سورة الملائكة:
مكية (١)، وهي خمس وأربعون آية في غير عدد أهل الشام، والمدني الآخر (٢) والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ في محل النصب على أنه نعت للرسل (٣)، ويحتمل أنه في محل الخفض بدلا من الملائكة، ويجوز إبدال النكرة من المعرفة، وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ عائد إلى الملائكة أو الرسل ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ (٤)﴾ أي في الأجنحة.
عن عقيل بن شهاب أن النبي -﵇- سأل جبريل أن يتراءى له في صورته، فقال له جبريل: إنك لن تطيق ذلك، قال: "فإني أحب أن تفعل"، فخرج رسول الله (٥) إلى المصلى ليلة مقمرة فأتاه جبريل -﵇- (٦) في صورته فغشي على رسول الله (٥) حين رآه، ثم أفاق وجبريل مسنده واضعًا إحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال رسول الله (٥): "ما كنت أرى أن
_________________
(١) هناك اتفاق على مكيتها.
(٢) انظر: "البيان في عدّ آي القرآن" لأبي عمرو الداني (ص ٢١٠).
(٣) قاله أبو جعفر النحاس في إعرابه (٢/ ٦٨٣).
(٤) (ما يشاء) من الأصل فحسب.
(٥) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٦) (السلام) ليست في "ي"، و(-﵇-) ليست في "ب".
[ ٤ / ١٤٣٩ ]
شيئًا من الخلق هكذا" فقال جبريل -﵇- (١): كيف لو رأيت إسرافيل؟ إنه له اثني عشر جناحًا؛ جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله حتى يعود مثل الوضع، والوضع عصفور صغير حتى ما يحمل عشرة إلا عظمته (٢).
وعن ابن مسعود (٣) قال: إن لله (٤) ملكًا يقال له صندفيل: البحار كلها في نقرة إبهامه (٥).
وعنه -﵇- (٦) قال: "أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنيه العرش وبين شحمة أذنه إلى عاتقه خفقان الطير سبعمائة سنة يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت" (٧).
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ كمن يعرف الخير من الشر، وقد سبق القول في الاقتصار على أحد طرفَي الكلام وقيل تقديره: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ ﴿تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ كقولك لأخيك: أحمار عصاك فإن الله لم يجعل له عقلًا فلا يضجر منه يريد بذلك: أحمار عصاك فضجرت منه فلا تضجر منه إن الله لم يجعل له عقلًا (٨) ولكنك اكتفيت لما أيقنت دليلًا على ما ألقيته.
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ذهب الكلبي أن العمل الصالح رافع الكلم
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) ذكر هذه الرواية الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٩٨)، والقرطبي (١٤/ ٣٢٠).
(٣) في "ب": (ابن عباس).
(٤) في الأصل و"ب": (الله).
(٥) ورد هذا الأثر عن كعب في الحلية (٦/ ٨)، وكذا ذكره القرطبي (١/ ٤٢٩)، ولفظه في القرطبي (صندفيل البحار) وفي الحلية (٦/ ٦١) (صنديائيل البحار) ومرة (صديقا بحور الدنيا السبع) عن شهر بن حوشب.
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) رواه الطبراني في الأوسط (٦٥٠٣)، وسنده ضعيف ولكن له شواهد يصحح بها.
(٨) من قوله (فلا يضجر) إلى هنا ليست في "ب".
[ ٤ / ١٤٤٠ ]
الطيب. وروى الأشج عن الضحاك (١) موافقته للكلبي، وروى صالح بن محمَّد عنه مخالفته، وكلا القولين محتمل لأن عمل اللسان هو رافع الكلم الطيب الذي هو في الصدر، والكلم الطيب على لسانه هو رافع أعماله الصالحة بالأركان، والكلم الطيب (٢) الشهادتان، والصعود إلى الله الارتفاع إلى محل الكرامة والقبول، ويحتمل التقدير: إلى الله يصعد الكلم الطيب والله يرفع العمل الصالح.
﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ والذين يعملون السيئات. قال سعيد بن جبير: هم الذين يعملون بالرياء (٣) وهكذا عن مجاهد (٤)، وهذا لأن المرائي يظهر محبوب الطاعة ويضمر مكروه النفاق.
وعن أُبي بن كعب عنه -﵇- (٥): "بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والتمكين في البلاد ما لم يعملوا عمل الآخرة للدنيا، ومن يعمل عمل الآخرة للدنيا لم يقبل منه وليس له في الآخرة من نصيب" (٦) ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ أي يحبط العمل.
﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ واللحم الطري موجود في البحرين وأطيبه الذي في بحر الملح، واللؤلؤ غير معهود وجوده في العذب لامتناع أن يصل الغوّاص إلى قعره ولسائر الآفات، وأما الصدف فلا يبعد تقلبه في البحرين جميعًا، وأما الياقوت والعنبر وسائر ما يتحلى به من الشك والخرز فغير ممتنع وجوده في كل واحد من البحرين.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣١٧٤) والبيهقي في الشعب (٧٠) وابن المبارك في الزهد (٩٠) ونسبه السيوطي في الدر المنثور (١٢/ ٢٥٩) إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) من قوله (على لسانه) إلى هنا ليست في "ب".
(٣) عزاه صاحب "الدر" (١٢/ ٢٦١) لابن أبي حاتم ولم نجده في تفسيره.
(٤) البيهقي في الشعب (٦٨٤٥، ٦٨٤٧)، وعزاه صاحب الدر (١٢/ ٢٦١) لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) (السلام) ليست في "ي"، و(-﵇-) ليست في "ب".
(٦) أحمد (٥/ ١٣٤)، وابن حبان (٤٠٥)، والحاكم (٧٨٦٢)، والبيهقي في "الشعب" (٦٨٣٣).
[ ٤ / ١٤٤١ ]
عن أبي هريرة عنه -﵇- (١) قال: "كلم البحران فقيل للبحر الذي بالشام: يا بحر إني قد خلقتك وأكثرت فيك من الماء وإني حامل فيك عبادًا لي يسبِّحونني ويحمدونني ويهللونني ويكبِّرونني فما أنت صانع بهم؟ قال: أغرقهم. قال الله تعالى: إني أحملهم على ظهرك وأجعل بأسك في نواصيك، وقال للبحر الذي باليمن: إني قد خلقتك وأكثرت فيك من الماء وإني حامل (٢) فيك عبادًا لي يسبحونني ويحمدونني ويهللونني ويكبرونني فما أنت صانع بهم؟ قال: أسبحك وأحمدك وأهللك وأكثرك معهم وأحملهم في بطني. قال الله تعالى: فإني أفضلك على البحر الآخر بالحلية والطري" (٣) ومعنى الحمل في بطن الماء عمل الغواصين.
﴿قِطْمِيرٍ﴾ حبة في بطن نواة التمر، وقيل: لفافة نواة التمر (٤)، يضرب به المثل في القلة والحبة كالنقير والفتيل.
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ معطوف على مضمر تقديره: أحطنا بالغيب والشهادة خبيرًا، ولا ينبئك بالأمر أحد مثل خبير به كالمثل السائر: ما حكّ جلدك مثل ظفرك (٥).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في الأصل و"ي": (جاعل).
(٣) ذكره الخطيب في تاريخه (١٠/ ٢٣٤)، والحديث ضعيف كما في "العلل المتناهية" (٣٤) لابن الجوزىِ.
(٤) قال ابن فارس في المحكم (٦/ ٦٢٣): القطمير: شق النواة، وقيل: القشرة التي فيها، وقيل: هي القشرة الرقيقة التي بين النواة والتمر. وكذا قال ابن منظور في اللسان (١١/ ٢٣١) وزاد: ويقال: هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة التي تنبت منها النخلة. تقول: ما أصبت منه قطميرًا، أي شيئًا، فهو يضرب به المثل في القلة كما ذكر المؤلف.
(٥) هذا المثل هو بيت للشافعي كما في ديوانه (ص ١١١) وبلا نسبة في تاج العروس (حكك) ولفظه: ماحَكَّ جلدَكَ غيرُ ظُفْرِكْ فتولَّ أنت جميعَ أمركْ وذكره الميداني في مجمع الأمثال (٣/ ٢٥٠) بلفظ: ما حَكّ ظهري مثل يدي، ومثله الزمخشري في المستقصى في أمثال العرب (٢/ ٣٢١).
[ ٤ / ١٤٤٢ ]
﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ليس بعطفه على قوله ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ لكونه موقوفًا عليه، ولكن العطف للتنبيه على كمال القدرة والحث على العبرة، يدل عليه قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧].
﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الشرط الذي هو المشيئة لم يكن ذلك ﴿عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ يكون شأنها سبيل الاختصار دون الاضطرار، ويحتمل أنه إشارة إلى الإذهاب أو الإتيان بخلق جديد أو إلى الإذهاب والإتيان جميعًا نسخ الشيء بالشيء فعل واحد.
﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ هم العلماء وهم الموصوفون بالبصيرة والنور والحياة، المشبهون بالظل وهم المعتبرون بمخالفة الألوان ومجانسة الأعيان، وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ على سبيل المبالغة، وإن كان المدعو قريبًا للنفس المثقلة الداعية إلى تحمُّل شيء من أوزارها.
﴿الْحَرُورُ﴾ بالليل كالسموم بالنهار.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ له معنيان:
أحدهما: وصف الجهّال المثقلين على وجه الأرض شبهوا بأصحاب القبور، كما شبهوا بالأموات لتأكيد وصفهم بأنهم في سباتهم كالأموات لا يكسبون حسنة ولا يدفعون سيئة.
والثاني: أنه في أصحاب القبور حقيقة، وذلك للتنبيه على استحالة مطالبة المشركين رسول الله بأن يأتي بالموتى شهداء يشهدون له فيهم قصي بن كلاب وكان شيخًا صدوقًا على ما سبق.
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ فيه دليل على أنه عمّ العباد بالإنذار بالمعاد وإن كانوا في الأقطار والأبعاد ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].
[ ٤ / ١٤٤٣ ]
﴿جُدَدٌ﴾ جمع جُدَّة وهي الخطة والطريقة (١) ﴿وَحُمْرٌ﴾ جمع أحمر الذي لونه حمرة وهو لون العقيق بين الشقرة والكمتة، والعرب تسمي الأبيض أحمر ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ جمع غربيب وهو شديد السواد وإنما تأخر ذكر السواد لبيان اللفظ الغريب أو لاعتبار نظم الآي (٢).
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ إنما خصهم بالخشية لاختصاصهم بالهيبة، واختصاصهم بالهيبة لاختصاصهم بتجلي ذي الجلال لهم.
والضمير في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ عائد إلى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ ويجوز أنه عائد إلى ﴿عِبَادِنَا﴾.
عن ابن عباس أنه سأل كعبًا عن قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ الآية. قال: تحاكّت مناكبهم (٣) وربّ كعب ثم أعطوا الفضل بأعمالهم (٤).
وعن البراء عنه -﵇- (٥): كلهم (٦) ناج وهي لهذه الأمة (٧).
وعن ابن مسعود البدري: كلهم في الجنة (٨). وقال عطاء: إني
_________________
(١) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٣٦٩) واستشهد بقول امرئ القيس: كأنَّ سراتيه وَجُدَّةُ مَتْنِهِ كنائنُ يجري فَوْقَهُنَّ دليصُ يريد بالجُدَّة: الخطة السوداء تكون في متن الحمار، وكذا قال الطبري في تفسيره (١٩/ ٣٦٢).
(٢) وذلك أن العرب تقول: أسود غريب إذا وصفوه بشدة السواد، وجعل ههنا السواد صفة للغرابيب [الطبري (١٩/ ٣٦٣)].
(٣) في الأصل: (بياض).
(٤) ابن جرير (١٩/ ٣٦٩، ٣٧٠).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) (كلهم) ليست في الأصل.
(٧) عزاه صاحب الدرر (١٢/ ٢٩٠) للفريابي، وابن مردويه.
(٨) الذي وجدناه عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا. وهو عند الترمذي (٣٢٢٥)، وأحمد، والحديث صحيح.
[ ٤ / ١٤٤٤ ]
لأحسبهم كلهم يدخلون الجنة (١). سئلت عائشة (٢) عن هذه الأمة، قالت: نعم يجتمعون في الجنة، فالسابق بالخيرات على عهد رسول الله (٣)، والمقتصد من اتبع أثره من الصحابة (٤) حتى لحق به، والظالم لنفسه مثلي ومثلك (٥).
وعن جهيم بن زحر قال: قدمت المدينة زائرًا قبر النبي -﵇- (٦) فرأيت أبا الدرداء - ﵁ - قال: أما إني سأحدثك بحديث سمعته من رسول الله (٧) لم أحدث به أحدًا قبلك ولا أحدث به أحدًا بعدك، قال رسول الله (٧) -﵇- (٦): "تجيء هذه الأمة غدًا على ثلاثة أصناف أو فرق، فصنف يدخلون الجنة بغير حساب، وصنف يحاسَبون حسابًا يسيرًا، وصنف تصيبهم شدائد وزلازل وأهوال ثم يصيرون إلى الجنة" فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ (٨) الآية.
وعن عمرو (٩) بن دينار عن ابن عباس في هذه الآية قال: الظالم لنفسه الكافر. وروى مجاهد عن ابن عباس في هذه الآية قال: الظالم لنفسه أصحاب المشأمة، والمقتصد أصحاب (١٠) اليمين، السابق الناس كلهم من سبق منهم هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي (١١).
_________________
(١) لم نجد من ذكره عن عطاء.
(٢) (عائشة) ليست في الأصل و"ب".
(٣) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) في "ب" "أ": (أصحابه).
(٥) الطيالسي (١٥٩٢)، والطبراني في الكبير (٦٠٩٤)، والحاكم (٢/ ٤٢٦).
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٨) لم نجده بهذا النص.
(٩) في "ب": (عمر).
(١٠) (أصحاب) من "ب".
(١١) قريبًا منه عند صاحب الدر (١٢/ ٢٩٠) عن الفريابي وعبد بن حميد.
[ ٤ / ١٤٤٥ ]
وإلى هذا ذهب الحسن البصري ومجاهد والكلبي (يدخلون) الضمير عائد إلى الظالم والمقتصد والسابق أو عائد إلى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾.
﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ بقعة الإقامة، كما أن المقسمة بقعة القسمة ﴿لُغُوبٌ﴾ نصب جمعًا للتأكيد.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صريح لفظة الكفر دليل على نجاة الظالم ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ يستغيثون افتعال من الصراخ والقول مضمر عند قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ عن مجاهد قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأحقاف: ١٥] قال: ما بين الثلاث والثلاثين إلى الأربعين، وسألته عن العمر الذي عبر به ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ قال: ستون سنة (١)، وسألته عن قوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ قال: الشيب (٢).
عن أبي هريرة عنه -﵇- (٣) قال (٤): "من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله إليه" (٥) ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ قال الكلبي: المراد بـ ﴿إِحْدَى﴾ ها هنا اليهود والنصارى لما سمع مشركو قريش بقتل اليهود أنبياءهم وباختلاف النصارى في المسيح فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى، والله لئن أتانا رسول لكنا أهدى منهم، وإنما كانت اليهود والنصارى إحدى الأمم لأنهم جميعًا أولاد إسحاق -﵇- أو خصت قريش إحدى القبيلتين، إما اليهود وإما النصارى.
و﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ إضافته كإضافة الحق إلى اليقين.
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ المراد بالمؤاخذة المعاجلة بالعقوبة، والوجه في إهلاك كل ﴿دَابَّةٍ﴾ على ظهر الأرض عند مؤاخذة الناس بما كسبوا إنما هو كون دواب الأرض كلها لمنافع بني آدم واعتبارهم بها لا لمعنى
_________________
(١) عبد الرزاق (٢/ ١٣٨)، وابن جرير (١٩/ ٣٨٤).
(٢) البيهقي في السنن (٣/ ٣٧٠).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) (قال) من "ب".
(٥) البخاري (٦١٩٤). هـ -
[ ٤ / ١٤٤٦ ]
مفرد أوجب إهلاكهم إهلاكها، وفي الآية دلالة أن غضب الله غير مضاد رحمته فإنه يريد الخير والشر على قضية حكمه لا على قضية رقة محرقة أو حدة معلقة.
عن أُبي بن كعب عنه -﵇- (١): "مَن قرأ سورة الملائكة دعته يوم القيامة ثمانية أبواب يدخل من أيها شاء" (٢). قال ابن جريج: للجنة ثمانية أبواب، فباب للمرسلين والنبيين، وباب للصدِّيقين، وباب للشهداء، وباب للصالحين، وباب للصائمين، وباب للصابرين، وباب للمتصدقين، وباب لسائر المؤمنين.
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) مرّ أن هذ حديث موضوع لا يثبت بحال.
[ ٤ / ١٤٤٧ ]