مدنية (١) (٢). وروي عن ابن عباس إلا آية نزلت عليه وهو يريد التوجه من مكة إلى المدينة وهو قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [محمَّد: ١٣] (٣) وهي تسع وثلاثون آية في عدد أهل الحجاز والشام (٤).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَمِ
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نزلت الآيات في غزوة بدر (٥).
﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ للتخيير وليست بمناقضة لقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] إلا أن هذه أفادت الحكم بعد الإثخان، وتلك تثبت الحكم قبل الإثخان، ولكنه منسوخ عند قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
_________________
(١) في "ي": (مدنية)، وفي البقية: (مكية) وهو خطأ.
(٢) في "الدر المنثور" (١٣/ ٣٤٩) عن ابن عباس وابن الزبير أنها مدنية.
(٣) القرطبي (١٦/ ١٩١).
(٤) في الكوفي (٣٨) آية، و(٤٠) آية في البصري.
(٥) ذكر ذلك القرطبي في تفسيره (١٦/ ٢٢٣) ونسبه إلى ابن عباس - ﵄ - قال: نزلت في المطعمين ببدر وهم اثنا عشر رجلًا: أبو جهل، والحارث بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأُبي وأمية إبنا خلف، ومنبه ونُبَيْه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وزمعة ابن الأسود، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر بن نوفل. لكن روي عن ابن عباس - ﵄ - أن قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نزلت في أهل مكة، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ نزلت في الأنصار. أخرجه الطبري في تفسيره (٢١/ ١٨١) والحاكم في مستدركه (٢/ ٤٥٧).
[ ٤ / ١٥٤١ ]
وعن السدي وابن جريج أنه منسوخ بآية السيف (١).
﴿حَتَّى تَضَعَ﴾ لامتداد الحكم إلى الغاية المذكورة وقت وضع أهل (٢) ﴿الْحَرْبُ﴾ أسلحتهم والألف واللام في ﴿الْحَرْبُ﴾ للتعريف والمعهود، وقيل: للجنس، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] الآية.
وقال سعيد بن جبير: إنما يكون هذا الوقت عند نزول المسيح وهلاك الدجال (٣) ﴿عَرَّفَهَا﴾ أي جعلها معروفة ﴿لَهُمْ﴾ بما جعل الله بينها وبينهم من المناسبة الطبيعية.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ جملة متركبة من شرط وجزاء، الجزاء دعاء، وتعس الرجل: إذا سقط.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ من أهل مكة ونحوها ﴿أَمْثَالُهَا﴾ أمثال عاقبة الذين من قبلهم.
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ قيل: الاستفهام معروفة، فكأنه قيل (٤): مثل المتقين فيما وعدوا من الجنة الموصوفة بهذه الصفات كمثل من هو ﴿خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ ﴿آسِنٍ﴾ آخر وهو المتغير (٥) ﴿لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ إنما وصفه به (٦) لكون الحليب أحب إلى العرب من القابض (٧)، أو الدلالة على طيب الهواء فإن الشيء لا يتغير في الهواء الطيب، أو لكون الحليب أوفق لطبائع الحيوان
_________________
(١) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (٢١/ ١٨٣ - ١٨٤)، وأخرجه أبو عبيد في ناسخه (٣٠٠)، وفي الأموال (٣٤٣)، وابن الجوزي في نواسخ القرآن (٤٦٧)، لكن رجح الطبري أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، وفصل القول في ذلك. انظر تفسير الطبري (٢١/ ١٨٧).
(٢) (أهل) ليست في الأصل.
(٣) عزاه في الدر (١٣/ ٣٥٦) لعبد بن حميد.
(٤) في الأصل: (قال).
(٥) قاله ابن عباس. أخرجه الطبري في تفسيره (٢١/ ٢٠٠) وابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٩٨) وهو قول أبي عبيدة والزجاج وابن قتيبة. [زاد المسير (٤/ ١١٨)].
(٦) (به) من "أ" "ب".
(٧) في "ب" "ي": (العارض).
[ ٤ / ١٥٤٢ ]
على العموم ﴿لَذَّةٍ﴾ ذات لذة وشراب لذ ولذيذ (١) بمعنى ﴿عَسَلٍ﴾ ما رزقنا الله في الدنيا من بطون النحل ﴿مُصَفًّى﴾ لا شمع فيه ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ واحدها معًى وهو مجرى الطعام والشراب في البطن وري المعدة.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ قيل أن جماعة من المنافقين كانوا يستمعون إلى رسول الله (٢) ابتغاء هفوة منه، فإذا لم يجدوها وسمعوا المواعظة (٣) تعاموا عنها كأنهم لم يسمعوها وسألوا المؤمنين ماذا قال آنفًا؟ [فمن جملة المنافقين رفاعة بن زيد والحارث بن عمرو في جملة الذين أوتوا العلم عند الله ﴿آنِفًا﴾ أي] (٤) الإيمان مأخوذ من استئناف زادهم، قول النبي -﵇- هدى.
﴿أَشْرَاطُهَا﴾ علاماتها. قال الأصمعي: ومنه الاشتراط الذي يشترط بعض الناس على بعض إنما هي (٥) علامات بينهم، قال: هذا بيان للاشتقاق، فأما حقيقة الشرط فالخصلة الموجبة للحكم.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أنه الأمر بالاستقامة على العلم ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وعند الأعمش قال: ما قعدت إلى أحد أكثر استغفارًا من [أبي صالح وقال أبو صالح: ما قعدت إلى أحد أكثر استغفارًا من أبي هريرة، وقال أبو هريرة: ما قعدت إلى أحد كان أكثر استغفارًا من] (٦) النبي -﵇- (٧) (٨). قلت: فكم كان يستغفر؟ قال: كان يستغفر الله (٩) في اليوم والليلة مائة مرة (٧).
_________________
(١) في "ب" "ي": (لذوذ).
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) في الأصل: (الموعظة).
(٤) ما بين []، ليس في الأصل.
(٥) في "ب": (هو).
(٦) ما بين []، ليس في الأصل.
(٧) ذكره القرطبي في تفسيره (٤/ ٢٠٦) عن مكحول عن أبي هريرة.
(٨) (السلام) ليست في "ي".
(٩) (كان يستغفر الله) ليست في "ي" "ب".
[ ٤ / ١٥٤٣ ]
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ذكر الكلبي وغيره أن المؤمنين كانوا يشتهون نزول الآيات من القرآن وكان (١) المنافقون من جملة المؤمنين يكرهون نزول آي القتال ويُشككون فيها، فتوعدهم الله -﷿- على ذلك ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ تهديد، ومثله قوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)﴾ [القيامة: ٣٤]، وقال الأصمعي: أولى له: قاربه ما يهلكه أي نزل به (٢)، وقيل: أولى: تحسر.
﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي ظاهر المنافقين طاعة وقول معروف ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي جد.
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ كدتم ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ إن أعرضتم عن الإسلام، ألا ترى (٣) قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا﴾ [محمد: ٢٥] ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].
والمراد بقوله: ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ما كان بين الأوس والخزرج قبل الإسلام.
﴿أَقْفَالُهَا﴾ جمع قفل، ومثل جزء وأجزاء وقرض وأقراض، وهو آلة من الحديد ونحوه يغلق به الباب.
فلان مقفل البدن إذا كان نحيلًا ﴿وَنَبْلُوَا﴾ عطف على قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ وإنما حسّن العطف عليه لكون النبلاء الأول مستندًا إلى الله في اللفظ والمعنى، والبلاء الثاني مستند إلى الله في اللفظ: أولى أوليائه في المعنى، أو المراد بالأول الإصابة بالبلايا والمكاره، والثاني الاختبار.
﴿أَضْغَانَهُمْ﴾ حقدهم.
﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ صرف الكلام عن ظاهره قصدًا أو خطأً ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾
_________________
(١) في الأصل: (فكان).
(٢) في الأصل: (نزول فيه).
(٣) (ألا ترى) ليست في "ب".
[ ٤ / ١٥٤٤ ]
لن ينقصكم، وفي الحديث: "مَن فاتته العصر فإنما هي (١) وتر أهله وماله" (٢).
﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ يبالغوا في السؤال عنكم.
وعن أبي هريرة قال: قال أناس من أصحاب رسول الله (٣): من هؤلاء الذين ذكرهم الله: إن تولينا يستبدلوا ثم لم يكونوا أمثالنا، قال: وكان سلمان بجانب رسول الله (٣) فضرب رسول الله (٣) فخذ سلمان قال: "هذا وأصحابه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطًا بالثريا لتناوله رجال من فارس" (٤)، وروي "معلقًا بالثريا".
وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله -﵇-: "الأبدال من الموالي" (٥).
_________________
(١) (هي) ليست في "ب" "ي".
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٤٥)، والنسائي في المجتبى (١/ ٢٣٧)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٣١)، والكبير (١٢/ ٤٣٩)، وأبو يعلى في مسنده (٩/ ٣٤٣) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - مرفوعًا.
(٣) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) ابن جرير (٢١/ ٢٣٣، ٢٣٤)، وكذا هو عند الترمذي (٣٢٦١) والحديث صحيح.
(٥) عزاه صاحب الكنز (٣٤٥٩٨) للحاكم في الكنى عن عطاء مرسلًا، وذكره الشيخ ناصر في "السلسلة الضعيفة" (١٤٧٦).
[ ٤ / ١٥٤٥ ]