مكية، إلا ثماني آيات نزلت بالمدينة (١) في وفد ثقيف وهو قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، إلى الآيات الثاني (٢)، وعن ابن عباس قوله: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾ [الإسراء: ٨٠] [نزلت بين مكة والمدينة (٣)، وعن ابن المبارك قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦]، وقوله: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾] (٤) نزل في اليهود حيث قالوا لرسول الله: ليست هذه الدار بدار الأنبياء (٥)، وعن الحسن: أن خمس آيات نزلت بالمدينة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي﴾ [الإسراء: ٣٣]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ [الإسراء: ٢٦] (٦).
_________________
(١) وقال القرطبي: إلا ثلاث آيات: قوله ﷿: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦]، نزلت حين جاء رسول الله - ﷺ - وقد ثقيف وحين قالت اليهود: ليست هذه بأرض الأنبياء، وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. [تفسير القرطبي (١٠/ ٢٠٣)].
(٢) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ٣) عن ابن عباس.
(٣) قريبًا منه عند الترمذي (٣١٣٩)، وابن جرير (١٥/ ٥٤)، والطبراني في الكبير (١٢٦١٨)، والحاكم (٣/ ٣)، والبيهقي (٢/ ٥١٦، ٥١٧) وسبب النزول ضعيف لا يثبت.
(٤) ما بين [] ليست في الأصل.
(٥) ذكره الشوكاني في "فتح القدير" (٣/ ٢٩٥) دون نسبة لأحد.
(٦) ذكره الآلوسي في "روح المعاني" (١٥/ ٢) عن الحسن.
[ ٣ / ١٠٨٥ ]
وهي ماية وعشر آيات في غير عدد أهل الكوفة (١)، والله أعلم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: أُسري برسول الله ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول، وذلك قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا (٢)، وقيل: كان الإسراء قبل الهجرة باثني عشر أو ثلاثة عشر شهرًا، وإن الذي كان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا إنما هو المعراج لسبع عشرة من رمضان على ما ذكره الواقدي (٣)، وسنذكر المعراج في سورة "النجم" إن شاء الله تعالى، وقيل: إن ليلة الإسراء وليلة المعراج واحد، وعن أم هانئ بنت أبي طالب: أسري بالنبي -﵇- من شِعب أبي طالب (٤)، وعن ابن عباس: المسجد الحرام، الحرم كله (٥).
وعن أم هانئ قالت: ما أسري رسول الله إلا من بيتي (٦)، عن الكلبي عن أبي صالح عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها حدثت: أن النبي -﵇- صلَّى في بيتها تلك الليلة العشاء الأخيرة، قالت: فصليت معه ثم قمت وتركته في مصلاه فلم أنتبه حتى نبهني (٧) لصلاة الغداة ثم قال: "قومي يا أم هانئ أحدثك العجب"، قالت: قلت: كل حديثك عجيب، وصلَّى وصلَّيت معه، قالت (٨): فلما انصرف، قال: "أتاني جبريل وأنا في مصلاي، فقال:
_________________
(١) حيث إن أهل الكوفة يقولون إنها (١١١) آية، انظر: أبو عمرو الداني في "البيان في عد آي القرآن" (١٧٧)، وانظر: "روح المعاني" (١٥/ ٢).
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٩/ ١٩٥) وعزاه لابن مردويه.
(٣) ابن سعد في الطبقات (١/ ٢١٣) من طريق الواقدي.
(٤) رواه الترمذي (٣١٣١)، وعبد بن حميد (١١٨٣)، وابن جرير (١٤/ ٤٤٢٤)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٢٨) والحديث صحيح.
(٥) لم نجد هذه الرواية عن ابن عباس - ﵄ - وينزل قول ابن عباس على من قال: إنه أسري به من بيت أم هانئ.
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤١٤).
(٧) في الأصل: (ينتهي).
(٨) (قالت) ليست في "ب".
[ ٣ / ١٠٨٦ ]
يا محمَّد، اخرج، فخرجت إلى الباب" ثم ذكر الحديث بطوله (١). وعن محمَّد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله: "بينما أنا نائم في الحجر أتاني جبريل -﵇- فغمزني برجله [فقمت فلم أر شيئًا فقعدت فغمزني فقمت فلم أر شيئًا فقعدت فغمزني الثالثة] (٢) فقمت معه إلى باب المسجد فإذا دابة بيضاء بين الحمار والبغل في فخذيها جناحان تجربهما رجلاها فلمّا دنوت لأركبها شمست فوضع جبريل -﵇- يده على معرفتها، ثم قال: ألا تستحين يا براق بما تصنعين؟ والله ما ركب عليك عبد لله قبل محمَّد أكرم على الله منه، فاستحيت حتى انصبت عرقًا ثم أقرت حتى ركبتها فحملني عليها ثم خرج معي جبريل لا يفوتني ولا أفوته (٣)، كان منتهى وقع حافرها طرفها" قالوا: وكانت طويلة الظهر طويلة الأذنين، قالوا: قال رسول الله: "فإذا منادٍ ينادي عن يميني أربع: أسألك فلم أعرج عليه، وإذا منادٍ ينادي عن شمالي يقول: يا محمَّد، أربع أسألك فلم أعرج عليه، ثم استقبلتني امرأة عليها من كل ما زين الله به نساء أهل الدنيا قد وليّ من سنها، فقالت: يا محمَّد، على رسلك أسألك فلم أعرج عليها، فكادت تغشاني. فأخبرت جبريل بما رأيت، فقال: الذي على يمينك داعية اليهود لو ربعت حتى يكلمك تهودت أمتك، وأما الذي عن يسارك فداعية النصارى ولو ربعت عليه حتى يكلمك تنصرت أمتك، وأما المرأة التي استقبلتك فهي الدنيا ولو ربعت عليها حتى تكلمك اخترت الدنيا على الآخرة" (٤).
وعن عكرمة قال: قالت أم الفضل: أتى آت (٥)، فقال: إن محمدًا ليس في بيته فما يراه إلا وقد قيل، قالت: فأيقظت العباس وكان نائمًا، فقال: مالك؟ فقلت: هذا ابن أخيك لا تدري (٦) أين هو؟ فخرج العباس
_________________
(١) قريبًا منه عند ابن جرير (١٤/ ٤١٤)، وسيرة ابن هشام عن ابن إسحاق (١/ ٤٠٢).
(٢) ما بين [] ليست في الأصل.
(٣) إلى هنا أخرجه عن الحسن بن أبي الحسن ابن إسحاق كما عند ابن هشام (١/ ٣٩٧)، وابن جرير (١٤/ ٤١٦).
(٤) ورد قريبًا منه عند الطبراني في الكبير (٧٣١٣) بسند فيه ابن لهيعة.
(٥) في "ب": (آت آتي).
(٦) في الأصل "ب": (يدري).
[ ٣ / ١٠٨٧ ]
في بني عبد المطلب، وعن أبي رافع قال: لما كانت تلك الليلة فقد رسول الله (١)، وتفرقت بنو عبد المطلب ليلتمسوه، فخرج العباس حتى بلغ ذا طوى فجعل يصيح: يا محمَّد، فأجابه رسول الله: "لبيك" فقال: يا ابن أخي عَنَّيتَ قومك منذ الليلة فأين كنت؟ قال: "أتيت من بيت المقدس"، قال: أفي ليلتك؟ قال: "نعم"، قال: فهل أصابك إلا خير؟ فقال -﵇-: "ما أصابني إلا خير"، وذكر القصة بطولها (٢) (٣).
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ اتصالها من حيث ذكر المسجد الأقصى الذي هو قبلة بني إسرائيل، ومن حيث قوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، قال: رؤية موسى.
وآتينا بني إسرائيل ﵈ ليلتئذٍ من الآيات: ﴿ذُرِّيَّةَ﴾ لنريه ذرية ﴿مَنْ حَمَلْنَا﴾ وهم الأنبياء الذين أراه الله إياهم ليلته، والثاني: أنه بدل من موسى أو كالصفة له، فإنه كان من ذرية نوح -﵇-، فعلى هذا الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ عائد إلى موسى -﵇-، والثالث: الاتخاذ يقتضي مفعولين فكان (٤) الذرية من دوني أن لا يتوكلوا علي من نحافتهم في الخلقة والحاجة، والرابع: اسم مضاف فانتصب بحرف النداء (٥).
وعن عمران بن سليم: إنما (٦) سمي نوح عبدًا شكورًا لأنه كان إذا
_________________
(١) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٢) المثبت من "ب" وفي البقية (بطوله).
(٣) قريبًا منه عند ابن سعد في الطبقات (١/ ٢١٣، ٢١٤)، وابن عساكر (١/ ١٧٤) كما في المختصر.
(٤) في "أ" "ي": (وكان).
(٥) ذكر بعض هذه الأوجه النحاس في إعرابه وزاد عليها النصب بفعل محذوف التقدير: أعني ذريةً، وأجاز أن تكون ﴿ذُرِّيَّةَ﴾ بدلًا من وكيل لأنه بمعنى جمع، والوجه الرابع الذي ذكره المؤلف اختاره الفراء في إعرابه وقال: منصوبة على النداء، ناداهم، يا ذرية من حملنا مع نوح. [معاني القرآن للفراء (٢/ ١١٦)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٣٠).
(٦) في "أ": (إنه).
[ ٣ / ١٠٨٨ ]
أكل طعامًا، قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا شرب شرابًا، قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني (١) ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه (٢).
﴿وَقَضَيْنَا﴾ أوحينا وأعلمنا كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أي: لتعتُنَّ عتوًا كبيرًا، ومنه قوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل: ٣١]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] ﴿وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ وعد أولى المرتين، ﴿فَجَاسُوا﴾ تخللوا فعتوا، و(الوعد المفعول) هو الضمان المأتي.
﴿لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾ إليكم المنعة والقوة لتكروا عليهم فتخرجوهم من دياركم، ﴿نَفِيرًا﴾ عشيرة ورهطًا.
﴿فَلَهَا﴾ أي: فعليها، (إذا) ظرف زمان والعامل مضمر فيه تقديره: فإذا وعد الآخرة أنجزناه وحققناه وبعثناهم ليكونوا كذا وكذا، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ وليهلكوا ما علوه إهلاكًا أو ليهلكوكم (٣) ما داموا عالين إهلاكًا.
لم يختلف أهل العلم في الموعود الأول: بخت نصر وأصحابه، ولكنهم اختلفوا في تعريفه ونسبته وعاقبة أمره، واختلفوا في الموعود الثاني: الكلبي (٤)، أنه كان ملك بابل غزا بيت المقدس وقتل أربعين ألفًا من قراء التوراة وسبق الباقين، فمكثوا في تلك المحنة تسعين سنة حتى
_________________
(١) (حذاني) ليست في "ب".
(٢) هذا ورد في عدة روايات مرفوعة منها ما ذكره ابن جرير (١٤/ ٤٥٢، ٤٥٣)، والحاكم (٢/ ٣٦٠)، والبيهقي في الشعب (٤٤٧١) وسنده ضعيف، ومنها ما رواه ابن أبي الدنيا في الشكر (١٢٧) وسنده ضعيف.
(٣) في الأصل: (ليهلكوا).
(٤) (الكلبي) ليست في "ب".
[ ٣ / ١٠٨٩ ]
مات بخت نصر واستولى على بابل ملك من همدان اسمه كورس، وأنه تزوج من بني إسرائيل امرأة (١) اسمها مسحت بنت روبيل فهي التي تشفعت إلى زوجها وسعت في إصلاح قومها وفي ردهم إلى أوطانهم، فأجابها زوجها إلى ذلك. وذُكِرَ أن الموعود الثاني ملك من ملوك الروم اسمه أنطياخوس سار فيهم سيرة بخت نصر البابلي. بعد مائتين وعشرين سنة قالوا: ثم رحمهم الله تعالى وأمتهم في ديارهم وبعث فيهم أنبياء حتى عادوا إلى الكفر والطغيان وقتل الأنبياء وكفروا بالمسيح فعاد الله عليهم بالعقوبة ثالثًاَ وسلط أسفيانوس الرومي وابنه ططوس بن أسفيانوس بعد أبيه فخرب بيت المقدس ولم يزل خرابًا إلى أن بناه المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب (٢).
وحكى الشعبي في كتاب "سير الملوك" أن بخت نصر إنما هو بخت برسي، وهذه كلمة نبطية ومعناها كثير البكاء والأنين، واسمه بالفارسية لهواسف بن فنوخي بن كهمشن بن (٣) كنابية بن كيقباذ. كان كيقيا (٤) بوس (٥) بن ليقبا (٦) طرد أخاه وجفاه وأقصاه وسيره إلى مدينة سوس (٧) وهو كنابية بن كيقباد فنزلها ولم يزل بها عقبه إلى أن انتشاء بخت برسي وهو لهواسف، وكان قد مرّ به يهودي على عهد سليمان -﵇- وهو صبي بعد يلعب بالتراب ويصور فيه، فوقف عليه اليهودي وكان عالمًا فتأمل فيما يصور فإذا هو يصور بيت المقدس ومسجده وشوارعه وسككه لا يغادر منها شيئًا، فقال اليهودي في نفسه: والله هذا هو الموعود، ثم انتظر ساعة هل يدع الصبي هذه
_________________
(١) (امرأة) من "ب".
(٢) قريبًا منه عند ابن جرير (١٤/ ٤٥٧ - ٤٥٩).
(٣) (بن) ليست في "أ".
(٤) في "ب": (بن كيفيا).
(٥) في "أ": (وكان كيفيابوس).
(٦) في "أ": (كيفيا).
(٧) (سوس) ليست في "أ".
[ ٣ / ١٠٩٠ ]
الصورة بحالها أم يفسدها، فلما تمت الصورة مسح الصبي عليها بكفيه فطمسها، فتيقن اليهودي أنه هو الموعود المخرب لبيت المقدس، فاستخبر الصبي هل له (١) من يكفله (٢)، فأخبره بأن له أمًّا وبيتًا، فانتهى اليهودي إلى بيته ونزل عندهم ضيفًا، ثم تشفع إلى الصبي بأمه أن يعطيه الذمة والأمان وبشَّره بأنه سيملك ويكون شأنه كذا وكذا، فتمكن ذلك الحديث في قلب بخت نصر [ودخل ذلك في دماغه ولم يزل ذلك همته إلى أن توفي سليمان ورجع أمر بني إسرائيل إلى رُجيعم بن سليمان وهلك كيكسرى بن سياوش بن كيقابوس ورجع أمر العجم إلى بخت] (٣).
فلما ملك الأمر وانتظمت أحواله جمع المرادنة (٤) والجنود وذكرهم ما كان من استيلاء سليمان -﵇- وحذرهم من جهة رجيعم مثله وندبهم إلى قتاله وأجابوه، فسار في مائتي ألف فارس حتى أوغل في الشام، ولما سمع ذلك رجيعم وجعل من قلبه من بني إسرائيل في المسجد وخطب لهم خطبته هذه:
الحمد لله الذي تفرد بالعظمة وتوحد بالكبرياء وتردى بما اصطنع إلينا من أياديه وأسبغ علينا من نعمه وأنقذنا من الهلكة والكفر، أيها الناس عليكم بتقوى ربكم (٥) الذي بيده نواصيكم وإليه متقلبكم، حافظوا على صالح سنتكم وجاهدوا في سبيل ربكم، هذا عدوكم قد أظلكم فخافوا عن دينكم وامنعوا بيضتكم وتوكلوا على ربكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
فبطروا عما دعاهم إليه وخذلوه ورفضوه وتفرقوا عنه، فلما رأى رجيعم ذلك منهم هاجرهم ونجا بنفسه إلى فلسطين، وأقبل بخت نصر حتى
_________________
(١) (له) ليست في "أ".
(٢) في الأصل و"أ": (يكلفه).
(٣) ما بين [] ليست في "ب".
(٤) في "ب" "أ": (المراد به).
(٥) في "ب" "ي": (بتقوى الله ربكم).
[ ٣ / ١٠٩١ ]
ورد بيت المقدس لا يمنع عليه صغير ولا كبير، فوضع في بني إسرائيل السيف وأقام بينهم ميزان الحيف وأذاقهم لباس الخوف وسبق منهم سبيًا كثيرًا، وكان من جملة السبايا دانيال -﵇-، ثم رجع بالغنائم والأسارى إلى بابل.
وأتى على هذا زمان، ثم إنه رأى رؤيا هائلة فأخبر بها أهل العلم، فقالوا: هذا علم لا يتوصل إليه إلا نبي يوحى إليه، فبعث إلى السجن واستحضر دانيال -﵇-، فلما دخل عليه دانيال لم يسجد له، قال بخت نصر: لِمَ لم تسجد كسائر العبيد؟ قال: لأن الله تعالى خصني بالنبوة وأمرني أن لا أسجد إلا له، فأيقن بخت نصر أنه نبي وأعجبه كلامه، ثم ذكر له حديث الرؤيا، فقال دانيال -﵇-: رأيت صنمًا عظيمًا رجلاه في (١) الأرض ورأسه في السماء، رأسه من ذهب وصدره من فضة وبطنه من نحاس وفخذاه من حديد وساقاه إلى قدميه من فخار، فبينما أنت متأمله وتتعجب منه إذ سقط عليه حجر من السماء فهشمه وجعل الحجر يعظم وينبسط حتى ملأ الأرض فصرت لا يُرى غير الحجر والسماء شيئًا، قال بخت نصر: صدقت وبررت فما تأويلها؟ قال دانيال: أما الصنم فبيتكم أيها العجم، وأما الذهب فملوككم، وأما الفضة فأشرافكم، وأما النحاس فأوساطكم، وأما الحديد فمن دونهم، وأما الفخار فسفلتكم (٢)، وأما الحجر فنبي آخر الزمان يخرج من تهامة ويهاجر إلى طيبة اسمه محمد وأحمد يطحن الله به الكفر ويفرق به بين الحق والباطل، ويعزّ به الذليل ويقوى به الضعيف ويغنى به الفقير ويؤمن به الخائف، فلا يزال أمره يعظم وأمته تزداد ودينه يعلو ويملأ الأرض ذات العرض ويبقى الملك في قومه إلى يوم القيامة، قال بخت نصر: ومتى يكون ذلك؟ قال: بعدك بألف عام، فلما سمع ذلك بخت نصر منه أطلقه من السجن وأذن له في الدخول عليه ولم يأل في إكرامه والإحسان إليه
_________________
(١) في الأصل: (إلى).
(٢) في الأصل: (فسقتكم).
[ ٣ / ١٠٩٢ ]
حتى حسده على ذلك مرازبة بخت نصر، فأنكروا ذلك عليه فاتهموه في ذلك ورموا دانيال -﵇- بالسحر فلم يلتفت بخت نصر إلى شيء من قولهم حتى قالوا: إنه يعبد غير معبودك، فأمر بخت نصر أن يحضر صنمه على رؤوس الناس ودعا له دانيال -﵇-، فقال: إذا رأيتني وقومي نسجد لهذا فاسجد معنا، ثم خرّ بخت نصر ساجدًا مع قومه أجمعين وأبى دانيال -﵇- أن يسجد وقال: قد أعلمتك أيها الملك أول مرة أن الله تعالى (١) نهاني أن أسجد لغيره، فغضب عليه لمخالفته وبنى له بنيانًا فألقاه في الجحيم فجعلها الله عليه (٢) بردًا وسلامًا. فلما رأى ذلك بخت نصر منه دعاه واستصفاه واعتذر إليه وأطلق جميع من كان عنده من بني إسرائيل في السجن فأحسن إليهم.
ثم إن الله تعالى ابتلاه ثانية برؤيا هائلة وأنساها إياه فذكر ذلك لدانيال -﵇-، قال دانيال: رأيت شجرة لفاء عظيمة أصلها في الأرض ورأسها في السماء ذات فروع باسقة وأغصان أنيقة، ورأيت عليها كل طير في الأرض معششة مع فراخها حتى امتلأت تلك الشجرة وما ولاها، فبينا أنت تنظر (٣) إليها وتتعجب من عظمها وكثرة ما اكتنفها من الطير إذ أقبل ملك من السماء ليجتثها من أصلها فنودي من السماء أن اجتث بعضها ودع بعضها فإنها نفاسة، فأبان أغصانها وبقي ساقها على حالها ونفرت ما كان عليها من الطير، قال بخت نصر: صدقت هذه رؤياي ما خرمت منها شيئًا فما تأويلها؟ قال دانيال -﵇-: أما الشجرة فملكك الواسع العظيم، وأما الطير فجنودك، وأما الاجتثاث فذهاب ملكك وإبادة سلطانك، وأن الله تعالى ماسخك سبع سنين على صورة (٤) كل طائر (٥) ودابة عقوبة لك على ما كان من هدمك بيت المقدس ونقلك منبر سليمان واستخفافك بالأنبياء
_________________
(١) (تعالى) ليست في "ب" "أ".
(٢) (عليه) ليست في "ب".
(٣) في "أ" "ي": (ينتظر).
(٤) في "ب": (هيئة).
(٥) في "ب": (طير).
[ ٣ / ١٠٩٣ ]
والأولياء (١) وسفكك دماء المسلمين، غير أنك لا تمسخ في صورة إلا كنت ملك ذلك الجنس فتقهر ذلك الجنس بقوتك كقهرك بني آدم ثم تعود إنسانًا، قال بخت نصر: وهل يقبل ربك توبتي؟ قال: أما دون هذه العقوبة فلا.
فقام بخت نصر ودخل دار نسائه، فبينا هو جالس إذ نظر إلى الريش قد نبت عليه، فكان أول ما مسخ عُقابًاَ وآخر ما مسخ بعوضة، ثم عاد إلى مملكته. وكان ابنه كليماوس تخلفه في قومه في هذه الفترة، فلما عاد إنسانًا وعاد إلى مملكته اغتسل ولبس المسوح وسل سيفه وكسر جفنه وخرج إلى جنوده يدعوهم إلى توحيد الله (٢) ويحذرهم العذاب الأليم، فلما هجم عليه الليل قبض الله روحه وكان ملكه سبعين عامًا، وهو بهراسف بلغة الفرس.
وولي الأمر (٣) بعده كليماوس وأساء السيرة في بني إسرائيل وردهم إلى السجن، فبينا هو ذات يوم في مجلسه مع مرازبته وعظماء قومه إذ نظر إلى كف بدت من الحائط بلا معصم وكتبت له (٤) ثلاثة أحرف: [لا كفرت، هذا حكم بالكفر، وأنكر عليه خراب الدنيا والتحول إلى العقبى، ويحتمل أنه لم يحكم به ولكن استفهم واستعلمه أهو كافر حيث رآه ينكر البعث والنشور ولا يعترف بأن النعمة من الله إن شاء] (٥) بالعبرانية ثم غابت فاضطره الخوف إلى دعاء دانيال -﵇- وألطف له (٦) القول وأراه تلك الكتابة واستفسره، فقرأها عليه دانيال: بسم الله العلي الأعظم عزّ هذا الملك فذل، ووزن فخفّ، وجمع فتفرق.
_________________
(١) في "ب": (بالأنبياء -﵈- وسفك).
(٢) في "ب": (الله تعالى).
(٣) في الأصل و"أ": (أمره).
(٤) (له) ليست في "ب" "ي".
(٥) ما بين [] من الأصل فقط.
(٦) في "ب": (به).
[ ٣ / ١٠٩٤ ]
وابتلاه الله بعد هذا بملك اليمن يأسر ابن ينعم، قصده من صنعاء اليمن حتى نزل في تخوم أرضه ثم استولى عليها، وكان على دين سليمان -﵇- (١)، وأنه غزا ديار بخت نصر منتقمًا لبني إسرائيل، قال الزهري: ثم ابتلاه الله ببعوضة كبعوضة (٢) نمرود وكانت سبب موته وكان ملكه خمسين سنة، وملك من بعده أخوه يستاسف ثم همن بن إسفنديار بن يستاسف وهو الذي رد بني إسرائيل إلى أوطانهم، والسبب في ذلك أنه تزوج بنت سالمال بن رجيعم بن سليمان -﵇- وكانت تسمى أبراخت، فلما تزوج بها ملك أخاها روبابيل بن سمالمال بن رجيعم وسيَّره إلى أرض الشام.
ثم ذكر الشعبي أن الموعود الثاني ملك من ملوك الأهواز كان يسمى بخت نصر أيضًا سلَّطه الله بعد قتل يحيى بن زكريا -﵇- وكان من نسل (٣) بخت نصر الأول، قال: وكان بين المرتين خمسماية عام. وذكر محمَّد بن جرير الطبري أن بخت نصر كان قائدًا من قواد سنحاريب الملك ملك بابل، وكان قد غزا بيت المقدس مع سنحاريب الملك في عهد حزقيا بن أحاب وهو ملك من ملوك بني إسرائيل، وكان بعد رجيعم بن سليمان بزمان طويل ورجع خائبًا خاسرًا، فلما هلك سنحاريب تحول بخت نصر إلى بهراسف الملك وهو سلح حينئذٍ فذكر له حديث الشام وطلب منه أن يوجهه إلى تلك النواحي وضمن له أن يفتحها له فأجابه بهراسف إلى ذلك وأمدَّه بالأموال والرجال، وكان من أمر بخت نصر ما كان ورجع إلى بابل فاتخذها دار مملكته في طاعة بهراسف ولم يكن بهراسف.
ثم إن بهراسف هلك وخلفه ابنه تشتاسف ورفع إليه حديث الشام وما كان من فساد بخت نصر في تلك النواحي، فاستقبح ذلك فكتب إليه يأمره (٤) بالرجوع إلى بابل وصرفه بكورش وهو قائد من قواده، فلما انتهى
_________________
(١) في "ب": (عليهما).
(٢) (كبعوضة) ليست في "أ".
(٣) (نسل) ليست في الأصل.
(٤) في الأصل: (بأمره).
[ ٣ / ١٠٩٥ ]
كورس إلى بابل أحسن السيرة في بني إسرائيل وردَّهم إلى أوطانهم وأمر بعمارة بيت المقدس. وبقي الأمر على ذلك حتى أرسل إليهم بهمن (١) إسفنديار بنيستاسف رسولًا يدعوهم إلى تجديد العهد وإظهار الطاعة وأداء الخراج، وقتلوا (٢) رسوله فغضب، وكان بخت نصر يعيش بعد (٣) فوجهه إليهم وأمره بإساءة السيرة فيهم، فهو الموعود الأول والثاني (٤).
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ قال الضحاك: كانت الرحمة الموعودة هو أن يبعث محمدًا -﵇- (٥)، قال ابن عباس: سجنًا محصورًا فيه (٦) (٧) كهيئة الزرب زرب الغنم.
﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي: إلى الخصلة التي هي أصوب الخصال وهي ملة الإسلام.
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ﴾ وبشر الذين ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا﴾ ويحتمل أنها بشارة المؤمنين أيضًا فإنهم يفرحون بعذاب المخالفين لا محالة.
﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ﴾ نزلت في النضر بن الحارث (٨) حيث قال: إن
_________________
(١) في الأصل و"أ": (همن).
(٢) في "ب": (فقتلوا).
(٣) (بعد) ليست في "ب".
(٤) هذه القصة الطويلة ذكرها ابن جرير مفصلة عن ابن إسحاق (١٤/ ٤٥٩)، وبعضًا منها عن حذيفة بن اليمان مرفوعًا، أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٥٨). وقال ابن كثير في تفسيره (٥/ ٤٤): حديث موضوع لا محالة لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب كيف راج عليه -أي ابن جرير- مع إمامته وجلالة قدره. وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي -﵀- بأنه موضوع مكذوب وكتب ذلك على حاشية الكتاب اهـ. ولا شك أن التفاصيل التي ذكرها ابن إسحاق من قبيل الإسرائيليات. والله أعلم.
(٥) عزاه السيوطي في الدر (٩/ ٢٦٤) لابن أبي حاتم عن الضحاك، وهو في تفسيره (٧/ ٢٣١٩).
(٦) (فيه) ليست في الأصل و"أ".
(٧) ابن جرير (١٤/ ٥٠٧، ٥٠٨)، وابن أبي حاتم في تفشره (٧/ ٢٣١٩).
(٨) قاله مقاتل نقله عنه ابن الجوزي في تفسيره (٣/ ١٢).
[ ٣ / ١٠٩٦ ]
كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، وقيل: هي عامة (١) في كل من يدعو على نفسه أو على ولده وأهله في حالة الضمير والغضب فيجتهد في دعائه بالشر كجهده في دعائه بالخير (٢)، واتصالها من حيث ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ فمن التي هي أقوم هو التنبيه على هذه الخصلة المذمومة وهو الدعاء بالشر، ويدعو بغير واو (٣) في محل الرفع: ﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦] وقوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: ١٨] ﴿وَيَمْحُ الله الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] لاعتبار حالة الوصل بين سائر الهجاء على اعتبار حالة الوقف لاستحباب الجمع بين الطريقتين، وقيل: المراد بالإنسان ها هنا آدم -﵇- و(العجول) المستعجل (٤).
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ (٥) في أنفسهما وآية الليل والنهار الشمس، والقمر ليلة البدر، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ قال: هو اللطخ الذي هو في القمر، وروي أنه أثر مسحة جبريل، وزعم المنجمون أن جرم القمر كروي ليلي مائي مظلم مصقول وفيه حرارة عرضية بتسخين الشمس إياها (٦).
_________________
(١) في الأصل: (عليه).
(٢) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - وقتادة ومجاهد، أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ٥١٢) واختاره الزجاج في معانيه (٣/ ٢٢٩).
(٣) قال أبو جعفر النحاس: حذفت الواو في الإدراج لالتقاء الساكنين ولا ينبغي أن يوقف عليه لأنه في السواد بغير واو، ولو وقف عليه واقف في غير القرآن لم يجز أن يقف إلا بالواو لأنها لام الفعل لا تحذف إلا في الجزم أو في الإدراج ولا ألف بعدها وكذا يدعو ويرجو. [إعراب القرآن (٣/ ٢٣٤)].
(٤) هذا ورد عن سلمان الفارسي عند ابن أبي شيبة (١٤/ ١١٠، ١١١)، وابن جرير (١٤/ ٥١٤)، وابن عساكر (٧/ ٣٨٤)، وكذا ورد عن مجاهد عند ابن أبي شيبة (١٤/ ١١٥).
(٥) في الأصل: (اثنين).
(٦) قوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ١٢]، ذهب علي بن أبي طالب وابن عباس - ﵄ - أن هذا المحو هو اللطخة التي في القمر من الاسوداد، وبه قال مجاهد وقتادة، أخرجه عنهم ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٥١٥)، وابن أبي حاتم عن علي - ﵁ - (٧/ ٢٣٢٠) وأما ما ذكره المؤلف أنه أثر مسخه جبريل فقد ذكره القرطبي في تفسيره (١٠/ ٢٢٧).
[ ٣ / ١٠٩٧ ]
﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ ردّ على القدرية لأن إلزام الطائر قبل وجود الفعل [فلا معنى للطائر بعد وجود الفعل] (١) وقد سبق القول في التطير والطائر في سورة "الأعراف"، وذكر العنف على سبيل المجاز لأنه موضع ما يلزم الإنسان من قلادة أو طوق أو غل أو نحوه ونحوه (٢)، ﴿وَنُخْرِجُ﴾ ننزله من العنب، و(المنشور) ضدّ المطوي.
﴿اقْرَأْ﴾ أي: يقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ﴾ لإسلاب الاختيار والاقتدار ونسخها بالاضطرار إلى الإقرار.
﴿وَازِرَةٌ﴾ أي: نفس وازرة وزر نفس أخرى، فلا تحمل حمل نفس أخرى إلا أن تكون (٣) أكرهتها على مأثم، فإن الفعل في الإكراه يسند إلى المكره العاتي (٤)، وإلا أن تكون سنَّت سنة سيئة فإن لها مثل وزر من (٥) عمل إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (٦) كقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]، والمراد بالعذاب المنيع الخسف والمسخ والطوفان والصواعق ونحوها دون عذاب الآخرة.
ألا ترى قال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ﴾، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ اتصالها بها (٧) من حيث أهلكهم الله تعالى من
_________________
(١) ما بين [] ليست في "أ".
(٢) (ونحوه) ليست في "أ" "ي".
(٣) في الأصل و"ب": (تكون).
(٤) في "ب" "ي": (العامي).
(٥) (من) ليست في "ب" والأصل.
(٦) يشير المؤلف إلى حديث جرير بن عبد الله مرفوعًا وفيه: "مَن سنَّ في الإسلام سنة حسنة يُعْمَلُ بها من بعده كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة يُعْمَلُ بها من بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا" أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة (١٠١٧)، والنسائي (٥/ ٧٥)، كتاب: الزكاة، باب: التحريض على الصدقة.
(٧) (بها) ليست في "أ".
[ ٣ / ١٠٩٨ ]
المؤمنين، وهذه الآية مجملة تفسيرها قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾ [النجم: ٢٩]، وقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾ [الأعلى: ١٦]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النحل: ١٠٧] والدليل على جواز طلب الدنيا بعمل الآخرة هو طلب الغنائم بالجهاد والاستسقاء بالدعاء والاستشفاء (١)، قال -﵇- "يقول الله ﷿ للدنيا: يا دنيا مرّي على أوليائي ولا تحلولي لهم فتفتنيهم" (٢) ﴿مَا نَشَاءُ﴾ -أي: نشاء إتيانه - فإنّ الله تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ - أي ذلك" (٢) هو تخصيص لخصوص الجزاء الموعود، فثبت به جواز تخصيص كل وعد ووعيد في القرآن من بعد عمومه، وكذلك نسخه بعد ثبوته مذمومًا معيبًا.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا﴾ وإنما شرط في إرادة الآخرة السعي؛ لأن الشرط في العاجلة شرط مجازي غير موجب قصد فيه التنبيه على قبحه وفساده فلم يكن (٣) لتأكيده معنى، وشرط الآخرة شرط حقيقي موجب قصد فيه تعليق الحكم به على التحقيق فاستجمع (٤) جميع ما يتعلق (٥) به، يدل على (٦) وجود العاجلة ابتداء وابتلاء من غير جزاء وامتناع الآخرة إلا ثوابًا أو عقابًا، وفي الآية دلالة أن غير المؤمن قد سعى للآخرة، وأن الإيمان غير العمل، وأن الآخرة قيمة سعي المؤمن لا قيمة إيمانه لأن جزاء الإيمان أجل وأنفع من الآخرة بأسرها وهو الدخول في جملة الأولياء، يقول الله تعالى: ﴿الله (٧) وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]،
_________________
(١) (بالدعاء والاستشفاء) ليست في الأصل.
(٢) ذكره القضاعي في مسند الشهاب (١٤٥٣) وهو حديث موضوع آفته الحسين بن داود، وقد ورد في زهد الإمام أحمد (٩٨) هذا القول عن أبي سنان.
(٣) في "ي" "أ": (تكن).
(٤) في "ب": (فاجتمع).
(٥) في "أ" "ي": (يتصف).
(٦) في "ب" "ي": (عليه).
(٧) (الله) من "أ" "ي".
[ ٣ / ١٠٩٩ ]
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾ [محمَّد: ١١]، وأما قوله -﵇-: "من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة" (١) إنما ذلك لترغيب العامة، وقد وعدهم على ذلك عصمة الأموال والدماء غير مرّة.
﴿هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ [الإسراء: ٢٠] بدل من كل (٢) وهو في محل النصب والمراد به مريدو العاجلة ومريدو الآخرة ﴿مَحْظُورًا﴾ ممنوعًا محبوسًا (٣)، وقال -﵇-: "إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله وأن تحمدهم على رزق الله وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إنّ رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يردُّه كره كاره، إن الله بحكمته جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط" (٤).
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا﴾ فائدة النظر إلى تفاوت الناس في مراتبهم وقوع العلم بأنها أرزاق (٥)، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ لأنّ خيرها وشرّها موجودان على سبيل الحقيقة دون الابتلاء وعلى سبيل البقاء دون الفناء، ولأنّ شريفها لا يحتاج إلى عمل وضيعها فيشركه في رباعها ومرابيعها، ولا يخاف دس مكر منه إليه فيعود شرفه وبالًا عليه.
_________________
(١) يشير إلى حديث أبي هريرة - ﵁ - أنه سأل النبي - ﷺ -: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: العلم (١/ ١٧٣)، والإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٧٣) وله عدة ألفاظ، وأما قول المؤلف: إنما ذلك لترغيب العامة - أي: فيما ترتب على الشهادة من دخول الجنة - فنقول: إن الله رتب دخول الجنة على تحقيق الشهادة حقيقة، فمن قام بحق هذه الشهادة من العامة أو الخاصة وقام بموجبها كان حقًا على الله أن يدخله الجنة كما وعد بذلك، فإن وجد نقيضًا لها لم يستحق ذلك الشرط المترتب عليها وإن تلفظ بها.
(٢) اختاره أبو جعفر النحاس كما في إعرابه (٣/ ٢٣٦).
(٣) في "ب": (محبوسًا وقيل: إن ).
(٤) أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٠٦)، والبيهقي في الشعب (٢٠٧)، والحديث موضوع غير ثابت. انظر: السلسلة الضعيفة للعلامة الألباني -﵀- (١٤٨٢).
(٥) من قوله: (انظر كيف) إلى هنا ليست في "ب".
[ ٣ / ١١٠٠ ]
﴿لَا تَجْعَلْ﴾ خطاب النبي والمراد به أمّته، ﴿فَتَقْعُدَ﴾ فتبقى، و(الخذلان) ضدّ النصرة.
﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ نزلت في سعد بن أبي وقاص كان قد أسلم وله أم مشركة تشتمه وتطرده عن بيتها ويعود عليها بالجميل أخرى (١)، وكان سعد متقدم الإسلام لم يتقدمه إلا زيد بن حارثة وأبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ نهي عن التأفيف ونص عليه يدل بفحواه (٢) على ما فوق ذلك أدخل في النهي، كما أن مثقال ذرة ومثقال حبَّة يدلان أن ما فوقهما أدخل في الجزاء والحساب، ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ ولا تزجرهما، ﴿قَوْلًا كَرِيمًا﴾ هو مقالة الرجل الكريم. عن أنس، قال: بعث رسول الله في بعض أمره فقال: أوصني، فقال: "أوصيك أن تبرّ بوالديك" قال: زدني، قال: "أوصيك أن تبر بوالديك"، قال: زدني، قال: "أوصيك أن تبرّ بوالديك (٣)، فإنهما جنتاك" (٤).
وعن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، من أحق بحسن الصحبة مني؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أبوك" (٥). عن محمَّد بن صدقة [أن رجلًا أتى النبي -﵇-] (٦)، فقال: أتيتك لأجاهد معك، وتركت والديّ يبكيان، قال: "فانطلق فأضحكهما كما أبكيتهما" (٧).
_________________
(١) ذكره القرطبي في تفسيره (١٠/ ١٤٥).
(٢) في الأصل و"أ": (بدل نفجوة).
(٣) المثبت من الأصل وفي الجميع (والديك).
(٤) عزاه في الدر المنثور (٩/ ٣١٣) لأحمد في الزهد (ص ٦٦) من قول موسى -﵇- عن وهب بن منبه.
(٥) مسلم (٢٥٤٨) كتاب البر والصلة، باب بر الوالدين.
(٦) ما بين [] ليس في "ب".
(٧) عن محمَّد بن صدقة: لم نجده وإنما هو حديث مشهور عن عبد الله بن عمرو، رواه أبو داود (٢٥٢٨)، والنسائي (٧/ ١٤٣)، وابن ماجه (٢٧٨٢)، وأحمد (٢/ ١٦٠، ١٩٤، ١٩٨، ٢٠٤) وهو حديث حسن.
[ ٣ / ١١٠١ ]
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلّ﴾ أي: تواضع وتذلل لهما من رحمتك عليهما، وهذا أبلغ في الأمر بالتواضع من قوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨].
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا في نُفُوسِكُمْ﴾ لأنه هو الذي خلقها فسواها وألهمها فجورها وتقواها، وهو الذي يحول بين المرء وقلبه، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨]. ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ شرط جوابه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ لأنَّ الأوّاب هو التواب، والتواب هو الصالح.
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾ حقهم ما يستحقونه ويستأهلونه لحاجتهم إليه من طعام أو كسوة أو ظهر، ﴿وَلَا تُبَذِّرْ﴾ لا تفرقوا المال (١) على سبيل الإضاعة والإهلاك كأنه أخذ من البذر.
﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ هم الذين كانوا ينفقون أموالهم فيما لا يغنيهم رئاء الناس واتباعًا لهوى النفس وكان يتعذر عليهم القيام بما يغنيهم.
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ عن القتال والسؤال ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ أي: انتظار رزق يأتيك لتواسيهم به، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ عدهم (٢) عدة جميلة. عن مسعر عن زبيد اليامي (٣) قال: أضاف (٤) رسول الله ضيفًا فبعث إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا فقال: "اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك فإنه لا يملكها أحد غيرك"، قال: فأتي النبي -﵇- بشاة مشوية، أو قال: مصلية، فقال (٥) -﵇-: "هذا من فضل الله ونحن ننتظر رحمته"، قال زبيد: فعلمت بهذا فقلَّ ما فقدت شيئًا بعده (٦).
_________________
(١) في "ب": (لا تفرق علي).
(٢) في الأصل: (أعدهم).
(٣) في "ب": (زبيد عن مسعر).
(٤) في "ب": (أتى) بدل (أضاف).
(٥) في الأصل: (وقال).
(٦) الطبراني في الكبير (١٠٣٧٩)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٦) (٧/ ٢٣٩) والحديث صحيح، وهو من طريق مسعر عن زبيد عن مرّة عن عبد الله.
[ ٣ / ١١٠٢ ]
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ عن المنهال بن عمرو أن امرأة بعثت ابنها إلى رسول الله (١) تستكسيه درعًا وقالت له: إن قال حتى يأتيني فقل له: إن أمي تستكسيك قميصك، فأتى ابنها رسول الله (٢) وذكر له ذلك فنزع رسول الله (٢) قميصه فدفعه إليه فأنزل (٣)، وفي الآية نهي عن الإمساك والبخل ونهي عن الإسراف في النفقة. عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنا عند رسول الله إذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله (٢) أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه، ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته، قال -﵇-: "يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد لسلف (٤) الناس! خير صدقة ما كان على ظهر غنى" (٥).
﴿إِنَّ رَبَّ كَيَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ اتصالها بها من حيث قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ أو من حيث ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ كانت العرب تئد البنات خشية العيلة (٦) فأنزل، ﴿إِمْلَاقٍ (٧)﴾ كثرة إنفاق (٨).
_________________
(١) في "ب": (إلى النبي ﷺ).
(٢) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٣) سبب النزول هذا هو عن عبد الله بن مسعود كما ذكره الواحدي في سبب النزول (ص ١٩٤)، وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٢١)، وقد ذكره السيوطي في الدر المنثور (٩/ ٣٢٥) عن المنهال بن عمرو ولا مانع أن يكون له طريقان، لكن الحديث ضعيف ففيه سليمان بن سفيان وقيس بن الربيع وهما ضعيفان، وأبو إسحاق السبيعي وقد عنعنه وهو مدلس، وقيس روى عنه بعد الاختلاط.
(٤) في "ب" "ي": (يستلف).
(٥) أبو داود (١٦٧٣)، الحاكم (١/ ٥٧٣)، والحديث ضعيف لكن الجملة الأخيرة في الحديث في صحيح البخاري (١/ ٣٦١) من حديث حكيم بن حزام - ﵁ -.
(٦) في "أ" "ي": (العيلة عند الإعالة).
(٧) (إملاق) ليست في "أ".
(٨) كثرة الإنفاق قد تؤدي إلى الفقر. ولذا فَسَّر ابن عباس - ﵄ - "الإملاق" بالفقر، أخرجه عنه الطبري في تفسيره (١٤/ ٥٧٨).
[ ٣ / ١١٠٣ ]
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾: الزنا في اللغة اسم لوطء المرأة في قبلها من غير عقد، وإطلاق النبي -﵇- الزنى على اليدين والرجلين محمول على الإثم دون الحكم لقوله: "ادرؤوا الحدود ما استطعتم" (١).
﴿لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ هو تحكيم الولي في قتل القاتل إن شاء قتله وإن شاء عما عنه، ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ أي: ولي المقتول كان منصورًا حيث جعل له سلطانًا.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ روي أن رجلًا جاء إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إنّ لي يتيمًا فأضربه؟ قال: "نعم مما تضرب منه ولدك"، قال: أفآكل ماله؟ قال: "نعم، غير متأثل بماله ولا واقٍ مالك بماله" (٢)، ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ أي المحافظة به مسؤول عنها يوم القيامة.
﴿بِالْقِسْطَاسِ﴾ بالقَبَّان (٣). وقال أبو عبيد الهروي: أي ميزان كان (٤).
﴿وَلَا تَقْفُ﴾ لا تتبع، يقال: قفوته أقفوه وقفيته أقفيه وقفيته أقفوه (٥) بمعنى، قال الكلبي: هو أن يدعي الإنسان علمًا لا يحسنه ويكذب على سمعه وبصره وفؤاده، وقال مقاتل: يقول الله تعالى (٦): يا ابن آدم لا ترمني بالشرك
_________________
(١) الدارقطني (٣/ ٨٤)، وأبو يعلى (٦٦١٨)، والبيهقي (٩/ ١٢٣) مرفوعًا بسند ضعيف وموقوفًا عن عمر عند عبد الرزاق (١٣٦٤١)، والبيهقي (٨/ ٢٣٨) عن ابن مسعود.
(٢) ابن حبان (٤٢٤٤)، وابن أبي شيبة (٢١٣٧٧)، والطبراني في الصغير (٢٤٤)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦٥١) (٦/ ٢٩٦)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٧٢)، والبيهقي في السنن (٦/ ٤)، وفي الشعب (٢١٣٧٧)، بسندين أحدهما منقطع والآخر فيه ضعف.
(٣) قاله الحسن، نقله عنه الطبري في تفسيره (١٤/ ٥٩١)، والبغوي في تفسيره (٥/ ٩٢).
(٤) لم نجده في غريبه ولكن ذكر ابن فارس والزجاج وصاحب اللسان والطبري في تفسيره وغيرهم أنه يأتي بمعنى الميزان ومعناه العدل بالرومية، كما قاله مجاهد، نقله عنه الطبري في تفسيره. [تفسير الطبري (١٤/ ٥٩٢)، معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٣٨)، مجمل اللغة لابن فارس (٤/ ١٦٢) اللسان (قسط)].
(٥) في "أ" "ب": (أقفومه).
(٦) (تعالى) ليست في "ي".
[ ٣ / ١١٠٤ ]
فإنك لا تعلم لي شريكًا، وقيل: هو أن يستنَّ الرجل بسنَّة لا يعلم أسنة هي أم بدعة (١)، ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ خبر للاسم المنتصب بأن.
﴿مَرَحًا﴾ نشاطًا وخيلاء، ﴿لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ لن تبغها لشدة وطئك، ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ بأن تنعظم وتشمخ بأنفك وتركب (٢) رأسك.
عن جابر بن عتيك عنه -﵇-: "من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله، فأما التي يحبها فالغيرة في الرّيبة، وأما التي يبغضها ففي غير ريبة، وإن (٣) من الخيلاء ما يبغض الله ومنها ما يحب الله، فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل نفسه عند اللقاء واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي" (٤) وروي في "الفخر".
﴿فَتُلْقَى﴾ من الإلقاء ويجوز من اللقاء، وعن ابن عباس (٥) أن هذه الثماني عشر في ألواح موسى﵇- كتب الله له فيها أنزلها الله تعالى (٦) على نبينا﵇- من رأس اثنين وعشرين آية قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى رأس الأربعين قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩]، قال: وهي عشر آيات في التوراة، قال: هذه الآيات سبع عشرة آية عند الفداء، فإن لم يقع سهو من جهة الرواة فكأنه عدّ سلطانًا أو بالقسطاس المستقيم آية.
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ نزلت في بني مليح ومن ذهب مذهبهم من
_________________
(١) وكل هذه المعاني والتأويلات متقاربة كما قال الطبري في تفسيره (١٤/ ٥٩٥)، وبعض أهل العربية من أهل الكوفة يزعم أن أصله من القيافة وهي تتبع الأثر وعلى هذا يلزم القراءة على هذا النحو: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ بفتح التاء وضم القاف وسكون الفاء.
(٢) في الأصل: (وتركت).
(٣) في الأصل: (فإن).
(٤) أبو داود (٢٦٥٩)، والنسائي (٥/ ٧٨)، وأحمد (٥/ ٤٤٥، ٤٤٦)، وابن حبان (٢٩٥) (٤٧٦٢) والحديث حسن.
(٥) رواه الطبري قريبًا منه (١٥/ ١٣٨، ١٣٩) وفيه خمس عشرة آية، وانظر: تفسير النسفي (٢/ ٢٨٧).
(٦) (تعالى) ليست في "ب".
[ ٣ / ١١٠٥ ]
قريش (١)، أي: فآثركم بالبنين على نفسه ورضي لنفسه بالبنات إن كان يليق به الولادة واتخاذ الولد على زعمكم، ﴿قَوْلًا عَظِيمًا﴾ لأنهم كذبوا ثم لم يرضوا تكذيبهم حتى جعلوه في غاية القبح والبشاعة.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ أي: صرفنا الآيات، ﴿نُفُورًا﴾ تباعدًا وتوحشًا.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ وجه الرد عليهم أن الشيء لا ينفصل عن جنسه إلا قهرًا فلو كانت في العالم لله أجناس لكانت قاهرة غير مقهورة، ولو كانت كذلك لاتحدت به ولرجع الأمر إلى الوحدانية، والثاني أن مساواة الأدنى داعية إلى مزاحمة الأعلى فيما تفرد به، ومزاحمته تؤدي إلى فسخ المواصفة وتُوجب (٢) توحيد الأعلى، ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا (٣)﴾ أي: تعاليًا كقوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨].
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ يسبح الكل قريب من فنون الكل وهو الأصوات الدالة على محدثها ومحدث ذواتها، وكل صامت ناطق بالدلالة على صانعه، وعن الحسن: اللبنة تسبِّح فإذا بني بها سبحت مع الأرض (٤)، وقال النخعي: الطعام يسبح (٥)، وقال عكرمة لرجل: قميصك هذا يسبح، وقال رجل لأبي هريرة: أسمع لبيتي تقعقعًا قال: ذلك تسبيح الجدر (٦).
_________________
(١) لم نجد أحدًا من المفسرين قال أنها نزلت في بني مليح، وعامة المفسرين أطلق وقال: إنها نزلت في مشركي العرب الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله فهو توبيخ لهم.
(٢) في الأصل و"أ": (يوجب).
(٣) (كبيرًا) ليست في "أ" "ي".
(٤) أخرجه عن الحسن أبو الشيخ في العظمة (١٢٠٩)، وذكره السيوطي في الدر المنثور عنه (٩/ ٣٦٢).
(٥) ابن جرير (١٤/ ٦٠٦)، وابن أبي الدنيا في الهواتف ص ١٣٧، وأبو الشيخ في العظمة (١٢٠٧).
(٦) أبو الشيخ في العظمة (١٢١٣) عن عكرمة قريبًا منه.
[ ٣ / ١١٠٦ ]
﴿مَسْتُورًا﴾ ساترًا كقوله: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] ساكب و﴿يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] ساحرًا، وقيل: معناه حجاب لطيف لا يساهون. عبد الحميد بن جعفر عن أبيه: إن المشركين قالوا لرسول الله: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] مستور، فأنزل على زعمهم مكانها مستقيمة، أي: أو جعلنا.
ثم رد عليهم بقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ وقال مجاهد (١): الحجاب صرف الله أسماعهم عن القرآن عند تلاوة رسول الله (٢)، وقال كعب الأحبار (٣): ﴿بِهِ﴾ خاص من القرآن، كان رسول الله (٢) إذا قرأ توارى منهم عن ذلك وصرفت أبصارهم عنه، وذكر آيات الحجاب، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ٥٧]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ﴾ [النحل: ١٠٨]، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ منك، ﴿بِمَا يَسْتَمِعُونَ﴾ باستماعهم كيف هو وعلى أي وجه هو حين يستمعون إليك وحين يتناجون ويستمع بعضهم إلى بعض، ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ نزل (٤) في قوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾.
﴿انْظُرْ﴾ أمر على سبيل التعجب، ﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ فوصفه إياه بما سبق ذكره واختلافهم في وصفه -﵇-.
﴿وَرُفَاتًا﴾ ما تناثر من كل شيء، وقيل: الرفات الشيء المتكسر جديدًا طريًا (٥).
﴿قُلْ كُونُوا﴾ على صفة الأمر والمراد منه الشرط، أي: ستعودون وإن كنتم شيئًا شاقًا صلبًا بعيدًا من التركيب الحيواني القابل للموت والحياة، كقولهم: عِشْ رجبًا ترى عجبًا، (الحديد) هو الجوهر المنطبع المختص.
_________________
(١) لم نجده عن مجاهد.
(٢) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٣) ذكره القرطبي في تفسيره عن كعب (١٠/ ٢٦٩).
(٤) في "ب": (نزلت).
(٥) قاله الزجاج. [معاني القرآن (٣/ ٢٤٤)].
[ ٣ / ١١٠٧ ]
﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ أو (١) شيئًا تستعظمونه وترونه أصبر على مر الزمان من الحجارة والحديد. وعن ابن عباس ومجاهد (٢) أنه الموت يوم بدر لا بدّ لكم من العود وإن كنتم عين الموت، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: المراد به البعث (٣)، ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ فسيحركون (٤).
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ العامل فيه ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾ أي: يكون العود (٥) وهو البعث يومئذٍ على ما قال عبد الله بن عمرو، ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: فتقومون من قبوركم مستجيبين للداعي معترفين بأن (٦) الله هو الإله الواحد المعبود المحمود في صفاته، ويحتمل أن المؤمنين يشكرون الله يومئذٍ ويحمدونه فيتلقف ذلك منهم المشركون لا يهتدون إلى كلام غير ذلك حالة البعث من شدة الهول، ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ لمكان (٧) شدة الهول ينسون عذاب القبر، ويحتمل لمكان الرقدة التي بين خراب الدنيا وقيام الآخرة ومدتها على ما روي أربعون سنة، ولا يبعد أن يكون المراد يوم بدر ألقى في قلوبهم من همة البروز إلى مصارعهم وباستجابتهم خروجهم
_________________
(١) في الأصل: (أي).
(٢) أما عن ابن عباس فقد رواه ابن جرير (١٤/ ٦١٦)، والحاكم (٢/ ٣٦٢)، وأما عن مجاهد فذكره القرطبي في تفسيره (١٠/ ٢٧٤).
(٣) ذكره القرطبي في تفسيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص لكن قال: المراد به الموت، بدل: البعث. [تفسير القرطبي (١٠/ ٢٧٤)].
(٤) قاله ابن عباس - ﵄ - وقتادة، أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ٦٢٠).
(٥) مذهب أبي البقاء العكبري أن يكون منصوبا لـ"يكون" وهذا المذهب عند من يجيز إعمال الناقصة في الظرف، وجوز بعضهم أن تكون بدلًا من "قريبًا" إذا أعربنا "قريبًا" ظرف زمان، وأما ما ذكره المؤلف أنه منصوب بضمير المصدر الذي هو اسم "يكون" أي: عسى أن يكون العود يوم يدعوكم فقد منعه أبو البقاء، وقال: لأنّ الضمير لا يعمل عند البصريين لكن الكوفيين جَوَّزوا ذلك وأنشدوا قول زهير بن أبي سلمى: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ وما هو عنها بالحديث المرجم [الإملاء (٢/ ٩٣)، الدر المصون (٧/ ٣٦٩)].
(٦) في "ب": (أن).
(٧) في الأصل: (المكان).
[ ٣ / ١١٠٨ ]
إلى ذلك على نشاط منهم ورضا فرحين غير مكرهين، وبظنهم أنهم لم يلبثوا إلا قليلًا استيقانهم عند ذوق السيف أنهم لم يؤجلوا بعد الوعيد إلا قليلًا.
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي﴾ قال ابن عباس: كان أصحاب (١) رسول الله بمكة يؤذيهم المشركون بالقول والفعل فشكوا ذلك إلى رسول الله -﵇- فأنزل (٢): ﴿لِعِبَادِي﴾ المسلمين، ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ من القول بردّ السلام بلا فحش، ﴿يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ وبين الكفار.
﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ قال﵇-: "سألت ربي مسألة وددت أني لم أسالها إياه قط، قلت: اتخذت إبراهيم خليلًا، وكلمت موسى تكليمًا، وسخرت مع داود الجبال يسبِّحن، وأعطيت سليمان كذا وكذا وأعطيت فلان كذا وكذا، فقال لي: ألم أجدك يتيمًا فآويتك؟ قال: قلت: بلى، قال: ألم نشرح لك صدرك؟ قال: قلت: بلى، قال: ألم أرفع لك ذكرك؟ قال: قلت: بلى، قال: ألم أجدك ضالًا فهديتك؟ قال: قلت: بلى، قال: ألم أجدك عائلًا فأغنيتك؟ قال: قلت: بلى، قال: ألم أضع عنك وزرك؟ قال: قلت: بلى، قال: ألم أوتك ما لم أوت نبيًا قبلك خواتيم سورة البقرة؟ قال: قلت: بلى، قال: ألم أتخذك خليلًا كما اتخذت إبراهيم خليلًا؟ " (٣)، كان سؤاله على وجه التواضع والاعتراف بفضل الأنبياء ورفعة منازلهم تعرضًا لزيادة رتبته إلا (٤) أنه نسي إحسان الله واستحقر نعم الله تعالى ففهمه الله تعالى (٥) على أنه بلغ أجل المراتب
_________________
(١) (أصحاب) ليست في "ب".
(٢) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٥/ ٤٦)، والواحدي في أسباب النزول ص ١٩٥، وهو ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٤٤٥) عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا، وذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ٤٥٢).
(٤) في "أ" "ي": (لا).
(٥) (ففهمه الله تعالى) ليست في "أ".
[ ٣ / ١١٠٩ ]
وأرفعها وأنه لا ينبغي له التعرض لشيء بعدها، وإنما ندم عن هذا السؤال دون سائر الدعوات المأثورة لأنّ تلك الأسئلة صدر بعضها منه على سبيل التعليم لأمته وبعضها على سبيل الاحتياج دون التمني والاقتراح.
عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أعطى إبراهيم الصحف الأولى أول ليلة من شهر رمضان، وأعطى موسى -﵇- التوراة لستِّ ليال خلون من رمضان، وأعطى داود -﵇- الزبور لثنتي عشرة ليلة من رمضان، وأعطى محمدًا -﵇- الفرقان لأربع وعشرين من رمضان" (١) [وأعطى عيسى﵇- الإنجيل لثماني عشرة ليلة من رمضان] (٢) قال: أما إن أراد بشهر رمضان شهر صوم كل نبي في شريعته أو أعطى شيئًا على سبيل الافتتاح فإن ميقات الألواح كان في ذي القعدة وعشر من ذي الحجة.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قال ابن عباس: إن ناسًا من خزاعة كانوا يعبدون الجن ويريدون أنهم هم (٣) هم الملائكة فأنزل (٤)، ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ تفريع، ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ﴾ جواب شرط مضمر وهي جملة معطوفة على ما مضى والفاء بمعنى الواو.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ صفة الملائكة عند الكلبي وصفة الجن عند
_________________
(١) ورد هذا الحديث عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا: "أنزلتْ صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان". أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٠٧)، وعبد الغني المقدسي في فضائل رمضان (١/ ٥٣)، وابن عساكر (٢/ ١٦٧/ ١) وحسنه العلامة الألباني -﵀- في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٥٧٥). وأما ما ذكره المؤلف عن جابر بن عبد الله الأنصاري لم نجد من ذكره ويغني عنه حديث واثلة مرفوعًا.
(٢) ما بين [] ليست في الأصل.
(٣) (هم) ليست في "أ".
(٤) ذكره القرطبي (١٤/ ٢٧١) ولم يعزه لابن عباس، وقريبًا منه أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس بلفظ: "كان أهل الشرك يعبدون الملائكة والمسيح وعزير" (٧/ ٢٣٣٥).
[ ٣ / ١١١٠ ]
الفراء (١) ويحتمل صفة الفريقين جميعًا، ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ الخصلة التي يتقرب بها العبد إلى سيده تقرب موالاة ومحبة ومودة لا تقرب محاذاة أو أخوة، ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ مرتفع بحال مضمر تقديره: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ مستقيمين أو ناظرين أو متسابقين، ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ وذلك لمسارعتهم في الخيرات (٢).
﴿نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ أي: مهلكو أهلها بالموت الذي لا بدّ منه، ﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾ معذبو أهلها بالخسف والمسخ ونحوهما، ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ اللوح، والفائدة تنبيه أهل مكة لئلا يغتروا لكونهم (٣) في الحرم آمنين وتنبيه الناس لا يتشبثوا بخراب الدنيا ويزهدوا فيها.
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ قال ابن عباس: سأل (٤) أهل مكة رسول الله (٥) -﵇- أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن يُنحِّي الجبال ليزرعوا
_________________
(١) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ١٢٥).
(٢) في قوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] ستة أوجه إعرابية؛ أربعة منها جعل "أي" استفهامًا: الأوّل: أنها مُعلقة للوسيلة كما قرره الزمخشري. والثاني: أنها معلقة لـ"يدعون" كما قاله أبو البقاء. والثالث: أنها معلقة لـ"ينظرون" مقدرًا كما قاله الحوفي. والرابع: أنها معلقة لـ"نظرهم" كما قدره ابن عطية. وأما الوجهان الآخران حال جعلها موصولة: فالأول منهما: البدل من واو "يدعون" كما قاله أبو البقاء. والثاني: أنها بدل من واو "يبتغون" كما قاله الجمهور، ولا حاجة من أن يكون مرتفعًا بحال مضمرة كما قاله المؤلف. فالأظهر والله أعلم إذا قلنا بالرفع أن يكون مبنيًا على الضم في محلّ رفع بدلًا من فاعل يبتغون، والله أعلم. [الإملاء (٢/ ٩٣)، البحر (٦/ ٥٢)، الكشاف (٢/ ٤٥٤)، الدر المصون (٧/ ٣٧٢)].
(٣) في "ب": (لكونهم).
(٤) في "ب": (سألت).
(٥) في "ب": (مكة النبي عليه).
[ ٣ / ١١١١ ]
فيها، فقيل: إن شئت أن يستأنى بهم لعلنا نتخير منهم وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم فقال -﵇-: "بل أستأني بهم" (١) فأنزل، مقاتل أن عبد الله بن أبي أمية والحارث بن هشام سألا رسول الله (٢) أن يريهما آية مثل آيات الأنبياء قبله فأنزل (٣)، واللفظ مجاز (٤)، وحقيقته: ما منع آياتنا أن تكون مرسلة من عندنا إلا تكذيب الأولين، وفائدة (٥) اللفظ ابتلاء المخاطبين ليتميز العالمون من غيرهم، ﴿مُبْصِرَةً﴾ جلية كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]، ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ فكفروا بها وكذبوا بها أو ظلموا أنفسهم بقتلها، ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ أي: لا نرسل الآيات (٦) إليكم أيها الآخرون إلا على سبيل الإنذار والوعظ، والثاني لا نرسل بالآيات الملجئة إلا للتخويف الذي هو الإكراه.
﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ واذكر إذ قلنا، وفائدة التذكير التشبيه بأنهم في قبضته، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩]، واتصالها بما قبلها من حيث ذكر الآيات فإن الرؤيا من جملة الآيات، قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها النبي -﵇- ليلة أسري به إلى بيت المقدس (٧)، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ هي الزقوم نصب بالعطف على الرؤيا (٨) أي. ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا﴾
_________________
(١) أحمد (١/ ٢٥٨)، والنسائي في الكبرى (١١٢٩٠)، وابن جرير (١٤/ ٦٣٥)، والطبراني في الكبير (١٢٧٣٦)، والحاكم (٢/ ٣٦٢) وسنده صحيح.
(٢) في "ب": (رسول الله ﷺ).
(٣) لم نجد من ذكره عن مقاتل، وسبب النزول المشهور في الآية ما تقدم عن ابن عباس.
(٤) حمله على المجاز لأنّ الله لا يمنعه شيء، وانظر: القرطبي (١٠/ ٢٤٤)، وإعراب القرآن لمحمود صافي (١٥/ ٧٤).
(٥) في "ب": (وفائدة الأولين).
(٦) في "ب" "ي": (بالآيات).
(٧) البخاري (٣٨٨٨).
(٨) وجَوَّز الفراء الرفع وهي قراءة شاذة كما قال أبو البقاء العكبري قرأ بها زيد بن علي ورفعها على الابتداء بحيث تتبع الاسم الذي في فتنة من الرؤيا ومثله في الكلام: جعلتك عاملًا وزيدًا وزيدٌ.=
[ ٣ / ١١١٢ ]
والشجرة كلتيهما، ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ لمكان الشبهة والالتباس، وإنما وصفت بالملعونة لكون أهليها وآكليها ملعونين أو لكونها (١) مكروهة مستبشعة خبيثة (٢) تنفر الطباع منها وتلعنها.
﴿طِينًا (٣)﴾ نصب لنزع الخافض (٤) أو لأنه مفعول ثانٍ لقوله أي: كونه في الابتداء ﴿طِينًا﴾، أو للحال، أي: قدرته وصورته في حال كونه طينًا.
﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ مبتدأ وخبر في محلّ الرفع بالاستفهام، ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾ الاحتناك: الإفساد، وقيل: الاستئصال (٥) (٦).
﴿مَوْفُورًا﴾ متروكًا برمته، ومن الدعاء: توفر وتحمد أي: لا زلت موفورًا محمودًا.
﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ واستدع في استخفاف، ﴿بِصَوْتِكَ﴾ فاستمع (٧) بحاسة الأذن، ﴿وَأَجْلِبْ﴾ استجمع واستحث، ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ أما
_________________
(١) = [الإملاء (٢/ ٩٤)، معاني القرآن للفراء (٢/ ١٢٦)، معجم القراءات للدكتور عبد اللطيف الخطيب (٥/ ٨٥)].
(٢) في الأصل و"ب": (لكونه).
(٣) مستبشعة خبيثة) ليست في "أ".
(٤) في الأصل: (طفيفًا).
(٥) قاله الزجاج كما في معانيه (٣/ ٢٤٨)، وقال الزجاج وتبعه ابن عطية: إن نصبه على التمييز، كما جَوَّزَ الزجاج نفسه أن تكون "طينًا" منصوب على الحال، والتقدير عنده: أنك أنشأته في حال كونه من طين. [معاني القرآن (٣/ ٢٤٨)، الدر المصون (٧/ ٣٧٨)].
(٦) الاحتناك بمعنى الاستئصال مروي عن ابن قتيبة نقله عنه ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٣٧)، لكن المروي عن ابن عباس - ﵄ - في معناها قال: لأستولين. رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٦٥٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٣٣٧).
(٧) في "ب" والأصل: (الاستئضار).
(٨) في "أ" "ي": (فاستجمع).
[ ٣ / ١١١٣ ]
الأموال فالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام والربا أو (١) الرشوة وسائر الأكساب الخبيثة (٢)، والأولى هي التي (٣) زين إلى آبائها قتلها (٤)، ﴿لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وأولاد الزنا والتي يُهَوِّدُهَا آباؤها أو ينصرها أو يمجسها بعد الفطرة.
﴿إِنَّ عِبَادِى﴾ نصف الآية خطاب لإبليس ونصفها خطاب لنبينا -﵇-.
قال: (الكفور) الذي ينزل وحده ويمنع رفده ويجلد عبده.
﴿حَاصِبًا﴾ وهي الريح تقلع الحصباء أو تحصب الناس بالبرد.
﴿قَاصِفًا﴾ وهي الريح التي تكسر الجذع الذي عليه المراوح والشراع.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: الرياح ثمان؛ أربع عذاب، وأربع رحمة. أما الرحمة: فالناشرات والمرسلات والمبشرات والذاريات، وأما العذاب: فالعاصف والقاصف وهما في البحر والصرصر والعقيم وهما في البر (٥).
﴿تَبِيعًا﴾ بالثأر (٦).
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ في اللباس يسترهم ويقيهم الحر والبرد والبأس (٧)، وفي العقل الذي هو دليلهم إلى ما غاب عنهم في الحيل (٨)
_________________
(١) في "ب": (والرشوة).
(٢) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ٦٦٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٩/ ٣٩٦) إلى ابن مردويه.
(٣) في الأصل و"ي": (الذي).
(٤) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ -، أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ٦٦٤).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في "المطر والرعد والبرق والريح" (١٧٤)، وأبو الشيخ في العظمة (٨٠٢، ٨٣٣).
(٦) أي: من يثأر بدمائكم، أي: يطالب بها كما قاله ابن قتيبة. [زاد المسير (٣/ ٣٩)].
(٧) (والبأس) ليست في "ب".
(٨) في الأصل: (الخيل)، وفي "ب": (الجبل).
[ ٣ / ١١١٤ ]
التي بها يتسلطون على من هو أقوى منهم، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ في كونهم مستأهلين لدين الإسلام مدعوين إلى دار السلام بخلاف الشياطين والأنعام.
﴿يَوْمَ﴾ نصب على الظرف (١)، ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ تقدمهم وداعيهم إلى الخير والشر يدلّ عليه ظاهر الخطاب وقوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠]، ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وقيل: الإمام ما أسلفه كل إنسان في كتابه يدل عليه فحوى الآية، وقوله: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠]، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ معطوف على ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾.
﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ إنما جاء التفضيل على لفظة أعمى عند الفراء بخلاف التفضيل في الألوان؛ لأنّ المراد به عمى القلب (٢) وعمى القلب من فعل الإنسان بغفلته يجوز أن يقال: فلان أعمى من فلان في القلب ولا يجوز في العين، وقال بعض النحويين: كل نعت على أفعل والفعل منه ثلاثي عار عن الزيادات الملحقة بالتفصيل فيه على لفظة أفعل جائز، تقول: عمي وزرق (٣) وعشي فهو أعمى وأزرق وأعشى (٤) من فلان، وأنكره (٥) الفراء (٦) لأن الكثرة في هذه الأفعال غير متصورة والتفضيل يكون (٧) بعد الكثرة كالمبالغة.
﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ بمعنى قد (٨) كقوله: ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]
_________________
(١) قاله ابن عطية والحوفي والنحاس وجعلوا العامل فيه "فضلناهم" لكن الزجاج قال: إنه منصوب بـ"ثم لا تجدوا"، وذهب أبو القاء العكبري إلى أنه منصوب بما دلّ عليه وهو "لا يظلمون". [الإملاء (٢/ ٩٤)، البحر (٦/ ٦٢)، معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٥٢)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٥٢)].
(٢) في "ب": (القلوب).
(٣) في "ب" "ي": (ورزق) بتقديم الراء على الزاي.
(٤) في الأصل: (وأعينى) وفي "ب": (وأعسى) وكلاهما خطأ.
(٥) في "أ": (نكرة).
(٦) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ١٢٧) وفصل القول في ذلك.
(٧) (يكون) ليس في الأصل.
(٨) لم أجد من قال: إنَّ "إنْ" في هذه الآية بمعنى "قد" والمشهور فيها مذهبان: الأوّل: وهو مذهب البصريين: أنها مخففة، واللام فارقة بينها وبين "إنْ" النافية، =
[ ٣ / ١١١٥ ]
ويجوز بمعنى الجحد واللام بمعنى الاستثناء، ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ يصرفونك عن الحق إلى الباطل.
وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب رأى رسول الله (١) من قومه كفًا عنه فجلس خاليًا يتمنى أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه وقاربهم وقاربوه ودانوا منه، وألقى الشيطان في أمنيته في سورة "النجم" ما ألقى فرضوا بما تكلم به رسول الله -ﷺ- (٢). وقالوا: قد عرفنا أن الله هو يحيي ويميت ويرزق (٣) ولكن آلهتنا هذه تشفع (٤) لنا عنده، ولما سجد في آخر السورة سجدوا معه أجمعين (٥)، ورفع الوليد بن المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن العاص التراب إلى وجوههما يسجدان عليه من ضعفهما وعجزهما، وقال أبو أحيحة: يا محمَّد، إن لك أن تراجع ولقد أصبت حيث ذكرت آلهتنا بخير، فاغتمّ رسول الله -ﷺ- وجلس في بيته حزينًا، فلما أتاه جبريل -﵇- قرأ عليه سورة "والنجم" (٦) قال: ما جئتك بهاتين الكلمتين فقال -﵇-: "قلت عليه (٧) ما لم أقل" فأنزل (٨).
وعن ابن عباس: قدم رسول الله وفد ثقيف (٩) فأبصرهم المغيرة بن
_________________
(١) = ولهذا دخلت على فعل ناسخ. والثاني: مذهب الكوفيين أنها بمعنى "ما" النافية واللام بمعنى إلَّا. [مغني اللبيب (ص ٣٠٦)، الدر المصون (٧/ ٣٩٢)].
(٢) في "ب": (رسول الله -ﷺ-).
(٣) (ﷺ) ليست في "أ".
(٤) المثبت من "ب" وفي البقية (وبورق).
(٥) في الأصل و"ب": (يشفع).
(٦) في "ب": (أجمعون).
(٧) المثبت من "ب" وفي البقية بدون واو.
(٨) (قلت عليه) ليست في "أ".
(٩) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٣٤٠) عن محمَّد بن كعب القرظي وهي المعروفة بقصة الغرانيق.
(١٠) في الأصل: (نصف).
[ ٣ / ١١١٦ ]
شعبة وهو يرعى في نوبته فانصرف إلى رسول الله -ﷺ- (١) ليبشره، واستقبله أبو بكر رضي (٢) الله عنه فأقسم عليه أن لا يسبقه بالبشارة، فرجع المغيرة إلى هؤلاء الوفود يعلمهم التحية إذا دخلوا على رسول الله -ﷺ- (١)، فأبوا عليه إلا تحية أهل الجاهلية، وكان خالد بن سعيد بن العاص يمشي بين يدي رسول الله -ﷺ- (١) وبين القوم وهو (٣) الذي كتب كتابهم، فلما دخلوا عليه قالوا: يا محمَّد نحن أخوالك (٤) وأصهارك وجيرانك وخير أهل نجد سِلمًا وأضرهم عليك حربًا، إن سالمنا سالم من بعدنا وإن حاربنا حارب من بعدنا، فقال -﵇- (٥): "ماذا تريدون؟ " قالوا: نبايعك على ثلاث خصال: أن لا نحني -يعنون في الصلاة- وأن لا نكسر أصنامنا بأيدينا وأن يمتعنا بالطاغية سنة -يعنون اللات-، فقال -﵇-: "لا خير في دين لا صلاة فيه ولا ركوع ولا سجود، وأما أن لا تكسروا أصنامكم بأيديكم فذلك لكم، وأما الطاغية فإني غير ممتعكم بها"، قالوا: يا رسول الله، إنا نحب أن تسمع العرب بأنك أعطيتنا بما لم يعط غيرنا، فإن كرهت وخشيت أن تقول العرب أعطاهم ما لم يعطنا فقل: أمر ربي بذلك. فسكت -﵇- ودعا بوضوء فقال عمر بن الخطّاب: أحرقتم رسول الله أحرق (٦) الله أكبادكم (٧) إن رسول الله -ﷺ- (٨) لا يدع الأصنام في أرض العرب، إما أن تسلموا وإما أن ترجعوا فلا حاجة لنا فيكم، فأنزل الله: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ (٩)، أي: كدت تمتعهم بالطاغية سنة أو كدت تتمنى أن لا ينزل عليك ما ينفرهم عنك.
_________________
(١) (ﷺ) ليست في"أ" "ب".
(٢) (رضي) ليست في "ب".
(٣) في "ب": (بين).
(٤) في الأصل: (أخو الملك).
(٥) في "ب": (قال رسول الله -ﷺ-).
(٦) في الأصل: (فأحرق).
(٧) في الأصل: (أكبادهم).
(٨) (ﷺ) ليست في "أ".
(٩) بهذا السياق لم نجد هذه الرواية، ولكن هناك روايات قريبة في معناها العام عند البغوي في تفسيره عند كلامه على هذه الآية.
[ ٣ / ١١١٧ ]
﴿وَإِذًا﴾ أي (١) أن يحقق ركونك إليهم ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، وإنما يضاعف الوعيد لتضاعف النعمة.
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ ذكر الواقدي عن جماعة أن قريشًا أهلكوا يوم بدر فلم يلبثوا بعده إلا قليلًا (٢)، وعن مجاهد أن الآية مكية في قريش (٣) كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠].
﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا﴾ أي: سنتنا فيمن أرسلنا، وانتصاب السنة بإضمار بيّنا وأوضحنا (٤).
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ اتصالها بها من حيث وعد النصرة في ضمن قوله: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ﴾ والصلاة من أسباب النصرة، وقيل: اتصالها الإعراض فإنه إذا قام الصلاة أعرض عنهم واستراح من شغلهم.
(دلوك الشمس) ميلها، وقيل: غروبها (٥)، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ظلمته (٦)،
_________________
(١) (أي) ليست في الأصل و"أ".
(٢) هذا ورد كذلك عند ابن عباس وقتادة عند ابن جرير (١٥/ ١٩، ٢٠)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢٣٤١).
(٣) المعروف عن مجاهد في هذه الآية أنه قال: لو أَخْرَجَتْ قريشٌ محمدًا لعُذِّبوا بذلك. أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٠)، وانظر: تفسير مجاهد (ص٤٤٠).
(٤) على كلام المؤلف تكون "سنة" منصوبة على أنها مفعول به، وذهب الفراء إلى أنه على إسقاط الخافض، أي: كسنةِ الله، ويجوز أيضًا أن ينتصب على المصدر المؤكد والتقدير: سنَّ الله ذلك سُنَّة. [معاني القرآن للفراء (٢/ ١٢٩)].
(٥) قاله الزمخشري: وأشهر الأقوال أنه الزوال وهو نصف النهار إلى أن تغيب، وهو قول أبي عبيدة والزجاج والأزهري. [زاد المسير (٣/ ٤٥)، الكشاف (٢/ ٤٦٢)، معاني الفراء (٢/ ١٢٩)].
(٦) وهو دخول أول الليل قاله ابن شميل. وأنشد قول الشاعر وهو لعبيد الله بن قيس الرقيات: إن هذا الليل قد غسقا واشتكيْتُ الهَمَّ والأَرَقا [ديوان قيس (ص ١٨٧)، البحر (٦/ ٦٨)].
[ ٣ / ١١١٨ ]
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ صلاة الفجر، انتصب على العطف، و(الفجر) الإصباح، ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ أبو هريرة (١) عنه -﵇-: "تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار" (٢).
﴿فَتَهَجَّدْ﴾ من الهجود نقيض الهجوع ﴿بِهِ﴾ بالقرآن، ﴿نَافِلَةً﴾ صفة لاسم مضمر، واتصالها بها بإضمار جعلناها، وقيل: على الحال (٣)، قال ابن عباس: ليس لأحد نافلة غير النبي -ﷺ- (٤) لأنّ كل إنسان يخاف على نفسه أن لا يقبل فريضة، ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ مقام الشفاعة بين يدي الله تعالى. وعن كعب بن مالك عنه -﵇-: "يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تلّ فيكسوني ربي حلة خضراء، ثم يوذن لي في الشفاعة فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود" (٥).
أبو حنيفة -﵀- عن شداد وعطية العوفي كليهما عن أبي سعيد الخدري في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ الآية، قال: يخرج الله تعالى قومًا من النار من أهل الإيمان والقبلة بشفاعة محمَّد -﵇- فذلك المقام المحمود، فيؤتى بهم لنهر (٦) يقال له: الحيوان، فيلقون فيه فينبتون فيه كما يخرج النقاوير، ثم يخرجون منه فيدخلون الجنة فيسمون فيها الجهنميون، ثم يطلبون إلى الله أن يذهب ذلك الاسم عنهم فيذهب (٧).
_________________
(١) في "ب" "ي": (هبيرة).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٠١٣٣)، وابن ماجه (٦٧٠)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٢٥١)، والترمذي (٣١٣٥)، والبيهقي في الشعب (٢٨٣٥) وغيرهم عن أبي هريرة مرفوعًا.
(٣) انتصابها على الحال هو اختيار أبي البقاء العكبري، وذهب الحوفي إلى أنها منصوبة على المفعول به والناصب لها "تهجد". [الإملاء (٢/ ٩٥)].
(٤) ابن جرير (١٥/ ٤٠).
(٥) أحمد (٣/ ٤٥٦)، وابن جرير (١٥/ ٤٨، ٥١)، وابن حبّان (٦٤٧٩)، والحاكم (٢/ ٣٦٣) والحديث صحيح.
(٦) (نهر) ليست في "ب".
(٧) لم نجد هذه الرواية إذ الحديث مشهور عن أنس وليس بهذا السياق، =
[ ٣ / ١١١٩ ]
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾ عن ابن عباس قال: كان النبي -﵇- بمكة ثم أمر بالهجرة فنزلت (١).
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ عن ابن مسعود دخل رسول الله (٢) مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلثمائة وستون نُصبًا فجعل رسول الله (٢) يطعنها بمخصرة في يده- وربما قال: بعود - ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩] " (٣). قال ابن عمر (٤): ليس في هذا الحديث تاريخ نزول الآية فإن فيه ذكر التلاوة فحسب.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ اتصالها بها من حيث ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ﴾ وهذه في وصف الظالمين.
﴿أَعْرَضَ﴾ عن طاعتنا، ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ تباعد بما يقرب فيه حالة اقترابه وهو جانب من جسده، وقيل: تباعد بقوته ورحاله، ﴿يَئُوسًا﴾ من يئس على سبيل المبالغة.
﴿شَاكِلَتِهِ﴾ ما يشاكله ويليق به من الخصال التي خلقها الله ميسرة له، وفي الآية ردّ على القدرية (٥).
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ قال النضر بن الحارث: يا معشر قريش، والله لقد نزل إليكم أمر ما تقدرون قدره، كان محمَّد فينا حتى بلغ ما ترون ولا أحد أرضى فينا منه، فلما جاءكم ما جاءكم به قلتم: شاعر، والله ما الذي جاءكم بشعر لقد رأينا الشعر وعرفناه فما هو بقرض ولا رجز، وقلتم:
_________________
(١) = أما عن أبي سعيد الخدري فأقرب شيء ورد في ذلك ما ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٩/ ٤٢٤، ٤٢٥) عن ابن مردويه.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره عن ابن عباس، والإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤١٧)، والبيهقيُّ في الدلائل (٢/ ٥١٦)، والترمذي (٣١٣٩) وغيرهم.
(٣) في "ب": (رسول الله -ﷺ-).
(٤) البخاريُّ (٢٤٧٨)، ومسلم (١٧٨١).
(٥) لم نجده عن ابن عمر.
(٦) في "أ": (القدرة).
[ ٣ / ١١٢٠ ]
سحر، وقد رأينا وسمعنا السحر، فوالله ما هو بسحر، ثم قلتم: كاهن فوالله ما هو بكهانة ولا سجاعة، وقلتم: مجنون وقد رأينا المجانين وعرفنا أصناف الجنون فانظروا في أمركم، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط وأُبي بن خلف إلى أحبار يهود من أهل يثرب، وقالوا: هم أهل الكتاب الأوّل والعلم بأمر الرسل وصفاتهم في كتبهم، فسألوهم عن محمَّد وأمره فخرجوا ثلاثتهم حتى أتوا يهود بني قريظة والنضير وماسكة وقينقاع، فسألوهم عن النبي -﵇- (١) فوجدوهم قومًا حُسّدًا فقالوا: سلوا الرجل عن ثلاثة أشياء نأمركم بهن، فإن أخبركم عنهن فالرجل مرسل وإن لم يفعل فالرجل متقول، فإنه قد أظل زمان نبي نسمعكم تصفون صفته نجده عندنا كما تصفون فروا رأيكم فيه؛ إذا سألتموه سلوه عن فتية هلكوا في الزمان الأوّل كان أمرهم عجبًا، وسلوه عن طواف قد بلغ المشرق والمغرب قد كان له خبر دنيا وقصص، وسلوه عن الروح فإن أخبركم عنه فإنه كاذب وإن لم يخبركم عن الروح فهو كما قال، وإن عجز عنها فهو متقول.
ثم خرجوا حتى انتهوا إلى فدك فقالوا لهم مثل هذا سواء، إلا أنهم قالوا: هذه صفته ونجد مخرجه من بلادكم ونجد مهاجره يثرب (٢)، فرجع النفر إلى مكة، فلما قدموا على قريش قالوا: قد جئنا نفصل ما بينكم وبين محمَّد، قد أمرنا أهل الكتاب الأوّل والمعرفة وجئناهم جميعًا أهل يثرب وفدك فأمرونا أن نسأله عن أمور فإن أخبرنا عنها فهو كما قال وإن عجز عنها فهو متقول. ممشتْ قريش مع هؤلاء الرسل حتى وقفوا على النبي -﵇- وهو جالس عند الكعبة قد فرغ من صلاته فقالوا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء. وتكلم النفر الذين كانوا قدموا وسألوه عن تلك الخصال الثلاث، فقال: "أخبركم غدًا" ولم يستثنِ، فمكث الوحي عن النبي -﵇- خمس عشر ليلة لا يأتيه جبريل -﵇-
_________________
(١) في "ب": (ﷺ).
(٢) في الأصل: (ينزل).
[ ٣ / ١١٢١ ]
بشيء، فكبُر ذلك عليه وأرجف أهل مكة وقال بعضهم لبعض: الرجل متقول وبطل ما كان يقول، وعدنا أن يخبرنا عما سألناه غدًا واليوم خمس عشرة ليلة ولم يأتنا بشيء، ثم عادوا فسألوه عن حديث أصحاب الكهف فقص عليهم حتى بلغ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] وحتى بلغ قوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤] ثم جاءه بحديث الطواف وهو ذو القرنين فأخبرهم عن ذلك كله وقصّه عليهم، ثم سألوه عن الروح (١)، وقال مقاتل: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ فانصرفوا وقد أجاب (٢) هذه الأمور كلها ولا يؤمنون.
وعن ابن عباس أن قريشًا اجتمعوا منهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو جهل بن هشام، وأمية وأبي ابنا خلف، والأسود بن عبد المطلب وسائر قريش فبعثوا خمسة رهط منهم: عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث إلى المدينة يسألون اليهود عن رسول الله -﵇- (٣) عن أمره وصفته ومبعثه وأنه قد خرج من بين أظهرنا وأصدقوهم نعته، وقالوا لهم: إنه يزعم أنه نبي مرسل واسمه محمَّد وهو فقير يتيم وبين كتفيه خاتم النبوة، فلما قدموا المدينة أتوا أحبارهم وعلماءهم فوجدوهم إذ قدموا المدينة قد اجتمعوا في عيد لهم فسألوهم عنه (٤) ووصفوا لهم صفته ونعته وخاتم النبوة (٥) وقالوا: إنا (٦) نزعم أنه يتعلم من مسيلمة الكذاب، فقالوا: نحن نجده في التوراة كما وصفتموه فهو نبي وأمره حق فاتبعوه، ولكن سلوه عن ثلاث خصال فإنه يخبركم بخصلتين
_________________
(١) أقرب شيء وجدناه ما رواه ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق (١/ ٣٠٢)، وابن جرير (١٥/ ١٤٣، ١٤٤)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٧٠، ٢٧١).
(٢) في الأصل: (جاب)، وفي "ب" "ي ": (جات) وكلاهما خطأ والمثبت هو الصواب.
(٣) في "ب": (ﷺ).
(٤) (عنه) من "ب" "ي".
(٥) (النبوة) ليست في الأصل.
(٦) (إنا) ليست في الأصل.
[ ٣ / ١١٢٢ ]
ولا يخبركم بالثالثة إن كان نبيا فإنا قد سألنا مسيلمة الكذاب (١) عن هؤلاء الخصال فلم يدر ما هو، وقد زعمتم أنه يتعلم من مسيلمة الكذاب، قال: فرجعت الرسل إلى قريش بما ذكرنا في الحديث، فلما وافق قول اليهود قالوا: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] (٢).
﴿وَلَئِنْ شِئْنَا﴾ اتصالها بها من حيث إتيان العلم ويحتمل أنها شبه وعيد بعد احتباس على ترك الاستثناء، ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ﴾ أي: لا تجد شيئًا تتوكل عليه واسترداد ما ذهبنا به.
﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ قال الفراء (٣): هذا كقوله: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: ٦٨]، ويحتمل أن الاستثناء متصل وأن الرحمة مستثناة من الموجود المنفي وهو أن يتوكل على رحمة الله ويستشفع إلى الله برحمته في استرداد ما ذهب به.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾، قال الفراء (٤): (لئن) تلا مرفوع لأنه كاليمين وقد حرم بعض القراء ﴿ظَهِيًرا﴾ معيبًا وفيها (٥) دلالة على أن ما ألقى الشيطان في سورة "والنجم" وهو قوله: (تلك الغرانيق العلى منهن شفاعة ترتجى) لم يكن بمثل القرآن على ما فيه من الفصاحة والجزالة والجريان على لسان ذي الرسالة والتباسه بالقرآن عند أهل المقالة إلى أن نسخه الله بقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] فاتصل هذا الناسخ بالإنكار السابق وهو قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ١٩، ٢٠]، اتصالا يتبين فيه صدر الكلام إليه وانفتح عوار إجازة الشيطان لديه واستقامت دعوى الإعجاز من بعد ما كادت تميل.
_________________
(١) (الكذاب) ليست في الأصل.
(٢) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٩/ ٤٨٠، ٤٨١) وعزاه لأبي نعيم في "الدلائل" من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا سند تالف.
(٣) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ١٣٠).
(٤) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ١٣٠).
(٥) في الأصل و"ب": (وفيه).
[ ٣ / ١١٢٣ ]
﴿إِلَّا كُفُورًا﴾ كفرًا بالقرآن.
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ قال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: اجتمع نفر من قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة (١)، وأبو سفيان، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وعبد الله بن أبي (٢) أمية بن المغيرة، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والأخنس بن شريق، وسهيل بن عمرو، فاجتمعوا في الحجر، قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمَّد فخاصموه وكلموه حتى (٣) تعذروا في أمره، فبعثوا إليه رسولًا فجاء رسول الله (٤) وهو يظن أنهم يريدون خيرًا وكان عليهم حريصًا يحب رشدهم ويكبر عليه (٥) عنتهم، فقالوا: يا محمَّد، إنا بعثنا إليك لنعذر فيك، والله لا يعلم رجل من العرب أدخل على قومه ما أدخلت عليهم، لقد شتمت الآباء وسبيت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت (٦) الجماعة، فإن كنت إنما تطلب بهذا الحديث مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى كنت أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فنحن مشرفوك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك به رئيًا فربما عليه الرئي (٧)، وكانوا يسمون تابع الجن الرئي (٧)، فإن كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب أو تعذر في أمرك، فقال رسول الله (٤): "ما أطلب ما تقولون، ما جئت بما جئت به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم (٨) رسولًا وأنزل علي كتابًا وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فأنا أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، فإن تقبلوا ما جئتكم فهو حظكم في الدنيا
_________________
(١) (ابنا ربيعة) ليست في "أ".
(٢) (أبي) ليست في "ب".
(٣) (حتى) ليست في الأصل.
(٤) في "ب": (الله - ﷺ -)
(٥) في الأصل: (عليهم).
(٦) في الأصل: (فرقت).
(٧) في الأصل: (الرمي) وهو خطأ.
(٨) (إليكم) ليست في الأصل.
[ ٣ / ١١٢٤ ]
والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى" (١)، قال أبو جهل واحدة فإن العرب تقول: آخر الدواء الكي، فهذه كلمة آخر ما نكلمك، قال -﵇-: "ما هي؟ "، قال: بلدنا هذا أضيق بلاد الله ساحة وأشد عيشًا فسل لنا ربك الذي بعثك فليُسوّ هذه الجبال التي ضيقت علينا وليجر لنا أنهارًا كأنهار الشام أو غيولًا كغيول اليمن، وليبعثن لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا قصي بن كلاب فإنه كان شيخًا صدوقًا نسأله عما تقول أحق هو أم باطل، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك (٢)، فقال النبي -﵇-: "ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، ما أنا بفاعل ولا بالذي أسال ربي هذا" قالوا: يا محمَّد، أيعلم (٣) ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألنا وترجع علينا ما ترجع؟ قال: "نعم" فقال نبيه ابن الحجاج أخرى: بلغنا أن هذا إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له: الرحمن، ثم قال لجلسائه: تعلمون ذلك؟ قال القوم: نعم، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن فقد أعذرنا إليك يا محمَّد، وإنا والله لا نتركك حتى نهلكك أو تهلكنا، فقال الأخنس بن شريق: نحن نعبد الملائكة فهي بنات الله، وقال عبد الله بن أبي أمية: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾ إلى قوله: ﴿بَشَرًا رَسُولًا﴾.
فلما قام النبي -﵇- تبعه أبو جهل، فقال: يا محمَّد، والله لا نعذر إليك بعد هذا المجلس، وقام معه عبد الله بن أبي أمية، فقال: يا محمَّد، عرض عليك قومك أمرًا فلم تقبله ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها صدقك من كذبك فلم تأتهم بها، وأنا أسألك خصلة واحدة، قال -﵇-: "وما هي؟ "، قال: تنزل علينا كسفًا من السماء فهذه لا تبالي
_________________
(١) (تعالى) من الأصل فقط.
(٢) في "أ": فإن صدق فقال.
(٣) في الأصل: (يعلم).
[ ٣ / ١١٢٥ ]
بها ولا يبالي ربك، ولم نؤمن بك حتى تتخذ إلى السماء سلمًا ثم ترقى فيه وأنا أنتظر حتى تأتينا ثم تأتي معك بصحيفة منشورة معها أربعة من الملائكة يشهدون أنها كما تقول، وأيم الله (١) لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك، ثم انصرف وانصرف رسول الله إلى بيته حزينًا لما كان يطمع فيه من قومه (٢).
﴿يَنْبُوعًا﴾ عينًا (٣) عنوا بقولهم كما زعمت قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ [سبأ: ٩] الآية، وهذا ليس بوعيد كائن ولكنه تخويف وتنبيه على القدرة، وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ [الطور: ٤٤] في معنى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١].
﴿كِسْفًا﴾ جمع كسفة وهي القطعة وبتسكين السين إن أريد به الواحد فهو الغطاء والغشاوة (٤)، قال الأزهري: القبيل الجماعة ليسوا من أب واحد وإذا كانوا من أب واحدٍ فهم قبيلة (٥).
﴿لِرُقِيِّكَ﴾ الرقي والارتقاء العروج، ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ أي هو مُنَزَّه عن أن يكون محلًا للاقتراح.
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أهل مكة، ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ القرآن، وقيل: الناس
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) قريبًا منه عند ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (١/ ٢٩٥ - ٢٩٨)، وابن جرير (١٥/ ٨٧ - ٩٠).
(٣) (عينًا) ليست في "أ".
(٤) بإسكان السين هي قراءة أبي عمرو وأهل الكوفة وابن كثير وحمزة والكسائي في جميع القرآن إلا في "الروم" (آية: ٤٨) ومعناها الغطاء كما قال الزجاج، والمعنى: أسقطها علينا قطعة واحدة مغطاة، وقرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر ونافع بالفتح جمع كِسْفَة وهي القطعة وهي منصوبة على الحال. [الإملاء (٢/ ٩٦)، القرطبي (١٠/ ٣٣٠)، البحر (٦/ ٧٩)].
(٥) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة (٩/ ١٦٤) عن أبي عبيد عن أبي زيد.
[ ٣ / ١١٢٦ ]
الذين ينكرون النبوة وينسبون الأنبياء إلى النواميس من المخاريق وهم طائفة من الفلاسفة.
﴿يَمْشُونَ﴾ يتقلبون فيها، ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ مقيمين غير محتارين، أو مطمئنين على قضية العقل أو على ملة واحدة، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على هؤلاء الملائكة الذين يكونون سكان الأرض وأهلها وإنما لا يجوز الإرسال إلا حبسهم لأجل اللبس والابتلاء، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام:٩].
﴿عُمْيًا وَبُكْمًا﴾ قال الكلبي والضحاك: عن الحجة (١) وهما عن الخير، ﴿خَبَتْ﴾ سكنت. وقيل: طفيت، وقيل: سكن لهبها وهي حية لم تبطل بعد. أبو هريرة عنه -﵇-: "يحشر الناس يوم القيامة، ثلاثة أصناف: صنفًا مشاة وصنفًا ركبانًا وصنفًا على وجوههم" قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إنهم يتقون بوجوههم كل حَدَب وشوكٍ" (٢)، وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي -﵇- (٣): "إنكم محشورون رجالًا وركبانًا وتجرّون على وجوهكم" (٤).
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ وجه (٥) الإلزام أنهم كانوا معترفين بأن (٦) الله خلق السماوات والأرض وبأنه: ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ من ماء مهين، وبأنه جعل لأعمارهم غاية ينتهي إليها فوجب عليهم الاعتراف بقدرة الله على البعث؛ فإن البعث في الوهم دون ما اعترفوا بالقدرة عليها.
_________________
(١) ورد هذا المعنى عن ابن عباس عند ابن جرير (١٥/ ٩٣، ٩٤)، وذكره القرطبي عنه وعن الحسن (١٠/ ٣٣٣).
(٢) الطيالسي (٢٦٨٩)، والترمذي (٣١٤٢)، وابن جرير (١٧/ ٤٥٠) وسنده ضعيف.
(٣) بدل (﵇) في "ب": (- ﷺ -).
(٤) أحمد (٤/ ٤٦٤) (٥/ ٣، ٥)، والترمذي (٢٤٢٤)، والنسائي في الكبرى (١١٤٣١)، والحاكم (٤/ ٥٦٤)، وابن أبي شيبة (٣٤٤٠٧): والحديث حسن.
(٥) في "ب": (على وجه).
(٦) في "أ" "ي": (فإن).
[ ٣ / ١١٢٧ ]
﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ اتصالها من حيث ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، بخلوا بنعمة الله وإنعامه على بشر مثلهم، ﴿قَتُورًا﴾ بخيلًا، يقال: قتر يقتر وأقتر يقتر.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ اتصالها من حيث اقتراحهم الآيات، أي: آتينا موسى تسع آيات من غير اقتراح. كما أنزلنا على محمَّد القرآن بالحق من غير اقتراح، عن صفوان بن عسال أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي (١) نسأله فقال: لا تقل نبي فإنه إن سمعها تقول نبي كانت له أربعة أعين، فأتيا النبي -﵇- فسألاه عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فقال النبي -﵇-: "لا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا (٢) ولا تمشوا بين (٣) بريء إلى السلطان فيقتله ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة (٤) ولا تفروا من الزحف، وعليكم اليهود بخاصة أن لا تعتدوا في السبت" فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد إنك نبي، قال: "فما يمنعكما أن تسلما؟ " قالا: إن داود -﵇- دعا الله (٥) أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف أن يقتلنا اليهود، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (٦) (٧)، لاعتراف اليهوديين به وشهادة ظاهر القرآن له من وجهين:
أحدهما: قوله: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ وموسى لم يجيء بني إسرائيل بالطوفان والجراد والقمل ولكنه جاءهم بالأمر والنهي.
_________________
(١) في "ب": (النبي -ﷺ-).
(٢) (ولا تسحروا) ليست في "ب".
(٣) (بين) ليست في "ب" "ي".
(٤) (ولا تقذفوا محصنة) ليست في "أ".
(٥) (الله) ليست في "ب".
(٦) في "ب": (صحيح حسن).
(٧) الطيالسي (١٢٦٠)، وأحمد (٤/ ٢٣٩)، والترمذي (٢٧٣٣، ٣١٤٤)، والنسائي (٧/ ١١١)، وابن ماجه (٣٧٠٥)، وابن جرير (١٥/ ١٠٣، ١٠٤)، وابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٥١)، والطبراني في الكبير (٧٣٩٦)، والحاكم (١/ ٩) والحديث ضعيف.
[ ٣ / ١١٢٨ ]
والثاني: قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]، على هذه القاعدة، والقرآن النازل بالحق إنما هو أمر ونهي دون عذاب، ودعوة داود -﵇- صحيحة أيضًا مستجابة؛ لأنّ عيسى ابن مريم صلوات الله عليه لم يقتل ولم يصلب ولم يمت بعد، وأما في سورة "النمل" عند قوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]، فمشكل جدًا يحتمل أن المراد تسع مع اليد والعصا ويحتمل سوى اليد والعصا ويحتمل سوى العصا (١) وقد اختلفت الروايات عن ابن عباس (٢)، وروى عكرمة اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنون ونقص من الأموال والأنفس والثمرات (٣) وهو قول الشعبي ومجاهد والكلبي (٤)، ولا يبعد أن يكون الجراد مع القمل آية واحدة والسنون مع نقص الثمرات آية واحدة، وروى سعيد بن جبير عنه (٥) في قوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]، جملة الآيات غير محصورة منها اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وفلق البحر ونتق الجبل على بني إسرائيل وما آتاهم الله في التيه من المطعم والمشرب والملبس.
﴿مَسْحُورًا﴾ ساحرًا بدليل سائر النظائر، وقيل: مسحورًا حقيقة لقوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧].
_________________
(١) (العصا) ليست في "أ".
(٢) روايات ابن عباس عند عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٣٩٠)، وابن جرير (١٥/ ٩٨، ٩٩، ١٠٢)، وابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٥١).
(٣) لم نجده عن عكرمة ولكن أحد طرق ابن عباس السابقة كان من طريق عكرمة.
(٤) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٥٦).
(٥) سعيد بن جبير عنه، أي: عن ابن عباس - ﵄ - في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] وقد رفع ابن عباس هذا الحديث كما قاله الطبري في تفسيره وهو حديث طويل جدًا في قصة موسى -﵇- مع فرعون وما واجهه من ابتلاء. والحديث أخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٢٦)، وأبو يعلى (٢٦١٨)، وابن أبي حاتم (٥/ ١٥٦٧)، وذكره الطبري في تفسيره (١٦/ ٦٤) كما ذكره ابن كثير في تفسيره (٥/ ٢٧٩) وقال: موقوف من كلام ابن عباس وليس فيه مرفوع إلا قليل منه وكأنه تلقاه ابن عباس - ﵄ - مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره. أهـ.
[ ٣ / ١١٢٩ ]
﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارة إلى السبع (١) اللواتي رواهن صفوان، وقيل: إشارة إلى اليد والعصا وسائر البراهين، ﴿بَصَائِرَ﴾ حال لهؤلاء (٢)، ﴿مَثْبُورًا﴾ ممنوعًا مصروفًا عن الخير هذا غاية في اللين والحلم والاحتمال.
﴿اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ أرض مصر، وقيل: الأرض أردن وفلسطين (٣) (٤)، ﴿وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ هو البعث يوم القيامة، وقيل: هو نزول عيسى -﵇-، ويحتمل خروج موسى بهم من مصر إلى قتال الجبابرة، ﴿لَفيفًا﴾ جميعًا (٥).
﴿وَبِالْحَقِّ﴾ الصدق والصواب ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضمير عائد إلى الهدى في قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ [الإسراء: ٩٤] وقيل: المراد به الوحي، ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾ توكيد.
﴿وَقُرْآنًا﴾ الواو للعطف على قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ أي: أنزلناه مقرونًا أو متركبًا وداعيًا بالحق، ﴿وَقُرْآنًا﴾ ويحتمل أن يكون لعطف الجملة ويصف القرآن بفعل مضمر كما في قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] ومنه قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ [يس: ٣٩]، ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ لُبْثٍ لتنذر، والمراد به نزول القرآن نجومًا متفرقة على سبيل المهلة والتراخي.
﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ على سبيل التهديد كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ
_________________
(١) في "أ": (البيع).
(٢) أي: إن صاحب الحال هو -هؤلاء-، إلى هذا ذهب الحوفي وابن عطية وأبو البقاء وهؤلاء يجيزون أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها وإن لم يكن مستثنى ولا مستثنى منه ولا تابعًا له، والثاني: وهو مذهب الجمهور أن ما بعد إلا لا يكون معمولًا لما قبله فيقدر لها عامل تقديره: أنزلها بصائر. [الإملاء (٢/ ٩٧)، الدر المصون (٧/ ٤٢٢)].
(٣) (أردن وفلسطين) ليست في "أ".
(٤) من قال: إنها الأردن وفلسطين هو ابن عباس - ﵄ -، ذكره ابن الجوزي في تفسيره (٣/ ٥٨).
(٥) قاله ابن عباس - ﵄ - ومجاهد وقتادة والضحاك، ورواه عنهم الطبري في تفسيره (١٥/ ١١٢)، وانظر: تفسير مجاهد (ص ٤٤٣).
[ ٣ / ١١٣٠ ]
وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ مؤمنو أهل الكتاب (١)، وورقة بن نوفل كان قد أدرك الوحي وسمع القرآن ووعد النصرة عند الدعوة فما عاش إلى حين الدعوة، وعن ابن أبي بكر بن حزم: لما هاج اليهودي فوق الأطم يعني بالماء: هذا كوكب أحمد قد طلع وهو كوكب لم يطلع إلا بالنبوة، قيل لأبي قيس من بني عدي بن نجار وكان يترهب ويلبس المسوح: ما يقول هذا اليهودي؟ فقال: انتظاره الذي صنع بي هذا، أنا أنتظره حتى أصدقه فأتبعه، قال ابن حزم: وكان أبو قيس قد صدق بالنبي -﵇- وهو بمكة وكان (٢) شيخًا كبيرًا فلم يخرج حتى قدم النبي -﵇-، وعن زيد بن أسلم أن أساقفة الحبشة استأذنوا النجاشي فوفدوا على رسول الله -ﷺ- (٣) بمكة فكانوا عشرين (٤) رجلًا فيجدونه عند المقام جالسًا فجلسوا إليه، فكلمه أسقف منهم يقال له: طابور، وقال: أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ قال: "نعم"، قال: إلى ما تدعو؟، قال: "أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله"، ثم تلا القرآن فبكوا جميعًا حتى اخضلَّت لحاهم (٥)، فقال طابور: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وشهد أصحابه ما شهد، فلما قاموا اعترضهم أبو جهل وأمية بن خلف، فقالا لهم: حياكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم يطلب مجلسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال، وهو عندنا منذ عشر سنين ما استجاب له إلّا غلام سفيه وآخر لا مال له وما (٦) نعلم ركبًا أحمق منكم، قالوا: سلام عليكم ولا نجاهلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه لم نأل أنفسنا خيرًا، فأقاموا عند
_________________
(١) قاله مجاهد، أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٢١).
(٢) في "ب": (بالنبي - ﷺ - شيخًا).
(٣) (ﷺ) في الأصل فقط.
(٤) المثبت من "ب"، وفي البقية (عشرين).
(٥) المثبت من "ب"، وفي البقية كلام غير مفهوم.
(٦) في الأصل: (ولا).
[ ٣ / ١١٣١ ]
النبي -﵇- (١) ثلاثًا يغدون معه ويروحون معه حتى علموا قرآنًا كثيرًا ثم خرجوا مسلمين، وفيهم نزلت: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة: ٨٣]، ورجعوا إلى النجاشي فأخبروه بإسلامهم وبأنه نبي فأسلم النجاشي وأحسن جوار من كان عنده من أصحاب النبي -﵇- وازداد في دينه رغبة (٢).
﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ يقعون على الأذقان سجودًا واحده ذقن، والمراد بالأذقان الوجوه (٣)؛ لأنّ الإنسان يعتمد عليه من وجهه، ويحتمل أنه كان من أعضاء السجود ثم نسخ بالجبهة والأنف، ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا﴾ ما كان موعوده إلا موجودًا بفعله كائنًا بتكوينه، قال كعب الأحبار: إن العبد لتحط عنه الخطايا ما دام ساجدًا.
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ ابن عباس: نزلت الآية ورسول اللهﷺ - مختف بمكة فكان إذا صلَّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فكان المشركون إذا سمعوا شتموا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله لنبيه -﵇-: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: بقراءتك فيسمع (٤) المشركون فيسبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٥)، وعن عروة (٦) قال: قالت خالتي عائشة: يا ابن أختي أتدري فيما أنزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾؟ قلت: لا، قالت: بالدعاء (٧)، قالت
_________________
(١) في "ب": (النبي -ﷺ-).
(٢) هذه القصة بطولها رواها ابن عباس - ﵄ - مع اختلاف في بعض ألفاظها، أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٥٩٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٨٤).
(٣) قاله ابن عباس - ﵄ - وقتادة. أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٢٠)، وعبد الرزاق في تفسيره (١/ ٣٩٢)، والأذقان في كلام العرب جمع ذَقن وهو مجمع اللَّحْيَيْن. قال الزجاج: الذي يخر وهو قائم إنما يخر لوجهه والذقن عضو من أعضاء الوجه وهو أقرب الأشياء إلى الأرض، وكذا قال ابن الأنباري. [معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٦٤)، زاد المسير (٣/ ٥٩)].
(٤) في الأصل و"أ": (يسمع).
(٥) البخاريُّ (٤٧٢٢)، ومسلم (٤٤٦).
(٦) في "ب": (عائشة).
(٧) البخاري (٤٧٢٣)، ومسلم (٤٤٧).
[ ٣ / ١١٣٢ ]
عائشة: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: بدعائك (١) وهي في معنى قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أمر بالتحميد هاهنا لنزول القرآن عليه وإيمان أهل الكتاب به وانقطاع المشركين في جداله، وقيل: لم يؤمر بالتحميد ولكنه أمر بالإخبار عند الله تعالى أنه محمود في صفاته لم يجانس شيئًا فيتخذه ولدًا ولم يساوه شيء فيكون معه شريكًا ولم يكن ذليلًا فيحتاج من ذله إلى غيره فهو محمود في صفاته.
_________________
(١) ابن جرير (١٥/ ١٣٣).
[ ٣ / ١١٣٣ ]