مكية، وهي ثمان (١) وتسعون آية في غير عدد أهل مكة (٢)، والله أعلم بذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿كهيعص (١)﴾ ابن عباس: هذه الحروف ثناء أثنى الله بها على نفسه، قال: كاف هاد علي صادق (٣).
وروي عن ابن عباس: كاف من كريم، وها من هاد، ويا من أمين، وعين من عليم، وصاد من صادق (٤). وعن سعيد بن جبير قال: كاف هاد يمين عالم صادق (٥)، قال الأمير (٦): ويحتمل: كفيناك هديناك يمناك علمناك صدقناك أو عصمناك وأصلحناك، ويحتمل أنه يتصل بما بعده، والتقدير: كتابنا هذا ناطق للعالم الصادق.
_________________
(١) في الأصل: (ثمانون).
(٢) انظر: "البيان في عد آي القرآن" لأبي عمرو الداني (١٨١).
(٣) أقرب ما وجدناه ما ذكره السيوطي في الدر (١٠/ ٩) عن عكرمة ولفظه: يقول: أنا الكبير الهادي علي أمين صادق. وعزاه لابن أبي حاتم.
(٤) عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣)، وابن جرير (١٥/ ٤٤٤ - ٤٥٠) مفرقًا، والحاكم (٢/ ٣٧١، ٣٧٢)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١٦٤). وأما قوله في بداية الأثر: (هذه الحروف على نفسه) فلم أجده.
(٥) ذكره ابن الجوزي في تفسيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (٣/ ١١٦).
(٦) لم نعرف مَن المقصود بهذا اللقب وقد مر ذكره ص ٩٢٥.
[ ٣ / ١١٦٧ ]
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)﴾ ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ قال - ﷺ -: "خير الدعاء الخفي وخير الرزق ما يكفي" (١).
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ شبه بياض الرأس باشتعال الفتيلة ﴿بِدُعَائِكَ﴾ (٢) بعبادتك ﴿شَقِيًّا﴾ وإنما قال ذلك لأحد معان أربعة: إما لنفي ما أصابه من وهن العظم وشيب الرأس أن يكون أصابه لمقاساته شدة العبادة واحتماله أعباءها كما في نبينا - ﷺ - ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ [طه:١، ٢]، وإما لنفي الخيبة عن نفسه فإن الخائب هو الشقي فكأنه يقول: لم أكن بسبب عبادتي إياك وإيماني بك خائبًا من لطائف صنعك، وإما لنفي الكفر عن نفسه فكأنه يقول: لم أكن بعبادتك وتوحيدك كافرًا فأنا متوسل إليك (٣) بذلك إليك، وإما لنفي الحرمان عن نفسه فكأنه يقول: لم أكن في عبادتك محرومًا فإنك وفقتني لها وبشرتها علي لأستأهل إجابة الدعوة منك.
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ أن ينقرضوا فإنهم قد صفوا وقلوا، وأراد بنو الأعمام دون ذوي الأرحام.
﴿يَرِثُنِي﴾ العلم والكتاب؛ فإن الأنبياء ﵈ لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذ العلم فقد أخذ بحظ وافر، ويحتمل أنه أراد رتبة الحبورة وشرف النبوة وإنهما مختصان بأهل بيت النبي - ﵇ - (٤)، ويحتمل أنه أراد النبوة بعينها، أي: اجعله اللهم وارثًا نبوتي (٥)
_________________
(١) ذكر هذا الحديث القرطبي في تفسيره مسندًا عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا ورجاله ثقات، تفسير القرطبي (١١/ ٧٦).
(٢) في الأصل: (عائد).
(٣) (إليك) من الأصل فقط.
(٤) (- ﵇ -) من الأصل و"ب".
(٥) قوله: ﴿يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٦] أي: يرث مالي، وقوله: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] يرث النبوة لأن زكريا كان من ولد يعقوب، وقد ورد في مراسيل الحسن مرفوعًا: "رحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥، ٦] أخرجه الطبراني في تفسيره (١٥/ ٤٥٩).
[ ٣ / ١١٦٨ ]
﴿رَضِيًّا﴾ (١) مرضي السيرة في حبورته وشرفه بخلاف الأحبار الذين يرتشون ويحرفون ويبدلون، وبخلاف الأشراف الذين يتعاطون ما يحط من شرفهم، أو اجعله نبيًا ترتضيه الناس فيؤمنوا به.
﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ يسير غير ممتنع. وفي قوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ دلالة على أن حقيقة اسم الشيء غير منطبق على الموهوم في حد اللبس، وأن المعدوم غير كمين، وفيها رد على المعتزلة والدهرية.
﴿سَوِيًّا﴾ تمامًا.
﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة والزبور والوحي المختص بيحيى -﵇- (٢)، والمراد بالحكم حكم التوراة والزبور، ويحتمل حكم انصياع التائبين على يديه بماء الأردن واستغفاره لهم.
﴿وَحَنَانًا﴾ عطفًا ورحمةً ورزقًا وبركةً، تقول العرب: حنانك وحنانيك ربنا.
﴿عَصِيًّا﴾ نعت من العصيان على وزن فعيل.
(سلام) مرتفع بالابتداء، أراد التحية والدعاء وذلك من الله تعالى إيجاب، فسلامة الميلاد في إحكام الفطرة، وسلامة الموت في إتمام الفطرة، وسلامة البعث في ختام الفطرة، فمن استحكمت طبيعته بحب (٣) الإيمان والإحسان وكراهة الفسوق والعصيان ومات ووصيته هذا، وبُعث مبيض الوجه مشروح الجنان، قال: ﴿وَسَلَامٌ (٤) عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ اعتزلت وجلست بنبذة منهم ﴿مَكَانًا﴾ موضع الكون ﴿شَرْقِيًّا﴾ ما يلي الشمس عند الطلوع، قال ابن
_________________
(١) في الأصل كلمة غير مفهومة.
(٢) السلام ليست في "ي".
(٣) في الأصل و"ي": (تحت) وهو خطأ.
(٤) المثبت من "ب"، وفي البقية: (فالسلام).
[ ٣ / ١١٦٩ ]
عباس (١): لما بلغت مريم سنة النساء في الحيض كانت تكون في بيتها في المسجد، قال: فبينما مريم في شرفة لها في ناحية الدار بينها وبين أهلها حجاب، يعني: ستر التطهر وتمتشط، إذ دخل عليها جبريل -﵇- (٢) فتشبه لها بشرًا سويًا في صورة شاب لم ينتقص (٣) فدنا منها، وأنكرت مكان الرجل في ذلك المكان.
فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ أرادت التذكير والتحذير ألا ترى شرطت التقوى ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ مطيعًا لله.
قال لها جبريل -﵇-: أنا رسول ربك ليهب لك ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾.
قالت مريم لجبريل -﵇-: يا سيدي، أنى يكون لي ولد ولم يقربني زوج ولم أك فاجرة؟!
قال لها جبريل: ﴿كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: خلقه عليَّ يسير ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ في ولادته من غير أب ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ كائنًا، فاطمأنت مريم إلى قوله، فدنا منها فدحيها بإصبعه ثم نفخ في جيبها فوصلت تلك النفخة إلى بطنها فحملت بعيسى -﵇-.
﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ اختلف في مدة العمل فقيل: يوم واحد، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: تسعة أشهر، ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ هو أقصى دار خالتها، وقيل: موضع مجهول لا يعلم بها زكريا، وقيل: ناصرة دمشق، وقيل: مصر.
﴿فَأَجَاءَهَا﴾ تعدية من المجيء ﴿الْمَخَاضُ﴾ تمخض الولد في بطن أمه وهو تحركه للخروج ﴿جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ساقها، أراد ﴿جِذْعِ﴾ يابس، وإنما قالت ذلك لكراهتها الطبيعية المشقة والأذى لا لكراهتها الاعتقادية الكرامة والعُلى.
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي عن ابن عباس - ﵄ - مختصرًا كما في زاد المسير (٣/ ١٢٣).
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) (لم ينتقص) ليست في الأصل.
[ ٣ / ١١٧٠ ]
﴿فَنَادَاهَا﴾ جبريل كان واقفًا أسفل الربوة، وقيل: المنادي عيسى -﵇- (١) وهو الأشبه بظاهر (٢) ويمكن الجمع، فقال: ناداها جبريل من لسان عيسى و(السري): الجدول يسري فيه الماء، وقال الحسن: الولد النجيب (٣)، يقال: ابن السري إذ أسرى أسيراهما.
﴿وَهُزِّي﴾ (٤) حركي ﴿بِجِذْعِ﴾ الباء مفخمة كهي في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ﴿رُطَبًا﴾ (٤) يصير تمرًا بالجفاف ﴿جَنِيًّا﴾ (٤) مجتنى.
﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ أي: طيبي نفسًا، نصب على التفسير لأن (٥) الفعل في الحقيقة لها (٦) ﴿لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ صمتًا لأنه إمساك، وقوله: ﴿فَقُولِي (٧) إِنِّي﴾ إني فالإشارة أوقع نفسك بحيث يسمعونه من غير مخاطبتك إياهم شيئًا، ﴿فَرِيًّا﴾ أمرًا عظيمًا مستعظمًا، وقيل: أمرًا عجبًا، وفي الحديث: "ما رأيت عبقريًا يفري فريه" (٨).
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي"، وفي "أ": بياض.
(٢) من قال: إن المنادي هو جبريل: ابن عباس - ﵄ - والضحاك وقتادة، بل صرح ابن عباس أنه لم يتكلم عيسى -﵇- حتى أتت به قومها. ومن قال: إن المنادي هو عيسى: مجاهد والحسن ووهب بن منبه وسعيد بن جبير أخرجه عنهم جميعًا الطبري في تفسيره (١٥/ ٥٠٤)، ورجح الطبري القول الثاني وقال: إنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبريل، فرده على الذي هو أقرب إليه أولى من رده على الذي هو أبعد.
(٣) ذكره ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (١٠/ ٥٤) بلفظ: نبيًا، وفي لفظ في تفسير عبد الرزاق (٢/ ٦) هو عيسى.
(٤) في "أ": (بياض).
(٥) في "ب": (لها).
(٦) قوله: ﴿عَيْنًا﴾ منصوب على التمييز منقول من الفاعل إذ الأصل لتقر عينك، قاله أبو جعفر النحاس والزجاج. [إعراب القرآن (٣/ ٣١١)، معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٢٦)].
(٧) فراغ في "أ".
(٨) هذا حديث في وصف النبي - ﷺ - لعمر بن الخطاب - ﵁ -:"فلم أرَ عبقريًا يفري فريه". =
[ ٣ / ١١٧١ ]
﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ (١)، قال الكلبي (٢): أراد بهارون أخوها من أبيها، عن المغيرة بن شعبة، قال: بعثني رسول الله - ﷺ - (٣) إلى أهل نجران فقالوا لي: ألستم تقرؤون يا أخت هارون بين موسى وعيسى وما كان، فلم أدر ما أجيبهم، فرجعت إلى النبي - ﵇ - (٤) فأخبرته، فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم" (٥)، ﴿أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ساعية بالفاحشة و(البغاء) المساعاة بها، من كان حالة الوجود دون ما مضى.
و(الإشارة): الإيماء وهو النص بالدلالة على مشاهدة أو ما يقوم مقامه ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ حالة المهد، وقيل: مهد في صخرة في بيت لحم.
﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ (٢) أي: الدعاء والصدقة، ويجوز أن يكون المراد بهما العبادتين المشروعتين على شريطة الإمكان.
﴿وَبَرًّا﴾ عطف على قوله: ﴿مُبَارَكًا﴾ (٦).
عن أم سلمة زوج النبي -﵇ - (٧) قالت: لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا خير جار؛ أمِنَّا على ديننا وعبدنا (٨) الله لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه، حتى قدم عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص فلم يبق بِطْرِيق
_________________
(١) = رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة (٧/ ٤١ الفتح) والإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٩) و"فريَهُ" بتخفيف الياء، وأنكر الخليل التثقيل وغلّط قائله، والفَري: قطع الجلد للخَرْزِ والإصلاح ومنه قول الشاعر: فلأنْت تفري ماخلقت وبعـ ضُ القومِ يخلق ثم لا يفري
(٢) فراغ في "أ".
(٣) نقله عنه القرطبي في تفسيره (١١/ ١٠٠).
(٤) (ﷺ) ليست في "ي" "أ".
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) مسلم (٢١٣٥).
(٧) في "أ": (مشاركًا) وهو خطأ.
(٨) (السلام) ليست في "ي"، وبدلها في "ب": (ﷺ).
(٩) (وعبدنا) مكررة في "أ".
[ ٣ / ١١٧٢ ]
إلا وأوصلا إليه هدية من جهة قريش وقالا له: إنه قد ضوي (١) إلى الملك وبطارقته غلمان سفهاء فارقوا دين الله (٢) قومهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، فإذا كلمنا الملك فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما كانوا عليه. فضمنت البطارقة لهما ذلك، ثم إنهما دخلا على النجاشي وقربا إليه هداياه (٣) فقبلها ثم كلماه، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك سلِّمهم إليهم ليردوهم إلى قومهم، قالت أم سلمة: فغضب النجاشي، فقال: لا هايم الله إذًا لا أسلمهم إليهم ولا أكاد، حتى أدعوهم فإنهم جيراني وأسألهم ما يقول هذان في أمرهم فإن كان كما يقولون: أسلمتهم، وإن كان غير ذلك منعتهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
ثم أرسل إلى أصحاب النبي - ﵇ - (٤) فدعاهم وقد جمع (٥) أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، فلما جاءهم رسوله يدعوهم احتفظوا، فقال بعضهم لبعض: ما نقول للرجل؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به كائن ما هو كائن، فلما جاؤوه قالوا: ما هذا الدين الذي فارقتم منه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من أهل الملك؟ قالت: وقد كانوا قدَّموا جعفر بن أبي طالب يكلمه، فكان الذي ولي كلامه، فقال: أيها الملك إنا كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونستقسم بالأزلام، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، قال النجاشي: من أيكم هو؟ قال جعفر: هو ابن عمي أخي أبي، ثم دعانا إلى الله لنوحده ونعبده ولا نشرك به شيئًا ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه،
_________________
(١) في "ي" "ب": (انضم).
(٢) (الله) ليست في "ب".
(٣) في "ب": (هدايا).
(٤) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (ﷺ).
(٥) في "ب": (نشر).
[ ٣ / ١١٧٣ ]
وأمرنا بالصلاة والصدقة (١) والصدق والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وصلة الرحم، فآمنَّا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، وعبدنا الله وحده لا شريك له وحرمنا ما حرم الله علينا وأحللنا ما أحل الله لنا، فغدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردُّونا إلى عبادة الأوثان وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وحالوا (٢) بيننا وبين ديننا (٣) خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
قال: فاقرأ عليَّ، فقرأ عليه: ﴿كهيعص (١)﴾ قالت: فبكى النجاشي والله حتى أخضل لحيته وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما يتلى عليهم، قال النجاشي: إن مخرج هذا الأمر لمن المشكاة التي خرج منها أمر موسى بن عمران، انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا أكاد، فخرجوا من عنده، فقال عمرو بن العاص: والله لآتيه غدًا بما أستأصل به خضراءهم.
قالت: فقال ابن ربيعة- وكان أتقى الرجلين فينا-: لا تفعل فإن لهم أرحامًا وإن خالفونا، فقال: والله لأخبرنه أنهم يقولون: إن عيسى ابن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فاسألهم ما يقولون فيه، قالت: فأرسل إلينا، قالت: ولم ينزل مثلها، قال: فاجتمع القوم، وقال بعضهم لبعض: ماذا نقول في عيسى إن سألنا؟ فقالوا: نقول فيه (٤) الذي جاءنا به نبينا من عند (٥) الله كائن ما هو كائن. فلما دخلوا عليه، قال لهم: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ قال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا من عند الله:
_________________
(١) في "ب": (الزكاة) بدل (الصدقة).
(٢) في الأصل و"ب": (جادلوا).
(٣) (وبين ديننا) ليست في "أ".
(٤) في الأصل: (فنقول فيه).
(٥) في "ب": (نبينا - ﵇- كائن).
[ ٣ / ١١٧٤ ]
هو رسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، قال: فضرب يده إلى الأرض فأخذ منها عودًا، قال: ما عدا ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال النجاشي: وإن نخرتم والله، ثم قال لجعفر وأصحابه: اذهبوا فإنهم سيوم - والسيوم الآمنون بلغتهم- من سبكم غرم يقولها ثلاثًا، ثم ذكرت باقي الحديث (١).
﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ أي: من جهة ما بينهم من غير برهان.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ في معنى قوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ عن أبي سعيد الخدري قال: قرأ رسول الله - ﷺ - (٢): ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ قال: "يؤتى الموت كأنه كبش أملح حين يوقف على السور بين الجنة والنار، فيقال (٣): يا أهل الجنة، فيشرئبون، ويقال: يا أهل النار، فيشرئبون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيضجع فيذبح فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة الحياة والبقاء لماتوا فرحًا، ولولا أن الله تعالى قضى لأهل النار الحياة والبقاء لماتوا ترحًا" (٤).
﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾ فيه بيان غاية القبح والاستحالة وليس فيه ما يدل على جواز عبادة ما يسمع ويبصر، وقوله: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ يدل على امتناع جواز عبادة كل من هو دون الله، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾ فيه محافظة الأدب من وجهين:
أحدهما: التبرؤ من الحول والقوة لوجه الله تعالى.
والثاني: ترك التفضل على أبيه من ذات نفسه.
_________________
(١) أحمد (١/ ٢٠١) (٥/ ٢٩٠)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٣٠١) وسنده حسن.
(٢) (ﷺ) ليست في "أ" "ي".
(٣) في "أ": (ويقال).
(٤) البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩). وليس فيه: (.. فلولا أن الله) ولكن هذه الزيادة عند الترمذي (٣١٥٦) وهذه الزيادة حقيقة غير ثابتة.
[ ٣ / ١١٧٥ ]
﴿فَاتَّبِعْنِي﴾ اقتد بي في طلب الحق، أو في الاستدلال أو في ترك عبادة ما ظهر قبح عبادته، ﴿أَهْدِكَ﴾ بعد المتابعة ﴿صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ عين الحق والمدلول وهو ما يحسن عبادته.
﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ إنما نهاه لأن الشيطان يتصور للمشركين بصورة آلهتهم فيكلمهم فيها فيرجع عبادتهم في الحقيقة إليه.
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ﴾ إنما خاف أن ينزل عليه العذاب ولم يتيقن بذلك الرجاية له الإسلام وإنما لم يقل إنه ولي الشيطان في الحال لإرجائه أمره إلى الله تعالى كيف يختم عليه فإنما الأعمال بالخواتيم.
﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ أراد القذف والطرد والإبعاد، وقيل: الرجم بالحجارة، ﴿مَلِيًّا﴾ زمانًا طويلًا ومنه قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٣]، وقولهم: الملوان (١) وملوه من الدهر، وقيل: ﴿مَلِيًّا﴾ تباعد عني بلغة إبراهيم.
﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ أراد به الصفح والمتاركة، وقد سبق جواز استغفار المشركين وكيفيته ﴿حَفِيًّا﴾ بارًا وصولًا (٢)، وقيل: عالمًا، أي: أن الله تعالى عالم بهمتي فيك.
﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إنما تأخر ذكر إسماعيل لكون بني إسرائيل داخلون في هذا الخطاب.
﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ (من) قائم مقام الاسم تقديره: شيئًا (٣) من رحمتنا، أي: نعمتنا ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ ثناءً حسنًا من جهة الله تعالى وملائكته وأوليائه وأهل الكتاب أجمعين ﴿عَلِيًّا﴾ رفيعًا شريفًا.
_________________
(١) الملوان هما الليل والنهار [الدر المصون (٧/ ٦٠٦)]، والمراد بالملي ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريَم: ٤٦] أي: زمنًا طويلًا، ومنه قول الشاعر: فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجبال لموتهِ وبكت عليهِ المرملاتُ مَلِيّا
(٢) وورد عن ابن عباس - ﵄ - ﴿حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] لطيفًا. وما ذكره المؤلف: بارًا وصولًا هو في معنى اللطف ومن مقتضياته. [الطبري (١٥/ ٥٥٦)].
(٣) الأظهر في "من" إما أن تكون تعليلية، أي: من أجل رحمتنا. ويجوز أن تكون تبعيضية، أي: بعض رحمتنا. ذكر ذلك الزمخشري [الكشاف (٢/ ٥١٣)].
[ ٣ / ١١٧٦ ]
﴿كَانَ مُخْلَصًا﴾ لتخصيص (١) الله إياه من القتل والغرق وضلالة فرعون وحنانة القبطي و﴿رَسُولًا نَبِيًّا﴾ على التقديم والتأخير لاعتبار نظم الآي ومعناه أنه كان نبيًا مرسلًا.
﴿الْأَيْمَنِ﴾ الجانب، ﴿وَقَرَّبْنَاهُ﴾ بالكرامة، عن عطاء بن السائب عن ميسرة، قال: قربه الله وأدناه حتى سمع صرير القلم الذي يكتب له الألواح (٢)، إنما دخل في جملة المرسلين لقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧].
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ (٣) قيل: أراد به إسمول بن هلقاثا (٤) الذي قال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ (٥) بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] لأنه ذكر بعد موسى وهارون، وهذا لا يصح لأنه قد ذكر بعد يحيي وعيسى وإدريس بعد هؤلاء أجمعين لأن الواو للجمع لا للترتيب، وهو إسماعيل بن إبراهيم -﵇- وإنما اختص بصفة صدق الوعد لقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ [الصافات: ١٠٢] عند من جعله الذبيح، وعن ابن عباس قال: كان ميعاده الذي واعد فيه صاحبه فانتظر له حتى حال عليه الحول (٦).
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ هو أبو جد نوح -﵇- واسمه أخنوخ (٧)،
_________________
(١) في الأصل و"ي": (تخصيص).
(٢) هذا عن ابن عباس ومجاهد، ويروى مرفوعًا عند الديلمي في مسند الفردوس (٧١٩٦) ولا يصح. وانظر: الزهد لهناد (١٤٩)، وابن جرير (١٥/ ٥٥٩، ٥٦٠)، والحاكم (٢/ ٣٧٣).
(٣) الذي وجدناه في تفسير القرطبي (١١/ ١٠٥) إسماعيل بن حزقيل.
(٤) ذكره ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري كما في "الدر المنثور" (١٠/ ٨١).
(٥) (قد) من الأصل فقط.
(٦) ذكر هذه بشكل مختصر ابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/ ٢٤١)، والقرطبي مطولًا في تفسيره (١١/ ١١٨) عن مالك بن صعصعة مرفوعًا.
(٧) قال القرطبي: قيل: اسمه أخنوخ وهو غير صحيح كما زعم ابن السكيت، ومن قال: إن إدريس جد نوح فهو خطأ وكذا من قال: إن نوحًا -﵇- بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ =
[ ٣ / ١١٧٧ ]
وقيل: أنوخ، وسمي إدريس لكثرة ما يدرس كتب الله وسنن الإسلام، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من خط بالقلم، [ونظر في علم النجوم والحساب] (١)، وأول من خاط الثياب ولبسها وكان من قبله يلبسون الجلود، واستجاب له ألف إنسان ممن كان يدعوهم، فلما رفعه الله اختلفوا بعده وأحدثوا الأحداث إلى زمن نوح -﵇-، ورفع وهو ابن ثلثماية وخمس ستين سنة.
عن الكلبي عن زيد بن أسلم عن رسول الله: أن إدريس جد أبي نوح، وكان أهل الأرض بعضهم يومئذٍ كافر وبعضهم مؤمن، وكان يصعد لإدريس من العمل مثل ما يصعد لجميع (٢) بني آدم، فأحبه ملك الموت فاستأذن الله تعالى في خلته فأذن له، فهبط إليه في صورة غير صورته صورة آدمي مثله لكيلا يعرفه، فقال: يا إدريس إني أحب أن أصحبك وأكون معك. فقال له إدريس: إنك لا تطيق ذلك، قال: بلى أرجو أن يقربني الله (٣) على ذلك.
فكان معه يصحبه، فكان إدريس يسبح النهار كله صائمًا فإذا أجنّه (٤) الليل آتاه رزقه حيث يمشي فيفطر (٥) عليه، ثم يحيي الليل كله، قال: فساحا النهار كله صائمين حتى إذا أمسيا آتى إدريس رزقه فجلس يفطر فدعا الآخر، فقال: والذي جعلك بشرًا لا أشتهيه، فطعم إدريس، ثم استقبل الليل كله بالصلاة فإدريس تناله الفترة والسآمة من الليل والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس يتعجب منه.
ثم أصبحا صائمين فساحا حتى إذا أجنهما من (٦) الليل آتى إدريس
_________________
(١) = وهو إدريس -﵇-، وادريس -﵇- أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب ولبس المخيط وأول من نظر في علم النجوم والحساب وسيرها، [القرطبي (١١/ ١١٧)].
(٢) ما بين [] من "ب" "ي".
(٣) (لجميع) ليست في "ب".
(٤) (الله) ليست في الأصل و"ب".
(٥) في "ب": (أجن).
(٦) في الأصل: (فيفطن).
(٧) (من) ليست في "ب".
[ ٣ / ١١٧٨ ]
رزقه فجعل يطعم ودعا الآخر فقال: لا والذي جعلك بشرًا لا أشتهيه، فطعم إدريس ثم استقبل الليل كله بالصلاة، فإدريس تناله السآمة والفترة والآخر لا يسأم ولا يفتر فجعل إدريس يتعجب منه.
ثم أصبحا يوم الثالث صائمين، فساحا (١) فمرا على كرم قد أينع فطاب (٢)، فقال: يا إدريس لو أخذنا من الكرم فأكلنا، قال له إدريس: ما أرى صاحبه هاهنا لأشتري منه وإني لأكره أن آخذ بغير ثمن، قال: فمضيا على مراعي غنم، فقال: يا إدريس، لو أخذنا من هذا الغنم شاة فأكلنا من لحمها، قال له إدريس: فما أرى صاحبها فاشتري منه وإني لأكره أن آخذ شيئًا بغير ثمن، وإنك معي منذ ثلاثة أيام ما تطعم شيئًا لو كنت لطعمت واني لأدعوك إلى الحلال كل ليلة فتأباه، فكيف تدعوني إلى الحرام أن آخذ فيملح ما بيني وبينك، ألا نبأتني من أنت؟ قال: إنك ستعلم، قال: لتخبرني من أنت. قال: أنا ملك الموت - والملح في كلام العرب هي: الصحبة - قال: ففزع حيث قال: أنا ملك الموت، قال: فإني أسألك (٣) حاجة، فقال: وما هي؟ قال: تذيقني الموت، قال: ما إليّ من ذلك شيء وليس لك بدّ من أن تذوقه، قال: بلى، فإنه قد بلغني عنه شدة فلعلي أعلم ما شدته فأكون له أشد استعدادًا وأكثر له عملًا وحذرًا.
قال: فأوحى الله أن يقبض روحه ساعة ثم يرسله قال: فقبض نفسه ساعة ثم أرسله، فقال: كيف رأيت؟ قال: لقد بلغني عنه شدة، ولقد كان أشد مما بلغني منه، قال له ملك الموت: ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي ولكنك سألتني فأحببت أن أسعفك.
قال: فإني أسألك (٤) حاجة أخرى، قال: ما هي؟ قال: أحب أن
_________________
(١) في الأصل: (صباحًا).
(٢) في "ب": (وطابا).
(٣) في "أ": (أمالك).
(٤) في "أ": (أمالك).
[ ٣ / ١١٧٩ ]
تريني النار، قال: ما إليّ من ذلك شيء ولكني سأطلب فإن قدرت عليه فعلت، فبسط جناحه فحمله عليه حتى صعد به إلى السماء فانتهى إلى باب من أبواب النار فدقَّه، فقيل له: من هذا؟ قال: أنا ملك الموت، قال: مرحبًا بأمين الله هل أمرت فينا بشيء؟ قال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناطركم، هذا إدريس استأذنت الله في خلته فأذن لي فسألني أن أريه النار فأحب أن تروها إياه، قال: ففتح منها شيء، قال: فجاءت بأمر عظيم وخرّ إدريس مغشيًا عليه، قال: فحمله ملك الموت فأجلسه في ناحية حتى أفاق وقد ذبل واصفر، فقال له ملك الموت: ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي ولكنك سألتني فأحببت أن أسعفك.
قال: فإني أسألك حاجة غيرها، قال: ما هي؟ قال: أحب أن تريني الجنة، قال: ما إلى من ذلك شيء ولكني سأطلب فإن قدرت عليه فعلت، فانطلق به إلى خزنة الجنة فدق بابًا من أبوابها فقيل له: من هذا؟ قال: أنا ملك الموت، قالوا: مرحبًا بأمين الله هل أمرت فينا بشيء؟ قال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناطركم، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنة فأحب أن تروها إياه، قال: ففتح له الباب فدخل فيها فنظر إلى شيء لم ينظر إلى مثله فطاف فيها ساعة، ثم قال له ملك الموت: انطلق بنا فلنخرج، قال: فينطلق إلى شجرة فيتعلق بها ثم يقول: والله لا أخرج حتى يكون الله هو يخرجني، قال له ملك الموت: إنه ليس بحينها ولا زمانها وإنما طلبت إليهم لترى، فأبى.
قال: فقيَّض الله له ملكًا من الملائكة، قال له ملك الموت: اجعل هذا الملك بيني وبينك، قال: نعم، قال: ما تقول يا ملك الموت؟ قال: أقول إني استأذنت الله في خلة إدريس فأذن فهبطت فكنت معه حينًا ثم سألني أن أذيقه الموت فأذقته فأصابه من شدته، ثم سألني أن أريه النار فأُري، صابه من شدتها، ثم سألني أن أريه الجنة فطلبت له فأري فدخلها وإنه أبى أن يخرج فأخبرته أنه ليس بحينها ولا زمانها، قال: ما تقول يا إدريس؟ قال: أقول: إن الله تعالى قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقد ذقته، ويقول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أي: النار وقد وردتها، ويقول الله لأهل الجنة: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] فوالله لا أخرج
[ ٣ / ١١٨٠ ]
منها أبدًا حتى يكون الله يخرجني منها، فسمع هاتفًا من فوقه: بأمري دخل وبأمري فعل فخلِّ سبيله فذلك قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ (١).
وعن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: إن إدريس كان يصعد له من العمل كل يوم مثل ما كان يصعد لجميع الناس، فطلب ملك الموت إلى ربّه فهبط إليه، قال: فلما كلمه إدريس، قال: اصعد بي إلى السماء، فصعد معه فلمّا انتهى إلى السماء السادسة مرّ به ملك فقال الملك لملك الموت: أين تريد؟ قد بعث إلى رجل من بني آدم أن يقبض روحه في السماء السادسة. فالتفت إلى إدريس وقبض روحه في السماء السادسة، ويجوز أن يكون المراد بالمكان العلي الرتبة العلية من النبيين (٢).
﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ وجده شيث ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ ابنه الأكبر سام والأنبياء من ذرية سام: هود وصالح وشعيب ولوط وأيوب والله أعلم بغيره من المحمولين (٣) كيافث وحام وغيرهما ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ إسماعيل وإسحاق ومحمد - ﷺ -، وروى خالد بن سنان أيضًا: ومن ذرية ﴿إِسْرَائِيلَ﴾ أنبياء بني إسرائيل ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ ومن جملة هؤلاء الخضر إن لم يكن من ذرية سام. ووصف سعيد بن المسيب لقمان الحكيم بالنبوة وكان من ولد حام فإنه كان حبشيًا وهو رومي والروم من ولد يافث.
وعن النبي - ﵇ - (٤) أنه قال: "سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم" (٥) قال الأمير: وظني بجرجيس -﵇- أنه من جملة هؤلاء ولم
_________________
(١) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١٠/ ٨٦ - ٩٠) مطولًا وعزاه لابن المنذر وذكره (١٠/ ٨٤) مختصرًا وعزاه لابن أبي حاتم.
(٢) الترمذي (٣٢٣١)، وأحمد (٥/ ٩، ١٠)، والطبراني في الكبير (٦٨٧١)، وفي "مسند الشاميين" (٢٦٤٥) والحديث ضعيف.
(٣) (من المحمولين) ليست في "ب".
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) مسلم (٨١).
[ ٣ / ١١٨١ ]
يكن من بني إسرائيل، وزعم القتبي أن الأنبياء كلهم عربيهم وعجميهم من ولد سام بن نوح -﵇- (١)، قالوا: وفي قوله: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ يجوز أن تكون للعطف على ذرية آدم أو على ذرية المحمول مع نوح أو على ذرية إبراهيم وإسرائيل، ويجوز للاستئناف جملة، والتقدير: ممن هدينا واجتبينا قوم.
عن مجاهد قال: ما أري إبليس أحدًا ساجدًا إلا التطم ودعا بالويل، قال: أمر هذا بالسجود فسجد فله (٢) الجنة وأمرت فلم أسجد فلي النار.
وعن أبي هريرة عنه -﵇- (٣) قال: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار" (٤).
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الخَلْف ضد الخَلَف، يقال: خَلْف سوء وخَلَف صدق، ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ اشتغلوا بما يلهي عنها من لعب ولهو ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ غيّهم الذي أسلفوه وقدموه كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٨] وقيل: الغي اسم وادٍ في جهنم، وقيل: مأخوذ من الغياية وهي الظلمة والسحابة.
وعن كعب وأصحابه، قال: صفة المنافقين شاربون للقهوات لعابون بالكعبات ركابون للشهوات تاركون للجماعات راقدون عن العتمات مفرّطون في الغدوات ثم تلا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ الآية (٥). ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ هو القول المفعول، وقيل: أراد الآتي.
﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ قيل: استثناء منقطع، وقيل: متصل؛ لأن السلام في دار السّلام من جنس اللغو لأنه كلام غير محتاج إليه بخلاف الحمد والتسبيح
_________________
(١) (-﵇-) ليست في "ي" "ب".
(٢) في الأصل: (نسجد له)، وفي "ي" "أ": (فسجد له).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) عزاه صاحب الدر (١٠/ ٩٨) لابن أبي حاتم.
(٥) عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٩)، والطبري (١٥/ ٥٧٦).
[ ٣ / ١١٨٢ ]
اللذين هما من أهل الإيمان بمنزلة التنفيس من الحيوان (١) ﴿بُكْرَةً﴾ أي: ابتداء الحالة الممتدة التي هي لملاقاة الإخوان، ﴿وَعَشِيًّا﴾ الساعة التي هي قبيل الحالة الممتدة التي هي للخلوة مع النسوان، قال قتادة: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجبه (٢) ذلك، فأخبرهم أن لهم في الجنة هذه الحالة التي تعجبهم في الدنيا (٣).
﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ خبر، ويجوز أنها اسم جنس ولي اسم الإشارة والخبر ما بعدها، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير: هذه الجنة التي ذكرنا ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ و(التقي) ينطبق على كل مؤمن.
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ عن ابن عباس قال: قال النبي - ﵇ - (٤): "ما لك يا جبريل، ما لك لا تزورنا أكثر مما تزورنا" (٥) فأنزل الله، قال الكلبي: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ الآخرة، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ الدنيا (٦).
وقال الفراء (٧): ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ الآخرة ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة يلقنها جبريل من الله تعالى، وقيل مقدر في ابتدائها ﴿نَسِيًّا﴾ ناسيًا (٨) فكأن جبريل قال: لم ينسنا الله تعالى ولم ينسك فلو شاء لأذن لنا في النزول إليك أكثر مما نتنزل.
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: هو رب السماوات، وقيل: بدل من قوله
_________________
(١) ذكر هذين الوجهين الزمخشري في تفسيره، [الكشاف (٢/ ٥١٥)].
(٢) في "أ": (يعجبه).
(٣) ورد هذا في روايات ذكرها السيوطي في "الدر المنثور" (١٠/ ١٠٥، ١٠٦) وعزاه لابن مردويه ولابن أبي حاتم.
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) ابن أبي شيبة (٣٤١٧٢).
(٦) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - وقتادة والضحاك، أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١٥/ ٥٨٢).
(٧) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ١٧٠).
(٨) (ناسيًا) ليست في "ب".
[ ٣ / ١١٨٣ ]
﴿رَبُّكَ﴾ (١)، ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ افتعال من الصبر ﴿سَمِيًّا﴾ مجانسًا، وهذا يدل على أن الاسم الحقيقي معنى دوري.
﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ قال خباب: جئت العاص بن وائل السهمي أتقاضى بمالي عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد - ﵇ -، فقلت: لا حتى تموت ثم تبعث، فقال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قال: نعم، قال: إن لي هناك مالًا أقضيكه فنزل: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ [مريم: ٧٧] الآية، وفي الآية دلالة أن الآية في العاص ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ (ما) صلة كقول امرئ القيس (٢):
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له
﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ نسيانه.
والشيطان مع (الشياطين) (٣) ﴿جِثِيًّا﴾ جلوسًا على الركب قريب من الجثوم.
﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ لنزيلن، وقيل: ليقولن ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ فليخرج ويحتمل أيهم كان أشد ويحتمل أشدهم؛ فالأول تخصيص الوصف بما مضى، والثاني: إخلاص الوصف للحال.
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ﴾ علم الله تعالى الذي تفرد به علم الأعيان، فأما علم الأوصاف فقد رزقنا حيث أخبر أن الكبائر هي الموجبات للنار، فمن كاد
_________________
(١) هذا أحد الأوجه أنه بدل من "ربك"، والوجه الثاني: أنه خبر لمبتدأ محذوف التقدير: هو رب. والوجه الثالث: أنه مبتدأ والخبر الجملة الأمرية بعده، وهذا على مذهب الأخفش وهو أنه يُجَوِّزُ زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقًا. [إعراب معاني القرآن للأخفش ص ٣٤].
(٢) البيت لامرىء القيس من معلقته، ورقم البيت في المعلقة (١٦)، وقد ذكر المؤلف صدر البيت وأما عجزه فهو: بشِقٍّ وتحتي شِقها لم يُحَوَّل والبيت من الطويل.
(٣) في "ب" "ي": (والشياطين مع الشيطان)، وفي "أ": (الشياطين مع الشياطين).
[ ٣ / ١١٨٤ ]
يرتكب الكبائر كاد يصلى النار، ومن كان أقدم على اقتحام الفواحش كان أولى وقودًا، ومن كان أشد إصرارًا فهو حري خلودًا.
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ابن عباس عن كعب قال: ترفع جهنم يوم القيامة كأنها متن إهالة وتستوي أقدام الخلائق فينادي منادٍ: أن خذي أصحابك ودعي أصحابي، فتنخسف بهم ولهي أعرف بهم من الوالدة بولدها وتمر أولياء الله تندى ثيابهم (١).
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -﵇- (٢): "يرد (٣) الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحلة ثم كسد الرجل ثم كمشيته" (٤).
وعن عبد الله قال: الأرض نار كلها يوم القيامة والجنة من ورائها يرون كواعبها وأكوابها، والذي نفس عبد الله في يده (٥) إن الرجل ليفيض عرقًا يوم القيامة حتى يبلغ أنفه ثم يرتفع ثم يسوخ وما مسه الحساب، فقلنا: وبم ذلك يا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى الناس يلقون (٦).
وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: إن للقيامة أحوالًا وأهوالًا وزلازل وشدائد وظلماء، إذا انشقت السماء وتناثرت النجوم وذهب ضوء الشمس والقمر وتقلعت الأشجار وتدكدكت الآكام وغارت العيون ونصبت الموازين ونشرت الدواوين، وجيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام من حديد كل زمام أخذته سبعون ألف ملك كل (٧) ملك أعظم ما بين
_________________
(١) أحمد (١/ ٤٣٤)، والترمذي (٣١٥٩)، والحاكم (٢/ ٣٧٥)، والبيهقي في البعث (٦٥٧)، والحديث حسن الإسناد.
(٢) في "ي": (-﵇-) ليست موجودة، وفي "ب": (ﷺ) بدل (-﵇-).
(٣) في الأصل: (يرون).
(٤) الطبراني في الكبير (٨٧٧١).
(٥) في "ب": (بيده).
(٦) مسلم (٢٤٩٥).
(٧) (كل) ليست في الأصل.
[ ٣ / ١١٨٥ ]
المشرق والمغرب يجرونها جرًا، حتى إذا كانت من الموقف مسيرة ماية زفرت زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر جاثيًا لركبتيه ينادي على (١) حياله: نفسي نفسي، ثم تزفر أخرى فلا يبقى في عين أحد قطرة من الدموع إلا بدرت، ثم تزفر أخرى فتعلو بياض العيون سوادها وتشخص الأبصار فلا ينطق أحد ولا يطرف ولا يعقل، ثم يضرب الصراط على متن جهنم طوله مسيرة ثلاثة آلاف سنة ألف سنة صعود وألف سنة هبوط وألف سنة (٢) سهولة بين حائطين من نار عرض كل حائط مسيرة ثلاث ليال على حافته الزبانية معهم الحسك والكلاليب.
فقام رجل من الأزد يقال له: جندب بن زهير إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي إني لأرجع من عندك إلى منزلي فما تقر عيني في مال ولا ولد حتى أرجع فأنظر إليك، فأنَّى لي بك في غمار القيامة؟! قال: "يا جندب انظرني عند عقر حوضي فإن لم تلقني فانظرني في مقام الشفاعة فإن لم تلقني فانظرني على شفير جهنم، والخلائق يمرون وأنا أنادي يا رب سلِّم سلِّم وجبريل ينادي: يا رب سلم سلم وألف ألف وأربعة ماية ألف نبي من ولد يعقوب ينادون: اللهم بشرف محمَّد سلم، أي جندب ابن زهير فكم من مخدش مرسل وكم من مختطف هاوٍ ومكردس في النار، وخزان الجنة على أبواب الجنة معهم الحلي والحلل والتيجان من ألوان الجواهر ينتظرون أولياء الله" ثم ذكر باقي الحديث (٣).
والجمع بين هذا الحديث وبين قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] يعني: لا يسمعون بعد دخول الجنة، فأما ما قبله فالأمر على
_________________
(١) (علي) ليست في "ب".
(٢) في الأصل: (سنة) مكررة.
(٣) كثير من ألفاظ هذا الحديث منثور في حديث الصراط الذي رواه أبو سعيد الخدري مرفوعًا، أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٦٠٣)، والمروزي في الزهد (١٢٦٨)، وابن خزيمة في التوحيد (ص ٢١١)، وابن ماجه (٤٢٨٠)، والحاكم (٤/ ٥٨٥).
[ ٣ / ١١٨٦ ]
ما تضمنه الحديث ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ واجبًا لازمًا (١)، وإيجاب الله على نفسه مجاز (٢)، وحقيقة وجوب وعده وتأكد قضائه وصدق قوله وانبرام (٣) حكمه على وجه لا يليق بربوبيته غيره، قيل: الورود غير الدخول، كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣].
وعن أم مبشر امرأة زيد بن حارثة قالت: كان (٤) النبي -﵇ - (٥) في بيت حفصة وقال: "لن يدخل النار إن شاء الله أحدًا شهد بدرًا والحديبية" فقالت: ألا تسمع إلى قول الله (٦): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآية، فقال: "ألا تسمعين ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الآية (٧)، وقيل: الورود الدخول وهي في حق الناجين جامدة ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ناديًا وهو المجلس الذي يشهدُه العشيرة والجيران، ويشبه جدال هؤلاء المشركين بقول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١] وقول أحد الرجلين في جنته: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥] سبحان الله ما أجمعهم على وتيرة واحدة حتى كأنهم تواصوا بها وتواطؤوا عليها مع بعد الديار واختلاف الأعصار (٨).
﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ مجاز فواجب على الله أن يمد له في الدنيا، وحقيقته ليظن له المد من قضاء الله وقدره، وهذه قريبة من قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٣] الآية. وفي هذا المعنى قوله - ﷺ -: "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تميلها الرياح (٩) مرّة ها هنا
_________________
(١) (واجبًا لازمًا) ليست في "ب".
(٢) الأصل في اللفظ أن يجري على الحقيقة فيما يخاطبنا الله به حتى في أوصافه جلَّ وعلا، إلا إذا تضمن الظاهر نقصًا، لكن إلزام الله -﷿- لنفسه لا يتضمن نقصًا بوجه من الوجوه فيجري على الحقيقة، والله أعلم.
(٣) في الأصل: (والتزام).
(٤) في "ب": (كانت).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) في "أ": (قوله) بدل (قول الله).
(٧) لم نجد هذا الحديث فيما بين أيدينا من المصادر.
(٨) في الأصل: (الديار).
(٩) (الرياح) من "ي" فقط.
[ ٣ / ١١٨٧ ]
ومرّة هاهنا، ومثل المنافق كالأرزة المجدبة لا تحركها العواصف حتى يكون انجحافها مرة" (١) فالجمع بين هذه وبين قوله (٢): ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا﴾ [المائدة: ٦٦] الآية، وقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾ [نوح: ١٠، ١١] الآية، وقوله - ﵇- (٣) لقريش وأمثالهم: "أدعوكم إلى كلمة تملكون بها العرب ويدل لكم بها العجم"، هو أن الضلالة قد تكون سببًا لليسر مرة والعسر أخرى وكذلك الهدى ما دامت محنة (٤) الالتباس قائمة وعزيمة الابتلاء باقية، فلا تناقض بين الأحاديث والآيات.
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ﴾ قال الكلبي (٢) وغيره: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ بالمنسوخ ﴿هُدًى﴾ الناسخ.
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ قال الفراء (٥): الاطلاع البلوغ، يقال: اطلعت هذه الأرض، أي: بلغتها.
﴿كَلَّا﴾ إن دخلت على كلام فهي ردّ له بمنزلة بلى، وإن جاءت صدر الكلام فهي بمنزلة لا، وهي ردّ لموهوم ربما ظهر بعده ﴿وَنَمُدُّ لَهُ﴾ نزيده ﴿مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ زيادة، وتلك الزيادة لغلوه في الضلالة.
﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ معنى قول الكلبي: إن الله تعالى يحقق قول الكافر: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ بأن يجعل شيئًا من أموال الجنة وولدانها باسمه على شريطة الإيمان ثم يريه في ذلك عند عدم الشريطة فيورثه غيره، ويتركهم يوم القيامة ﴿فَرْدًا﴾ وقيل: إن الله تعالى يرث الكافر في قوله الباطل بعينه بأن يكتبه ويخلده في كتابه فهذا القول الباطل تركته، والله -﷿- ورثه إلى أن يحاسبه بها بعدما سها.
_________________
(١) ذكره القرطبي عن الكلبي في تفسيره (١١/ ١٤٤).
(٢) بعد قوله بياض في "ب".
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في الأصل ليست هناك كلمة (محنة).
(٥) لم نجده في معانيه فلعله في موضع آخر من كتبه.
[ ٣ / ١١٨٨ ]
﴿عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ مخالفًا مناقضًا.
﴿أَنَّا (١) أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ سلطناهم، وقد يعبر بالإرسال عن التسليط قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾ [المطففين: ٣٣] ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ تهزهم نحو المعاصي هزًا.
﴿نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ ساعات الأجل ولحظات المهل لرفع الحيل وقطع الأمل.
﴿يَوْمَ﴾ (٢) منصوب ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ ﴿وَفْدًا﴾ الذين يفدون عن الملك طمعًا في بره وإحسانًا.
﴿وِرْدًا﴾ وهي الإبل العطالش التي ترد مواردها.
﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ المالكون الشفاعة والمتخذون ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ هم الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾ [الرعد: ٢١] يشفعون لمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، والصلاح هو مجرد الإيمان.
﴿شَيْئًا إِدًّا﴾ داهية. قال علي: رأيت رسول الله - ﵇ - (٣) في المنام، فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت بعدك من الأدد والكدد والأود (٤) ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ لكلمة الشرك هذه، قال الليث: (الهدّ): الهدم الشديد، وقيل: الهد الخسوف.
﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ أي: معترفًا بالعبودية، وذلك حين يحضر العرض.
_________________
(١) (أنا) من الأصل.
(٢) (يوم) فراغ في "أ".
(٣) في "ب": (ﷺ).
(٤) أصل هذا الحديث في الصحيحين دون ذكر الآية، أما الآية فقد جاءت في رواية الترمذي (٣١٦١) وصححها الشيخ ناصر الدين الألباني -﵀-، وهو كذلك عند ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير والدر المنثور (١٠/ ١٤٦).
[ ٣ / ١١٨٩ ]
﴿وُدًّا﴾ محبة.
عن أبي هريرة أن رسول - ﷺ - (١) قال: "إذا أحبّ الله عبدًا نادى جبريل -﵇- (٢) إني أحببت فلانًا فأحبه، قال: فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله -﷿-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ (٣) وإذا أبغض عبدًا نادى أني قد أبغضت فلانًا فينادي في السماء ثم ينزل له البغضاء في الأرض" وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله - ﷺ - لعلي: "يا علي، قل اللَّهم اجعل لي عندك عهدًا واجعل لي عندك ودًّا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة" (٤)، فنزل جبريل بهذه الآية في علي - ﵁ -، وقال أبو سعيد الخدري: إنا (٥) كنا معشر الأنصار (٦) لنعرف المنافقين (٧) ببغضهم علي بن أبي طالب (٨).
﴿لُدًّا﴾ جمع اللدّ.
عن أبي بن كعب عنه - ﵇ -: "من قرأ سورة مريم أعطي عشر حسنات بعدد من كذب زكريا وصدق به ويحيى وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإدريس، وبعدد (٩) من دعا لله ولدًا لا إله إلا الله وبعدد من لم يدع لله ولدًا" (١٠).
_________________
(١) (ﷺ) ليست في "أ" "ي".
(٢) (السلام) ليست في "أ" "ي".
(٣) ذكره السيوطي في الدر (١٠/ ١٤٤) وعزاه لابن مردويه، وهو عند الديلمي في مسند الفردوس (١٩٣٢).
(٤) الترمذي (٣٧١٧)، والطبراني في الأوسط (٢١٢٥، ٤١٥١).
(٥) المثبث من "ب"، وفي الجميع (إن).
(٦) في "ب": (الإسلام).
(٧) (لنعرف المنافقين) ليست في "ب".
(٨) هذا أثر أبي سعيد المشهور الموضوع الذي وضعه نوح بن أبي مريم في فضائل السور وقد ذكره صاحب الكشاف والبيضاوي وأبو السعود في تفاسيرهم.
(٩) في "ب": (وبعد).
(١٠) ذكر هذا الحديث القرطبي في تفسيره مسندًا عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا ورجاله ثقات، تفسير القرطبي (١١/ ٧٦).
[ ٣ / ١١٩٠ ]