مكية (١)، وهي ست وثمانون آية في عدد أهل الحجاز والشام (٢).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: اشتكى أبو طالب فعاده أبو جهل في نفر من قريش فشكوا إليه النبي -﵇- (٣)، فأرسل إلى النبي -﵇- (٣) فجاء رسول الله (٤) بيت أبي طالب [وبينه وبينهم قدر] (٥) فجلس رجل، فلما رآه أبو جهل قام فجلس في ذلك المجلس فجلس رسول الله على عتبة الباب، وقال له أبو طالب: إن بني عمك يشكونك، قال: "أريد منهم أن يتكلموا بكلمة (٦) تدين لهم العرب وتعطي العجم بها جزية" قال: وما هي؟ قال: "لا إله إلا الله" قال: فقاموا منه فزعين، ونزلت ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ (٧) أي ذي الشرف. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ والتقدير
_________________
(١) نقل عن ابن عباس مكيتها عن ابن الضريس (١٧)، والنحاس في ناسخه (٦٤٣)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٤٣، ١٤٤)، وانظر "البيان" للداني (٢١٤).
(٢) انظر "البيان" (٢١٤) وفي البصري (٥٨) آية.
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) ما بين [] من المصادر.
(٦) (بكلمة) ليست في "أ".
(٧) الترمذي (٣٢٣٢)، والنسائي في الكبرى (١١٤٣٦، ١١٤٣٧)، وأحمد (١/ ٢٢٧)، =
[ ٤ / ١٤٧٥ ]
في الصاد على قضية هذا الحديث أنها إشارة إلى جواب القسم فكأنه قيل: صدقت (١) ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وقيل: جواب القسم مضمر، والقرآن ذي الذكر إنك لناصح (٢).
وقيل: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جواب القسم كقولك لخصمك: والله أنت مبطل، وقيل: جواب القسم ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ كقولك لأخيك: أقسم عليك بالله هل رأيت فلانًا (٣).
وقيل: جواب القسم ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ولا يحتمل هذا إلا أن يخرج الكلام من الحكاية ويجعله كلامًا مبتدأً من جهة الله تعالى، وقيل: جواب القسم ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ على احتمال كلام المبتدأ.
وقيل: جواب القسم ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ وقيل: جواب القسم (٤) ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٥) (٦٤)﴾ [صَ: ٦٤] الكتاب (٦)، وامتنع الفراء عن إجازة هذا القول (٧).
﴿وَلَاتَ﴾ التاء زائدة في (لا) النفي كما زيدت (ثم) وربّ، وقال
_________________
(١) = وابن جرير (٢٠/ ١٩، ٢٠)، وابن أبي حاتم كما عند ابن كثير في تفسيره. والحديث ضعيف.
(٢) قاله الضحاك. أخرجه الطبري في تفسيره (٢٠/ ٧) وهو مروي عن ابن عباس. ذكره ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير (٣/ ٥٥٧).
(٣) من قال إنه مضمر الحوفي وابن عطية والزمخشري وأبو حيان، والجميع اختلفوا في تقدير هذا المضمر. [المحرر (١٤/ ٧)، الكشاف (٣/ ٣٥٩)، البحر (٧/ ٣٨٣)].
(٤) وهذا قول ثعلب والفراء. [معاني القرآن (٢/ ٣٩٧)].
(٥) وهو قول الزجاج والكوفيون غير الفراء. [معاني القرآن للزجاج (٤/ ٣١٩)].
(٦) (النار) ليست في "ي" "أ".
(٧) (الكتاب) ليست في الأصل.
(٨) انظر معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٩٧).
[ ٤ / ١٤٧٦ ]
سيبويه (١): هي مشبهة بليس (٢)، وقال الفراء: معناها ليس (٣) ولو كان كذلك الاسم مرتفعًا، وقيل: التاء زائدة في حين، وأنشد (٤):
العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان (٥) ما من مطعم
﴿مَنَاصٍ﴾ والنوص بالنون والبوص بالبا العرض (٦).
﴿أَنِ امْشُوا﴾ ترجم للانطلاق، وقيل: ترجمة للمضمر تقديره: وانطلقوا قائلين أن امشوا ترجمة للكبار ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ إن كان جواب القسم فالإشارة واقعة إلى شقاق المشركين، وإن كان قول المشركين، فالإشارة إلى أمر رسول الله (٧) ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ﴾ إن كان جواب القسم؛ فالإشارة واقعة إلى ما وعدهم النبي -﵇- (٨) على كلمة الإخلاص من طاعة العرب واستسلام العجم، وإن كان من قول المشركين؛ فالإشارة واقعة إلى الصبر على الآلهة (٩) أي هو شيء يرضاه الله، ويجوز أن تكون الإشارة على قوله واقعة إلى خلاف رسول الله (١٠) أي هو شيء يتمناه كل أحد (١١) ليذكر وليتشرف به على غيره.
_________________
(١) بدل (سيبويه) فراغ في "أ".
(٢) ذكره سيبويه في الكتاب (١/ ٢٨) وقال: لات مشبهة بـ"ليس" والاسم فيها مضمر أي ليست أحياننا حين مناص.
(٣) ذكره في معانيه (٢/ ٣٧٩).
(٤) البيت لأبي وجزة السعدي كما في لسان العرب، مادة (اون)، والزجاجي في "حروف المعاني" (٧٠)، وغريب الحديث لابن سلام (٤/ ٢٥٠)، والمحكم (٣/ ٤٤٦).
(٥) في المخطوطات (تحين) والمثبت من المصادر.
(٦) قال الفراء: النوص: التأخير في كلام العرب، والبوص: المتقدم. قال امرؤ القيس: أَمِن ذكر ليلى إذْ نأتكَ تَنُوصُ وتقصر عنهاخُطْوةً وتَبُوصُ [معاني القرآن (٢/ ٣٩٧)].
(٧) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٨) في "ب": (رسول الله - ﷺ -)، وبدلها في "ي" السلام محذوفة.
(٩) في "أ": (الآية) بدل (الآلهة).
(١٠) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(١١) في الأصل: (واحد).
[ ٤ / ١٤٧٧ ]
﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ قال مجاهد: النصرانية (١)، وقال الحكم بن عتيبة (٢): ملة محدثة في أيام الفترة، وقال الكلبي: اليهودية والنصرانية (٣)، وقيل: ملة قريش (٤) التي أحدثها لهم عمرو بن لحي.
﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ﴾ (ما) للنفي على لغة تميم وتقديره: جند هنالك ما هو مهزوم من الأحزاب، أو جند ما هو هنالك بمهزوم، أو هو جند ما هو بمهزوم هنالك، فإن صحّ هذا المعنى فالمراد بالجند الملائكة، وهنالك إشارة إلى الأسباب و(من) للتسبُّب (٥) كما في قولك: ما زيد بمنهزم من عمرو.
والثاني: أن تكون (ما) صلة دخولها كخروجها، وتقديره: جند هنالك مهزوم من الأحزاب أو هم جند مهزوم هنالك.
والثالث: أن تكون (ما) التي يجوز بها كون المذكور على أنه صفة تدركها الأوهام تقديره: جندنا كان كيف، فإن صحّ أحد هذين المعنيين فالإشارة بهنالك واقعة إلى بدر أو بعض المشاهد التي انهزم فيها المشركون، ويكون (من) للجنس أي جند من جنس الأحزاب، والأحزاب الذين تحزّبوا على أنبياء الله ﵈.
﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾ جمع وتد وهي ما تركزه في الأرض، وقيل: المراد بالأوتاد قصوره الثابتة في الأرض مثل الجبال، وقيل أربعة أوتاد كان يمد بينها لمن (٦) يعذبه من الناس، وقيل: كانت أوتاد تلعب السحرة عليها بين يديه (٧).
_________________
(١) ابن جرير (٢٠/ ٢١، ٢٥) وهو قول ابن عباس كما ذكره ابن جرير.
(٢) في الأصل و"ب": (عتبة).
(٣) عزاه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٧/ ١٠٣) للفراء والزجاج.
(٤) هذا مروي عن مجاهد كما في الدر المنثور (١٢/ ٥٠٨)، وعزاه للفريابي وعبد بن حميد وابن جرير (٢٠/ ٢٣، ٢٥).
(٥) (ومن للتسبُّب) ليست في "أ".
(٦) (يمد بينها لمن) بدلها في الأصل: (كان يمده نبيها).
(٧) قاله ابن عباس - ﵄ -. أخرجه الطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٠).
[ ٤ / ١٤٧٨ ]
﴿فَوَاقٍ﴾ مقدار استراحة (١) الناقة بين الحلبتين (٢).
وعنه -﵇- (٣): "العبادة مقدار فواق الناقة" (٤).
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ اتصاله صرف الله نبيه عن أذى قومه إلى ما يتسلى بها أو يذكر الله ما ابتلى به داود -﵇- (٥) ليهون على رسول الله على كلمة الإخلاص أن تدين لهم بها العرب ويعطي العجم جزيتها، فإن داود -﵇- (٥) أوتي ما أوتي بكلمة لا إله إلا الله، وكانت قريش وسائر (٦) العرب يعرفون داود -﵇- (٧) ويعترفون بسلطانه في الأرض.
وعن ابن عباس: لم أدرِ ما صلاة الضحى حتى أتيت على هذه الآية ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (٨) إذا أشرقت الشمس.
﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ فصل القضاء بالشهود والأيمان عند مجاهد والحسن (٩).
وعن الشعبي عن زياد أنه قول الخطيب: أما بعد (١٠).
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ مصدر ويجوز أن يكون اسمًا كالصفة ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا﴾ تسلّقوا.
_________________
(١) في الأصل و"ب": (استراحته).
(٢) قاله الفراء في معانيه (٢/ ٤٠٠)، وأبو عبيدة كما في تهذيب اللغة (٩/ ٢٥٤).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) ذكره ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٩٤٥)، والأزهري كما في تهذيب اللغة (٩/ ٢٥٤).
(٥) (السلام) من "ب" "أ".
(٦) في الأصل: (وسائر).
(٧) (السلام) ليست في "ي".
(٨) عبد الرزاق في المصنف (٤٨٧٠).
(٩) أما عن مجاهد فعند ابن جرير (٢٠/ ٤٩)، وأما عن الحسن فعند السيوطي في الدر (١٢/ ٥٢٣) ورواه عبد بن حميد وابن المنذر.
(١٠) ابن أبي شيبة (٢٢٩٦٨)، والطبري (٢٠/ ٥١)، والبغوي في تفسيره (٧/ ٧٨).
[ ٤ / ١٤٧٩ ]
﴿إِذْ دَخَلُوا﴾ يعني ملكان مع كل واحد عدد معين له وقيل: لم يدخل عليه إلا ملكان لكن كنى بلفظ الجماعة لاعتبار وجود معنى الجمع والضم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] ثم قال: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وقال لآدم وحواء: ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦] وكون الابنتين والأختين كما فوقهما في الميراث.
﴿خَصْمَانِ﴾ أي نحن خصمان.
﴿نَعْجَةً﴾ وهي الأنثى من الضأن والبقر أو البقر الوحش والشاة الحبلى وجمعها نعاج، وهذا مثل ضرباه للنساء، وكان داود تحته تسع وتسعون امرأة وكانت عند أوريا امرأة واحدة ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي سلّمها إليّ واجعلني كفيلها، والقصة فيه أن داود -﵇- (١) دعا ربه ذات يوم فقال في دعائه: يا رب أخِّر ذكري بعد وفاتي في أفواه بني إسرائيل ليذكروني في صلاتهم كما يذكرون إبراهيم (٢) وإسماعيل وإسحاق (٣) ويعقوب -﵇-، فأوحى الله تعالى أن هؤلاء ابتليتهم وأنت لم أبتلك بشيء مما بلوا به، فقال: إلهي وبمَ ابتليتهم؟ فأوحى الله إليه أني ابتليت إبراهيم فصبر على النار فصيّرتها عليه بردًا وسلامًا، وابتليت إسماعيل بالغربة عن أبيه فآويته وأحسنت مثواه (٤) ومثوبته وأوفدت إليه أمة من الناس فآنست بهم وحشته وأغنيت بهم فقره ولممت بهم شعثه، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر لأمري ورضي بقضائي ففديته بذبح عظيم ونجّيته من الكرب الشديد، وابتليت يعقوب بفقد حبيبه يوسف.
فقال داود: إلهي فابتلني واجعل اسمي مع أسمائهم في أفواه بني إسرائيل عند صلاتهم، فأوحى الله إليه إذ لم تقبل العافية فسأوتيك البلية، ثم أمهله الله -﷿- حتى نسي مسألته، فبينا هو ذات يوم في مسجده يقرأ الزبور وكان ذلك المسجد مشرفًا على بستان من بساتين بني إسرائيل، وفي
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (إبراهيم) في الأصل مكررة.
(٣) (وإسحاق) ليست في الأصل.
(٤) (مثواه) من "ب" وفي البقية (مثوبه).
[ ٤ / ١٤٨٠ ]
ذلك البستان عين ماء ينتهي إلى حوض معمول لنساء بني إسرائيل لتغتسلن فيه عند حيضهن، فبينما هو كذلك إذ سقطت حمامة أمامه كأنها من ذهب وجناحاها كالياقوت الأحمر وذنبها كالزمرد الأخضر ومنقارها كالدر الأبيض ومخالبها كالفيروزج الأزرق، فلما رآها أعجبه حسنها فظنّ أنها من طيور الجنة، فقام ليأخذها، فطارت حتى سقطت على حائط ذلك البستان، فمشى نحوها وأهوى بيده إليها فأصاب طرف أصابعه جناحها وانقضت في البستان فظن أنه صرعها.
فأشرف على البستان فإذا هو بامرأة من نساء بني إسرائيل تغتسل في ذلك الحوض من أجمل ما يكون من النساء، فبقي مسترخيًا ينظر إلى جمالها وحُسن خلقها، ونظرت المرأة إلى صورة رجل في الماء فرفعت رأسها فإذا هي بداود -﵇- مشرفًا عليها، وأرخت شعرها فجلّل ما بين رأسها إلى قدميها، فوقعت بقلب داود -﵇-، وسأل عنها فأُخبر أنها امرأة أوريا، وكان أوريا بناحية من أرض الشام في خيل عظيمة عليها ابن أخت لداود -﵇-، يقاتل خيلًا من كفار أهل ذلك القصر ومعهم التابوت الذي ذكره الله في كتابه ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] فكان من تقدم من بني إسرائيل على التابوت يوم القيامة لم ينصرف حتى يقتل أو يظفر.
فكتب داود إلى ابن أخيه (١) يأمره أن يقدم أوريا أمام التابوت، فلما قرأ الكتاب على أوريا قال: إن نبي الله داود لم يقدمني إلا وقد علم أنني مقتول، فتقدم فقاتل حتى قُتل هو ومَن كان معه، فامهل داود المرأة حتى انقضت عدتها ثم تزوج بها.
فبينا يصلي داود -﵇- (٢) ذات يوم في المحراب إذ تسوّر عليه الملكان المحراب حتى هبطا عليه في صورة رجلين، فخاف أنهما يريدانه بسوء وغضب على حراسه فقالا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ فإنا ﴿خَصْمَانِ﴾ قال لهما:
_________________
(١) في "أ" "ي": (أخته).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
[ ٤ / ١٤٨١ ]
ارجعا ليس هذا يوم قضاء، قالا: حاجتنا يسيرة، قال: هاتها، قال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ إلى آخر الآية.
فحكم بينهما، فارتفعا في السماء وهو ينظر إليهما وهما يقولان: يا داود حكمتَ على نفسك، فعلم عند ذلك أنه مفتون فخرّ مغشيًا، ثم أفاق وهو يقول: إلهي كيف أعمل ولستَ تغفل عني؟ إلهي كيف أعمل إن لم تقبل توبتي؟ إلهي كيف أعمل وكيف أتوب وكيف توبتي؟ إلهي كيف أعتذر ولا عذر لي؟ إلهي كيف ألقاك وأنا صاحب الخطية؟ إلهي كيف ألقاك وأنا صاحب البلية؟ إلهي ما حجتي يوم ألقاك وأنا صاحب [الزلة (١)؟ إلهي ما حجتي يوم ألقاك وأنا صاحب أوريا؟ إلهي ما حجتي يوم ألقاك وأنا صاحب الذنب العظيم] (٢)؟.
قال: فأوحى الله إليه: أجائع أنت فأسبغك أم عطشان فأرويك أم عار فأكسوك؟.
فقال: إلهي أنت أعلم بحاجتي، قال: فأوحى الله إليه أن انطلق إلى قبر أوريا فإني قد أذنت له في كلامك فاستوهبه الذنب، فإن وهبه لك غفرته لك.
فانطلق داود -﵇- إلى قبر أوريا وكان قد نقل إلى بيت المقدس، فدعاه داود -﵇- فأجاب أوريا: مَن الذي أيقظني من نومي وقطع علي لذتي؟.
قال داود -﵇-: أنا أخوك داود.
قال: مرحبًا بك يا نبي الله فما حاجتك إليّ؟.
قال: ذنب كان مني إليك.
قال: جعلتك في حل.
_________________
(١) في "أ": (البلية).
(٢) ما بين []، ليست في الأصل.
[ ٤ / ١٤٨٢ ]
فانصرف داود وقد ذهب بعض همه، فبينا (١) هو يمشي منصرفًا إذ أوحى الله إليه: يا داود إني حكم عدل لا أحكم بالغيب، فانصرف إليه وبيّن له الذنب، فانصرف داود -﵇- على فوره إلى قبره، ثم دعا فأجابه: مَن هذا الذي أيقظني من نومي وقطع عليّ لذتي؟.
قال: أنا أخوك داود.
قال: فيما (٢) عدت إلى يا نبي الله؟.
قال: أستوهبك الذنب الذي كان مني إليك.
قال: أوَلم أجعلك في حِل؟.
قال: إن ربي أمرني أن أخبرك به.
قال: وما هو؟.
قال: إني عرضتك للمهالك والمكاره (٣) من أجل امرأتك.
قال: صنعت لحادي.
قال: لأتزوج من بعدك.
قال: فهل تزوجت بها؟.
قال: نعم.
قال: لست أجعلك في حِل حتى أخاصمك يوم القيامة بين يدَي الله -﷿- (٤).
فوضع يده على رأسه ومرّ صائمًا سائحًا والهًا حيران يبكي
_________________
(١) في "ب": (فبينما).
(٢) في الأصل (فيهما).
(٣) المثبت من "ب"، وفي البقية: (عرضتك للمكاره).
(٤) (﷿) ليست في الأصل.
[ ٤ / ١٤٨٣ ]
وينحب، ثم سقط مغشيًا عليه يومًا وليلة، ثم أفاق حتى أصبح، فمكث بذلك المكان شهرًا يبكي بدمع هتين وقلب حزين حتى نبت العشب في ذلك المكان من دموع عينيه، فرحم الله طول بكائه وتضرعه فأوحى الله إليه: أن ارفع رأسك يا داود فقد غفرنا لك، فقال إلهي وكيف تغفر الذنب (١) وأنت عدل لا تجور؟ فأوحى الله إليه أن أري أوريا في الجنة ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت فيسألني لمَن هذا يا رب؟ فيقول لمن غفر لأخيه ذنبه إليه.
فقال إلهي وسيدي علمت الآن أنك غفرت لي، ثم لم يزل باكيًا على خطيئته أيام حياته، وكان يلبس الصوف ويفترش الشعر ويصوم يومًا ويفطر يومًا على خبز شعير بملح مريش، فكان إذا ذكر خطيئته خرّ مغشيًا عليه حتى ربط الله بالصبر والإيمان فألقى في قلوب بني إسرائيل أن يخرجوا في طلبه ويردوه إلى دار مملكته فإن داود -﵇- ولد له سليمان من تلك المرأة واسمها شائع (٢).
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ خاطب الذي تصور له أنه مظلوم دون الذي تصور له أنه ظالم إعزاز الذليل وإهانة (٣) ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يجوز أن يكون من كلام داود -﵇-، ويجوز أن يكون كلامًا عارضًا في أثناء القصة من (٤) جهة الله، ويجوز أن يكون من كلام الخصمين بإضمار القول ﴿الْخُلَطَاءِ﴾ جمع خليط وهو الشريك ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾ أي علم وتيقّن ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ يجوز أن تكون (ما) صلة وبجوز أن تكون اسمًا، أي قليل الذين يؤمنون. و﴿أَنَّمَا﴾ هي التي تدخل الحرف الناصب على الأفعال.
_________________
(١) (الذنب) من "ب".
(٢) هذه القصة ذكرت في كتب التفسير بروايات عدة ومعناها واحد. وهي كلها إسرائيليات. وقد استنكر القصة ابن كثير في البداية (٢/ ٣٠٩) وجزم بكذبها.
(٣) (إعزاز الذليل وإهانة) ليست في "ب".
(٤) في الأصل (من الله جهة الله).
[ ٤ / ١٤٨٤ ]
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله -﵇- (١) سجد في "صَ" (٢).
وعن مجاهد قال: قلت لابن عباس: السجدة في "صَ" من أين أخذت؟ فتلا علي هؤلاء الآيات من "الأنعام" ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠] إلى قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فقال: كان داود -﵇- (٣) ممن أُمر نبيكم أن يقتدي به (٤).
وعن ابن عباس: قال رجل للنبي -﵇- (٥): يا رسول الله إني رأيت الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا وضع عني بها وزرًا واجعلها لي عندك ذخرًا وتقبّلها مني كما تقبّلتها من عبدك داود (٦).
وعن الكلبي أنه بلغه عن عبد الرحمن بن سابط (٧) قال: بلغني أن داود -﵇- (٥) يبعث يوم القيامة من قبره وهو ينتفض انتفاض العصفور مشفقًا من خطيئته، فلا يزال كذلك حتى يدنيه ربه فيمس بعض جوانبه فيطمئن، تعالى الله عن المسيس الذي نعرفه ولكنه يظهر سلطانه على ما شاء ممن شاء.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) أبو داود (١٤١٠)، وابن حبان (٢٧٦٥)، وابن خزيمة (١٤٥٥، ١٧٩٥)، والحديث صحيح.
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) البخاري (٣٤٢١).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) الترمذي (٥٧٩، ٣٤٢٤)، وابن ماجه (١٠٥٣)، والطبراني في الكبير (١١٢٦٢)، والحديث حسن.
(٧) عبد الرحمن بن سابط الجمحي، قال الذهبي: فقيه ثقة ذو مراسيل، وقال ابن حجر: تابعي كثير الإرسال لا يصح له سماع من صحابي. [الكاشف (١/ ٦٢٨)، الإصابة (٥/ ٢٢٨)، جامع التحصيل في أحكام المراسيل (١/ ٢٢٢)].
[ ٤ / ١٤٨٥ ]
﴿أَمْ نَجْعَلُ﴾ بمعنى ألف الاستفهام. وذكر الكلبي قوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في حمزة وعلي وسفيان وبني عبد المطلب وعتبة وشيبة والوليد (١)، فإن كان كذلك فالآية مدنية.
الحكم العامل في (إذ) مضمر (٢)، وقيل: قوله: ﴿أَوَّابٌ﴾، ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ القائمات على ثلاث قوائم، والصافن من الرجال الذي يصف قدميه، و﴿الْجِيَادُ﴾ الخيل العتاق.
﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ المال. ووجه التعدية بـ"عن" إضمار المثل تقديره: ملت إلى حب الخير عن ذكر ربي.
وذكر أبو عبيد الهروي وغيره أن المراد بالمحبة الإيثار، وأن (عن) بمعنى على، والقصة في ذلك أن قبائل من قبائل العرب النازلين بحدود دمشق ونصيبين تحزّبوا على سليمان ليقاتلوه فأظفره الله تعالى (٣) عليهم فأخذ ألف رأس من خيلهم، فلما راح من المعركة إلى منزله عرض الخيول وكان (٤) الله قد آتاه من الهيبة ما لا يبدأ الكلام، ولا يذكر شيء حتى يكون هو الذي يبدأ ويذكره، فابتلاه الله يوم عرض الخيل بنسيان العصر ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ فغضب على نفسه وعاقبها بأن فوّت عليها ما أعجبها.
﴿مَسْحًا﴾ قطعًا. قيل: إنه عقر يومئذ تسعمائة فرس وترك مائة، مما بأيدي الناس من الخيل العراب فمن نسل تلك المائة.
_________________
(١) روي عن ابن عباس - ﵄ - في هذه الآية قال: الذين آمنوا علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، والمفسدون في الأرض عتبة وشيبة والوليد وهم الذين تبارزوا يوم بدر. أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٨/ ٢٦١).
(٢) أي في قوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ فذكر المؤلف أن العامل فيها هو مضمر ويمكن أن يقدر هذا المضمر بـ"أُذكر"، وهو اختيار السمين الحلبي، وقيل: العامل فيها "أواب" وفيه تقييد وصفه بذلك بهذا الوقت. [الدر المصون (٩/ ٣٧٤)].
(٣) (تعالى) ليست في "أ".
(٤) في الأصل و"ب": (فكان).
[ ٤ / ١٤٨٦ ]
﴿رُخَاءً﴾ ريحًا طيبة، وقيل: لينة، والقصة فيه أن الجن أخبرت سليمان -﵇- (١) بأمر ملك أندلس وطنجة وفرنجة وإفريقية (٢) وما آتاه الله من النعمة والسلطان وهو كافر بربه يعبد الأصنام من دونه، فسار سليمان نحوه تحمله الريح وتُظله الطير، فلما انتهى إليه أرسل إليه رسوله يدعوه إلى توحيد الله ودين الإسلام، فاستشار ذلك الملك قومه فأشاروا عليه بالطاعة فتكبّر عنها وقال: لو كلفتني خراجًا لتحملته وأما ترك الآلهة فلا أتركها، وأمر قومه بأن يستعدوا للقتال فاستعدوا وقاتلوا سليمان -﵇- (٣) فلم يلبثوا إلا ساعة من نهار قتل الملك فيمن معه واستسلم سائر الأرض.
وكانت للملك بنت تسمى سحور وكانت أجمل من بلقيس، فلما رآها سليمان -﵇- (٣) تسرّى بها، وترفّعت المرأة أن تكون سرية له فطلبت من سليمان -﵇- (٣) أن يتزوجها، فتزوجها سليمان وهو (٤) كالمنهي من جهة الله تعالى بعد بلقيس بامرأة غير إسرائيلية فكان ذلك سبب الفتنة.
ثم إن المرأة أظهرت بكاء وتأسفًا على أبيها وأمها، وقالت لسليمان -﵇-: حاجتي إليك أن تأمر الجن ليصورهما لي، فأمر سليمان بذلك فصورهما لها فعبدتهما من دون الله تعالى، ودعت جواريها وخدمها إلى عبادة هاتين الصورتين، فأجابوها إلى ذلك.
فاتصل ذلك الخبر سائر نساء سليمان -﵇- (٥) وسراريه فلم يحسبوا أن يخبروا سليمان -﵇- (٦) بذلك، وبلغ الخبر آصف بن برخيا فدخل على سليمان -﵇- (٧) وقال: يا نبي الله إنه قد كبر سنين ورقّ جلدي ودقّ عظمي
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في "ب": (وفحرنجية وإفريقية).
(٣) (-﵇-) ليست في "ب" "ي".
(٤) في الأصل و"ب": (فتزوجها وكان).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) (-﵇-) ليست في "ي" "أ".
[ ٤ / ١٤٨٧ ]
فأذن لي أن أخطب بني إسرائيل خطبة قبل موتي، فأذن له سليمان -﵇- (١) فقال: يا نبي الله أحب أن أخطب وأنت حاضر، فحضر سليمان -﵇- (١)، فلما صعد آصف المنبر حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلّى على أنبيائه ورسله ﵈ يذكر نبيًا بعد نبي من آدم -﵇- وأمسك عن ذكر سليمان، ثم نزل عن المنبر فعاتبه سليمان على فعله، فقال آصف: يا نبي الله لم يتهيأ إلى أن أذكرك قد تزوجت بامرأة لم يؤذن لك في تزوجها وإنها تعبد الصورة في دارك من دون الله تعالى، فهذا الذي منعني أن أذكرك بالجميل.
قال: ففزع سليمان من ذلك واغتمّ غمًّا شديدًا حتى ظهر ذلك عليه، فطلقها وأخرجها من بيته وأمر بالصورتين فكسرتا، واغتمّت الجارية لذلك غمًّا شديدًا فماتت من شدة الغم، واغتمّ سليمان عليها فأوحى الله إليه: يا ابن داود تغتم وتظهر الغم على امرأة لم آذن لك في تزوجها وقد عبدت الصورة في دارك من دوني، فاستعد الآن للفتنة والبلاء فلأبلونك ببلية أنسيك فيها بلية أبيك داود.
ثم إن الله تعالى قيّض له شيطانًا بصورة جارية لسليمان -﵇- (١) تسمى الأمينة، وكان سليمان -﵇- (١) إذا أراد الخلوة مع نسائه رفع الخاتم إلى هذه الجارية، فدفع يومئذ إلى الشيطان على ظن أنه الأمينة واسم ذلك الشيطان صخر، فلما صار الخاتم في يده لم يستقر في يده فرمي في البحر وجاء حوت وابتلع الخاتم، ومضى صخر الجني وقد ألقى عليه شبه سليمان فجلس على كرسي سليمان، وخرج سليمان وقد تصوّر للأمينة بصورة صخر الجني فقالت: أعوذ بالله منك إني قد دفعت الخاتم إلى سليمان، إنه مفتون، فلم يدرِ ما يفعل، كلما قال: أنا سليمان بن داود استهزأ الناس به وسخروا منه وطردوه وشتموه.
وجعل آصف يقول: أقسم بالله لقد بلي سليمان بأمر عظيم وذلك أنَّ ثرى الطيب قد نفرت فلسنا نسمع لها حسًا. قالوا: قال ابن عباس - ﵄ -:
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
[ ٤ / ١٤٨٨ ]
إن صخرًا الجني لم يقدر على امرأة من نسائه ولا على شيء من ماله وخدمه وحشمه وإنما كان جالسًا على ذلك الكرسي، فلما لم يدخل على النساء أنكرن ذلك منه وعلمن أنه ليس سليمان على الكرسى، وكانوا يهابونه أن يعترضوا حتى دخل سليمان -﵇- (١) قومه من القرى، وفي تلك القرية بيت ملك فجعل سليمان يقول: أيها الناس أطعموني شيئًا من الطعام فأيكم أطعمني وأسبغ جوعي فله علي أن أعطيه كذا وكذا إن ردّ الله عليّ ملكي، فإني أنا سليمان بن داود نزع الله مني مُلكي وجعله لعدو من أعدائي بسبب خطيئة أتيتها، وأنا أرجو ربي أن يرد عليّ ملكي.
قال: فأشرفت عليه تلك الجارية فقالت: يا هذا (٢) إنا رأينا الكاذبين فما رأينا أكذب على الله منك، أتزعم أنك سليمان مع هذه الخلقة الوحشة وسليمان في منزله على كرسيه؟! اُخرج من قريتنا وإلا أمرت بدوس بطنك يا كذا وكذا، فقال سليمان: إلهي وسيدي إنك قد ابتليت الأنبياء من قبل غير أنك لم تحبس عنهم رزقك ولم تلق لهم البغضاء في قلوب الناس، إلهي وسيدي أسألك وأرجوك ولا أرجو سواك فاعفُ عني واغفر لي فإني لا أعود لشيء كرهته مني.
فلم يزل كذلك أربعين يومًا، ثم إنه وجد قرصًا يابسًا فلم يقدر على كسره، فأتى ساحل البحر ليبل ذلك القرص ثم يأكله، فجاءت موجة فحملت ذلك القرص ومرت به فقال: إلهي وسيدي رزقتني قرصًا من طعام على رأس أربعين يومًا فانتزعه البحر مني (٣)، إلهي وسيدي أنت المتكفل بأرزاق العباد، أنا عبدك المذنب فلا تحبس عني رزقك (٤) فإنك أنت الرزاق الكريم.
وجعل يمشي على ساحل البحر وهو يبكي، فإذا هو بقوم صيّادين فسألهم أن يطعموه سمكة فقالوا: انصرف عنا فما رأينا أقبح منك وجهًا،
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (يا هذا) مكررة في الأصل.
(٣) في "أ": (مني البحر).
(٤) (فلا تحبس عني رزقك) ليست في "أ".
[ ٤ / ١٤٨٩ ]
فقال سليمان: وما عليكم من قبحي إنما سألتكم سمكة أسدّ بها جوعي، قالوا: وحق نبي الله سليمان لئن لم ترجع قمنا إليك وضربناك، فلما رآهم يحلفون باسمه قال: أما إنكم لو علمتم مَن أنا لأطعتموني، قالوا: مَن أنت؟ قال: أنا سليمان، فجعلوا يضحكون ويتغامزون به.
ثم أقبل عليه بعض القوم فضربه بعصا كانت في يده وقال: مثلك يزعم أنه سليمان النبي، فبكى سليمان وبكت الملائكة في السموات قالوا: إلهنا وسيدنا عبدك ونبيك أذنب ذنبًا وأنت الغفور الرحيم، فقال الله ﵎: ملائكتي (١) هذه بلية الرحمة وليست ببلية العذاب وسأردّ عليه ملكه وأظهره على عدوه وأنا الذي لا أخلف الميعاد، ثم إن الله ألقى في قلوب الصيادين رحمة عليه فقالوا: يا هذا لقد قرحت قلوبنا ببكائك وإنك لفي موضع رحمة خذ هذه السمكة وهذه السكين فشقها بها واغسلها وائت بها إلى هذه النار فاشوِها. فأخذ سليمان تلك السمكة فلما شقّ بطنها وجد خاتمه فتختم به سريعًا وسمع الأصوات من كل جانب: لبيك يا ابن داود.
ومضى يريد قصره فجعل يمر بتلك القرى التي كانوا يطردونه منها إذا نظروا إليه تعادوا إليه وخرُّوا له سجَّدًا، وبلغ ذلك صخرًا الجني فهرب، وأقبل سليمان -﵇- (٢) حتى دخل إلى قصره واجتمعت عليه الإنس والجن والوحش والسباع والطير والهوام، ووفقه الله تعالى ليزداد لربه عبادة وذكرًا وخشوعًا، ثم بعث العفاريت في طلب صخر الجني فطلبوه حتى قدروا عليه، فأمر سليمان بأن ينقر له بين صخرتين وصفده بالحديد وألقاه بين الصخرتين، وأمر الشياطين بأن سدُّوا عليه الصخرتين بالحديد ثم أمر أن يلقى في بحيرة الطبرية (٣).
_________________
(١) في الأصل: كتبت غير واضحة.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) هذه القصة من الإسرائيليات وفيها نكارة كما قال ابن كثير في تفسيره عن طائفة من بني إسرائيل لا يعتقدون نبوة سليمان. وقريبًا من هذه القصة ذكرها النسائي في الكبرى (١٠٩٩٣)، وابن جرير (٢/ ٣٢٠٤).
[ ٤ / ١٤٩٠ ]
﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ القوة أو الصنائع إن شاء الله.
﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ذكراهم دار الآخرة وهي إيمانهم بالبعث والثواب والعقاب، فمعنى الآية وقفناهم لهذه الخصلة الخالصة.
﴿وَكُلٌّ﴾ يعطف الجملة.
﴿هَذَا﴾ إشارة إلى ما سبق ذكره.
﴿الْأَبْوَابُ﴾ رفع لتقدير الإضافة فيها أي ﴿مُفَتَّحَةً﴾ أبوابها.
﴿أَتْرَابٌ﴾ جمع ترب وهي للذة والعرس.
﴿حَمِيمٌ﴾ رفع على أنه خبر (هذا)، والأمر (١) عارض بين المبتدأ والخبر كقولك: هذا فاضربه زيدًا، وارتفع بتقدير (من) أي منه حميم ومنه غساق.
﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ أي من مثل العذاب الأول.
فالقول مضمر عند قوله: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ الاقتحام: الدخول على خطر أو مشقة من غير تثبيت.
والقول عند قوله: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مضمر ﴿مَرْحَبًا﴾: اسم من الرحب استعمله العرب في الخير والشر فكل من رضيت بمكانه قالت: مرحبًا به، على سبيل الدعاء له، وكل من لم ترضَ بمكانه قالت: لا مرحبًا به على سبيل الدعاء عليه.
وحسن دخول الاستفهام وكونه مرادًا ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ إنما هو لكونهم غير متخذين إياهم سخريًا (٢) لو كانوا أشرارًا على الحقيقة داخلين معهم النار؛ لأن الاتخاذ يدل على صرف الشيء عن حقيقته في الغالب، فكأنهم قالوا: أسأنا الظن بهم والقول فيهم اتخذناهم سخريًا أم صدقنا فهم معنا في النار قد ﴿زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾.
_________________
(١) الأمر وهو الذي بين المبتدأ والخبر وهو جملة فليذوقوه، والمبتدأ "هذا"، والخبر "حميم".
(٢) من قوله (وإنما) إلى هنا ليست في "ب".
[ ٤ / ١٤٩١ ]
﴿تَخَاصُمُ﴾ رفع بتقدير ضمير؛ أي هو تخاصم. عن معاذ بن جبل قال: احتبس عنا رسول الله (١) ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا فثوّب بالصلاة فصلّى رسول الله (١) وتجوّز في صلاته، فلما سلّم دعا بصوته فقال (٢) لنا: "على مصافكم كما أنتم" ثم اتصل إلينا فقال: "أما إني ساحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فتوضأت وصلّيت ما قدّر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي تبارك (٣) وتعالى في أحسن صورة فقال: يا محمَّد، قلت: لبيك يا رب، قال: فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلالًا، قال: فرأيته وضع كفه بين كتفَي حتى وجدت برد أنامله بين يدَي فتجلّى كل شيء وعرفت يده فقال (٤): يا محمَّد، قلت: لبيك يا رب، قال: فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات يا رب، قال: ما هو؟ قلت: مشي الأقدام إلى الجماعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء حيث الكريهات، قال: ثم فيمَ؟ قال: قلت: إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قومي فتوفّني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك" فقال رسول الله: "إنها حق فادرسوها (٥) ثم تعلموها" (٦).
قال تعالى الله عن التصور والتقدير والتحيُّز إلى الجهات والحلول في الصور، ولكنه -﷿- يحل روح خطابه محلًاّ محسوسًا كإحلاله القرآن في
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) (فقال) من "أ" "ي".
(٣) بدل (تبارك) في "ب": (سبحانه).
(٤) في الأصل: (قال).
(٥) في الأصل: (فادرهموها).
(٦) الترمذي (٣٢٣٥)، وأحمد (٥/ ٢٤٣)، والطبراني (٢٠/ ١٠٩/ ٢١٦)، والحديث بعضه صحيح ولكنه بهذا السياق ضعيف.
[ ٤ / ١٤٩٢ ]
المصاحف والتوراة في الألواح، ثم يظهر على المحسوس من آياته ما يفيد علمًا ضروريًا. ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ (١) لم يكن إبليس لعنه الله بعد إنكاره على الله ﷾ تفضيل آدم -﵇- عارفًا إياه على الحقيقة ولكنه كان يخاطب مخاطبًا له من العيب على سبيل الظن، ويحلف باسمه على سبيل العُرف والعادة من قبل إنكاره، كهؤلاء المشركين من أهل الكتاب في أدعيتهم بعد إنكارهم على الله إنزال القرآن على رسوله ونسخ الشرائع المتقدمة من المتكلفين المتولين للقرآن والمخترعين من ذات نفسه، ويحتمل أنه نفي التعرض لعلم الغيب بالكسب والحيلة على طريقة الكهنة والمنجمة.
_________________
(١) (أن تسجد) ليست في الأصل.
[ ٤ / ١٤٩٣ ]