجعل يقسمها بين المهاجرين، فجعل يعطي الرجل الأرض ويعطي الرجلين يعملان بها ويزرعانها ويقومان عليها، فأعطى عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب أرضًا بينهما فاقتسماها بينهما، فوقع نصيب عثمان في عمارتها وحد أرضها ووقع لعلي في مكان منها لا يصيبه الماء إلا بمشقة ونفقة وعلاج لا يكاد
_________________
(١) من قوله: (التي اعتمد) إلى هنا ليست في "ب".
(٢) أي في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ الآية. فـ"فضل الله" مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا والتقدير: لولا فضل الله عليكم لعاجلكم بالعقوبة.
[ ٣ / ١٢٩٢ ]
ينالها الماء، فقال عثمان لعلي: بعني أرضك، قال: فباعها إياه فقبض الثمن وسلم الأرض.
قال: فندم عثمان قومه وقالوا: أي شيء صنعت؟ عمدت إلى أرض سبخة لا ينالها الماء فاشتريتها؟! ردّها عليه، فلم يزالوا به حتى أتاه فقال: اقبض مني أرضك فإني قد اشتريتها فلم أرضها على أرض لا ينالها الماء، فقال علي: بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها مني وأنت تعرفها وتعلم ما هي فلا أقبلها منك، فدعاه علي أن يخاصمه إلى رسول الله [فقال قوم عثمان: لا تخاصمه إلى رسول الله] (١) فإنك إن خاصمته إليه قضى له عليك فهو ابن عمه وأكرم عليه منك، ثم اختصما إلى رسول الله وقصّا عليه القصة فقضى لعلي على عثمان - ﵄ - وألزمه الأرض، ونزل في قوم عثمان (٢): ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ الآية.
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ﴾ الرسول (٣) ﴿بَيْنَهُم﴾ بالقرآن قال الفراء: الحكم للرسول وذكر الله للتعظيم (٤) ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن رسول الله والقرآن.
﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ القضاء ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ طائعين، و(الإذعان): الإسراع مع الطاعة، وقال الفراء: مطيعين غير مستكرهين (٥).
﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ﴾ نفاق ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ شكوا في الله ورسوله والقرآن وإيمانهم ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ﴾ ويجور الله عليهم ﴿وَرَسُولُهُ﴾ في الحكم ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
_________________
(١) ما بين [] ليست في الأصل.
(٢) لم نجده، وقد ورد أنها نزلت في المنافقين، ورائحة التشيع ظاهرة من هذا الأثر. لكن ذكر القرطبي أن الخصومة في ماء وأرض كانت بين المغيرة بن وائل من بني أمية وعلي بن أبي طالب (١٢/ ٢٩٣).
(٣) (الرسول) ليست في "ب".
(٤) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٢٥٧).
(٥) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٢٥٧).
[ ٣ / ١٢٩٣ ]
وإنما حسن الجمع بألف الاستفهام و(أم) المترتبة عليها بين شيئين متغايرين كقولك إنها لإبل أم شاة لتصور المغايرة بين المعاني هاهنا، فإن مرض القلب يتصور بالحيرة المتولدة من السفه، ومجرد الجهل دون الشبهات، وباليأس عن روح الله والمقت له من غير ارتياب وخوف حيف، ويتصور الارتياب في أمر القرآن والنبوة من غير حيرة في ظاهر التوحيد ويأس عمن هو الخالق الرازق ومقت له، ويتصور خوف الحيف بالتسخط على قضاء الله وقدره من غير حيرة ويأس ومقت وارتياب في الظاهر، وقيل: مرض القلب أن يضمر الرجل خلاف ما يظهره ويعتقد نقيض ما يعلنه، والارتياب أن يرتاب في حق أو باطل من غير اعتقاد خوف، الحيف أن يعتقد جواز كون الظلم من صفاته.
وقيل: تقدير الآية: في قلوبهم مرض سابق باق، أم ارتابوا آنفًا، أم يخافون ظلم الله من غير هذين، ويحتمل أن الآية الأولى في شأن المنافقين من قوم عثمان، وهذه الآية في شأن الفاسقين منهم.
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى كتاب الله ورسوله ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ ليقضي بينهم، وقيل: هذه الآية متأخرة عن قول عثمان، وإنما مدح له وثناء عليه ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ أجبنا ﴿وَأَطَعْنَا﴾ ما أمرنا به ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ الآية، فلما نزلت (١) فيهم أقبل عثمان - ﵁ - إلى رسول الله - ﷺ - (٢) قال: يا رسول الله لئن شئت والله لأخرجن من أرضي كلها لأدفعها إليه فنزل [﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَ (٣)﴾] (٤) قُل لَّا تُقُسِمُواْ﴾ لا تحلفوا، فإن الله لو بلغ منكم الجهد لم تبلغوه ثم قال:
_________________
(١) الأصل و"ب": (نزل).
(٢) (- ﷺ -) من الأصل.
(٣) مرّ قبل قليل أننا لم نجده، وهناك أقوال أخرى ليس فيها ذكر لعثمان - ﵁ -، وكأن هذه رواية للكلبي، كما سيأتي، وهي روايات باطلة لا يعتد بها.
(٤) ما بين [] ليست في الأصل.
[ ٣ / ١٢٩٤ ]
﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي: أطيعوه، وقولوا له المعروف؛ أي الائتمار بأمر رسول الله طاعة معروفة غير منكرة، أو عليكم طاعة معروفة لا إصْر ولا ثقل فيها أو طاعتكم معروفة مقبولة، هذا في المؤمنين المصلحين خاصة.
ونزل (١) ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ تتولوا ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ أي وإن تطيعوا الله ورسوله تهتدوا من الضلالة ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ (٢) محمَّد ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ بالرسالة ﴿الْمُبِينُ﴾ يبين لكم، وذكر الضحاك أن هذه الخصومة كانت بين علي وبين المغيرة بن وائل (٣).
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال الكلبي: إن عثمان في جملة الموعود لهم الاستخلاف ﴿وَمَن كفَرَ﴾ أي كفر النعمة الذي ضده الشكر، ولا شك أن عثمان من جملة الخلفاء الراشدين، وقيل: أراد بالكفر الشرك الذي هو ضدّ الإيمان، وكذلك المراد بالفسق كما في قصة إبليس، وأول من نقض عهد الخلافة وغيرها وبدلها قوم عثمان حين استحوذوا عليه (٤) واستضعفوه وتسلطوا على عباد الله، وصدقت فراسة عمر بن الخطاب فزوّر مروان بن الحكم كتابًا وختمه بخاتمه وبعث به غلامه على ناقته إلى أن تم سعيه في دمه (٥) ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤].
وعن علي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - (٦) يقول لعثمان:"لو أن لي أربعبن بنتًا زوجتك واحدة بعد واحدة" (٧). وسأل قوم الحسن بن علي عن عثمان بن عفان فقال: اجلسوا حتى يخرج أمير المؤمنين، فخرج
_________________
(١) (ونزل) ليست في "ب".
(٢) في الأصل: (الرسول) وهو خطأ.
(٣) ذكره القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٩٣) دون أن ينسبه إلى الضحاك.
(٤) في "ب": (عليهم).
(٥) هذا تأويل فاسد مبني على رواية مجهولة وتفسير غير ثابت، وكان على المؤلف أن يبعد نفسه عن مثل هذه الأمور. وانظر كيف شرع بالدفاع عن عثمان بن عفان بتكلّف لظنه أن أسباب النزول ثابتة.
(٦) (- ﷺ -) ليست في "ي".
(٧) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٧٥٠) ولا يثبت.
[ ٣ / ١٢٩٥ ]
[علي]- ﵁ - فسألوه فقال: كان عثمان من الذين آمنوا ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] (١).
وعن عبد خير (٢) قال: وضأت علي بن أبي طالب برحبة الكوفة (٣) فقال: يا عبد خير سلني فقلت: عما أسألك يا أمير المؤمنين؟ فضحك ثم قال: وضأت رسول الله - ﷺ - (٤) كما وضأتني فقلت: يا رسول الله من أول من يُدعى إلى الحساب؟ فقال: "أقف بين يدي ربي -﷿- ما شاء الله ثم أخرج وقد غفر لي" قلت: ثم من يا رسول الله؟ قال: "ثم أبو بكر يقف مثل ما وقفت مرتين أو كما وقفت ثم يخرج وقد كفر الله له" قلت: ثم من يا رسول الله؟ قال: "ثم عمر بن الخطاب يقف كما يقف أبو بكر مرتين ثم يخرج وقد كفر الله له" قلت: ثم من يا رسول الله؟ قال: "ثم أنت يا علي" قلت: يا رسول الله (٥) فأين عثمان بن عفان؟ قال: "عثمان رجل ذو حياء سألت ربّي -﷿- أن لا يوقفه للحساب فشفعني" (٦).
﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ قال مجاهد عن ابن عباس: يعبدونني ولا يخافون غيري (٧).
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نزلت في المذكورين بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ولا يبعد كون يزيد بن معاوية (٨) وأشياعه والقداحين وأتباعهم مرادين به.
_________________
(١) ابن أبي شيبة (٣٢٠٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥٦) (٧/ ٢٢٤)، وابن عساكر في تاريخه (٣٩/ ٤٦٥).
(٢) تابعي كوفي مخضرم لازم علي بن أبي طالب - ﵁ -.
(٣) (الكوفة) في الأصل مكررة.
(٤) (- ﷺ -) من الأصل.
(٥) من قوله (يا رسول الله قال) إلى هنا سقطت من "ب".
(٦) ابن عساكر في تاريخه (٣٩/ ٩٦ - ٩٧).
(٧) عزاه صاحب الدر (١١/ ١٠٠) لعبد بن حميد.
(٨) تفسير غير مقبول وتظهر مسحة التشيع والتحامل علي بني أمية.
[ ٣ / ١٢٩٦ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال ابن عباس: بعث رسول الله - ﷺ - (١) غلامًا من الأنصار يقال له: مدلج ظهيرة إلى عمر ليدعوه، فانطلق الغلام إليه فوجده نائمًا قد أغلق على نفسه الباب، فسأل الغلام عنه فأخبر أنه في البيت، قال: فدفع الغلام الباب على عمر وسلَّم فلم يستيقظ، فرجع الغلام وردّ الباب فقام من خلفه وحركه فاستيقظ عمر، فجلس وانكشف منه شيء، فرآه الغلام وعرف عمر أن الغلام قد رأى ذلك منه فقال: وددت والله أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا هذه الساعة علينا إلا بإذن.
ثم انطلق معه إلى رسول الله فوجده وقد نزل عليه الآية فحمد الله (٢) عمر، فقال رسول الله: "وما ذاك يا عمر؟ " فقال: يا رسول الله الغلام عندك فسله، فسأله فأخبره كيف أتاه، قال: فتعجب رسول الله من صنع الغلام فقال: "ممن أنت يا غلام؟ " لا فقال: يا رسول الله أسمي مُدلج وأنا غلام من الأنصار، فقال رسول الله: "أنت مُدلج تلج في طاعة الله وطاعة رسوله وأنت ممن يلج الجنة، لئن كنت استحييت من عمر إنك لمن قوم شديد حياؤهم رفقاء في أمرهم يسبق صغيرهم كبيرهم" (٣) ثم قال رسول الله: "إن الله يحب الحليم المتعفف ويبغض البذيء الجريء السائل الملحف" (٤).
وسأل رجلان ابن عباس عن الاستئذان في الثلاث العورات قال:
_________________
(١) (- ﷺ -) من الأصل.
(٢) إلى هنا ذكره القرطبي (١٢/ ٢٧٦)، والبغوي في تفسيره، وابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٦٠)، والرواية من طريق الكلبي كما في ترجمة مدلج في الإصابة (٦/ ٦١).
(٣) أشار لهذه الرواية ابن حجر في الإصابة (٦/ ٦٠).
(٤) ورد هذا الحديث عن عدة من الصحابة: - فقد ورد عن عبد الله بن مسعود عند الطبراني (١٠٤٤٢) (٢٢/ ٤١٣/ ١٠٢٤). - عروة بن مسعود عند ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (٨٦). - أبو هريرة كما عند أبي الشيخ في "طبقات أصبهان" (٢/ ٣٠٤). - وورد مرسلًا عن عمرو بن ديار عد ابن أبي الدنيا في الحلم (٥٤). والحديث صححه لغيره في صحيح الترغيب للألباني - ﵀ - (٨١٩).
[ ٣ / ١٢٩٧ ]
إن الله سِتِّير يحبُّ السِّتر، وكان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حج الذي بيوتهم، وربما فاجأ الرجل ولده وخادمه أو يتيمه في حجره، وهو مع أهله، فأمرهم الله -﷿- أن يستأذنوا في الثلاث الساعات التي سمى الله -﷿-، ثم جاء الله -﷿- باليسر وبسط عليهم الرزق فاتخذوا الستور والحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم عن الاستئذان الذي أُمِروا (١).
وسئل الشعبي عن قوله: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: لم تنسخ (٢) لأن ابن عباس ذكر ما يجزي من الاستئذان ولم يخبر عن نسخ الآية ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ الساعات المعورة فإنهن من الأيام والليالي كالحلل في الدور، يقال: دار عورة معورة وأراد بالمماليك الصغار؛ لأن (٣) العادة أن الناس يستخدمون الغلمان دون الفحول و﴿الظَّهِيرَةِ﴾ الهاجرة.
﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ﴾ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -﵇- (٤): "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" (٥).
﴿وَالْقَوَاعِد﴾ اللوازم ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ لكبرهن، واحدتهن قاعد كحائض وطامث ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ خمارهن ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ متزينات والمعنى في نهيهن كون الزينة مشهية للناظرين فما لا يشتهى ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ عن وجه الثياب ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ للاحتياط.
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ وعن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (٦): أن المسلمين كانوا يرغبون في النفير مع
_________________
(١) أبو داود (٥١٩٢)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٣٢)، والبيهقي (٧/ ٩٧) وهو حسن.
(٢) ابن أبي شيبة (١٧٦١٤).
(٣) في "ب": (أن).
(٤) (السلام) ليست في "ي"، وبدلها في "ب": (- ﷺ -).
(٥) أبو داود (٥١٨٩) والحديث صحيح.
(٦) (بن مسعود) ليست في الأصل.
[ ٣ / ١٢٩٨ ]
رسول الله - ﷺ - فيعطون متاعهم رجالًا كانوا يتخلفون من أهل العلة، ومن كان لا يستطيع الخروج مع رسول الله -﵇- (١)، ويستخلفونهم عليها مالًا فقدموا من بعد أسفارهم فشكوا إليهم الحاجة وما أصابهم بعدهم، قالوا: فهلا أصبتم مما في بيوتنا إذا أصابكم مثل ذلك، قال: فأصابوا منها فضاقت من ذلك وقالوا: نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة، وإن قالوا بألسنتهم ما قالوا، فنزلت (٢).
وعن مقسم: كانوا يكرهون الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض لأنهم لا ينالون كما ينال الصحيح، فإن الأعمى لا يبصر جيّد الطعام والمختار، والأعرج ربما لا يتمكن من الجلوس متهيئًا للاستيفاء، والمريض لا يقدر على سرعة الأكل ولا على أكل ممتد لما يعرض له من الألم والعلة فنزلت. فعلى هذين الآية (٣) عامة.
وعن مجاهد: كان رجال زمنى عمي عُرج أولو حاجة يستتبعهم رجال إلى بيوتهم، فإن لم يجدوا لهم طعامًا ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وسائر المعدودين في الآية، فكره ذلك المستتبعون فأنزل هذه الآية (٤)، مختصة بالمتبسطين في بيوت أهل المعروف والسماحة.
وقال الفراء: ﴿عَلَى﴾ هاهنا مكان (في) أي ﴿لَيْسَ﴾ في ﴿الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ولا في ﴿الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ ﴿وَلَا﴾ في ﴿الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ يعني في مؤاكلتهم، والعرج في الرجل بمنع عن المشي المستوي ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ حبيبكم ومؤاخيكم ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ جمع شت وهو المتفرق ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ كان ابن عمر إذا دخل بيتًا ليس فيه أحد أو بيته وليس فيه أحد
_________________
(١) (-﵇-) ليست في "ب" "ي".
(٢) عزاه في "الدر المنثور" (١١/ ١١٤).
(٣) قريبًا منه عند ابن جرير (١٧/ ٣٦٦)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٤٣)، وليس فيه ذكر أسباب النزول.
(٤) عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٦٤)، وابن جرير (١٧/ ٣٦٧، ٣٦٨)، وابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٤٥)، والبيهقي (٧/ ٢٧٥).
[ ٣ / ١٢٩٩ ]
يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (١).وعن إبراهيم النخعي مثله (٢).
وذكر سفيان عن أبي سنان عن ماهان قال: يقولون السلام علينا من ربنا (٣)، وقال مجاهد: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: بسم الله والحمد لله السلام علينا من ربنا وعلى عباد الله الصالحين (٤).
وقال الفراء: من دخل مسجدًا ليس فيه أحد فليقل: السلام على رسول الله، السلام علينا من ربنا، السلام عَلى عباد الله الصالحين (٥).
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ عن ابن عباس قال: كان رسول الله إذا خطب يوم الجمعة عرض بالمنافقين يعيِّرهم في خطبته ويجعلهم رجسًا، فإذا سمعوا ذلك منه عرضوا لمكانهم ثم نظروا يمينًا وشمالًا، فإذا أبصرهم إنسان لم يقوموا ولبثوا حتى يصلوا الجمعة معه، فإن لم يبصرهم أحد تسللوا فخرجوا من المسجد ولم يصلوا معه الجمعة، فأنزل.
وكان دحية بن خليفة الكلبي قدم المدينة وقدم كل ما يحتاج إليه الناس من بر ودقيق وغير ذلك، لا يبقى أحد إلا أتاه من بين ناظر وبين مبتاع، فكان المسلمون لا يخرجون بعد نزول هذه الآية، لا يخرجون حتى يستأذنوا رسول الله، وأما المنافقين فكانوا يخرجون بغير إذن (٦).
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ﴾ اتصالها من حيث اعتبار توقير رسول الله، قيل: هو النداء من وراء الحجرات، وقيل:
_________________
(١) البخاري في الأدب (١٠٥٥)، وإسناده حسن.
(٢) الطبري (١٧/ ٣٨١).
(٣) الطبري (١٧/ ٣٨١)، وابن أبي شيبة (٢٥٨٣٦).
(٤) ابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٥٠)، والبيهقي في الشعب (٨٨٣٩).
(٥) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٢٦١).
(٦) القرطبي (١٢/ ٢٩٣)، وابن الجوزي (٦/ ٦٩).
[ ٣ / ١٣٠٠ ]
هو التصريح بمجرد اسمه من غير ذكر الرسالة والنبوة، وقيل: هو التسوية بينه وبين سائر الناس بالدعاء له.
وعن عكرمة عن ابن عباس قال: لا ينبغي الصلاة على أحد إلا على النبي -﵇- (١) (٢). ولذلك كرهنا إطلاق لفظة الصلاة على سبيل الابتداء في دعاء غير الأنبياء ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ ينسلون ﴿لِوَاذًا﴾ استتارًا أو التجاءً وذلك لأن بعض المنافقين كان يختفي وراء بعض ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ دليل على وجوب الأمر على جواز نسخ الكتاب بالسنة، وإنما قيل ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ لاعتبار المعنى وهو الإعراض.
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ قد بينا الكلام في العدول عن المغايبة إلى المخاطبة ﴿وَيَوْمَ﴾ معطوف على ﴿مَآ﴾ وقيل: ظرف لمضمر ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ معطوف على ﴿يَعْلَمُ﴾ أو على مضمر، والمضمر يجمعهم أو نحوه.
وعن أبي بن كعب عنه -﵇- (٣): "من قرأ سُورَةُ النور كان له عشر حسنات بعدد كل مؤمن ومؤمنة" (٤) وعن أحمد بن حنبل قال: إذا روينا عن رسول الله في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا في فضائل الأعمال وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد (٥).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) الطبراني في الكبير (١١٨١٣).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) مرّ أنه حديث موضوع لا يصح.
(٥) قول أحمد ذكره ابن حجر في القول المسدد (١١)، وابن تيمية في المسودة (٢٤٦)، والخطيب في الكفاية (١٣٤). وهو مروي عن ابن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي. ومناسبة سياقه لهذا القول إيراده فضائل لسورة النور وهو يعلم أنها موضوعة وتالفة وليس مقصود أحمد مثل هذه الروايات.
[ ٣ / ١٣٠١ ]