سورة المؤمن:
مكية (١)، وعن ابن عباس: إلا آيتين، قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ [غافر: ٥٦] نزلتا بالمدينة (٢)، وهي أربع وثمانون آية (٣) حجازي (٤).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
﴿حم (١)﴾ عن ابن عباس فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه اسم الله الأعظم لما روي عن النبي -﵇- (٥) قال: "إذا بيتم فقولوا: ﴿حم (١)﴾ لا ينصرون" (٦). قال أبو عبيد: معناه: اللهم لا ينصرون.
والثاني: أنه قسم قياسًا على سائر الحروف.
والثالث: أنه من جملة الحروف (٧) المقطعة التي يتركب فيها أسماء (٨) الله -﷿- كالألف واللام والراء والحاء والجيم والميم والنون.
_________________
(١) ورد ذلك عن ابن عباس عند ابن الضُّريس (١٧، ١٨)، والنحاس (٦٤٩)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٤٢ - ١٤٤)، وفي "البيان" لأبي عمرو الداني (٢١٨).
(٢) القرطبي (١٥/ ٢٥٣).
(٣) (آية) ليست في "أ".
(٤) انظر "البيان" (٢١٨).
(٥) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي - ﷺ -).
(٦) الترمذي (١٦٨٢)، وأبو داود (٢٥٩٧)، وغريب الحديث لابن سلام (٤/ ٩٥)، والحاكم (٢/ ١١٧)، والبيهقي في السنن (٦/ ٣٦١)، والحديث صحيح.
(٧) من قوله (والثالث) إلى هنا ليست في "أ".
(٨) في الأصل و"ب": (اسم).
[ ٤ / ١٥٠١ ]
وعن مجاهد عن ابن مسعود قال: حم ديباج القرآن (١).
وعن زر بن حبيش قال: قرأت على علي بن أبي طالب القرآن في المسجد الجامع بالكوفة فلما بلغت الحواميم قال: يا زر بن حبيش قد بلغت عرائس القرآن (٢).
وسأل عمر بن الخطاب رجالًا من إخوانه كانوا بالشام فسأل عن رجل قالوا ذاك أخو الشيطان أتى الشام فخالط أهل هذه الأشربة وجفا فكتب إليه: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ فلما جاءه الكتاب رجع عن فعله وتاب ثم قال: صدق الله ونصح إليّ عمر، ثم أقبل على طريقة حسنة (٣).
﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ وغيره يجوز أن يكون بدلًا ويجوز أن يكون صفة لأن التكبُّر عن متمحض فيه لكونه مضافًا إلى معرفة فكأنه قيل: الغافر للذنب القابل للتوب الشديد عقابه.
وعن الأخفش أن التوب جمع التوبة (٤)، وهذا محمول على أن التوب فعل عام وهو المصدر، والتوبة فعل مرة.
﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ اتصالها من حيث قوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ تسمية آيات القرآن شعرًا وسحرًا (٥) وسجعًا وأساطير الأولين إنها مخالفة [للحقيقة] (٦).
_________________
(١) أبو عبيد في فضائل القرآن (١٣٧)، والحاكم (٢/ ٤٣٧)، والبيهقي في الشعب (٢٤٧١)، وصحح إسناده الألباني.
(٢) قريبًا منه عن علي عند ابن النجار في تاريخه (يقصد الذيل لتاريخ بغداد).
(٣) قريبًا منه عند عبد بن حميد عن قتادة كما في "الدر المنثور" (١٣/ ١٢).
(٤) وهو أيضًا مذهب المبرد كلوزة ولوز، وأما مذهب الأخفش الذي ذكره المؤلف فقد ذكره الأخفش في معاني القرآن (٢٧٦).
(٥) في "ب": (سحرًا وشهرًا).
(٦) ما بين المعكوفتين تصرف منا ليستقيم المعنى.
[ ٤ / ١٥٠٢ ]
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ اتصالها من حيث ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾.
وذكر الكلبي أن ابتداء استغفار الملائكة للمؤمنين إنما كان من لدن أمر هاروت وماروت.
﴿يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يوم القيامة إذا رأوا العذاب ولاموا أنفسهم ومقتوها.
﴿اثْنَتَيْنِ﴾ أي مرتين على ما سبق.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى النداء.
﴿رَفِيعُ﴾ رفع كقوله ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ [الرعد: ١٢].
﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ تلاقي الخصوم يوم الجمع أو تلاقي المحسوس والمعقول ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، والقول مضمر عند قوله ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾ وكذلك عند قوله ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
وعن الحسن عنه -﵇- (١): "مَن قال الحمد لله الذي تعزّز (٢) بالقدرة وقهر العباد بالموت نظر الله إليه، ومَن نظر إليه لم يعذبه واستغفر له كل ملك في السماء وكل ملك في الأرض" (٣).
﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ وأزف يأزف أزوفًا إذا دنا جانبه مصدر كالعافية (٤) هو يوم الصيحة الآزفة (٥) أو الرجفة الآزفة أو البعثرة الآزفة أو الزلزلة الآزفة، وأزف يأزف أزفًا إذا دنا.
﴿خَائِنَةَ﴾ مصدر كالعافية وراعته الإبل وتاعته الشاء.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾ فيها دلالة على أن قارون لم يزل
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في الأصل: (يعزو).
(٣) في معناه ورد هاتفًا عند قبر دانيال في "الهواتف" للخرائطي (٢٠).
(٤) من قوله (وأزف) إلى هنا من الأصل.
(٥) من قوله (وأزف) إلى هنا ليس في "ب".
[ ٤ / ١٥٠٣ ]
عدوًا لموسى -﵇- (١) باغيًا على قومه متعصبًا لفرعون إلى أن أهلكه الله، وفيها دلالة على أن فرعون ما كان يكفّ عن موسى -﵇- (٢) لحلمه وكرمه ولكنه يخاف اختلاف قومه في أمره إن قتله.
وقوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ على سبيل الاستهزاء وقلة المبالاة، أي ما يمنعني عن قتله إلا مكانكم، فإن اجتمعتم على قتله وأشرتم علي بذلك فليدعُ ربه حينئذ هل يمنعني عن قتله ﴿فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ أي فساد مملكته الفاسدة.
﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ هو حبيب النجار ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ إنما يكتم قطعه الحكم بصدق موسى -﵇- (٢) في دعوى الرسالة دون إيمانه بوحدانية الله تعالى وبالأنبياء الماضين ﵈، وإنما يكتم لخوفه القتل على نفسه، ولم يخف في سائر الخصال إلا محرمًا لجدال، وإنما دعاهم إلى طاعة موسى -﵇- على سبيل الشك أو غلبة الظن؛ لأن موسى -﵇- (٢) كان يدعوهم إلى إنجاء بني إسرائيل وذلك فعل لم يكن مخالفًا للمعقول، فكان يجوز فعله من غير اعتقاد، وإنما قال: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ لأن موسى -﵇- (٢) قد وعدهم بأشياء وخوّف بأشياء للتخيير كقوله: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢] قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] الآية، والثاني: أن المراد بالبعض الكل.
وقول فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ يدل على أنه بين الغرور والإكراه.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ أي لا يريد أن يظلم هو بنفسه على عباده لتعاليه عن الاتصاف بالظلم بدليل إهلاك القرون الماضية بالغرق والصيحة والريح ونحوها، وقال (٣): ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] وقيل: يريد أي يحب.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) (السلام) ليست في "ي" "أ".
(٣) (وقال) ليست في "أ".
[ ٤ / ١٥٠٤ ]
﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ تناديهم ما لها؟ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ [الزلزلة: ١]
أو محاجتهم في النار.
﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ أي شفاعة، وقيل: دعوة مبرهنة صحيحة (١).
﴿وَأُفَوِّضُ﴾ أسلم.
﴿النَّارُ﴾ رفع لكونه بدلًا من ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ أو يكون مبتدأً وخبره في الفعل المتصل بالضمير العائد إليها (٢).
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ على سبيل ردّ عجز الكلام على صدره.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ روي أن الآيتين نزلتا في اليهود الذين أعظموا القول في الدجال الذي ينتظرونه، فزعموا أنه نبي آخر الزمان وأنه يسخِّر السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم ويحيي ويميت فردّ الله عليهم (٣).
قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾ قيل: اليهود ونحوهم ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ مثل المؤمن المتعوذ بالله من فتنة الدجال ومعرة الجدال.
عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الدعاء هو العبادة" (٤) ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية.
﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ جمع سلسلة وهي الحلق المتصلة بعضها ببعض لتكون
_________________
(١) والمراد به الوثن الذي يعبدونه ويدعونه من دون الله، فهو ليس بشيء ولا يضر ولا ينفع.
(٢) أي الخبر جملة (يعرضون) وفيه وجه ثالث وهو أن تكون "النار" خبرأ لمبتدأ محذوف، أي: هو أي سوءُ العذاب النارُ لأنه جواب لسؤال مقدّر، و"يعرضون" على هذا الوجه يجوز أن يكون حالًا من "النار" ويجوز أن كون حالًا من "آل فرعون". [الدر المصون (٩/ ٤٨٥)].
(٣) ذكر سبب النزول هذا القرطبي في تفسيره (١٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥).
(٤) أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩، ٣٢٤٧، ٣٣٧٢)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، وأحمد (٤/ ٢٦٧) والحديث صحيح.
[ ٤ / ١٥٠٥ ]
كالحبل وهو من الحديد ونحوه وهي معطوفة على الأغلال ﴿يُسْحَبُونَ﴾ يجرون، وسمّي السحاب سحابًا لانسحابه.
﴿يُسْجَرُونَ﴾ يرسلون، من قولهم: شعر منسجر أي مرسل، وقيل: يوقدون من فوقهم. سجرت (١) التنور بالسجور؛ أي بالوقود، وقيل: يملؤون بطونهم من الحميم من قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ [الطور: ٦]، أي المملوء. إنهما في محل السجر مع أنهم يشكونه أو يشركونه.
_________________
(١) (سجرت) من "ي" "أ"، وفي الأصل: (شجرة).
[ ٤ / ١٥٠٦ ]