مكية (١)، وهي أربع وخمسون آية في غير عدد أهل الشام (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الواو في ﴿وَيَرَى﴾ للاستئناف وهو عطف الجملة و﴿الَّذِينَ﴾ في محل الرفع لأنه مفعول ما لم يسم فاعله، و﴿الْعِلْمَ﴾ نصب لأنه (٣) مفعول ثانٍ، و﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ في محل النصب لوقوع الرؤية عليه، وكذلك ﴿الْحَقَّ﴾ لأن الرؤية إذا كانت في معنى العلم أو الظن اقتضت مفعولين.
﴿مُزِّقْتُمْ﴾ بأجسامكم، والتمزيق بالإجزاء وفسخ التأليف ﴿إِنَّكُمْ﴾ بالكسر، لأن قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ في معنى القول.
﴿أَفْتَرَى﴾ لم يدخل المد لأن الهمزتين (٢) مختلفتان، وفي قوله: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] متفقان (٤).
﴿أَوِّبِي﴾ سبِّحي معه كل النهار إلى الليل (٥) ورجعي بالتسبيح، ﴿وَأَلَنَّا﴾
_________________
(١) نقل ابن الضريس (١٨،١٧)، والنحاس (٦٣٧)، والبيهقي في الشعب (٧/ ١٤٢ - ١٤٤) عن ابن عباس مكيتها.
(٢) انظر "البيان" (ص ٢٠٩).
(٣) من قوله (مفعول) إلى هنا ليس في "أ".
(٤) في "ب": (الهمزتان).
(٥) في "ب": (الليل إلى النهار).
[ ٤ / ١٤٢٩ ]
الإلانة تصييره سهل المشي سهل الثني سهل الاستعمال، ضد الحزن والصعب والشد (١).
و﴿السَّرْدِ﴾ تنسيق حلقها وتشميرها.
﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ أي عين الصفر، فسالت ثلاثة أيام يعمل بها ما أحب كما يعمل بالطين، هكذا ذكر الكلبي، وذكر أبو عبيد الهروي أن القطر النحاس، وقوله: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ حكاية أحوالهم التي كانوا عليها.
﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جفنة وهو شيء أعظم من الصحفة تجتمع عليها جماعة ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية.
وقال مجاهد: الجابية حوض الإبل (٢)، وقال ابن عرفة: الجابية كالحوض.
وعن مسعر بن كدام قال: إنه لما قيل (٣): ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ لم يأتِ عليهم ساعة من ليل ولا (٤) نهار إلا ومنهم مصلٍّ يصلي.
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ وعن ابن عباس أن سليمان -﵇- (٥) كان لا يصلي صلاة إلا وجد شجرة نابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول (٦) كذا وكذا، فيقول: لما أنتِ؟ فتقول (٧): لكذا أو كذا، وإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء علم ذلك الدواء. قال: فصلّى ذات يوم فإذا شجرة بين يديه نابتة (٨) فقال: ما اسمك؟ قالت: الخروبة لما
_________________
(١) في "أ": (الشديد).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٩/ ٢٣٣)، تفسير مجاهد (ص ٥٥٣).
(٣) في الأصل: (قال افعلا قيل)، وفي "أ": (كدام قيل).
(٤) في الأصل: (أو نهار).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) في الأصل و"ي": (فيقول).
(٧) (فتقول) ليست في الأصل.
(٨) (نابتة) من "ب" "ي".
[ ٤ / ١٤٣٠ ]
نبت، قال: لما أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت -يعني بيت المقدس- فقال سليمان: اللهم غيّب الجن موتي حتى يعلم الإنس أنهم كانوا لا يعلمون الغيب.
قال: فأخذ عصا فتوكا عليها حولًا ثم أكلتها الأرضة فسقط فعلموا عند ذلك بموته فشكرت الشياطين تلك الأرضة وإنه لما (١) كانت الأرضة جاءها الشياطين فقالوا: قدروا مقدار أكل العصا فكانت (٢) سنة، والأرضة دويبة تأكل الخشب (٣).
﴿الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ سخرة سليمان -﵇- وتكليفه بإذن الله.
﴿آيَةٌ﴾ اسم كان، وخبره في الجار والمجرور، و﴿جَنَّتَانِ﴾ رفع على أنهما بيان الآية ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ يدل على كون حجة الله فيهم من رسول الله أو نبي أو صديق أو صالح أو عاقل يذكرهم بالإله ونعمائه.
وذكر الكلبي أن الله تعالى (٤) بعث إليهم ثلاثة عشر نبيًا وكانوا في ثلاث عشرة قرية ﴿بَلْدَةٌ﴾ أي هذه ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ الطين ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أي ولكم رب غفور إن شكرتموه.
﴿فَأَعْرَضُوا﴾ عن الشكر ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ (سيل) (٥) مصدر قائم مقام الاسم و(العرم) المسناة التي هي السد (٦) والسكر.
_________________
(١) في الأصل: (واهما).
(٢) (فكانت) من "ب".
(٣) هناك قصة قريبة عن السدي عند ابن جرير (١٩/ ٢٤١، ٢٤٢).
(٤) (تعالى) ليست في "ب".
(٥) في "ب": (سبيل).
(٦) قاله مجاهد وأبو ميسرة والفراء وابن قتيبة، وقال أبو عبيدة: هي السِّكْرُ. [زاد المسير (٣/ ٤٩٤)].
[ ٤ / ١٤٣١ ]
قيل: العرم اسم وادي (١)، وقال ابن الأعرابي (٢): العرم والبرّ من أسماء الفأرة، وقيل: العرم المطر الشديد.
ذكروا في التاريخ أن الله تعالى لما هيأ أسباب (٣) سيل العرم، وذلك في ملك ذي الأذعار بن حسان أقبلت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر بن (٤) أم أخيه عمران بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة وكان بينه وبين كهلان بن سبأ وكان جالسًا في نادي قومه فوقفت على رأسه ثم قالت: والظلمة والضياء ليقبلن إليكم الماء كالبحر إذا طما فيدع أرضكم يسقى عليها الصبا، قالوا: ومتى يكون؟ قالت: بعد سنين شدائد يقطع فيها الولد الوالد فيأتيكم السيل العرم (٥) بفيض هميل وخطب جليل وأمر وبيل، فتخرب الديار وتضمحل القرار.
قال لها عمران: ويحكِ يا طريفة لقد أفجعتنا بأموالنا فبيِّني مقالك، فقالت: آتيكم أمر عظيم وسيل ركيم ودهر وخيم وخطب جسيم (٦)، فاحرسوا السد (٧) لئلا يمتدّ، وإن كان لا بد من الأمر المعدّ فانطلقوا إلى رأس الوادي فسترون العادي نحو كل حجر صخاد بأنياب له حراد.
فانطلق عمران بن عامر في نفر من قومه حتى أتوا رأس الوادي فإذا بجرذ يحفر الجبل بأنيابه ويدفع برجله الحجر الذي يستنقله مائة رجل فيسد
_________________
(١) قاله ابن عباس - ﵄ - وأن موقع هذا الوادي في اليمن كان يسيل إلى مكة وكانوا يسقون وينتهي سيلهم إليه، وهو قول قتادة والضحاك. [الطبري (١٩/ ٢٥١)].
(٢) نقله عنه الأزهري في تهذيب اللغة (٢/ ٣٩١ - عرم).
(٣) (أسباب) ليست في "ب".
(٤) (بن) ليست في "ب".
(٥) (العرم) من الأصل فقط.
(٦) في الأصل: (جسم).
(٧) في الأصل: (السد).
[ ٤ / ١٤٣٢ ]
مسيل الوادي مما يلي البحر ويفتح مما يلي البلاد، فاستشار عمران عظماء بني كهلان فأجمعوا أن يكتموا الأمر عن إخوانهم من أولاد حمير ليبيعوا منهم حدائقهم وضياعهم ثم يرتحلوا عن تلك، ففعلوا (١) ذلك.
ثم جاء السيل ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ وهم الذين بقوا في ديارهم. وقيل: الذين نزلوا الحجاز وأرض تهامة وسائر البوادي المتاخمة بهذه الديار و﴿خَمْطٍ﴾ ثمر الأراك (٢) وكل شجر لا شوك له ويقال له: البربر، وقيل: البربر ثمر الأثل، والأثل شجر يشبه الطرفا يصنع منه النضار، والنضار القدح المتخذ من شجر الأثل، و﴿سِدْرٍ﴾ شجر يستظل به ويؤكل من ثمره، وذكر الفراء عن بعضهم أنه السمر (٣)، ولا يبعد إلطاف الله لهؤلاء المعاقبين بأن يكونوا رزقوا من هذه الأشجار في أيامهم رزقًا صالحًا يتبلغ به كما رزق بني إسرائيل في التيه من المن، والمواضع التي تنبت فيها هذه الأشجار في أيامنا المفاوز دون السلتين، ذلك إشارة إلى سيل العرم وتبديل الذي هو خير بالذي هو أدنى.
﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ الجزاء والمجازاة بمعنى، والجزاء يتعدى إلى مفعولين. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٤١].
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى﴾ قال الكلبي أنهم ندموا على صنيعهم ومقاومتهم الرياح فوعدوا الرسل أن يؤمنوا إن كشف الله عنهم الشر، فدعت لهم الرسل فكشف الله عنهم وجعل من أرض سبأ إلى أرض فلسطين قرى متصلة يبيتون بقرية ويقبلون بقرية لا يحل المسافر عقده حتى يرجع إلى أهله، وكان مقدار سيرهم شهرًا في أمن وسلامة يمتارون الميرة إلى أهليهم حتى نكثوا العهد ورجعوا إلى الكفر والطغيان.
_________________
(١) المثبت من "ب"، وفي البقية: (ففضلوا).
(٢) قاله ابن عباس - ﵄ - والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد، أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١٩/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
(٣) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٣٥٩).
[ ٤ / ١٤٣٣ ]
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ لسؤالهم معنيان:
أحدهما: أنهم سألوا ذلك على سبيل الاستهزاء وقلة المبالاة كقول آخرين ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]، وقال: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية.
والثاني: أنهم تبرّموا بالعافية فحملهم السفاهة (١) على أن يشتهوا البلاء كقول بني إسرائيل: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] الآية.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ له معنيان على سبيل المجاز:
أحدهما: أن الله -عَزَّوَجَلَّ- جعل أخبارهم مستفيضة يتحدث الناس على سبيل الاعتبار.
والثاني: أن الله تعالى خرب ديارهم ومحا آثارهم وأبقى (٢) أحبارهم فكأنهم صاروا أحاديث، ويعني على الحقيقة وهو تقليب (٣) الجوهر عرضًا.
وبقاء العرب من نسل هؤلاء ليس بمخالف الآية لأن الله تعالى إذا أهلك قومًا أنشأ من ذريتهم قومًا آخرين، هذه سنة الله في عباده، ولقد صدق عليهم الظاهر أنهم في شأن آل سبأ، ويحتمل في شأن جميع الناس.
﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ له معنيان:
أحدهما: التمكين من غرورهم وسوستهم بتمكين.
والثاني: الشبهة التي خلقها الله تعالى ليستدل بها الشيطان فيما يوسوس به الناس ويريه أنها البرهان.
﴿زَعَمْتُمْ﴾ من دون الله أنهم آلهة فبيّن الله تعالى أنهم لا يملكون شيئًا وهم مملكون ولا يعينون الله على شيء وهم معانون.
_________________
(١) في "ي" "أ": (النفاهة).
(٢) في الأصل: (واتقى).
(٣) في الأصل: (يقلب).
[ ٤ / ١٤٣٤ ]
عن أبي هريرة عنه -﵇- قال: "إذا قضى الله أمر الملائكة بأجنحتها خُضْعانًا، لقوله: كأنها سلسلة على صفوان ﴿حَتَّى (١) إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ قال: والشياطين فوق (٢) بعضهم فوق بعض، فإذا سمع الأعلى منهم الكلمة رمى بها إلى الذي تحته وربما أدرك الشهاب قبل أن ينبذها وقبل أن يدركه فينبذها بعضهم إلى بعض حتى ينتهي إلى الأرض فيلقى على لسان الكاهن أو الساحر فيكذب فيصدق بالكلمة التي يسمع بين السماء" (٣) ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ غاية للحالة الغائبة المتقدمة عليها، والغاية لا تدل على مخالفة حكم ما وراءها ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني خلا الفزع عن قلوبهم، قالوا: يعني ملك الملائكة دون الملأ الأعلى [﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ قالوا: جواب الملأ الأعلى الذين (٤)] (٥) يلونهم ﴿الْحَقَّ﴾ يحتمل الإجمال لقطع السؤال (٦) ويحتمل البيان لاستراق الشيطان، ويحتمل أنهم يجهلون الجواب مرة ويفسرونه بإذن الله.
﴿قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ على سبيل الإيجاز تقديرها: هانا ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، وهذا كقولك لخصمك: الله يعلم أن أحدنا لكاذب.
﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ المراد بالسؤال الأخذ والمطالبة.
﴿أَلْحَقْتُمْ بِهِ﴾ أي لله شركاء على زعمكم وأن الملائكة متولدة منه، وأن الانفعال قديم بقدم الفعل، وأن المعدوم شيء لا أول له، وأن المكان قديم بقدم الأنية، وأن الإيجاد واقع بين الله والعباد.
﴿كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ الذي عزّ فلا يطاق وعز فلا يناله الإلحاق
_________________
(١) (حتى) من الأصل.
(٢) (فوق) من الأصل.
(٣) البخاري (٧٤٨١)، والترمذي (٣٢٢٣)، من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.
(٤) في الأصل و"ي": (الذين).
(٥) ما بين [] ليست في الأصل.
(٦) في الأصل: (البيان).
[ ٤ / ١٤٣٥ ]
﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي تعالى بحكمته عن تمكين المخاذيل من صفته.
﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي إلا جاء معه للناس بالبشارة والإنذار، والهاء في ﴿كَافَّةً﴾ للمبالغة كما في النسابة والعلامة والراوية.
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ في أول أمرهم وحسرهم بعد ذلك ﴿الْأَغْلَالَ﴾ جمع غل وهو طريق ذلّ وصغار.
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ﴾ في (١) ﴿الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ في ردّ استدلالهم بكثرة الأموال والأولاد على نفي العذاب في المعاد.
﴿بِالَّتِي﴾ إشارة إلى الأشياء إن شاء الله أو إلى الخصلة أو إلى الحسنة ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ إن كان الاستثناء متصلًا فالتقدير فيه الأموال الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأولادهم وذلك لكون أموالهم منفعة في سبيل الله وكون أولادهم متابعة بإيمان، وإن كان الاستثناء منقطعًا لمن آمن وعمل صالحًا شرط (٢).
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ﴾ عن أنس عن النبي -﵇- (٣) قال: "ينادي مناد كل ليلة: لدوا للموت، وينادي آخر: ابنوا للخراب، ونادى منادٍ: اللهم هب للمنفق خلفًا، وينادي آخر: اللهم وللمسك تلفًا، وينادي منادٍ: ليت الخلق لم يخلقوا" (٤).
_________________
(١) (في) من الأصل.
(٢) الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ [سبأ: ٣٧]، إما أن يكون منقطعًا فيكون منصوب المحل وإما أن يكون في محل جر بدلًا من الضمير في ﴿أَمْوَالُكُمْ﴾ قاله الزجاج والفراء وهو مذهب الأخفش والكوفيين أنهم يجوزون البدل من المخاطب والمتكلم، وتبعهم الزمخشري في ذلك، كما يجوز أن يكون ﴿مَنْ آمَنَ﴾ في محل رفع على الابتداء، والخبر ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ [سبأ: ٣٧]. [معاني القرآن (٢/ ٣٦٣)، إعراب القرآن (٢/ ٦٧٧)، الكشاف (٣/ ٢٩٢)].
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) هذا حديث لا يثبت وهو يذكر من قول عيسى ويذكر شعرًا وحكمة. انظر "الدرر المنتثرة" (٣٧٧).
[ ٤ / ١٤٣٦ ]
﴿مِعْشَارَ﴾ عشير، وقيل: عشير العشير، وهذه الآية في معنى قوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦].
﴿بِوَاحِدَةٍ﴾ بخصلة واحدة ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ لتلك الخصلة ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أي في محمد هل هو مجنون أم ليس بمجنون، وقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ كلامًا مبتدأ على هذا التقدير وهو تزكية من الله تعالى لمحمد -﵇-، ويحتمل أن التقدير فيه ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أي شيء بصاحبكم من جنون، فإن كان التقدير هكذا لم يحسن الوقف على قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾.
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ على الباطل فيدمغه، الواو في ﴿وَمَا يُبْدِئُ﴾ لعطف الجملة، وهذه الآية في معنى قوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [يونس: ٣٤]، ﴿إِنْ ضَلَلْتُ﴾ قائمًا ﴿أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ أي إن سلكت طريق الشر ودعوتكم إلى الشر فأنا شريككم فيه ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ﴾ أي إن سلكت طريق الخير ودعوتكم إلى الخير فبوحي الله وإذنه، وإن كان ذلك من جهة الله تعالى لزمكم قبوله.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ تذكير وقت إحساس اليأس، واليأس عن الناس وانقطاع الأنفاس، وذلك حين ينخفض الصوت ويقترب الموت ويتعذر الفوت. عن سمرة قال: قال -﵇- (١): "مثل الذي يفر من الموت كالثعلب فطالبته الأرض بدين يسعى حتى إذا عيَّ وابتهر دخل جحره (٢) فقالت له الأرض عند سبلته: يا ثعلب ديني ديني، فخرج، فلم يزل كذلك حتى انقطع عنقه فمات" (٣).
﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ أنه الذي قال الله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ كيف لهم منازل الإيمان وطلب الأمان. ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ لبُعد معاينة البأس عن رتبة الاختيار والاختبار.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في "أ": (حجره).
(٣) البيهقي في الشعب (١٠٦٩٥)، والدارقطني في حديث أبي الطاهر (٥٥). والمحفوظ أنه حديث موقوف كما قال البيهقي.
[ ٤ / ١٤٣٧ ]
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ مثل رجمهم بالغيب، وهو ظنهم بالنبي -﵇- الظنون الفاسدة ﴿مِنْ مَكَانٍ﴾ لبُعد السفهاء عن إصابة العقلاء.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ في المشركين متصلة بما قبلها يدل عليه فحوى الخطاب، ولكن عموم قوله: ﴿مَا يَشْتَهُونَ﴾ جعل مما يجوز اقتباسه لوصف المؤمنين وذلك لأن كل واحد من الناس يشتهي أن يعيش ويشك في ساعة موته الذي يفنى به، وهذا النوع من الاقتباس كاقتباس علي - ﵁ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية.
وعن أُبي بن كعب عنه -﵇- (١): "مَن قرأ سورة سبأ لم يبقَ رسول ولا نبي إلا كان له يوم القيامة مصافحًا" (٢).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) هذا حديث مكذوب لا يثبت ومرّ الكلام عليه.
[ ٤ / ١٤٣٨ ]