مكية (١)، وعن ابن عباس: ما خلا ثلاث آيات (٢) وهن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآيات، وهي ثلاث وثلاثون آية في عدد أهل الحجاز (٣).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
عن ابن عباس (٤) في قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: الغناء، وزاد ابن فضيل: الاستماع إليه.
عن أبي أمامة عن رسول الله (٥): "لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن، ولا خير في التجارة فيهن وثمنهن حرام، في مثل هذا نزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية" (٦)، ومن قرأ قوله -﵇- (٧):
_________________
(١) نقل عن ابن عباس ابن الضريس (ص ٣٣ - ٣٥)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٤٢ - ١٤٤).
(٢) نقل ذلك عن النحاس (ص ٦١٩)، وانظر: "البيان في عدِّ آي القرآن" (ص ٢٠٦).
(٣) انظر: "البيان" (٢٠٦).
(٤) هو عند ابن جرير (١٨/ ٥٤٠)، ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١١/ ٦١٥)، وعزاه للفريابي وابن مردويه.
(٥) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٦) الترمذي (١٢٨٢، ٣١٩٥)، وابن ماجه (٢١٦٨)، وأحمد (٥/ ٢٦٤)، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (٢٤)، وابن جرير (١٨/ ٥٣٢، ٥٣٣)، والطبراني في الكبير (٧٨٠٥، ٧٨٦١، ٧٨٦٢) والحديث ضعيف.
(٧) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ١٣٨٢ ]
"لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يديه خير له من أن يمتلئ شعرًا" (١) وكل شعر يلهي عن ذكر الله حرام وعن الصلاة؛ لأن النبي -﵇- (٢) استمع الشعر وقال: "إن من الشعر حكمة" (٣).
﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ كما خلقها الله تعالى.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ كان لقمان عبدًا حبشيًا لرجل من بني إسرائيل فأعتقه وأعطاه مالًا، واسم ابنه ثاران (٤)، ولم يكن نبيًا في قول أكثرهم.
وعن سعيد بن المسيب: كان لقمان النبي -﵇- خياطًا (٥)، قال طاووس: الحكمة التي أوتيها، فمن كان عاقلًا فهو عند الله حكيم.
عن أنس أن النبي -﵇- (٢) قال: "رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس" (٦).
وعن أنس عنه -﵇- (٧) أنه قال: "من أعطي (٨) أربع خصال فقد
_________________
(١) رواه البخاري (٦١٥٤)، ومسلم (٢٢٥٨).
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وبدلها في "ب": (- ﷺ -).
(٣) البخاري (٦١٤٥).
(٤) ذكر ذلك السهيلي وابن جرير وابن قتيبة، وقال الكلبي: هو (مشكم) وذكر النقاش (أنعم)، وانظر: القرطبي (١٤/ ٥٨)، وفتح القدير (٤/ ٣٣٨)، وتفسير السمرقندي (٣/ ٢٢).
(٥) الذي ورد عند أحمد في الزهد: أنّ لقمان كان خيّاطًا، ولم يذكر النبوة، بل ورد عند ابن جرير (١٨/ ٥٤٧) عن سعيد بن المسيب أنه أعطي الحكمة ومنعه النبوة.
(٦) رواه البيهقي في الشعب (٨٠٦١)، عن أنس وهو سند ضعيف. وروي عن علي - ﵁ - كما في الحلية (٢/ ٢٠٣)، والطبراني في الأوسط (٤٨٤٧) وهو حديث موضوع، وروي عن سعيد بن المسيب مرفوعًا كما في ابن أبي شيبة (٢٥٤٢٨)، والبيهقي في السنن (١٠/ ١٠٩)، وفي الشعب (٨٤٤٧) وسنده ضعيف. وروي عن أبي هريرة كما عند ابن أبي الدنيا في "الإخوان" (٤٠)، وفي "مداراة الناس" (٣١)، والأمثال في الحديث لأبي الشيخ (١٢٩) وسنده ضعيف.
(٧) (السلام) ليست في "ي".
(٨) (أعطي) ليست في "ب".
[ ٣ / ١٣٨٣ ]
أعطي الدنيا والآخرة: قلب شاكر ولسان ذاكر وبدن صابر وزوجة صالحة" (١).
إنما خص لقمان ابنه من بين سائر الناس لاعتبار الأهم فالأهم، ألا ترى قال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] وقال -﵇-: "ما نحل والد ولدًا أحسن من أدب حسن" (٢). وقال -﵇-: "لآن يؤدب ولده خير من أن يتصدق كل يوم بصاع" (٣)، وعن علقمة (٤) وعن عبد الله قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على أصحاب النبي -﵇- فقالوا: أينا لم يظلم نفسه، فقال رسول الله (٥): "ليس كما تظنون (٦) إنما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ كفر برسول الله فإن الشرك أخفى في هذه الأمة من أثر النملة في الصخرة الصماء" ولهذا كره هذا (٧) للإمام الراكع إذا سمع خفق نعل أن ينتظره.
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ نزلت في شأن سعد ابن أبي وقاص (٨) وحسن كونه عارضًا في أثناء الكلام من ثلاثة أوجه:
أحدها: اعتبار ما يجري بين لقمان الوالد وولده.
والثاني: اعتبار النهي عن الشرك.
_________________
(١) ابن أبي الدنيا في "الشكر" (٣٤)، والطبراني في الكبير (١١٢٧٥)، والبيهقي في الشعب (٤٤٢٩) والحديث ضعيف.
(٢) أحمد (٣/ ٤١٢) (٤/ ٧٧، ٧٨)، والحاكم (٧٦٧٩)، والطبراني في الكبير (١٣٢٣٤) والحديث ضعيف.
(٣) الترمذي (١٩٥١)، وأحمد (٥/ ٩٦، ١٠٢)، والطبراني في الكبير (٢٠٣٢)، والحاكم (٧٦٨٠) والحديث ضعيف.
(٤) (وعن علقمة) ليست في الأصل.
(٥) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٦) البخاري (٤٦٢٩).
(٧) (كره هذا) ليست في الأصل.
(٨) أبو يعلى (٧٨٢) والحديث ضعيف.
[ ٣ / ١٣٨٤ ]
والثالث: الأمر بالشكر الذي هو حكمة لقمان.
وإنما لم يكن للوالدين إلا حق المصاحبة في الدنيا بمعروف لأن الولد ليس بفرع للوالدين إلا على حكم المشاهدة، فأما في المعقول فكل مخلوق مفرد بالإنشاء، يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون: ١٠١].
الضمير في ﴿إِنَّهَا﴾ عماد كما في قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] وما ثبت قوله ﴿إِنْ تَكُ﴾ (١) لاعتبار الحبة وهذه الآية كقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٤٨] ﴿فِي صَخْرَةٍ﴾ من الصخور، وفي التفسير: المراد بالصخرة السجين وهي تحت (٢) وفيها نسخ أعمال الفجار.
﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من العلماء بالقول، ألا ترى أن نوحًا وهودًا وصالحًا وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق (٣) ولوطًا وشعيبًا وغيرهم من الأنبياء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بألسنتهم.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله -﵇- (٤): "مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه" (٥) ولأنهم لو لم يفعلوا إلى أن يهذبوا أنفسهم لسقطت الأحكام وخربت دار الإسلام.
﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ ولا تتكبر على الناس ولا تعرض عنهم تكبرًا ﴿خَدَّكَ﴾ يعني ما تحت الوجنة العارض، ﴿مَرَحًا﴾ شرًا وبطرًا.
_________________
(١) في "ب": (إنك لاعتبار).
(٢) المراد بالصخرة التي عليها الأرض فهي تحت الأرض. وهذا قول ابن عباس - ﵄ -، أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ٥٥٦).
(٣) في "ي": (إسحاق وإسماعيل).
(٤) (السلام) ليست في "ي"، وبدلها (- ﷺ -).
(٥) الطبراني في الأوسط (٦٦٢٨)، والصغير (٩٨١) عن أنس وسنده ضعيف جدًا.
[ ٣ / ١٣٨٥ ]
كون صوت الحمير ﴿أَنْكَرَ﴾ لأنه يكلف خلقه من الصوت ما تختنق به.
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -﵇- (١): "ليس المؤمن بالطعان (٢) ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء" (٣).
وعن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله -﵇-: "إن هذه الأخلاق متاع فإذا أحب الله عبدًا منحه خلقًا حسنًا وإذا أبغض عبدًا منحه (٤) خلقًا سيئًا" (٥).
﴿وَأَسْبَغَ﴾ الآية عامة فالنعمة الظاهرة صحة الجسد وكثر العَدد والعِدد، والنعمة الباطنة تيسير اعتبار، والاختبار والتمكين من الاحتبار، وإن كانت خاصة، فالنعمة الظاهرة هي التوفيق لإدلال الطبيعة على استعمال الشريعة، والنعمة الباطنة هي التوفيق للاتحاد بعد حسن الاعتقاد.
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ﴾ قال ابن عباس: هذه الآية مدنية والسبب في نزولها أن النبي -﵇- (٦) لما (٧) قرأ قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] أتته أحبار اليهود فقالوا: إنك إن عنيت بها قومك فأنت أعلم (٨) بهم، وإن عنيتنا فكيف تقول ذلك وأنت تعلم أن الله أنزل التوراة على موسى وفيها أنباء كل شيء وخلفها موسى ميتًا وهي معنا، فقال النبي -﵇- (٦) لليهود: "التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله -﷿-" فأنزل (٩).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وبدلها في "ب" "ي": (- ﷺ -).
(٢) في "أ": (بالطعام).
(٣) الترمذي (١٩٧٧)، وأحمد (١/ ٤٠٤)، والبخاري في الأدب (٣١٢، ٣٣٢)، والطبراني في الكبير (١٠٤٨٣)، وابن حبان (١٩٢) والحديث صحيح.
(٤) المثبت من الأصل و"ي"، وفي البقية: (منائح).
(٥) ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (٣٤)، والطبراني في الأوسط (٨٦٢١) والحديث ضعيف.
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) (لما) ليست في "ب" "أ".
(٨) في "ب": (أخبر).
(٩) ابن جرير (١٨/ ٥٧٢، ٥٧٣)، وابن أبي حاتم (٩/ ٣١٠٠/ ١٧٥٥٩).
[ ٣ / ١٣٨٦ ]
وذكر الكلبي أن السبب في نزولهن دعوى المشركين التناقض بين قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فبينت هذه الآية أن الحكمة خير كثير في جنب علم العالمين وهي قليل في جنب كلمات الله.
﴿إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قال الفراء: التشبيه واقع بمضاف مضمر تقديره: كخلق نفس واحدة وبعثها (١)، ووجه الاتصال من حيث ذكر الكلمات التي هي علم الله.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقت استقراره الطوالع.
﴿خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ قال ابن عرفة: الختر الفساد يكون ذلك في الغدر وغيره، يقال: ختره الشراب إذا فسد نفسه، قال الأزهري: الختر أقبح الغدر (٢)، قال أحمد بن فارس: الختر الغَدْر والتختر مشية الكسلان (٣).
﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان.
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ قال مقاتل: أتى وارث بن عمرو إلى رسول الله - ﷺ - فسأله عن هذه المسائل فأنزل (٤)، واتصال الآية من حيث قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أو من حيث قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
_________________
(١) لم نجده في معاني الفراء لكن ذكره أبو جعفر النحاس في إعرابه وقال: هكذا قَدَّرَهُ النحويون: إلا كخلق نفس واحدة، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. [إعراب القرآن (٤/ ٦٠٧)].
(٢) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة (٧/ ٢٩٤ - ختر).
(٣) ذكره ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (٢/ ٢٤٤ - ختر).
(٤) سبب النزول هذا من مراسيل عكرمة ومقاتل فقد ذكره السيوطي في الدر المنثور (١١/ ٦٦٢)، ونسبه لابن المنذر: أن رجلًا يقال له الوارث من بني مازن ابن خصفة بن قيس عيلان، جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا محمَّد، متى قيام الساعة؟ وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب؟ وقد تركت امرأتي حبلى فمتى تلد؟ الحديث. فنزلت هذه الآية.
[ ٣ / ١٣٨٧ ]
عن ابن عمر قال النبي -﵇- (١): "مفاتيح الغيب خمس ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ " إلى آخر الآية (٢).
وعن ابن مسعود قال: "من كل شيء أوتي نبيكم علمًا إلا من خمس، قول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ " (٣).
من قرأ سورة "لقمان" كان له لقمان رفيقًا يوم القيامة وأعفي من الحساب (٤) بعدد من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر (٥).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) البخاري (١٠٣٩).
(٣) البخاري (٤٧٧٨).
(٤) في "ب": (الحسنات).
(٥) مرّ أنه حديث موضوع.
[ ٣ / ١٣٨٨ ]