مكية (١)، وهي ثلاثون آية عند أهل الحجاز (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ لتبرمهم بنوح -﵇- (٣) واستخفافهم به، فدعاهم جهارًا، ثم أعلن لهم الوعد والوعيد وأسرهم إسرارًا، فلم ينجع فيهم كلامه.
﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ لا تخشون لله عظمة ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ﴾ لوعد الله موقرين إياه.
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ أي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، وقيل: خلق أرواحهم جنودًا مجندة أول مرة وإخراجهم من صلب آدم -﵇- (٣) كأمثال الذر للميثاق ثانيًا وتوليدهم من آبائهم وأمهاتهم أطفالًا للقدرة والاختيار ثالثًا، وقيل: أراد تمنيتهم والزيادة في إجزائهم كل يوم، وقيل: أراد تصريفهم من حال إلى حال، و(الطور) المرة.
﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ زين لهم الشيطان لعمرو بن لحي حتى اتخذ أصنامًا على هذه الأسماء وفرقها في قبائل
_________________
(١) ذكره السيوطي (١٤/ ٧٠٤) عن ابن عباس وابن الزبير.
(٢) انظر: "البيان" (٢٥٥).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
[ ٤ / ١٦٦٣ ]
العرب وزعم أنه استخرجها من الأرض، وأنها (١) تلك الأصنام القديمة، فكانت ودّ لكلب بدومة الجندل، وسواع لهذيل برهاط، ويغوث لقبائل من اليمن بجرش، ويعوق لهمدان، وفيه شيطان يكلمهم إذا تحاكموا إليه، ونسر الذي لكلاع الذي بأرض حمير (٢) ودعوة نوح -﵇-.
﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ كدعوة موسى -﵇- (٣).
﴿مِمَّا﴾ "ما" صلة (٤) كما في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
﴿دَيَّارًا﴾ فيعال من الدور، وقيل: المراد بالديار صاحب الدار.
عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: إذا كان يوم القيامة دعي نوح -﵇- (٥) إلى الحساب، فيقول قومه: لا والله ما جاءنا، فيقول نوح: بلى والله قد بلغت، فيقال له: من يعلم؟ فيقول: أمة محمَّد، فيجيئون ويشهدون له، ثم كذلك ثم كذلك (٦).
_________________
(١) في "أ": (وأنا).
(٢) هذا التفصيل أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ٤٢٧) عن ابن عباس قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح -﵇-، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت. وكذا روي عن عكرمة والضحاك وقتادة وابن إسحاق مثل هذا.
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) وقيل: إن "ما" زائدة إعرابًا، والتقدير: من خطيئاتهم، ومثله "فبما نقضهم" فبنقضهم و"عما قليل" عن قليل. كما زيدت الباء في قوله: ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، و﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] و﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، و﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾ [الشعراء: ١١٤]. [انظر: سر صناعة الإعراب (١/ ١٣٣)].
(٥) (-﵇-) ليست في "ي" "ب".
(٦) قريبًا منه عن ابن عباس عند الحاكم (٢/ ٥٤٧، ٥٤٨).
[ ٤ / ١٦٦٤ ]