مكية (٢)، وهي تسع وثمانون آية في غير عدد أهل الشام (٣).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أفنعرض بالذكر عنكم، تقول: ضربت عن فلان وأضربت عنه إذا أعرضت عنه.
﴿مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ بينهم وهي سنة الله فيهم.
﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ﴾ تقديره ليسندن خلقهن إلى ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٤) وإنما يحتاج إلى هذا التقدير إذا وصلنا التي تليها، وإذا فصلنا (٥) فالتقدير في الثانية أجل هو ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾.
﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ إلى ضمير عائد إلى ما فيه، وإنما جمع الظهور مع كونها مضافة إلى واحد لكون الواحد في معنى الجمع كقولهم كثر أوباش الجند وقلّت أوباشه.
_________________
(١) (حم) من "ب" "ي".
(٢) نقل ذلك السيوطي في الدر (١٣/ ١٨٤) عن ابن عباس رواه ابن مردويه، وانظر "البيان" لأبي عمرو الداني (٢٢٣).
(٣) في الشافي (٨٨) آية، وانظر "البيان" (٢٢٣).
(٤) من قوله (خلقهن) إلى هنا ليس في "ب".
(٥) من قوله (التي) إلى هنا ليس في "أ".
[ ٤ / ١٥٢١ ]
﴿مُقْرِنِينَ﴾ مستطيعين، والإقران الاستطاعة والإطاقة والاقتدار.
﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ يجوز أن يكون كلامًا مبتدأً (١) عن جهة الله على سبيل الإنكار، ويجوز أن يكون حكايته قوله ﴿وَإِذَا بُشِّرَ﴾ بألا نبي من الكفار.
وليس في قوله ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾ ما يمهد لليهود والنصارى عذرًا لأنهم محرِّفون مبدِّلون غير مستمسكين ولو كانوا مستمسكين لكانوا مستسلمين في محوه وإثباته وتصريف آياته.
﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ (٢) أنه على سنة وطريقة.
﴿بَرَاءٌ﴾ مصدر كالسواء والملاء. والمعنى: أنا بريء مما تعبدون وأنه ﴿سَيَهْدِينِ﴾ للإسلام.
﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ بأنه وضع في تلبية الحج: لبيك لا شريك لك وبأنه قال: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي يعرضون عن الكفر ويعتزلونه، وقيل: جعلها كلمة باقية في عقبه لعل عقبه يرجعون إلى قضية تلك الكلمة إذا اختلفت بهم الأهواء.
﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ نزل في الوليد بن المغيرة حيث قال (٣): لولا أنزل هذا القرآن علي بمكة أو على مسعود الثقفي بالطائف (٤).
﴿وَمَعَارِجَ﴾ سلاليم.
﴿وَسُرُرًا﴾ جمع سرير، وهو مجلس يُتخذ من الألواح ونحوها في
_________________
(١) أي أنه مبتدأ وخبره محذوف والتقدير أوَمن ينشأ جزءٌ أو ولدٌ إذ جعلوه لله جزءًا، ويجوز أن يكون في محل نصب مفعولًا بفعل مقدّر أي: أو يجعلون من ينشأ في الحلية. ذكر الوجهين السمين الحلب في. [الدر المصون (٩/ ٥٧٨)].
(٢) (أمة) ليست في الأصل.
(٣) في "ب": (قالوا).
(٤) رواه ابن أبي حاتم كما في الدر (١٣/ ٢٠٢) عن ابن عباس.
[ ٤ / ١٥٢٢ ]
البيوت، ووجب حبّ هذه النعم على الكفار ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ بكرم الله ومحبته أن لا يخلي عبدًا من إحسانه إما عاجلًا وإما آجلًا.
وعن ابن عباس عنه -﵇- (١): "لولا أن يجزع عبدي المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حديد ولصببت الدنيا عليه صبًّا" (٢).
وعن كعب قال: إني لأجد في بعض الكتب: لولا أن يجزع عبدي المؤمن لكلّلت رأس الكافر بإكليل فلا يصدع ولا ينبض منه عرق يوجع (٣).
﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ يميل، قال أبو الهيثم: يقال: عشوت إلى الشيء إذا أملت إليه، وعشوت عنه إذا أعرضتُ عنه، وأصله تبيُّن الطريق في الليل بضوء النار في الظلمة، ولا يكون ذلك إلا على ضعف.
وعن الزهري: لما أسري بالنبي -﵇- (٤) صلّى خلفه كل نبي كان أُرسل، فقال للنبي -﵇- (٤): ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ (٥) ويجوز أن يكون التقدير: سل آل من أرسلنا، أو سل ذوي من أرسلنا (٦).
﴿يَضْحَكُونَ﴾ يستهزئون.
﴿أَمْ﴾ بمعنى بل، ويحتمل أنه مترتب على ألف الاستفهام، كأنه قال: أفلا تبصرون مزيتي على موسى أم تبصرونها فأنا خير منه عندكم.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) هذا مروي عن مغيث بن سمي قال: نجد في كتاب الله وذكر شيئًا قريبًا منه، انظر الحلية (٦/ ٦٩).
(٣) ذكره ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (١٠٢).
(٤) في "ب": (النبي - ﷺ -).
(٥) نقله عن الزهري ابن الجوزي في تفسيره: زاد المسير (٤/ ٧٩) وهو مروي عن عبد الرحمن بن زيد. أخرجه الطبري في تفسيره (٢٠/ ٦٠٥).
(٦) الأصل عدم التقدير، والتقدير الذي ذكره المؤلف مخالف لظاهر سياق الآية، فسؤال المرسل إليهم يختلف تمامًا عن سؤال آلهم أو ذويهم فيبقى النص على ظاهره بدون تقدير، ولم أجد أحدًا سبق المؤلف أو لحقه على ذلك، والله أعلم.
[ ٤ / ١٥٢٣ ]
﴿آسَفُونَا﴾ أغضبونا (١).
﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ أي وضع آية ومعجزة وقد سبق القول في كيفية جدال قريش وكيفية الرد عليهم.
عن أبي أمامة قال: قال رسول الله (٢): "ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدال" (٣) ثم تلا ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾.
وعن عكرمة عن ابن عباس قال: إن كان ما يقول أبو هريرة حقًا فهو عيسى ابن مريم (٤) ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ قال سفيان: يقول أبو هريرة حقًا أقروه مني السلام عني في الحديث نزول عيسى ابن مريم وقتل الدجال في آخر الزمان، ولكان يجوز أن يقول الضمير عائد إلى عيسى ابن مريم قبلما رفع إلى السماء فإنه لم يُبعث إلا في آخر الزمان، ولكان يجوز أن يقول الضمير عائد إلى القرآن أو إلى نبينا -﵇- (٥) والقول عند قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ﴾ مضمر يدل عليه قوله: ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾.
﴿بِصِحَافٍ﴾ جمع صحْفَة وهي كالقصعة المسطحة ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ جمع كوب وهو القدح الذي لا عروة له ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ تستطيب.
﴿لَا يُفَتَّرُ﴾ لا يحدث الفتور فيه (٦).
_________________
(١) قاله ابن عباس - ﵁ -. أخرجه الطبري في تفسيره (٢٠/ ٦١٧) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٨٤).
(٢) في "ب": (النبي - ﷺ -).
(٣) الترمذي (٣٢٥٣)، وابن ماجه (٤٨)، وأحمد (٥/ ٢٩٢، ٢٥٦)، والطبراني في الكبير (٨٠٦٧)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (١٣٥، ١٣٦)، والحاكم (٢/ ٤٨٦)، والبيهقي في الشعب (٨٤٣٨) والحديث حسن.
(٤) عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره (٣/ ١٩٩)، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ٤٨٧).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) أي لا يخفف عنهم العذاب. كذا قال الطبري (٢٠/ ٦٤٧) وأصل الفتور الضعف.
[ ٤ / ١٥٢٤ ]
﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ بالموت كقولهم: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ [الحاقة: ٢٧]، و(مالك) اسم خازن النيران وهو رئيس الزبانية.
وعن عبد الله بن عمر قال: نادى أهل النار ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ قال: فخلّى عنهم أربعين عامًا ثم أجابهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ فقالوا: ربنا أخرجنا منها، فخلّى عنهم مثلي الدنيا ثم أجابهم ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فأطبقت عليهم ثانية، فما نَبَس القوم بعد هذه الكلمة إن كان إلا الزفير والشهيق (١).
﴿أَمْ﴾ بمعنى ألف الاستفهام ﴿أَبْرَمُوا﴾ أحكموا، أُنزلت الآية في شأن الذين تشاوروا في كيد رسول الله (٢) في دار الندوة (٣) أو في أمثالهم، وهو استفهام بمعنى الإنكار يدل عليه قوله: ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ أي لم يبرموا أمرًا ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾.
﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ قال الكلبي: إن النضر بن الحارث بن علقة بن كلدة بن عبد الدار بن قصي لعنه الله تعالى كان يهزأ بالقرآن وأنكر عليه عثمان بن مظعون وقال: اتقِ الله فإن محمدًا ما يقول إلا حقًا.
قال النضر بن الحارث: وأنا والله ما أقول إلا حقًا، فإني أقول لا إله إلا الله كما يقول محمَّد لا إله إلا الله ولكنني أقول أنهنَّ (٤) من بنات الله؛ أي الأصنام فأنزل، فلما سمعها النضر بن الحارث فهم منها ما أعجبه وقال: إن محمدًا قد صدّقني، فقال الوليد بن المغيرة: ما صدقك ولكنه كذبك، فإنه يقول ما كان للرحمن ولد لا يعني من أن يكون له ولد، فغضب النضر بن الحارث عند ذلك وقال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، فأنزل الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره عن ابن عمر (٢٠/ ٦٥٠)، والبيهقي في البعث والنشور (٦٤٩)، وابن أبي شيبة (١٣/ ١٥٢)، وابن أبى الدنيا في صفة النار (١٦٨).
(٢) "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) أشار إلى ذلك ابن الجوزي في تفسيره (٤/ ٨٤) والقرطبي في تفسيره (١٦/ ١١٨).
(٤) في الأصل و"ب": (أن) وهو خطأ.
[ ٤ / ١٥٢٥ ]
بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج: ١] قال: ذهب إلى هذا أهل التفسير والمعاني (١)، فقال ابن عرفة: إنما يقول عبد يعبد فهو عبد، وقال ما يقال عابد، والتقدير: عبده إن كان في أوهامكم وآرائكم للرحمن ولد فانا أول عابدٍ لله بالتوحيد الخالص، وقيل: التقدير: لو كان يجوز أن يكون للرحمن ولد لكنت أول عابد لذلك الولد، وقد ذكرنا قضية لفظ أو ولو كان هذا التقدير الآية فهي قريبة من قوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧] ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤] وإنما يكون مثل هذا الكلام للتنبيه على غاية الاستحالة.
_________________
(١) النضر بن الحارث بن علقمة كان من أشد قريش في تكذيب الرسول - ﷺ - وايذائه وأصحابه، ونزل في حقه عدة آيات من القرآن، أسره المقداد يوم بدر وأمر رسول الله - ﷺ - بضرب عنقه فقتله علي بن أبي طالب. [الكامل في التاريخ (١/ ٥٩٤)].
[ ٤ / ١٥٢٦ ]