مكية (١)، عن أبي هريرة عنه -﵇ - (٢): "إن الله ﵎ قرأ "طه" و"يس" قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت: طوبى لأمة ينزل هذا عليها، وطوبى لأجواف تحملُ هذا، وطوبى لألسنة تتكلم بهذا" (٣). وهي ماية وأربع وثلاثون آية في أهل الحجاز (٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿طه (١)﴾ قال مجاهد: كان النبي -﵇ - (٥) يربط نفسه ويضع إحدى رجليه على الأخرى فنزلت ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ (٦). وعن ابن عباس قال: هي كلمة بالسريانية يا رجل (٧)، قال: وكان النبي - ﵇ - (٥) إذا قام من الليل ربط صدره بحبل كيلا ينام فأنزل الله: ﴿مَا
_________________
(١) مكية بالاتفاق كما في "البيان في عَدّ آي القرآن" (١٨٣).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) رواه الدارمي (٣٤١٤)، وابن خزيمة في التوحيد (٢٣٦)، والطبراني في الأوسط (٤٨٧٦)، والبيهقي في الشعب (٢٤٥٠)، وابن عدي في الكامل (١/ ٢١٨)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٦٦). والحديث منكر غير ثابت، وانظر: السلسلة الضعيفة (١٢٤٨).
(٤) كما في "البيان في عَدّ آي القرآن" (١٨٣)، وفي البصري (١٣٢) آية، وفي الشامي (١٤٠) آية، وفي الكوفي (١٣٥).
(٥) (السلام) ليست في "ي"، وبدلها في "ب": (- ﷺ -).
(٦) عزاه في "الدر المنثور" (١٠/ ١٥٤) لعبد بن حميد.
(٧) ابن جرير (٦/ ١٦).
[ ٣ / ١١٩١ ]
﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ (١) وعن ابن عباس قال: لما نزل عليه الوحي بمكة اجتهد في العبادة فاشتدت فجعل يصلِّي الليل كله زمانًا حتى تبين ذلك عليه: نحل جسمه وتغير لونه وتورمت قدماه حتى نزل ﴿طه (١)﴾ يا رجل بلسان لعكّ (٢).
وقيل: إن الحرفين يشيران إلى الطهو الذي هو الإصلاح والإيضاح، والتقدير: أيها الطاهي، وقيل: يشيران إلى الطهارة والهداية، التقدير: أيها الطاهي والهادي، وقيل: يشيران إلى الوطء والتنبيه، التقدير: طأ فراشك أيها الرجل أو طأ الأرض بقدميك أيها الرجل، وقيل: يشيران إلى الطمأنينة والهدوء أي اطمئن واهدأ، وقيل: الطا تسعة والها خمسة من حساب الجمَّل، وهما أربعة عشر، والليلة الرابعة عشرة ليلة البدر فكأنه قيل: أيها البدر، وسئل الرجل البراء بن عازب: أكان وجه رسول الله مثل السيف؟ قال: لا مثل القمر، وقال جابر بن سمرة: رأيته في ليلة أضحيان وعليه حلة حمراء فجعلت انظر إليه وإلى القمر فهو أحسن عندي من القمر (٣)، وقد وصفه الله بأنه سراج منير فلا يبعد أن يصفه بأنه بدر.
﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ نصب بما أنزلنا، أي: ما أنزلنا إلا تذكرة فكأنه بدل من ﴿لِتَشْقَى﴾، وقيل: استثناء منقطع معناه: لكن أنزلناه تذكرة (٤).
_________________
(١) ابن عساكر (٤/ ١٤٣).
(٢) قريبًا منه عند البيهقي في الدلائل (١/ ١٥٨، ١٥٩). ملاحظة في المخطوطات (عكة) والتصريح من الدلائل.
(٣) النسائي في الكبرى (٩٦٤٠).
(٤) في نصب "إلا تذكرة" عدة أوجه: الوجه الأول: أن تكون مفعولًا من أجله والعامل فيه فعل الإنزال، وذكر الزمخشري أنه جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط. والوجه الثاني: أن تكون "تذكرة" بدلًا من محل "لتشقى" وهذا رأي الزجاج وتبعه ابن عطية، واستبعده أبو جعفر النحاس في إعرابه، ورده الفارسي بأن التذكرة ليست بشقاء. =
[ ٣ / ١١٩٢ ]
﴿الْعُلَى﴾ جمع كدنيا ودني.
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ أو لم تجهر ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ويعلم إخفاءه وهو ما يخطر ببال (١) الإنسان من السر غير أن يعتقده ضميرًا، وهذا من عطف الشيء على جنسه.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ارتفع ﴿اللَّهُ﴾ بضمير مبتدأ (٢) عن علي قال: قال رسول الله (٣) - ﵇ - (٤): "يقول الله: لا إله إلا الله حِصْنِي فمن دخله أمن عذابي" (٥).
﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ فائدة الاستفهام في مثل هذا استدراج المخاطب به إلى التفكير والتذكير ليغتنم المسموع فينجع في قلبه، وقيل: معناه ﴿بِقَبَسٍ﴾ بجذوة وهي النار التي تأخذها في طرف عود، قيل: كانت القصة في زمن كيقياد بن زاب بن توركان بن إيرج بن نمرود فانصرف موسى من عند شعيب، فلما كان ببعض الطريق جاءت عليه ليلة باردة ذات رذاذ وكانت امرأته حاملًا فأخذها الطلق، فاقتدح موسى فما أورى زنده، فأنس نارًا من بعيد فظن أنها قريبة منه فتوجه إليها ليقتبس منها، فلما أتاها أبصرها نارًا في شجرة خضراء كلما أراد أن يقتبس منها ارتفعت إلى أعاليها، ونودي: يا موسى، ففزع من ذلك فزعًا شديدًا وكان من أمره ما نطق به (٦) القرآن.
_________________
(١) = والوجه الثالث: أن يكون منصوبًا على الاستثناء المنقطع والتقدير: لكن أنزلناه تذكرةً. والوجه الرابع: أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر، التقدير: تذكر به أنت تذكرة. [الكشاف (٢/ ٥٢٩)، الإملاء (٢/ ١١٨)، إعراب القرآن للنحاس (٢/ ٣٣١)، الدر المصون (٨/ ٨)].
(٢) في الأصل و"أ": (بباله).
(٣) في "أ" بياض.
(٤) المثبت من الأصل فقط.
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) الحديث القدسي هذا ذكره في كنز العمال (١/ ٢٣٥)، والكناني في تنزيه الشريعة (١/ ١٤٧) ونسبه للديلمي من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، والحديث ضعيف. انظر: جامع الأحاديث القدسية لعصام الدين الصبابطي (١/ ٤٧)].
(٧) في "أ": (ناطق به).
[ ٣ / ١١٩٣ ]
وذكروا أن الله تعالى قال لموسى ليلته: يا موسى أنت جند من جنودي إلى ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد ربوبيتي وأنكر حقي وشتمني وعبد دوني، فإني أقسم بعزتي وجلالي لولا إلزام الحجة عليه والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار تغضب لغضبه السموات والأرضون والجبال والبحار، إن آذن للسماء اختطفته، وإن آذن للأرض ابتلعته، وإن آذن للبحار غرقته، ولكن هان عليَّ وسقط من عيني ووسعه حلمي فذكِّره إياي وخوِّفه عقابي، وأعلمه أنه لا تقول شيء لغضبي وقيل له بين ذلك: ﴿قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
ولا يهولنَّك ما عنده من رياش الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس يطرف ولا يتكلم إلا بإذني، وأعلمه أني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة، وقيل: أجب ربك فإنه واسع المغفرة وقد أمهلك منذ أربع مائة سنة أنت مبارز فيها بالعداوة وتصد عن عبادته وهو يمطر عليك السماء وينبت لك الأرض ولم تسقم قط ولم تهرم، ولو شاء لفعل بك ذلك ولكنه ذو أناة وحلم، وجاهده بنفسك وأخيك (١) محتسبين صابرين فإني لو شئت أن أؤيدكما بجنود لا قبل لهم بها وسلطان لا قوام لهم به لفعلت، ولكني أزوي ذلك عنهما وكذلك أفعل بأوليائي، وإني لأزوي عنهم نعم الدنيا وملكها ولذاتها كما يزوي الراعي المشفق إبله عن مراتع الهلكة، وأجنبهم نعيمها ورخاءها كما يجنب الراعي المشفق إبله عن مراتع الغرة، وما ذلك من هوانهم علي ولكن ليستوجبوا به نعيم الآخرة. واعلم يا موسى أنه لم يتزين المتزينون عندي بزينة أحب إلى من الزهد في الدنيا، ولم يتقرب المتقربون إلى بشيء أحب إلى من الورع عما حرمت عليهم، ولم يدرك العباد فضل الباكين من خشيتي.
أما الزاهدون في الدنيا فإني أمنحهم الجنة، وأما الورعون فإني أرفع
_________________
(١) في "ب": (بأخيك ونفسك).
[ ٣ / ١١٩٤ ]
الحساب عنهم، وأما الباكون من خشيتي (١) فهم في الرفيق الأعلى من الجنة لا يشاركون فيها ولا يلحقهم أحد (٢).
﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ والنعل ما يقي كف القدمين من الأذى وكانت نعلاه غير مدبوغتين من جلد حمار ميت (٣) ﴿طُوًى﴾ فعل وهو معدول من طاوى (٤) أو مطوي، طوى الله له الأرض بلطفه حتى قطع المسافة البعيدة مطوية أو قدَّره على سرعة السير فقطعها (٥) في لحظة كأنه طوى الأرض بقدميه طيًا.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ لوقتها الذي يذكرنا الله فيه من بعد نسياننا إياها، وقيل: أراد بالذكر التسبيح والتهليل في الصلاة.
﴿لِتُجْزَى﴾ متعلق بـ (آتية) (٦).
﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ أي عن الصلاة ﴿فَتَرْدَى﴾ فتهلك، وهو في النصب لأن جواب (٧) النهي بالفاء (٨).
_________________
(١) من قوله (أما الزاهدون) إلى هنا ليست في "ب".
(٢) قريبًا منه عن وهب بن منبه رواه ابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٤٣)، وأحمد في الزهد (٦١ - ٦٦).
(٣) هذا مروي عن علي عن عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٦)، وعن الحسن كما عند عبد بن حميد. انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (١٠/ ١٧١).
(٤) إذا كان معدولًا عن طاوي فهو ممنوع من الصرف للتأنيث باعتبار البقعة والعلمية والعدل. وجعله قوم ممنوعًا من الصرف للعلمية والعجمة ولذا هي بدون تنوين عند غير الكوفيين وابن عامر. وهي إما بدل من الوادي، أو عطف بيان له، أو مرفوع على إضمار مبتدأ، أو منصوب على إضمار أعني. [البحر (٦/ ٢٣١)، الدر المصون (٨/ ١٧)].
(٥) في الأصل و"ب": (قطعها).
(٦) جعلها بعضهم متعلقة بـ "أخفيها"، ويتنزل قول المؤلف فيمن جعلها متعلقة بـ "آتية" وهذا لا يتم إلا إذا قدرت أن "أكاد أخفيها" معترضة بين المتعلق والمتعلق به، أما إذا جعلتها صفة لآتية فلا يتجه على مذهب البصريين؛ لأن اسم الفاعل متى وصف لم يعمل فإن عمل ثم وصف جاز كما قاله أبو البقاء. [الإملاء (٢/ ١٢٠)، الدر المصون (٨/ ٢٢)].
(٧) في "ب": (جوابها).
(٨) أي أنه منصوب بـ "أن" مضمرة لأنه واقع في جواب النهي، وجوز بعضهم أن يرتفع على =
[ ٣ / ١١٩٥ ]
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ فائدة تقرير الحالة لتفخيم الإحالة.
﴿أَتَوَكَّأُ﴾ أتكي ﴿وَأَهُشُّ بِهَا﴾ أخبط الشجر ليتناثر ورقها ﴿مَآرِبُ﴾ حوائج، وإنما ذكر منافع العصا ليكون به مؤتمرًا غاية الائتمار أو شاكرًا.
﴿سَنُعِيدُهَا﴾ نقلبها في هذه الساعة عصًا كما كانت، وقيل: نقلبها حية عند فرعون كما كانت في هذه الليلة.
﴿وَاضْمُمْ﴾ واجمع ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ برص وبهق.
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ إنما ابتدأ موسى بهذا السؤال لما كان يعرف من حدته ويعلم أنه لا يتم أمرًا إلا بالحلم والصبر.
﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ لعلمه أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله. وقد مضى سبب العقدة، وقد استجاب الله دعوته وحل من عقدته مقدار ما نفعه قوله من غير كلف وأبقى شيئًا للالتباس على الناس، فلذلك قال فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقيل: بل حل الله تلك العقدة ولم يبق منها أثر وكان فرعون كاذبًا بقوله (١) ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾.
﴿وَزِيرًا﴾ ظهيرًا، والتقدير في الآيتين: واجعل لي بعضًا من أهلي هارون أخي وزيرًا.
﴿أَزْرِي﴾ ظهري (٢).
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ تعليل لتيسير الأمر ووزارة هارُون جميعًا.
﴿سُؤْلَكَ﴾ مسألتك وحاجتك.
_________________
(١) = خبر ابتداء مضمر تقديره: فأنت تردى. والرَّدَى بمعنى الهلاك كما قال المؤلف، ومنه قول دريد بن الصَّمَّة: تنادَوْا فقالوا أَرْدَتِ الخيلُ فارسًا فقلت أَعَبْدُ اللهِ ذلكُمُ الرَّدِي [البحر (٦/ ٢٣٣)، الدر المصون (٨/ ٢٣)، الحماسة (١/ ٣٩٧)].
(٢) في "أ" "ي": (لقوله).
(٣) في "أ": (ظهيرًا).
[ ٣ / ١١٩٦ ]
﴿إِذْ أَوْحَيْنَا﴾ ألهمنا ﴿إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ كلامًا حقًا صدقًا عدلًا.
﴿اقْذِفِيهِ﴾ ارميه ﴿الْيَمِّ﴾ البحر الذي يقال له أساف (١) وفيه غرق فرعون ﴿عَدُوٌّ لِي﴾ يعني فرعون لعنه الله ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ صنعة الإنسان تربيته، تقول لمن رباك وأحسن إليك: أنا صنيعك وصنيعتك ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ بمرأى وحسن نظر مني.
﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ وكانت أخت موسى تدخل دار فرعون لخدمة نسائه، فلما ألقاه في اليم بالساحل من دار فرعون بعثتها أمها لتأتيها بالخبر فوجدته في حجر امرأة يطلبون له ظئرًا فقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ وذلك بعد أن أسلموه إلى المرضعات فما ارتضع، يقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢]، ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾ أي ابتليناك ابتلاء، وذلك حين ورد ماء مدين جائعًا تابعًا وجاءته إحدى ابنتي شعيب واستأجره شعيب (٢) على الشرائط المذكورة ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾ مقدار مقدّر عندنا ووقت موقت لم تخالفه ولم يخالفك.
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ﴾ اختصصتك ﴿لِنَفْسِي﴾ أي لمعرفتي (٣) وروح مناجاتي وخواص أمري.
﴿وَلَا تَنِيَا﴾ ولا تضعفا ولا تفترا.
وفائدة الأمر بالقول اللين يعدهما بتوخى رشد فرعون واستمالته، والثاني قطع أعذار فرعون من كل وجه.
﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ (٤) أي يجهل علينا بالبغي والبدار إلى العقوبة.
_________________
(١) ذكر الطبري في تفسيره أن "اليم" هو نهر النيل (١٦/ ٥٧)، وكذا قال القرطبي (١١/ ١٩٤)، وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ١٥٨).
(٢) (واستأجره شعيب) ليست في الأصل و"أ".
(٣) في الأصل: (واصطنعتك لنفسي أي لمعرفتي)، وفي "ب" "ي": (واصطنعتك أي اختصصتك لمعرفتي).
(٤) (علينا) من "ي".
[ ٣ / ١١٩٧ ]
﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١)﴾ هذا فرار من فرعون إلى ما يتشاغل به عن التوحيد، وهذه سنة المعرضين عن التوحيد إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم، فلما علم موسى أن الخبيث متشاغل عن التوحيد أجمل جوابه وردَّه إلى التوحيد الذي فرّ منه ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾.
﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ أجناسًا من ضروب مختلفة، فكل ضرب متجانس في نفسه مضاد (١) لغيره.
وقيل: أراد المتشابهات في الطعم المختلفات في الصورة ﴿شَتَّى﴾ فَعْلى (٢) من شت، وهذا الإشتات، وتشتت الأمر: تفرقه وانفساخ تأليفه.
﴿النُّهَى﴾ جمع نهية وهو العقل ينهى النفس عما لا يليق بها.
﴿تَارَةً﴾ مرة ﴿كُلَّهَا﴾ أي كل ما كان مع موسى ﴿سُوًى﴾ صفة المكان ومعناه التساوي والتعادل.
﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يوم عيد كانوا يتخذونه ويتحلون فيه بزينتهم (٣) ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ في محل الخفض عطفًا على الزينة.
﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ أعرض عن موسى -﵇- (٤) ﴿ثُمَّ أَتَى﴾ بعد ذلك وهو بروزه للعامة يوم الزينة.
﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ يهلككم، ونظم الآي على طريقة مستحسنة غاية للبلاغة وآية للفصاحة، وهي رد آخر الكلام على أوله، وإنما قال لتقديم الدعوة والإنذار مرة بعد أخرى.
﴿فَتَنَازَعُوا﴾ قال الضحاك: تنازعوا في سحرهم كيف ينبذونه وكيف
_________________
(١) في الأصل: (مضاف).
(٢) في الأصل: (فعيل).
(٣) في الأصل: (زينتهم).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١١٩٨ ]
يظهرونه وتناجوا في ذلك، ﴿الْمُثْلَى﴾ ما بين الأمثل وهو الأحسن ﴿صَفًّا﴾ نصب على الحال أي (١) مصطفين (٢) ﴿مَنِ اسْتَعْلَى﴾ استولى.
﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ بظهر الخيال، والخيال: كيفية باطلة تتولد من الرائي والمرئي بعلل مختلفة، والأخيل: طائر يتلون بألوان مختلفة يتشاءم به العرب.
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ لأن طبيعة الإنسان مجبولة على قلة احتمال مشاهدة الأشياء الهائلة وإن كان موقنًا ببطلانها، والدليل على ذلك أن الإنسان يستأنس بالصورة المنقوشة في الجدار إن كانت صورة المتصدرين في الغياض والمتماشين (٣) في الرياض، ويستوحش إن كانت صور القتلى (٤) والغرقى والحيّات والعقارب.
﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ (٥) [إنما اتهمه فرعون نفسه وحقًا على أهل مصر، وإنما اجترأ بالتهديد على السحرة دون موسى لأنه أيقن بتمويهات السحرة أمرهم وتأثيرهم فلم يخف من جانبهم، وأما موسى -﵇- (٦) فكان لا يدرك مدى أمره فلذلك كان يحذره، ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي عليها.
﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ قسم، ويجوز أن يكون معطوفًا على المجرور من غير تكرار (٧) والجار ﴿مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ في محل نصب، أي قاضٍ قضاك.
_________________
(١) (أي) من "أ" "ي".
(٢) أي أنه حال من فاعل "ائتوا"، وجَوَّزَ السمين الحلبي أن يكون مفعولًا به والتقدير: انتوا قومًا صفًا. [الدر المصون (٨/ ٦٩)].
(٣) في الأصل: (في انقباض والمماشين)، وفي "أ" "ب": (في انقباض والمتماشين).
(٤) في الأصل: (القبطي).
(٥) من هنا يبدأ خط رديء في الأصل لم أستطع قراءته.
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) أي أن الواو في قوله ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ يجوز أن تكون عاطفة عُطِفَ فيه الموصول على =
[ ٣ / ١١٩٩ ]
﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ﴾ إنما وصفوا فرعون بالإكراه لأنهم كانوا مستيقنين بأن فرعون لا يخلي من لم يتسارع إلى هواه سالمًا، وقيل: كان يكلف الغلمان أن يتعلموا السحر ويسلط عليهم المعلمين، فكان ابتداء أمرهم على الإكراه، ويحتمل أنهم نفوا عنه الإكراه، وأن تقدير الآية: (إن تغفر لنا خطايانا من السحر ولم تكرهنا عليه) فإن كان كذلك فلم يريدوا بذلك تزكية ولكنهم أرادوا تحقيق الاعتراف بما أوحيت من الاستغفار، وكيف ما كان تقدير الآية وتفسيرها ففيها دلالة على انتهاء أعمالهم لم يكن على سبيل الإكراه.
﴿مُجْرِمًا﴾ بالكفر بدليل الآية التي تليها على سبيل الإطباق، وإنما علموا هذا العلم لما كانوا سمعوه من موسى وهارون ﵈، أو لما كان بقي منهم من يعقوب ويوسف والأسباط ﵈.
قوله: ﴿مُؤْمِنًا﴾ مطابق لقوله ﴿مُجْرِمًا﴾، وفي قوله ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ فائدتان: التمييز بين العمل والإيمان؛ لأنه لو كان العمل إيمانًا لكان تقديره: ومن يأته مؤمنًا قد آمن، والثانية: تنبيه عن المصلحين وعن المؤمنين بالسكوت عنهم، وذلك إشارة إلى خلود أو إلى جزاء مضمر أي ذلك الجزاء من تزكى] (١).
عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - مر وأبو بكر بن أبي قحافة والدليل الذي معهما حتى هجموا على رجل من العرب وامرأة لهما عنز ليس لهما غيرها، قال الرجل لامرأته: ألا نذبح هذه العنز لهؤلاء النفر وإني أرى قومًا لهم حق فقام فذبحها، فلما قاموا من قومهم أطعمهم
_________________
(١) = ﴿مَا جَاءَنَا﴾، والتقدير: لن نؤثرك على الذي جاءنا ولا على الذي فطرنا. ويجوز أن تكون الواو للقسم والموصول مقسم به وجواب القسم محذوف، والتقدير: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على الحق. [الدر المصون (٨/ ٧٧)].
(٢) هنا ينتهي الخط الرديء في الأصل.
[ ٣ / ١٢٠٠ ]
فقال رسول الله (١): "إذا سمعت برجل قد ظهر بيثرب فأته لعل الله يرزقك منه خيرًا" فلما سمع الرجل خروجه بيثرب قال: والله لأراه صاحبنا، فاحتمل امرأته فأتاه، فلما صلَّى رسول الله (١) العصر نظر في وجوه الغرباء فمن كان له حاجة قضاها له، فقام إليه الرجل فقال: أتعرفني يا محمَّد؟ قال: "نعم" قال: عدتك، قال: "أحتكم ثمانين ضائبة" فأعطاهن إياه ثم قال: "أما إن عجوز بني إسرائيل كانت أحكم منك (٢) عتيدة".
قال الكلبي: قصة هذه العجوز وهي سارح بنت أشترقفا بنيعقوب إنما كانت راب بن دفن (٣) عمها يوسف -﵇- (٤).
فلما أراد موسى -﵇- (٤) الخروج من مصر توقف بنو إسرائيل وتحيروا في أمرهم وتذكروا وصية يوسف أن يخرجوا بعظامه متى خرجوا فضمن موسى -﵇- لمن يدله على قبره حكمه، فدلته هذه العجوز واحتكمت على موسى -﵇- مرافقته في الجنة، فضمن لها موسى بإذن الله تعالى (٥).
﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾ بيّن لهم بضرب العصا ﴿يَبَسًا﴾ يابسًا.
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ الآية إن كانت ترتب قصص
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) (منك) من الأصل فقط.
(٣) في "ي": (دخر).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) الحديث رواه أبو يعلى (٧٢٥٤)، والحاكم (٣٥٢٣، ٤٠٨٨)، وابن حبان (٧٢٣)، والخطيب في تاريخه (٩/ ٣٦٢) عن أبي موسى الأشعري، وقد أورده ابن كثير من طريق ابن أبي حاتم وقال: غريب جدًا والأقرب أنه موقوف. بينما صححه الشيخ ناصر في الصحيحة (٣١٣). وفي الحديث إشكال وهو إخراج عظام يوسف، والأنبياء تأبى الأرض أن تأكل أجسادهم كما ثبت. وقد أجاب الشيخ ناصر عن الإشكال أن المقصود بالعظام الجسد. والحديث ورد من قول كعب عند أبي نعيم في الحلية (٦/ ٢٧). وعن علي بسند ضعيف عند الطبراني في الأوسط (٧٧٦٧).
[ ٣ / ١٢٠١ ]
موسى -﵇- (١) على ما قدمناه في سورة "البقرة" عند قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] فالخطاب هنا متوجه إلى اليهود في عصر نبينا -﵇- أو أراد بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ قضينا وقدرنا تنزيلهما عليكم أو سننزلها عليكم فيما بعد.
﴿فَقَدْ هَوَى﴾ هلك وانحط عن درجة السعادة.
﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ رسخ في العلم، قال الضحاك ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾: استقام (٢)، وعن سعيد بن جبير أنه السنة والجماعة (٣).
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ إن كان الخطاب متوجهًا إلى قوم موسى -﵇- (٤) في عصره فوجه العطف والوصل ظاهر، وإن كان متوجهًا إلى اليهود في عصر نبينا - ﵇ - (١) فالتقدير: وقلنا يوم الميعاد ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ وفائدة الاشتباه في مثل هذا الابتلاء.
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ﴾ أي إلى ميعادك.
﴿قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ يعني الفتنة التي أثنى بها موسى على الله حيث قال: إن هي فتنتك ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ دعاؤه إلى الصلاة بخذلان الله تعالى، والسامري لقب واسمه موسى بن ظفر (٥) وأنه لم يكن من بني إسرائيل ولكنه كان جارًا لهم، وأصله من باجرما وهي قرية بالعراق. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٦) أن السامري كان من جملة صبيان غيبهم الآباء والأمهات مخافة أن يذبحهم فرعون فربتهم الملائكة وكان جبريل هو
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ٣١٢).
(٣) عزاه صاحب "الدر المنثور" (١٠/ ٢٢٥) لابن أبي حاتم.
(٤) (-﵇-) ليست في "ي" "أ".
(٥) ذكره أكثر أهل التفسير بهذا الاسم.
(٦) الذي ورد عن ابن عباس - ﵄ -: أن السامري كان من قوم يعبدون البقر فوقع بأرض مصر فدخل في دين بني إسرائيل بظاهره وفي قلبه ما فيه من عبادة البقر. ذكره القرطبي في تفسيره (١١/ ٢٣٣).
[ ٣ / ١٢٠٢ ]
الذي تولى تربية السامري فكان يمصُّ إبهام يمينه سمنًا والأخرى عسلًا ولبنًا فمن ثم عرفه حين رآه فقص قصة من أثره.
﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ يجوز أن يكون قول عبدة العجل ويجوز أن يكون كلامًا تعقب كلامهم من جهة الله تعالى، أي فكما نخبرك ألقى السامري قبضته ﴿فَنَسِيَ﴾ عن ابن عباس: نسي السامري، والمراد به كفر (١). وقال الكلبي: نسي موسى -﵇- (٢) على زعمهم زعموا أنه ضل طريق الميقات وأخذ طريقًا آخر نجاهم إلهه من غير طريقة (٣).
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ كلام مبتدأ من جهة الله تعالى، وفي فحواه دلالة أن داعي الله يجاب لا محالة، إما بقضاء الحاجة أو ما هو خير منه.
﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ وفاندة الفتنة العظيمة تفرد هارون -﵇- بالدعوة وبكونه حجة علي بني إسرائيل وكونهم محجوجين في مقابلته وجره على سبيل إطلاقه ولا يبالي الله تعالى أن يهلك نحلة لتتشبع قملة أو نملة فكيف يفتنه قوم من الأشقياء إلا كرام بني الأنبياء (٤).
قوله ﴿لَا مِسَاسَ﴾ عقوبته الدنياوية (٥) يحتمل أنها كانت على سبيل الإلجاء، على سبيل الهذيان، ويحتمل أنها كانت على سبيل التكليف والتعبد وقيل: إن ولد السامري بالشام لا يخالطون أحدًا ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ (٦)﴾ يعني الموت أو القيامة وهو الوعيد العقباوي فيه نوع من الإرجاء لكونه مبهمًا ﴿ظَلْتَ﴾ أي ظللت وهو تخفيف غير قياسي مثاله:
_________________
(١) ذكره دون نسبة لأحد القرطبي (١١/ ٢١١) وعزاه في زاد المسير (٥/ ٣١٥) لابن عباس.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) ذكره صاحب "الدر المنثور" (١٠/ ٢٣٤) وعزاه لابن عباس.
(٤) في الأصل: (بني إسرائيل).
(٥) في الأصل: (ربه) وهو خطأ.
(٦) (لن تخلفه) ليست في "أ" "ب".
[ ٣ / ١٢٠٣ ]
حللت في بني فلان وحلت، وهممت بفلان وهمت (١)، وأحسنت فلانًا وحسنت ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بالنار، والنار تحرق الشيء المنطبع بتكرار اتقادها عليه ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ لنُذَرَّيَنَّهُ.
﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي في العذاب أو في وبال وزنهم ﴿حِمْلًا﴾ اسم لما يحمل.
﴿زُرْقًا﴾ اسم أزرق، والأزرق الذي في عينيه خضرة كهيئته قيل: أراد به قبح المنظر، وقيل: حدة النظر، وقيل: العمى، وقيل: شدة العطش، فإن العطشان تزرقّ عيناه من شدة العطش وحرارة الصدر.
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ بالبرزخ ﴿إِلَّا عَشْرًا﴾ يعني عشر دقائق من ساعة (٢) يذكرونها كدقيقة معاينة الباس ودقيقة قول أحدهم ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] ودقيقة نزع الروح، وثلاث دقائق لسؤالات منكر ونكير عن الربوبية وعن النبوة وعن الدين، ودقيقة تقريع منكر ونكير، وثلاث دقائق لنفخات الصور فهذه عشر دقائق يذكرونها فيظنون أنها من ساعة واحدة، ويحتمل أنهم يذكرون دقائق أخرى سوى هذه العشر شاءها الله وقضاها، ثم يشكون في قولهم لمكان الهمدة فيقسمون على ساعة كاملة أنهم ما لبثوا غيرها، وقيل: المراد بالعشر عشر ساعات، وقيل: عشر ليال، وقيل: عشر سنين، والعشر بين هذه الأقاويل وبين قوله: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] من حيث إنهم متحيرون مترددون يومئذ لا ثبات على قول، كما أنهم يجحدون مرة ويعترفون أخرى وينطقون مرة ويخرسون أخرى.
﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أحسنهم مذهبًا عندهم فيما يظنون، وقيل: إن كان المراد بالعشر ما فوق اليوم فمعناه أقربهم مذهبًا عندهم إلى قوله ﴿الَّذِينَ
_________________
(١) (وهمت) من "أ" "ي".
(٢) قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] ذكر ابن الجوزي أنها عشر ليال وهذا على طريق التقليل لا على وجه التحديد. [زاد المسير (٣/ ١٧٥)].
[ ٣ / ١٢٠٤ ]
أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [النحل: ٢٧]، وإن كان المراد ما دون اليوم فمعناه أبلغهم مذهبًا في وصف سرعة الانقلاب.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ ابن عباس: رجال من ثقيف (١).
﴿فَيَذَرُهَا﴾ يعني الأرض ﴿قَاعًا﴾ ذكر أبو عبيد الهروي أن القاع المكان المستوي في وطأة من الأرض يعلوه ماء السماء فيمسكه ويستوي نباته (٢)، وجمعه قيعان وقيعة كجيران وجيرة، ومنه قوله: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] ﴿صَفْصَفًا﴾ قريب من القرقر (٣) والسبب.
﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ أراد بنفي العوج: إثبات مساحة الأقطار (٤) وبنفي الأمت (٥): إثبات التمدد والانتشار، و(الأمت) في اللغة: التثني فلا مزاد به حتى لا أمت فيها، وقد يكون حزرًا وتقديرًا يقال: بيننا وبين الماء ثلاثة أميال على الأمت لأن التقدير يتعلق باعتبار الآثار من الارتفاع والانحدار.
﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أي الله داعي اتباعهم ﴿هَمْسًا﴾ أنفاسًا وصوت وطء
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في تفسيره (٣/ ١٧٦) عن ابن عباس أن رجالًا من ثقيف أتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا محمَّد كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فنزلت هذه الآية.
(٢) وهو قول ابن قتيبة أيضًا نقله عن ابن الجوزي ومنه قول ضرار بن الخطاب: لتكونَنَّ بالبطاح قُرَيْشٌ فَقْعَةَ القاعِ في أكُفِّ الإِمَاءِ [البحر (٦/ ٢٧٠)، زاد المسير (٣/ ١٧٦)].
(٣) قال الفراء: الصفصف الأملس الذي لا نبات فيه. وكذا قال الكلبي والقرطبي وغيرهم، وأنشد سيبويه قول الأعشى: وكَمْ دون بيتكَ من صَفْصَفٍ وَدَكْدَاكِ رَمْلٍ وأَعْقَادِهَا [معاني القرآن للفراء (٢/ ١٩١)، تفسير القرطبي (١١/ ٢٤٦)].
(٤) قال الطبري: المراد بالعوج الميل وذلك هو المعروف في كلام العرب، والمعنى: ليس فيها أودية وموانع تمنع الناظر أو السائر فيها عن الأخذ على استقامة، وأما الأمت: فإنه عند العرب الانثناء والضعف ومنه قول الراجز العجاج: ما في انجذابِ سَيْرِهِ مِن أَمْتِ [الطبري (١٦/ ١٦٦)].
(٥) في "أ": (الأست).
[ ٣ / ١٢٠٥ ]
الأقدام (١). قال أبو الهيثم: يعني ما أسررته وأخفيته (٢) ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ١٠٣].
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ خضعت وذلت، ومنه الحديث: "استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عندكم عوان" (٣) ﴿وَقَدْ خَابَ﴾ أيس.
﴿هَضْمًا﴾ كسرًا وقسرًا، واتصال قوله ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾ بما قبلها من حيث الوعد والوعيد لهم ﴿ذِكْرًا﴾ وعظًا وتذكيرًا.
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ تبرأ عن الظلم والهضم ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ تفسيره قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦] كان رسول الله - ﵇ - (٤) إذا تلقف من جبريل تلفظ ولم ينتظر فراغه ولم ينصت فنهي عن ذلك وذلك لتوفر حرصه وخوف زيادته ونقصانه (٥) ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أمر به ليعترف بنقص العبودية ويتعرض لنفحات الربوبية.
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ يعني قوله ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿فَنَسِيَ﴾ قال ابن عباس: ترك (٦) ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ قال قتادة (٧): صبرًا، وعن عطية العوفي: حفظًا (٨)، وقيل: جدًا. واختلف في آدم -﵇- (٩) هل
_________________
(١) قاله ابن عباس - ﵄ - وعكرمة والحسن وقتادة، رواه الطبري عنهم في تفسيره (١٦/ ١٦٨).
(٢) القرطبي (١٢/ ١٣٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] (٤/ ١٦١). ومسلم في صحيحه، باب الوصية بالنساء من كتاب الرضاع (٢/ ١٠٩٠).
(٤) في "ي": (السلام) غير موجودة، وفي "ب": (- ﷺ -).
(٥) عزاه صاحب الدر (١٠/ ٢٤٥) لابن أبي حاتم عن السدي.
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ١٨٢)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٩/ ٣٠٩) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٧) أخرجه الطبري عنه في تفسيره (١٦/ ١٨٢)، والبغوي في الجعديات (١٠٠٦).
(٨) أخرجه الطبري عنه في تفسيره (١٦/ ١٨٤).
(٩) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٢٠٦ ]
هو من أولي العزم، فمن قال: هو منهم فعلى تأويلين؛ إما أن عزمه المنفي عنه على المعصية أي ألمّ بها غير مستحل ولا مصرّ، وإما أنه إن لم يكن ذا عزم في عهده الأول كان ذا عزم في عهده الثاني وهو قوله ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨]، ﴿فَتَشْقَى﴾ وُحِّد لنظم رؤوس الآي، ولأن الرجل هو المختص بشقوة الرعاية والكسب.
وأراد بقوله: ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا﴾ نفي اعوزاز الشراب ﴿وَلَا تَضْحَى﴾ نفي زوال الظل.
﴿لَا يَبْلَى﴾ لايفنى.
﴿فَغَوَى﴾ فجهل (١).
وعن عطاء بن السائب (٢) قال: من قرأ القرآن فاتبع فيه هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء الحساب يوم القيامة، وذلك بأن الله يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.
﴿ضَنْكًا﴾ (٣) ضيقًا وشدة، والمراد به عذاب القبر ﴿وَنَحْشُرُهُ﴾ قيل: نبعثه، وقيل: نسوقه إلى النار.
﴿وَقَدْ كُنْتُ﴾ أي في الدنيا، وقيل: في الموقف.
﴿فَنَسِيتَهَا﴾ أعرضت وأهنتها.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ ويحتمل أن الآية الأولى في المرتدين وهذه
_________________
(١) حكاه القرطبي في تفسيره (١١/ ٢٥٧) وقال: معناه جهل موضع رشده أي جهل أن تلك الشجرة هي التي نهي عنها.
(٢) لم نجده عن عطاء بن السائب بهذا اللفظ ولكن الذي نقله ابن الجوزي عنه في تفسيره (٣/ ١٨٠) بلفظ أعرض عن موعظتي عن القرآن ولم يؤمن به ولم يتبعه. لكن ما روي عن ابن عباس - ﵄ - قريبًا منه ولفظه: تضمن الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ ﴾ [طه: ١٢٣] الآية. أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ١٩١).
(٣) قاله مجاهد وقتادة، أخرجه الطبري عنهما في تفسيره (٢٦/ ١٩٣).
[ ٣ / ١٢٠٧ ]
في أهل الحرب، أو الأولى في المشركين وهذه في أهل الكتاب، ويحتمل أنهما جميعًا في قوم واحد وإنما زيد في الوصف للتقريع ودفع التفضيل في ضنك المعيشة.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ في محل الرفع بإسناد الهداية إليه.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ معطوف على ﴿كَلِمَةٌ﴾ (١) ﴿لَكَانَ﴾ الهلاك أو العذاب ﴿لِزَامًا﴾ غير متأخر.
﴿وَسَبِّحْ﴾ أي صلِّ، وقال مجاهد: المراد به التطوع (٢).
و﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ﴾ بهجتها وزينتها نصب على أنها مفعول لها (٣) وهي في التقدير نكرة أي زهرة في الحياة أي الحياة الدنيا ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ إن وقع التفضيل على المتاع والزهرة فالمراد (٤) بالرزق المنفعة التي لا تكون تعرض الزوال على سبيل العارية، وإن وقع على الرزق فالمراد قوله ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ أي لا نطلب منك نصيبًا مما ذرأنا من الحرث والأنعام. في الآية ردّ على المشركين في البحيرة والسائبة وغيرهما، والفرق بينهما وبين العشر والزكاة والخمس والأضاحي أن منفعة هذه الأشياء راجعة إلينا لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] من خير ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ
_________________
(١) وفيه وجه آخر جَوَّزَهُ الزمخشري وهو أن يكون مرفوعًا عطفًا على الضمير المستتر، والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود. [الكشاف (٢/ ٥٥٨)].
(٢) الذي روي عن مجاهد أن المراد بهذه الصلاة هي صلاة العشاء نقله ابن الجوزي عنه في تفسيره (٣/ ١٨٢).
(٣) أي أنه مفعول ثانٍ لأنه ضُمِّنَ متعنا معنى أعطينا و"أزواجًا" مفعول أول. ويجوز أن يكون "زهرة" بدلًا من "أزواجًا"، وَجَوَّزَ بعضهم أن ينتصب على الحال كما جَوَّزَ الزمخشري نصبه على الذم وهو النصب على الاختصاص. وذهب الفراء إلى جواز النصب على التمييز. [الكشاف (٢/ ٥٥٩)، الإملاء (٢/ ١٢٩)، معانى القرآن للفراء (٢/ ١٩٦)].
(٤) في "ب": (والمراد).
[ ٣ / ١٢٠٨ ]
لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧] وكان اعتقاد المشركين يجعلونه نصيب الله ونصيب شركائهم خلاف هذا بآية ملجئة التي لا ليس فيها من ربه.
﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ﴾ بيان يوجب العلم الضروري بأدنى اجتهاد وهو تفسير الكتب المتقدمة وتصديقها وموافقتها في أصول الدين وقصص الماضين وكثير من الفروع ﴿مَا فِي الصُّحُفِ﴾ جمع صحيفة وهي كل رقعة عريضة مكتوبة أو مهيأة للكتابة.
﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا﴾ فهذه حجة باطلة رفعها لهم بإرسال الرسل لتأكيد الإلزام.
وقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ جواب كلام سابق منهم كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢].
***
[ ٣ / ١٢٠٩ ]