مكية (١)، وعن ابن عباس وقتادة: إلا آية نزلت بالمدينة وهي قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ (٢) [الواقعة: ٨٢]، وهي تسع وتسعون آية في عدد أهل الحجاز والشام (٣).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الْوَاقِعَةُ﴾ القيامة.
﴿كَاذِبَةٌ﴾ كذب وهو مصدر كالعافية واللاغية والمراد به الصرف والمثوبة.
﴿خَافِضَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هي ﴿خَافِضَةٌ﴾ قومًا إلى النيران ﴿رَافِعَةٌ﴾ قومًا إلى الجنان.
﴿إِذَا رُجَّتِ﴾ بدل من قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ والرج: الزلزلة، والرجرجة: الاضطراب، ويترجرج كلها.
﴿وَبُسَّتِ﴾ من قولهم: بسست الإبل إذا زجرتها أو من بسست الحنطة إذا فتتها وهي البسيسة.
_________________
(١) ذكره السيوطي في الدر (١٤/ ١٧٣) عن ابن عباس والزبير.
(٢) ذكره القرطبي (١٧/ ١٦٧).
(٣) انظر "البيان" (٢٣٩).
[ ٤ / ١٥٩١ ]
﴿أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ أصنافًا وأجناسًا ثلاثة.
﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ وأصحاب اليمين هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، أو كانوا على يمين آدم يوم الميثاق، أو يكونون على يمين العرش يوم العرض، أو أملوا على الملائكة الذين كانوا عن أيمانهم في دار الدنيا.
﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ أصحاب الشمال، وهم أنداد أصحاب الميمنة و﴿مَا﴾ لتفخيم الأمر وتعجيب المخاطبين.
وكذلك تكرار قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ وهم من أصحاب اليمين ولكنهم أفردوا بالذكر لشرفهم ولأنهم عبدوا الله تعالى لله لا لعاجلة ولا لآجلة.
﴿ثُلَّةٌ﴾ جماعة، وإنما كانت السابقون ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ لكثرة الأنبياء في الأولين وقلَّتهم في الآخرين، وقيل: الأولون والآخرون كلا الفريقين من هذه الأمة.
﴿مَوْضُونَةٍ﴾ منسوجة كالدرع وغيره.
﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ وصفاء مبقون على حد الوصافة أبدًا لا يهرمون ولا يموتون، يقال للذي لا يشيب مخلد، وقيل ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ مقرطون، والخلد القرط جمع خلدة.
﴿وَأَبَارِيقَ﴾ قماقم التي لها عرى وخراطيم، وفي الحديث: "كأن جيده إبريق فضة" ﴿لَا يُصَدَّعُونَ﴾ بالتخفيف: لا يصرفون، من قولك: ما صدعك من هذا الأمر أي ما صرفك، وبالتشديد يحتمل هذا. ويحتمل من الصداع؛ أي لا يأخذهم الخمار والصداع منها.
﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ لكونه أشهى وأمر أو أسرع (١) استحالة إلى الدم القرمزي الذي هو مادة الشباب والفرح.
﴿إِلَّا قِيلًا﴾ استثناء منقطع.
_________________
(١) في "ب": (أسهل).
[ ٤ / ١٥٩٢ ]
﴿سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ وهو الذي كسر شوكه (١).
﴿وَطَلْحٍ﴾ موز (٢)، وقيل: شجر مستطاب ظله.
عن أبي هريرة قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، ثم قال: اقرؤوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (٣).
وعن أنس قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وإن شئتم فاقرؤوا ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (٤).
﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾ ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ ولا تنصرف آياتها ولا يمنع عنها.
وعن أبي سعيد الخدري عنه -﵇- (٥) في قوله (٦): ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ قال: ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسير ما بينهما خمسمائة عام (٧).
وعن أبي أمامة ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ قال: لو هوى فراش منها ما بلغ قرار الأرض ثمانين عامًا (٨) (٩).
﴿أَبْكَارًا﴾ عذارى.
﴿عُرُبًا﴾ محبات لأزواجهن محببات إليهم.
_________________
(١) قاله ابن عباس - ﵄ - وعكرمة وقتادة. أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
(٢) قاله ابن عباس - ﵄ - وعلي بن أبي طالب - ﵁ - ومجاهد وعطاء وقتادة. أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٣١١).
(٣) البخاري (٣٢٥٢)، ومسلم (٢٨٢٦).
(٤) البخاري (٣٢٥١).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) (في قوله) ليست في "ب".
(٧) الترمذي (٢٥٤٠)، وابن أبي الدنيا فيإ صفة الجنة" (١٥٧)، والطبري (٢٢/ ٣١٩).
(٨) (عامًا) من "ب".
(٩) الطبراني في الكبير (٤٩٤٧) وفيه مائة عام، وفي رواية أخرى عن الحسن البصري ثمانين عامًا.
[ ٤ / ١٥٩٣ ]
﴿أَتْرَابًا﴾ لذات أصحاب اليمين الذين يساوينهم في السنن.
وعن كعب قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة من يؤتى بغدائه في سبعين ألف صحفة (١) من ذهب ليس فيها لون يوافق صاحبه وليس فيها رذل (٢).
وعن ابن عمرو: إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى ملك ألفي سنة نعيمه وسروره ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه، وإن أفضل أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى وجه الله كل يوم مرتين (٣).
﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ قال ابن عباس: من دخان جهنم.
﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ العظيم (٤) بدل من يحموم وهو كقوله: ﴿لَا بَارِدٍ﴾ ولا كرامة.
﴿يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ﴾ يثبتون على قسمهم بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا﴾ من (٥) الشجر، والمراد به الجمع.
﴿الْهِيمِ﴾ الإبل التي أصابها الهُيام، وهو العطاش، واحدها: أهيم وهيمان، وقيل: ﴿الْهِيمِ﴾ الرمال التي لا ترويها ماء السماء (٦)، يقال: كثيبة أهيم وهيمان، والمراد بقوله: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ المسخ.
﴿تَحْرُثُونَ﴾ تلقون البذر.
_________________
(١) في الأصل و"ب": (صفحة).
(٢) الحسين المروزي في زوائد الزهد (١٤٦١).
(٣) أبو يعلى (٥٧١٢) والحديث ضعيف.
(٤) (العظيم) من "ب".
(٥) (من) ليست في الأصل.
(٦) هو مروي عن ابن عباس - ﵄ -. ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٢٢٥) وبه قال أبو عبيدة: هو ما لا يَرْوى من رَمْل أو بعير، لكن عامة المفسرين على أن "الهيم" الإبل العطاش وهو مروي عن ابن عباس أيضًا ومجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك وقتادة.
[ ٤ / ١٥٩٤ ]
و﴿تَزْرَعُونَهُ﴾ تنشئون الزرع، ومجازه شق الزرع والتسبُّب للنبت.
عن أبي هريرة عنه -﵇- (١): "لا يقول أحدكم زرعت وليقل حرثت" ثم قرأ أبو هريرة (٢) هذه الآية (٣).
﴿تَفَكَّهُونَ﴾ تندمون (٤) والقول مضمر عند قوله: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾.
﴿مِنَ الْمُزْنِ﴾ السحاب.
﴿تُورُونَ﴾ تقدحون (٥).
﴿شَجَرَتَهَا﴾ كل شجرة إلا العنّاب والصندل والأبنوس، والعرب تقول: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار (٦).
﴿تَذْكِرَةً﴾ آية، وغيره ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ النازلين تقي من الأرض أمر لإظهار الشكر على نعم الله.
﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ (لا) ردّ لكلام سابق كقولك: لا والله وبلى والله. روي أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله (٧) لعمرو بن حزم أن لا تمس القرآن إلا طاهرًا (٨).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) من قوله (عنه عليه) إلى هنا ليست في "أ".
(٣) أخرجه البزار في مسنده (١٢٨٩ - الكشف)، والطبراني في الأوسط (٨٠٢٤)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٦٧)، والبيهقي في الشعب (٥٢١٧)، والطبري في تفسيره (٢٢/ ٣٤٨).
(٤) قاله الحسن وقتادة. أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٣٥٠).
(٥) قاله ابن قتيبة. نقله عنه ابن الجوزي في تفسيره (٤/ ٢٢٧).
(٦) هذا مَثَل معروف عند العرب. قال ابن فارس: معناه: أي استكثرا من النار وأخذا منها ما هو حسبهما فهما قد تناهيا في ذلك حتى إنه يقبس منهما. اهـ. وانظر: مجمع الأمثال للميداني (٢/ ٧٤)، والمحكم والمحيط الأعظم (٥/ ١٩٢)، وتفسير البغوي (٤/ ٢١).
(٧) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٨) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٩٩)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٣١٣)، وأبو داود في المراسيل (١/ ١٢١)، وابن حبان (٦٥٥٩) سنده ضعيف وله شواهد.
[ ٤ / ١٥٩٥ ]
﴿مُدْهِنُونَ﴾ وهم الذين يتكلفون موافقة على النفاق.
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ أي تجعلون حظكم من تقدير الله التكذيب بالقرآن وباليوم الآخر.
﴿الْحُلْقُومَ﴾ الحلق، والتي تبلغ الحلقوم: هي النفس عند النزع، وتكرار ﴿فَلَوْلَا﴾ لطول الصلة والعارض (فله روح).
﴿فَسَلَامٌ﴾ أي فيقال له عند النزع: (سلام لك) أنت من أصحاب اليمين أو فيقال له: سلام لك تحية لك من أصحابك وهم أصحاب اليمين.
* * *
[ ٤ / ١٥٩٦ ]