سورة حمَ السجدة:
مكية (١)، وهي ثلاث وخمسون آية في عدد أهل الحجاز (٢)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
﴿حم (١) تَنْزِيلٌ﴾ عن جابر بن عبد الله قال: قال أبو جهل والملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمَّد فلو ابتغيتم من يعلم السحر والكهانة والشعر فأتاه فكلّمه ثم أتانا ببيان من أمره. فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت السحر والكهانة والشعر وعلمت من ذلك علمًا ما يخفى.
فلما خرج إليه قال له عتبة: أنت يا محمَّد خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ إن لتشتم آلهتنا وتضلل آباءنا فإن كنت إنما بك الرئاسة عقدنا لك ألويتنا فكنت رأسًا ما بقيت، وإن كانت بك الباءة زوّجناك عن نسوة تختارهن من أي بنات قريش شئت، وان كان إنما بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني أنت وعقبك من بعدك. ورسول الله - ﷺ - (٣) ساكت ولا يتكلم.
فلما فرغ قال رسول الله - ﷺ -: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ ﴿حم (١)
_________________
(١) ورد ذلك عن ابن عباس وابن الزبير عند ابن مردويه كما في "الدر المنثور" (١٣/ ٧٨).
(٢) في البصري والشامي (٥٢) آية و(٥٤) آية كوني كما في "البيان" (٢٢٠).
(٣) (وسلم) ليست في "ي".
[ ٤ / ١٥٠٧ ]
تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم أن يكف، ورجع إلى أهله فلم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ وأعجبه كلام محمَّد وما ذلك إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فأتوه فقال أبو جهل: يا عتبة ما حبسك عليّ إلا أنك قد صبوت إلى محمَّد وأعجبك أمره، فإن كان لك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن ماله، فغضب وأقسم أن لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: لقد علمتم أني أكثر قريش مالًا ولكني قد أتيته فقصصت عليه القصة فأجابني والله بشيء ما هو بسحر ولا كهانة ولا شعر، قرأ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسكت وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب (١).
وعن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال: خلق الأرض يوم الأحد وبوم الاثنين (٢) ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ قال: شقّ الأنهار وغرس الأشجار ووضع الجبال وجعل فيها المنافع يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وقدّر الأقوات ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ يوم الخميس ويوم الجمعة، فمن سألك في كم خلقت السموات والأرض فقل في ستة أيام (٣).
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ مقطوع، من قولهم حبل متين، أو منقوص من قوله:
_________________
(١) البيهقي في الدلائل (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٤)، وابن عساكر (٣٨/ ٢٤٢).
(٢) روي ذلك مرفوعًا وهو أن اليهود أتت النبي - ﷺ - فسألته عن خلق السماوات والأرض، قال: "خلق الله الأرض يوم الأحد والأثنين " الحديث أخرجه الطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٨٢) وتاريخه (١/ ٢٢) وأبو الشيخ في العظمة (٨٨٠) والحاكم (٢/ ٥٤٣).
(٣) أبو الشيخ في "العظمة" (٨٧٩).
[ ٤ / ١٥٠٨ ]
﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] أو منقض بتذكره وبُعده من قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢].
﴿نَحِسَاتٍ﴾ ضد سعود.
﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أراد هداية الدلالة والتمكين دون الإرشاد وخلق الاهتداء كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد: ١٠].
وعن ابن مسعود قال: اختصم عند البيت ثلاث؛ قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم وكثير شحم بطونهم، وقال أحدهم: أترون الله يسمع ما تقول؟ فقال آخر: يسهمع إن جهرنا ولا يسمع إن خفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا (١)، فأنزل الله ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ (٢) الآية.
وعن علي - ﵁ - في قوله: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قال: ابن آدم الذي قتل أخاه من الإنس (٣)، وإبليس الأبالسة من الجن.
وعن أبي جعفر قال: ابن آدم الذي قتل أخاه والشيطان الذي سوّل له.
﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ شركهم وكفرهم.
﴿وَقَيَّضْنَا﴾ أبحنا وقدّرنا وسبّبنا.
وعن أبي بكر الصديق - ﵁ - في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال علي: إن الله ربهم (٤).
_________________
(١) من قوله (وقال الآخر) إلى هنا ليست في "ب".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٨١٧)، ومسلم في صحيحه (٢٧٧٥)، والترمذي (٣٢٤٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٧٧) عن ابن مسعود مرفوعًا.
(٣) عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٨٦)، وابن جرير (٢٠/ ٤٢٠)، والحاكم (٢/ ٤٤٠)، وابن عساكر (٤٩/ ٤٧).
(٤) ابن المبارك في "الزهد" (٣٢٦)، وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٨٧)، وابن سعد (٦/ ٨٤)، وابن جرير (٢٠/ ٤٢٢، ٤٢٣).
[ ٤ / ١٥٠٩ ]
وعن عمر بن الخطاب - ﵁ -: لم يروغوا روغان الثعالب (١).
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي أنه قال للنبي -﵇- (٢): قل لي قولًا في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم" (٣) على هذه المقالة.
وعن ابن عباس قال: ثم استقاموا على ما افترض الله عليهم (٤).
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ ذكر الكلبي أن الآيات نزلت في نبينا -﵇- (٥) (٦) وأبي جهل لعنه الله، والأقرب أنه في نبينا عليه أفضل الصلاة (٧) والسلام (٦) وفي بعض المؤلفة.
وعن عائشة قالت: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ قالت: المؤذنون ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ بين الأذان والإقامة (٨).
والضمير في ﴿يُلَقَّاهَا﴾ عائد إلى الحالة الموعودة وهي حالة يودّ العدوّ أنه ﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ أو يتشبّه بولي حميم (٩).
﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ لا يملُّون.
وعن ابن عباس أنه كان يسجد بآخر الآيتين من حم (١٠).
_________________
(١) ابن المبارك في "الزهد" (٣٢٥)، وأحمد في "الزهد" (١١٥).
(٢) في "ب": (للنبي - ﷺ -).
(٣) مسلم (٣٨)، وأحمد في مسنده (٣/ ٤١٣).
(٤) أخرجه الطبري (٢٠/ ٤٢٥)، والبغوي في تفسيره (٧/ ١٧٢) ذكره في "الدر المنثور" (١٣/ ١٠٥) وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) ذكره عن الحسن وابن سيرين عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (١٣/ ١١٠).
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) (أفضل الصلاة و) من "ب".
(٨) عزاه في الدر (١٣/ ١١٠) لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٩) الضمير يعود على الفِعْلَة وهي دفع السيئة بالحسنة إلا من هو صابر. قاله الفراء والزجاج. [معاني القرآن للفراء (٣/ ١٨) معاني القرآن للزجاج (٤/ ٣٨٦)].
(١٠) ابن أبي شيبة (٢/ ١٠، ١١)، والحاكم (٢/ ٤٤١)، والبيهقي في سننه (٢/ ٣٢٦).
[ ٤ / ١٥١٠ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ، وخبره في جملة قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ أي قل لهم.
وعن الحارث الأعور عن علي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله يقول: ألا إنها ستكون فتنة فقلت: ما المخرج منها؟ قال: "كتاب الله العزيز الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ مَن ابتغى العلم في غيره أضلّه الله ومَن ولي هذا الأمر من جبار فحكم بغيره قصمه الله، وهو الذكر الحكيم والنور المبين والصراط المستقيم، فيه خير من قبلكم، وبيان من بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، وهو الذي سمعته الجن فلم تنته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ١، ٢]، لا يخلق عن كثرة الرد على طول الدهر ولا ينقضي عبره ولا تفنى عجائبه".
ثم قال للحارث: خذها إليك يا أعور (١).
﴿مَا يُقَالُ لَكَ﴾ معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ والثاني من معنى قوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤].
﴿أَكْمَامِهَا﴾ جمع كم وهو وعاء الطلع، ويقال: كم العسل إذا استتر من الهواء حتى يقوى، والأكمام أغطية النوى.
﴿الْآفَاقِ﴾ النواحي واحده أفق، فمن جملة ما رأت قريش من الآيات ﴿فِي الْآفَاقِ﴾ على عهد رسول الله (٢) إيمان النجاشي وفيروز الديلمي وباذان والي اليمن وهلاك كسرى أبراويز والأسود (٣) [العنسي واستئصال اليهود ومخافة هرقل وأخذ كبد صاحب دومة الجندل، وما رأوه بعد ذلك هلاك مسيلمة وأخذ طليحة الأسدي، وفتح العراق والشام وما والاها من ديار
_________________
(١) الترمذي (٢٩٠٦) وهو حديث ضعيف.
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) من هذا القوس سقط كبير في "أ" ينتهي في سورة (حم عسق).
[ ٤ / ١٥١١ ]
الشرق والغرب، ومما سيرونه بإذن الله، ففتح قسطنطينية وهلاك الدجال وسائر ما هو مأمول من فضل الله ورحمته، والذي رأوه من الآيات في أنفسهم في عهد رسول الله - ﵇ - (١) غزواته المعروفة إلى يوم فتح مكة، والذي رأوه بعد ذلك ما رآه بنو أمية من السفاح والمنصور والمهدي - ﵁ -.
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (رسول الله - ﷺ -).
[ ٤ / ١٥١٢ ]