مكية، وعن المعدل عن ابن عباس إلا آية نزلت بالمدينة وهي قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود:١١٤] الآية (١)، وهي مائة واثنتان وعشرون آية عند أهل المدينة والشام (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر الصدِّيق - ﵁ -: يا رسول الله قد شِبتَ! قال: قال رسول الله: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت" (٣).
_________________
(١) كل المفسرين نقلوا مكيتها، أما استثناء هذه الآية فنقله القرطبي (٩/ ٥) عن ابن عباس وقتادة، وابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٧٣) عن ابن عباس فقط. وهذه الآية المستثناة أسباب نزولها في المدينة والله أعلم.
(٢) قال أبو عمرو الداني في "البيان في عدِّ آي القرآن" (١٦٥): (هي مائة وإحدى وعشرون آية في المدني الأخير والمكي والبصري، واثنتان في المدني الأول والشامي، وثلاث في الكوفي).
(٣) الطبراني في الكبير (١٠٠٩١)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" (٩)، والمروزي في "مسند أبي بكر" (٣٠ - ٣٢)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٤٣٦)، وابن عساكر (٤/ ١٧٣،١٧٢) والحديث غير ثابت وعلله أكثر الأئمة، وانظر علل الدارقطني (١/ ١٩٣ - ٢١١)، والنكت على ابن الصلاح لابن حجر (٢/ ٧٧٤ - ٧٧٦)، وصحح الحديث الشيخ ناصر الدين الألباني -﵀- في السلسلة الصحيحة (٩٥٥)
[ ٣ / ٩٦١ ]
وعن أبي جُحيفة قال: قالوا: يا رسول الله نراك قد شبت! قال: "شيبتني هود أخواتها" (١).
وأعلم أنّ المعنى المشيب لرسُول الله إما سر من أسرار الله تعالى في القرآن العظيم (٢) لم يطلع عليه إلا نبيه، وإما أحد الأشياء الأربعة:
أحدها: أنّ بعض السور اختصت بالاسترقاء، وبعضها بالثقل، وبعضها بالتعوذ، وبعضها بتلقين الموتى، وهذه السورة بالترهيب والنكت اللطيفة، كما بلغنا أنّ بعض أهل الإلحاد (٣) تصور له أنه يحاكي القرآن بهذيان، فلما انتهى إلى قوله: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ انشقت مرارته.
والثاني: أن هذه السور كلهنَّ مكيات فلعلهن (٤) نزلنَ أيام النفير إلى الشعب (٥) وأيام وفاة خديجة وأبي طالب، فقوله: "شيبتني هود وأخواتها" مِن كثرة ما لقي (٦) من مكروه المشركين.
والثالث: أن نزول الوحي عليه قد كان سهلًا، وقد (٧) كان ثقيلًا، روي أن النبي -﵇-: "كان إذا نزل عليه الوحي يترَبد (٨) وجهه ويجد بردًا
_________________
(١) رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٢٣) (٣١٨)، وأبو يعلى (٨٨٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٥٠)، وابن عساكر (٤/ ١٧٣) وسنده ضعيف، وفي المخطوطات أبو حذيفة وهو خطأ.
(٢) (العظيم) من "أ" فقط.
(٣) نقل القاضي عياض في "الشفا" (٢٠٨) شيئًا من ذلك عن ابن المقفع. وانظر أيضًا "روح المعاني" للألوسي (١٢/ ٦٣).
(٤) في "ب": (فكأنهن).
(٥) (الشعب) ليست في "أ" "ي".
(٦) (ما لقي) ليست في "ب ".
(٧) في "أ": (كان سلا وكان).
(٨) أي تغير إلى الغبرة وهي لون قريب من السواد كما في لسان العرب مادة (ربد)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٥٥).
[ ٣ / ٩٦٢ ]
في ثناياه" (١)، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "رأيت الوحي ينزل على النبي -﵇- (٢) وإنه على راحلته فترغو وتفتل يديها حتى أظن أن ذراعها تنقصم، فربما بركت (٣)، وربما قامت موتدة يديها حتى يسرى عنه من ثقل الوحي وأنه لينحدر منه مثل الجمان" (٤) فيحتمل أن جبريل -﵇- أنزل عليه سورة هود وأخواتها على هذه الطريقة الشديدة فلذلك شيبته.
والرابع: هو تكرار المعنى المزعج، ففي سورة هود تكرار لفظة بعد أي هلك، وفي سورة الواقعة تكرار أنتم أو نحن، وفي سورة "المرسلات" تكرار لفظة ﴿وَيْلٌ﴾، وفي سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ تكرار لفظة "وكان" "وكانت"، وفي سورة "التكوير" تكرار لفظة "إذا" على سبيل الوعيد (٥).
قوله: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ بمعنى الخصوص وهو إحكام التلاوة وتهذيبها مما يلقي الشيطان في الأمنية. ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ﴾ عنده بلا وساطة أو التفصيل هو تفسير رسول الله مجملات الآي ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ مضمرًا آتيناكه (٦) لتقوم بالوعظ أن لا يعبدوا، وإنما قدم الاستغفار على التوبة لأن الإنسان يستفتح الشر ويعرض عنه مستغفرًا، ثم يستفتح الخير ويقبل عليه مستوفيًا، والمراد بالاستغفار (٧) كسب سبب المغفرة وهو إصلاح العقيدة، وبالتوبة سبب الاستقامة بإصلاح العزيمة.
﴿وَيُؤْتِ﴾ الله تعالى ﴿كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ خصلة فاضلة فضيلتها من الثواب.
_________________
(١) ذكره بهذا اللفظ ابن سعد في الطبقات (٨/ ٣٧٩) وله شواهد كثيرة دون ذكر البرد في الثنايا.
(٢) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب" (ﷺ)
(٣) في الأصل: (نزلت) وهو خطأ.
(٤) ابن سعد في الطبقات (١/ ١٩٧) وفيه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي أروى الدوسى.
(٥) هذه المعاني الأربعة التي ذكرها من مفردات هذا التفسير لم نجدها في كتاب غيره.
(٦) المثبت من "ب"، وفي البقية: (أتينا له).
(٧) في الأصل مكررة (الاستغفار).
[ ٣ / ٩٦٣ ]
﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ عن (١) ابن عباس نزلت في الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي (٢)، وقال أبو بكر محمَّد بن عزيز السجستاني (٣) أن قومًا من المشركين كانوا قد قالوا فيما بينهم: أرأيتم لو أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمَّد -﵇- (٤) كيف يعلم بنا؟ فأنبأ الله -عَزَّوَجَلَّ- عمّا كتموه فقال: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ (٥) الآية.
سئل ابن عباس عن قوله -عَزَّوَجَلَّ-: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: على أي شيء (٦) كان الماء؟ قال: كان (٧) على متن (٨) الريح.
﴿أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ مدة معلومة (٩)، قال الله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥].
_________________
(١) (عن) من "ب ".
(٢) ذكر ذلك القرطبي (٩/ ٨)، وابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٧٦) عن أبي صالح عن ابن عباس - ﵄ -. وهو من رواية الكلبي المتهم بوضع الحديث، وذكره البغوي في تفسيره (٢/ ٣٧٣) بدون إسناد.
(٣) هو أبو بكر محمد بن عزيز السجستاني العزيزي، له مؤلف "نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن" في مجلد كما في هدية العارفين (١/ ٤٦٤) توفي سنة ٣٣٠هـ. وهو من تلامذة ابن الأنباري، وكان فاضلًا عاش في بغداد وألف كتابه هذا في أربعين سنة ولم يؤلف غيره. وكتابه مفقود وقد اختصره شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم المصري الشافعي وسماه "التبيان في تفسير غريب القرآن" وهو مطبوع في دار الصحابة بطنطا سنة ١٩٩٢ بتحقيق الدكتور فتحي أنور الدابولي.
(٤) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب" (ﷺ).
(٥) انظر التبيان في تفسير غريب القرآن (ص ٢٣٣)، ولعل ابن الأنباري استنبطه من الآية ولم يروه عن أحد، وأقرب الأقوال فى سبب النزول- والله أعلم- ما رواه البخاري في صحيحه (٤٦٨١)، والطبري في تفسيره (١٢/ ٣٢١) كلاهما عن ابن عباس -﵄- أنها نزلت في ناس كانوا يستحيون أن يفضوا إلى السماء في الخلاء ومجامعة النساء.
(٦) المثبت من "ب"، وفي البقية (أيش).
(٧) (كان) ليست في "ب" "ي".
(٨) عبد الرزاق في مصنفه (٩٠٨٩) وفي تفسيره (١/ ٣٠٢)، وابن جرير (١٢/ ٣٣٣)، وابن أبي حاتم (٦/ ٢٠٠٥)، والحاكم (٢/ ٣٤١)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٠٢).
(٩) أي أجل محدود هكذا روي عن ابن عباس -﵄- وقتادة ومجاهد وغيرهم. أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٣٧).
[ ٣ / ٩٦٤ ]
(اليؤوس) القنوط أي ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾. ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ ليسدي الفعل إلى ما لا فعلَ له في الحقيقة غير معترف باللهِ الذي صرف عنه السيئات وأبدى له منها نعمة ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ لأشر بطر في حال الرفاهية.
﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ إن كان المراد بالإنسان عبد الله بن أبي أمية المخزومي أو رجل معين مثله (١)، والاستثناء منقطع. وإن كان المراد به الجنس فالاستثناء متصل في محل النصب لأنه مستثنى من مثبت (٢).
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ﴾ أي تكاد تترك إبلاغ ﴿بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ على سبيل الفور ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي وتكاد تضيق صدرًا بهذا البعض على سبيل الضعف وقلّة الاحتمال دون الكراهة وسوء الاختيار، وإنما قال: ﴿وَضَائِقٌ﴾ ولم يقل وضيّق للتوفيق بينه وبين قوله: ﴿تَارِكٌ﴾ ولنفي إيهام تحقيق الوصف في الحال أن يقولوا مخافة أو كراهة أن (٣) يقولوا.
﴿افْتَرَاهُ﴾ الضمير عائد إلى القرآن والتحدي ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ وقيل: التحدي بسورة وبحديث لأن الآية مكية، ونزول سورة "هود" متقدم على نزول سورة "الطور" ﴿مِثْلِهِ﴾ بدل من عشر سور (٤) ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ يجوز أن
_________________
(١) عزاه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٨٠) لعبد الله بن أبي أمية، وقال: هو في تفسير الواحدي ولم أجده في الوجيز، وكذا ذكر سبب النزول الوليد بن المغيرة وعزاه لابن عباس.
(٢) قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [هُود:١١]، فيه ثلاثة أوجه إعرابية: الوجه الأول: أنه منصوب على الاستثناء المتصل إذ المراد به جنس الإنسان لا واحد بعينه. الوجه الثاني: أنه استثناء منقطع إذ المراد بالإنسان شخص معين. والوجه الثالث: أنه مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [هُود: ١١]، وهو منقطع أيضًا. وقال الفراء: هذا الاستثناء من الإنسان لأنه في معنى الناس كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العَصر: ٢]، وقال الزجاج: هذا استثناء ليس من الأول والمعنى لكن الذين صبروا. [زاد المسير (٢/ ٣٦٠)، الدر المصون (٦/ ٢٩٣)].
(٣) في "ب": (أو).
(٤) ويجوز أن تكون "مثله " نعتًا لـ "سُوَر" كما يجوز أن تكون "مفتريات " صفة لـ "سور" و"مثل " وإن كانت بلفظ الإفراد فإنه يوصف بها المثنى والمجموع والمؤنث كقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧] ومن المطابقة قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ﴾ [الواقعة: ٢٣،٢٢] وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]
[ ٣ / ٩٦٥ ]
يكون حالًا للسور المأتي بها، ويجوز (١) أن يكون تقديره سور مفتريات مثله على زعمكم.
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ إن كان خطابًا للمأمورين بدعاء من استطاعوا فهو كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ [الأعراف:١٩٤] وإن كان خطابًا للنبي -﵇- ولأمته فهم تبع له شهداء منه كقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].
﴿يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يؤثرها، والمؤمن المخلص لا يؤثرها على الآخرة ولكن يريدها بالاستدراك الغائب وإصلاح الفاسد وهو المطلع فهو من الآخرة ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ المحمودة لظواهرها لا لوجه الله تعالى كقوله -﵇-: "من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (٢).
﴿مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ في الحياة الدنيا ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لوقوعها باطلًا عند الله في الأحكام العقباوية.
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أى هو (٣) كمن ليس على بينة من ربه، الذي هو على بينة من ربه روح النبي -﵇- وقلبه وضميره ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ هو منظره يتبع مخبره، قال محمَّد ابن الحنفية: قلت لعلي بن أبي طالب﵁ -: إن الناس يزعمون في قوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ أنك أنت التالي، فقال: وددت أني أنا هو ولكنه لسان محمَّد -﵇- (٤)، وقيل:
_________________
(١) في "أ": (والجواز).
(٢) هو حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: "إنما الأعمال بالنيات " أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ١٩١ - كتاب العتق باب الخطأ والنسيان)، ومسلم في صحيحه (٣/ ١٥١٥ - كتاب الإمارة) وغيرهما.
(٣) (أي هو) ليست في "ب".
(٤) ابن جرير (١٢/ ٣٥٤)، وابن أبي حاتم (٦/ ٢٠١٤)، والطبراني في الأوسط (٦٨٢٨)، وفي مسند الشاميين (٢٦٣٠) وسنده ضعيف جدًا بسبب خليد بن دعلج. ولكن ورد عن الحسين بن علي﵄ما يؤيده عند ابن جرير (١٢/ ٣٥٥)، وابن أبي حاتم (٦/ ٢٠١٤).
[ ٣ / ٩٦٦ ]
يتلوه يقرأ القرآن ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ مِن ربه وهو جبريل -﵇- (١)، ويحتمل أن الشاهد هو نفسه، أو رجل من عشيرته، أو رجل من أمته، ألا ترى أن جعفرًا كان مبلغًا عنه بالحبشة، وأن عليًا كان مبلغًا عنه في الحج الأكبر، وابن عباس كان مبلغًا عنه في تفسير كتاب الله تعالى (٢). ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ عام في الملل كلها.
﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ عن قتادة عن صفوان بن محمد المازني قال: بينما (٣) أطوف مع ابن عمر بالبيت إذ عارضه فقال: يا ابن عمر كيف سمعت رسول الله يذكر في النجوى؟ قال: "يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول له: أعرف رب أعرف حتى يبلغ فيقول: إني قد سترتها عليك في الدنيا وإني لأغفرها لك (٤) اليوم، قال: ثم يعطيه صحيفة حسناته بيمينه، وأما الكافر فينادى به على رؤوس الأشهاد (٥) ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية.
﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ﴾ أي عليهم ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أي لشدة عداوتهم بعد اختيارهم العداوة أول مرة فتيسرت عليهم العسرى [قال الزجاج: لا ردّ لظنهم (٦) وقولهم الباطل.
﴿جَرَمَ﴾ أي كسب لهم فعلهم الخسران، وقال الفراء: لا جرم كله
_________________
(١) رواه مجاهد وعطاء كما عند ابن أبي الشيخ، وهو عن ابن عباس كما عند ابن جرير (١٢/ ٣٥٩)، وابن أبي حاتم (٩/ ٢٠١٤) وروي عن مجاهد وعطاء كما عند ابن أبي الشيخ.
(٢) أظهر الأقوال فى "شاهد" هو جبريل -﵇- فهو شاهد من الله تلا التوراة والإنجيل والقرآن، وروي ذلك عن ابن عباس﵄ومجاهد والضحاك وإبراهيم وغيرهم. رواه عنهم الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٥٧)، وابن أبي حاتم (٢٠١٤).
(٣) في "ي": (بينما أنا أطوف).
(٤) في الأصل و"ب": (لأغفرها إلى).
(٥) البخاري (٤٦٨٥)، ومسلم (٢٧٦٨).
(٦) معاني القرآن للزجاج (٣/ ٤٥).
[ ٣ / ٩٦٧ ]
بمنزلة (١)] (٢) لا بدّ ولا محالة، فجرت على ذلك وكثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة حقًا.
﴿وَأَخْبَتُوا﴾ اطمأنوا، والخبت الأرض المطمئنة (٣).
﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أحدهما من يكفر به من الأحزاب الذين افتروا علي الله كذبًا، والآخر من هو على بينة من ربه، والشاهد الثاني (٤) منه ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥].
﴿يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ عذابه، وهو يوم الطوفان أو يوم القيامة.
﴿أَرَاذِلُنَا﴾ جمع أرذل وأرذل جمع رذل (٥) وهو النذل الخسيس، وإنما استحقروا المؤمنين لقلتهم وفقرهم ولكونهم بمنزلة السفهاء عندهم.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ المعنى أنهم تخوفوا من نوح -﵇- (٦) ومن اجتماع أصحابه وكثرتهم على أنفسهم الإكراه والقهر، وطالبوه أن يطردهم وينفرهم، فأبى نوح -﵇- (٦) أن يطردهم وقال: أرأيتموني وأصحابي
_________________
(١) معاني القرآن للفراء (٢/ ٨).
(٢) ما بين [] من النسخ باستثناء الأصل ففيه [العسرى وتعسرت عليهم اليسرى (لا جرم) لا بد].
(٣) أصله من الخبت وهو المكان المنخفض من الأرض. ومنه قول الشاعر وينسب لبشر بن عوانة: أفاطم لو شَهِدْتِ ببطنِ خَبْتٍ - وقد قتل الهزبر- أَخَاك بشرا [أمالي الشجري (٢/ ١٩٢)].
(٤) في الأصل: (التالي).
(٥) قوله: ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ [هُود: ٢٧] قيلِ: إنها جمع الجمع فتكون جمع لـ "أَرْذُل" وأَرْذُل جمع لرَذْل فهي مثل كَلْب وأَكْلُب وأَكالب، ويجوز أن تكون جمع لأرْذَال وأَرْذَال جمع لرَذْل أيضًا. وقال آخرون: بل هي جمع فقط فهي جمع لأَرْذُل ونقل هذا عن ابن قتيبة وقال: الأراذل: هم الأشرار. [اللسان (رذل) زاد المسير (٢/ ٣٦٨)].
(٦) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ٩٦٨ ]
نجبركم ونكرهكم على الدين إن كثرنا؟! أي لا نفعل ذلك، فإنه لا إكراه في الدين.
﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ لست أطالبكم على الدين واجتماع الأصحاب خراجًا كفعل الملوك (١) فتمنعوني (٢) عن ذلك لما يصيبكم من (٣) المؤنة ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ بأن تمنعوني عن الدعوة إلى الرشاد بغير حجة تثبت عليكم (٤).
﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ كدعوى الذين يدعون الكيمياء (٥) ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ كدعوى الكهنة والعارفين ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ كدعوى الأرواح الخبيثة الملابسة من السحرة (٦)، ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ كدعوى المصدقين للطواغيت طمعًا في برهم وخيرهم. فتبرّأ نوح -﵇- من هذه الدعاوى كلها؛ لأن دعواه كانت نبوته بقوة إلهية، كان نوح -﵇- يدعوهم إلى توحيد الله تعالى وخلع الأنداد.
﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ الآية وعدهم الطوفان.
﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ النصيحة مرضية حميدة (٧) مأمور بها، بخلاف الإغراء والنفع مفتقر إلى وجود النصيحة، وهي لا توجد إلا بإرادتها.
_________________
(١) (كفعل الملوك) ليست في "ب".
(٢) في "أ": (فتمنعوا).
(٣) المثبت من "ب"، وفي البقية: (من من البقية).
(٤) في "أ": (لكم).
(٥) ذمّت الكيمياء قديمًا لأن العلماء آنذاك لهم قدرة إلى تحويل أي معدن أو بعض المعادن إلى الذهب. انظر كتاب المدخل لابن الحاج (٣/ ٤٤)، ومعجم البدع (ص ٥٩٥).
(٦) المثبت من الأصل، وفي البقية: (الشجرة) وهو خطأ.
(٧) بدل (حميدة) فراغ في "أ".
[ ٣ / ٩٦٩ ]
﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ خطاب لنبينا -﵇- وهو عارض في أثناء القصة والمراد به (١) تحقيق القصة وتوكيدها وقطع أوهام المستمعين ودعاويهم ﴿مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي من إجرامكم، وهو تهمتهم وتكذيبهم وإنكارهم إلى نوح -﵇- الهاء ضمير الأمر والشأن (٢) ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ تفتعل من البؤس، والمراد به الحزن والجزع، وكان دعوة نوح -﵇- (٣) ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦]، الآية بعدما أوحى الله تعالى (٤) إليه بهذه الآية.
﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بنظر خاص منا إلى ما تصنع (٥) يفيد الكلاءة ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لا تدع عليهم بعد فإنا قد استجبنا لك أولًا ولا تتشفع (٦) عند معاينة الأهوال من الرقة وقلّة الاحتمال، أو أنه نهي عما علم الله أنه سيكون وهو ذكر ابنه يام.
﴿سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ استهزؤوا وإنما فعلوا لأنهم رأوه يصنع سفينة لا على ساحل بحر ولا شط (٧) نهر، (إنا نسخر منكم) نجهلكم ونسفهكم.
﴿مَن﴾ بمعنى الذين في محل النصب (٨)، وقيل: بمعنى أي في محل الأمر بالابتداء.
_________________
(١) (به) من "ب" "ي".
(٢) في "أ" "ي": (السان).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) (تعالى) ليست في"ب".
(٥) وهذا معنى تفسير ابن عباس -﵄- حيث قال: بعين الله. أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٩٢) أي بمرأى منا.
(٦) العبارة في "ب": (لك أو لا تتشفع لهم).
(٧) في "ي": (ولا على شط).
(٨) يجوز في "مَنْ" أن تكون موصولة أو استفهامية، وعلى كلا التقديرين فـ "تعلمون" إما من باب اليقين فتتعدى لاثنين، وإما من باب العرفان فتتعدى لواحد، فإذا كانت هذه عرفانية و"مَنْ" استفهامية كانت "مَنْ" وما بعدها سادة مسد مفعول واحد، وإن كانت متعدية لاثنين كانت سادة مسد المفعولين، وإذا كانت "تعلمون" متعدية لاثنين و"مَنْ" موصولة كانت في موضع المفعول الأول والثاني محذوف. [الدر المصون (٦/ ٣٢٢]
[ ٣ / ٩٧٠ ]
﴿حَتَّى﴾ غاية لامتداد حاله وحالهم إلى مجيء الأمر ﴿وَفَارَ﴾ الفور الغليان والخروج على السرعة ﴿التَّنُّورُ﴾ تنور الخابزة (١)، وقيل: عين ماء معروفة. عن علي أنه على (٢) وجه الأرض (٣) ﴿إِلَّا﴾ استثناء من الأهل، والذي سبق عليه القول من جملة الأهل امرأته ويام.
﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [في محل الرفع، الباء في بسم الله، ويحتمل أن قوله بسم الله متصل بما قبله، أي اركبوا بسم الله مجراها ومرساها] (٤) أي حال إجرائها وإرسائها (٥)، أي إثباتها والمنع عن جريها، وذكر المغفرة والرحمة لترغيب التائبين الذين ركبوا في السفينة.
﴿فِي مَعْزِلٍ﴾ موضع عزلة من أبيه وإخوته، يقال: أنا بمعزل من كذا.
﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ لا معصوم كقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] (٦)
و﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢١] وتقديره: لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، وقيل: الاستثناء منقطع أي لا عاصم اليوم البتة من أمر الله لكن من ﵀.
﴿ابْلَعِي﴾ البلع الاستراط في المتصل يقال: بلعت ريقي وأبلعته
_________________
(١) في "أ": (الخابز).
(٢) (على) من "ي" "ب".
(٣) لعله يقصد ما ورد عن علي﵁-: أنه مسجد الكوفة من قبل أبواب كندة، ذكره ابن أبي حاتم (٦/ ٢٠٢٨) دون سند، وعزاه السيوطي في الدر (٨/ ٤٧) لأبي الشيخ وابن المنذر، ومثله لا يصح، وروي عن ابن عباس - ﵄ - أن التنور هو وجه الأرض. والعرب تسمي وجه الأرض تنور الأرض. أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٤٠١).
(٤) ما بين [] ليست في الأصل.
(٥) قوله: "بسم الله" يجوز أن يكون الجار والمجرور حالًا من فاعل "اركبوا"، ويجوز أن يكون "بسم الله" خبرًا مقدمًا و"مجراها" مبتدأ مؤخرًا، والجملة أيضأ حال مما تقدم وهي على كلا التقديرين حال مقدرة، كذا أعربه أبو البقاء. [الإملاء (٢/ ٣٨)، الدر المصون (٦/ ٣٢٥)].
(٦) في الأصل و"أ": (من شاء).
[ ٣ / ٩٧١ ]
وابتلعت (١) ما في فمي، ولا يقال ابتلعت ما في القصعة والكأس ﴿أَقْلِعِي﴾ أمسكي يقال: أقلع فلان من المعاصي أي تاب وأمسك عنها ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أي غاضت الأرض الماء ونشفته الريح والحرارة فنقص، وربما كان الغيض لازمًا ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي مضى، ﴿بُعْدًا﴾ سحقًا وتبًّا وهلاكًا، وهو نصب على التقدير والمشيئة (٢)؛ أي قدر الله أو شاء الله لهم (٣) بعدًا.
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ يحتمل أنه كان قد خوطب في الأهل بعموم وظنّ كذلك فلذلك تعرض للوعد، ويحتمل أنه ظنّ أن المستثنى من أهلهِ امرأته وحدها دون ابنه يام، ويحتمل أن ابنه كان يظهر لهم الإيمان والموافقة على سبيل النفاق فخوطب بظاهره ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ يعني من (٤) النجاة.
﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الموعود لهم أو من أهلك الذين أسباب الموالاة متصل بينك وبينهم.
﴿أَنْ أَسْأَلَكَ﴾ من أن أسألك أطلبك.
﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ بنجاة لك من عندنا أو بتقدير السلامة لك من عندنا ﴿وَبَرَكَاتٍ﴾ وببركات، والبركة النماء وزيادة الخير ﴿وَعَلَى أُمَمٍ﴾ أهل السعادة من ذريتهم كآل هود وصالح وأمثالهم ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أهل الشقاوة كسائر عاد وثمود وأمثالهم.
﴿تِلْكَ﴾ القصة أو تلك الأنباء ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ لأنه لا يعلم كيفيتها إلا آحاد الناس وفي كتب مندرسَة لا تقوم الحجة بمثلها ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا
_________________
(١) (وابتلعت) ليست في "أ".
(٢) قوله: "بعدًا" منصوب على المصدر بفعل مقدر. أي: أبعدوا بُعْدًا. فهو مصدر بمعنى الدعاء عليهم، ومنه قول الشاعر: يقولون لا تَبْعَدْ وهم يدفنونه ولا بُعْدَ إلا ما تُواري الصَّفَائحُ [الكشاف (٢/ ٢٧١)].
(٣) (لهم) من "أ" والأصل.
(٤) (من) من "أ" والأصل.
[ ٣ / ٩٧٢ ]
قَوْمُكَ﴾ لأنهم لم يكونوا سمعوا بها أصلًا، والثاني: أن علمهم لم يقع بها لأن العلم بالخبر لا يقع إلا عند الإعجاز والتواتر ولم يحصل إلا بالقرآن.
﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ لما اتهموه أنه يدعي النبوة ليزاحمهم في الدنيا حسم أوهامهم بذلك ﴿عَلَيْهِ﴾ أي على الدعاء والإنذار.
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ﴾ إنما وعد در السماء على شريطة التوبة والاستغفار لاحتياجهم إلى ذلك، وقد ذهب وفدهم للاستسقاء على ما قدمنا.
﴿بِبَيِّنَةٍ﴾ معجزة التي توجب العلم ضرورة على سبيل الإلجاء، طالبوه بها جهلًا منهم ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ بقولك، وضع (عن) مكان الباء كما وضع الباء مكان (عن) في قوله: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] و﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج: ١] وقيل: معناه ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ﴾ صادرين عن رأيك وقولك.
﴿اعْتَرَاكَ﴾ مسَّك وعرض لك، تقول: عروته واعتريته وعورته واعتورته إذا أتيته بطلب حاجة، ومحله نصب بالاستثناء (١) ﴿بِسُوءٍ﴾ بخبل وجنون، وإنما قالوا ذلك لاعتقادهم أن النفع والضرّ من عندها. قال هود -﵇-: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إني بريء من آلهتكم ﴿وَاشْهَدُوا﴾ أنهم على أني بريء من آلهتكم التي اتخذتموها من دون الله.
﴿فَكِيدُونِي﴾ أنتم وآلهتكم أجمعون ولا تمهلوني، وإنما قال ذلك ليعرفهم عجزهم وعجزها فينبئهم على بطلان دعاويهم.
﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ عبارة عن ملك (٢) الأمر والاستيلاء والقدرة على وجوه التصاريف.
_________________
(١) ذهب أبو البقاء إلى أن جملة "إلا اعتراك" مفسرة لمصدر محذوف التقدير: إن نقول إلا قولًا هو اعتراك. وقال الزمخشري: "اعتراك" مفعول "نقول" و"إلا" لغو أي: استثناء مفرغ. [الإملاء (٢/ ٤١)، الكشاف (٢/ ٢٧٥)].
(٢) في الأصل و"ي": (سلك) وهو خطأ.
[ ٣ / ٩٧٣ ]
و(الناصية) هي العرف. قال -﵇-: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (١) وأن النبي -﵇- (٢) حسر عمامته ومسح على ناصيته (٣) ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي فعله وقوله على قضية علمه وحكمته.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ تتولوا وتعرضوا ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ جواب الشرط، فكأنه قال: إن تعرضوا فلا عليّ فإني قد قضيت ما عليّ ﴿وَيَسْتَخْلِفُ﴾ يجوز أن يكون معطوفًا على جواب الشرط بالفاء، ويجوز أن يكون مستأنفًا. والاستخلاف اتخاذ الخليفة كالاستبداد والاستقصاء، ﴿شَيْئًا﴾ في شيء، وقيل: لا ينقضونه شيئًا.
﴿مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ إن أراد به الريح فهي جسم لأنها تشاهد إذا تلوّنت بالغبار فغلظها تراكم أجزائها وشدة ائتلافها بخلاف الريح الطيبة، وإن أراد به ما حصل من التعذيب فغلظه عظمته وشدته وفخامته.
و(تلك) مبتدأ و﴿عَادٌ﴾ (٤) خبرها. التقدير: تلك الأمة، وقيل: تلك ﴿عَادٌ﴾ كالبدل عنه والخبر ﴿جَحَدُوا﴾ (٥) أي أنكروا ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ نوح وهود ومن قبلهما، أو هود والملائكة، أو هود وحده جمع على سبيل التشريف، ويحتمل أن هودًا -﵇- (٢) كان معه رسل كما أن هارون مع موسى وبعض الحواريين مع عيسى -﵇- (٢)، ومثل هذا لا يثبت إلا بالسماع. (العنيد) العاند والعنود الذي لا يطيع.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [أي واتبعوا لعنة يوم القيامة. وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا﴾
_________________
(١) البخارى (٣٦٤٥)، ومسلم (١٨٧١) وغيرهما.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) الشافعي على مسنده (٤٥).
(٤) هكذا أعربها النحاس في كتابه "إعراب القرآن" (٣/ ٩٧)
(٥) قوله: "جحدوا" هي جملة مستأنفة سيقت للإخبار عنهم بذلك، وليست حالًا مما قبلها، وهي تتعدى بنفسها ولكنها ضمنت معنى كفركما ضمنت "كفر" معنى "جحد" في قوله تعالى: ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [هُود: ٦٠]. [الدر المصون (٦/ ٣٤٥)].
[ ٣ / ٩٧٤ ]
خبر مستأنف، ويحتمل أن يوم القيامة] (١) متصل به وتقديره يوم القيامة ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أي بربهم.
﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ أي جعلكم عمّارها. ابن عرفة: أطال عمركم فيها (٢)، ويحتمل من قوله: أعمرته الدار أي جعلتها له مدة عمره، وهي العمرى.
﴿كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾ نتفرس فيك الخير، قيل: هذا قبل (٣) دعوتك إيانا إلى التوحيد والرشد، وأما اليوم فقد أيسنا من خيرك.
﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير﴾ يجوز أن يكون استفهامًا وأن يكون نهيًا ﴿تَخْسِير﴾ تضليل ونسبته إلى الخسران، وقيل: بخس ونقص ومضرّة من قولهم صديق مخسر عدو مبين.
﴿لَكُمْ آيَةً﴾ نصب على القطع أو الحال وقوله (لكم) متصل بما بعده لا بما قبله (٤).
﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ إخبار عن انتهاء تمتعهم كقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]. ﴿مَكْذُوبٍ﴾ مصروف عن جهة الصدق.
﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ يجوز أن يكون (منا) متصلًا ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ أي برحمة من عندنا ويجوز أن يكون متصلًا بنجينا أي نجيناهم من أمرنا، وإن أراد الأول فالخزي معطوف على مضمر تقديره منه ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ (٥)﴾ وإن
_________________
(١) ما بين [] سقطت من الأصل.
(٢) هذا مروي عن مجاهد كما عند ابن جرير (١٢/ ٤٥٥).
(٣) (قبل) ليست في الأصل و"أ".
(٤) قوله: "لكم آية" فإن "لكم " في محل نصب على الحال من "آية" لأنه لو تأخر لكان نعتًا لها؛ قاله الزمخشري، وأما "آية" فهي منصوبة على الحال والناصب لها: إما ها التنبيه أو اسم الإشارة لما تضمناه من معنى الفعل أو فعل محذوف. [الكشاف (٢/ ٢٧٩)، البحر (٥/ ٢٣٩)].
(٥) (يومئذ) ليست في "ي" "ب".
[ ٣ / ٩٧٥ ]
أراد الثاني فهما ظاهران (١)، وقيل: الواو في قوله: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ مقحمة كما في قوله: ﴿جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣].
﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ نصب بوقوع القول عليه (٢)، كما تقول: لمن قال لا إله إلَّا الله: قلت صوابًا أو حقًا وصدقًا، ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ رفع على الحكاية تقديره سلام عليكم (٣) ﴿أَنْ جَاءَ﴾ نصب بنزع الخافض تقديره: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ عن مجيئه وقيل: رفع (٤) تقديره: فما لبث مجيئه أي ما أبطأ، ﴿حَنِيذٍ﴾ مشوي في الحفائر بالرضف، وقيل: منضج.
﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي راَهم ممسكين عن الطعام ﴿نَكِرَهُمْ﴾
استنكرهم وأنكرهم، وقيل: ظن أنهم لصوص لا يتحرمون بطعامه لئلا يدخله في نعتهم، و(الإيجاس) شيء من الإحساس، وما خاف حقيقة ولكنه مكر مكروه لعل الله يوصله إليه من جهتهم.
﴿فَضَحِكَتْ﴾ (٥) بالسرور من جهتهم حيث ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ وقيل:
_________________
(١) الأظهر في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هُود:٦٦] متعلق بمحذوف التقدير: ونجيناهم من خزي يومئذ وهي معطوفة على "نجينا" الأولى مع أن هذا لا يجوز عند البصريين غير الأخفش؛ "لأن زيادة الواو غير ثابتة. [الكشاف (٢/ ٢٧٩)، الدر المصون (٦/ ٣٤٩)].
(٢) في نصب "سلامًا" وجهان: الأول: أنه مفعول به، والثاني: أنه منصوب على المصدر بفعل محذوف وذلك الفعل في محل نصب بالقول والتقدير: قالوا: سَلَّمنَا سلامًا وهو من باب ما ناب فيه المصدر عن العامل فيه، وهو واجب الإضمار.
(٣) على هذا الوجه يكون "سلامٌ" مبتدأ وخبره محذوف كما قدره المؤلف ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدآ محذوف التقدير: قولي أو أمري سلام. [البحر (٥/ ٢٤١)].
(٤) أي رفع على أنه فاعل.
(٥) في معنى "ضحكت" ثلاثة أقوال: الأول: أن الضحك هنا بمعنى التعجب روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ -. الثاني: أنها بمعنى حاضت قاله مجاهد وعكرمة ورده ابن الأنباري والفراء وأبو عبيدة وأبو عبيد وابن دريد وغيرهم، وقالوا: إنه لم يسمع من ثقة أن ضحكت بمعنى حاضت.=
[ ٣ / ٩٧٦ ]
ضحكت سرورًا بنصرتهم لوطًا -﵇-، وقيل: فيه تقديم وتأخير أي ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ تعجبًا وفرحًا بالولد، ﴿وَمِنْ وَرَاءِ﴾ خلف ﴿إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ وقيل: الوراء اسم لولد الولد فتقديره: ومن جهة إسحاق الوراء، وعن الشعبي الوراء ولد الولد (١).
﴿يَا وَيْلَتَى﴾ الدعاء بالويل حقيقة عند شدة الأمر وخوف الهلاك إلا أنه كثر استعمالها فتلفظوا بها عند كل تعجب توسعًا ومجازًا، ويحتمل أنها توهمت أنها تهلك ثم تنشأ ثانيًا للولادة، فلذلك دعت بالويل ﴿بَعْلِي﴾ زوجي، ربّ الدار ﴿شَيْخًا﴾ حال (٢).
﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ﴾ إنما أنكروا عليها التعجب من أمر الله لأنه ﴿حَمِيدٌ﴾ لا يستبعد منه فعل ما يستحق عليه الحمد ﴿مَجِيدٌ﴾ لا نهاية لمجده ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ خبر أو دعاء (٣).
و﴿أَهْلَ﴾ نصب على النداء، ولأهل معنيان (٤):
أحدهما: من يسكن بيته من عياله كقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣٣].
والثاني: بنو أبيه ومواليه، قال -﵇- (٥): "سلمان (٦) منا أهل البيت" (٧).
_________________
(١) = والثالث: أنه الضحك المعروف وهو قول أكثر المفسرين حملًا على ظاهر اللفظ المعهود. [تفسير الطبري (١٢/ ٤٧٥)، زاد المسير (٢/ ٣٨٦) اللسان (ضحك)].
(٢) ابن جرير (١٢/ ٤٨٠)، وعزاه السيوطي في الدر (٨/ ١٠١) وعزاه لابن الأنباري. وقد ورد هذا اللفظ عن ابن عباس - ﵄ -.
(٣) (حال) ليست في "ب".
(٤) في الأصل: (خبر أو دعاء، أهل)، وفي "أ": (خبر أو دعاءو).
(٥) (معنيان) ليست في "أ".
(٦) (السلام) ليست في "ي".
(٧) (سلمان) ليست في الأصل.
(٨) انظر: ابن سعد في الطبقات (٤/ ٨٣، ٣١٧)، والطبري في تفسيره (١٩/ ٣٥)، =
[ ٣ / ٩٧٧ ]
وإن كان المراد بأهل بيت إبراهيم -﵇- الصنف الأول فلم يشمل (١) التسمية على لوط -﵇- (٢)، وإن كان الثاني فاشتملت (٣) الروع والفزع والخوف، وفي الحديث: أنهم خرجوا ذات ليلة إلى صوت فإذا رسول الله -﵇- (٤) يستقبلهم (٥) على فرس يقول: "لن تراعوا لن تراعوا" (٦) (٧).
﴿يُجَادِلُنَا﴾ أي طفق يجادل رسلنا وهو قوله: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الحجر: ٥٧] وقوله: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢] وقوله: أتهلكون قرية فيها كذا وكذا مؤمنًا وكل ذلك بإذن الله.
﴿لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ يتحلم عن قوم لوط وثناؤه عليهم منيبًا إلى الله في حوائجه وأموره، و(الإنابة): الرجوع.
﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ لما سمع هذا تيقن بهلاك قريات، والمراد في الخطاب غير ملفوظ به واستثناء منقطع معناه لكي (٨) يخبرنا به (٩) ابتداء لا على سبيل الحكاية.
﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ سيء (١٠) بمجيئهم لما يخاف عليهم من فعل قومه
_________________
(١) = والطبراني في الكبير (٦٠٤٠)، والحاكم (٦٥٣٩، ٦٥٤١)، وأبو الشيخ في تاريخ أصبهان (٣)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٤١٨) وهو حديث غير ثابت.
(٢) في الأصل و"أ": (تشمل).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) في "أ": (فاستعلت).
(٥) (السلام) ليست في "ي"، وبدلها في "ب": (ﷺ).
(٦) في "ب": (مستقبلهم).
(٧) (لن تراعوا) مرة واحدة في" أ".
(٨) البخاري (٦٠٣٣)، ومسلم (٢٣٠٧) بلفظ: (لم تراعوا) وقد ورد بلفظ المؤلف.
(٩) في "أ": (لكن).
(١٠) في "أ" "ب": (يخبر بأنه).
(١١) (سيء) ليست في "أ".
[ ٣ / ٩٧٨ ]
﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي ضاق ذرعه بهم، ذرعه: طاقته (١) واستطاعته ﴿عَصِيبٌ﴾ شديد.
﴿يُهْرَعُونَ﴾ يستحثون ويزعجون على سرعة والمستحث المزمع قضاء الله وقدره ﴿يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أفعالهم الخبيثة ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ إشارة إلى نسائهم، وإنما دعاهن بنات على سبيل التلطف في الخطاب إذ (٢) النبي من أمته بمنزلة الأب من أولاده (٣) ألا ترى أن لوطًا لم يكن له إلا اثنتان (٤) ويحتمل أنه كان له بنات غيرهما فعرضهن -﵇- (٥) بالتزويج (٦). وكان ينعقد النكاح بين الكفار والمسلمين حينئذ (٧)، ويحتمل أن لوطًا عبَّر عن ابنتيه بالبنات وعرضهما على رئيسين ليمنعا الباقين، و(الضيف) النازل عند الإنسان بزاده.
﴿مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ ليس لنا في بناتك من حاجة (٨) ومراد،
_________________
(١) قال الفراء: الأصل فيه: وضاق ذرعه بهم، فنقل الفعل عن الذَّرْع إلى ضمير لوط، ونصب الذرع بتحويل الفعل عنه كما قال: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] أي: اشتعل شيب الرأس. وكما ذكر المؤلف من حيث المعنى أنها تطلق على الجهد والطاقة ومنه قول زهير بن أبي سلمى: تَعَلَّمَنْ ها لَعَمْرُ اللهِ ذا قَسَمًا فاقدِرْ بِذَرْعِك وانظر أين تَنْسَلِكُ [زاد المسير (٢/ ٣٨٩)، ديوان زهير بن أبي سلمى (ص ١٨٢)].
(٢) المثبت من "ب"، وفي البقية: (أو النبي).
(٣) يشهد لذلك قوله تعالى في قراءة ابن مسعود "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أبِّ لهم"، وهذا مذهب مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج. [تفسير الطبري (١٢/ ٥٠٤)].
(٤) في "أ": (ابنتان).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) وهذا قول ابن عباس - ﵄ - أنهن بناته لصلبه ذكره ابن الجوزي في تفسيره. [زاد المسير (٢/ ٣٩٠)]. وكون لوط -﵇- له ابنتان وعبر عنهما بصيغة الجمع، فهذا جائز في لغة العرب ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
(٧) في "ي" "أ": (يومئذ).
(٨) في "أ": (جامعة).
[ ٣ / ٩٧٩ ]
ويحتمل أنهم أرادوا نفي عقد النكاح ﴿لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ كناية عن فعلتهم الخبيثة.
﴿لَوْ أَنَّ لِي﴾ جواب (لو) مضمر (١) تقديره شديد يمنعكم عن هؤلاء الضيف، أراد بالركن الشديد: وليًا يعتضد به من جار أو عشيرة.
﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ يدل على استعجال لوط -﵇- (٢).
﴿مَنْضُودٍ﴾ متراكم تراكمت أجزاء السجيل حتى تحجر (٣).
﴿مُسَوَّمَةً﴾ نصب على الحال (٤) أو القطع، أي معلمة بخطوط من الألوان.
﴿وَمَا هِيَ﴾ أي العقوبة أو الحجارة ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قوم لوط ويحتمل أهل مكة (٥)، فتلك الحجارة لم تكن ببعيد منهم لأنهم كانوا يمرون بها في أسفارهم إلى الشام، وقد كان وقع بمكة من جنسها عام الفيل،
_________________
(١) يمكن أن نقدر الجواب: لفعلت بكم وصنعت كذا وكذا فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ﴾ [الرّعد: ٣١] فقد قدر الزجاج الجواب: لو كان هذا كله لما آمنوا. [زاد المسير (٢/ ٤٩٦)].
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) روي عن ابن عباس - ﵄ - معنى" منضود": يتبع بعضه بعضًا. ذكره ابن الجوزي في تفسيره [زاد المسير (٢/ ٢٩٤)]. وفي معنى "سجيل" رجح الطبري أنها حجارة من طين ولذلك وصفها الله في موضع آخر من كتابه ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾ [الذاريات:٣٣،٣٤]
(٤) ويجوز أن تكون "مسومة" صفة لـ "حجارة" وحينئذ يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الصريح لأن "من سجيل" صفة لحجارة، والتسويم العلامة، فقيل: عُلِّمَ على كل حجر اسم من يرمى به. [الدر المصون (٦/ ٣٧٠)].
(٥) الأظهر أن الخطاب موجه إلى مشركي قريش أن يصيبهم ما أصاب قوم لوط وما هذه الحجارة التي أمطرت على قوم لوط ببعيد عنكم، روي ذلك عن مجاهد وقتادة. [تفسير الطبري (١٢/ ٥٣١)].
[ ٣ / ٩٨٠ ]
ويحتمل أنه على سبيل الوعيد لأهل مكة، ومن يعمل عمل قوم لوط، أي لا يبعد أن يمطر عليهم مثلها فإنهم مستحقون لها لولا (١) فضل من الله ورحمته، وإنما سقط (٢) التأنيث من "بعيد" لكون التأنيث غير حقيقى أو لتقدير شيء؛ أي وما هي بشيء بعيد، أي لوقف رؤوس الآي.
﴿أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ بحالة حسنة ونعمة وافرة غير محتاجين إلى الخيانة.
﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ ما يحدثه الله من النماء والبركة من غير بخس وتطفيف، كان شعيب -﵇- (٣) كثير الصلاة والعبادة والدعاء وكانوا يستحسنون ذلك منه، فلما دعاهم إلى خلع الأنداد وإيثار القسط رأوه قبيحة فقالوا تعجبًا: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ [الحسنة أثمرت وأفادت هذه الدعوة، وفيها اختصار وتقديرها: تأمرك وتحملك على تكليفنا أن نترك، وقيل] (٤) تقديره: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ وإيانا ﴿أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وتنهاك وإيانا (٥) ﴿أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ ﴿الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ السفيه الجاهل (٦) كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩] وقيل: هو على ظاهره، أي كنت الحليم الرشيد حتى الآن كقول ثمود لصالح: ﴿كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود:٦٢].
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ المستفهم مضمر تقديره: أرأيتم إن كنت بهذه لكنت سفيهًا جاهلًا، أو أرأيتم إن كنت بهذه (٧) الصفة أكنتم تجيبونني وتطيعونني، وفائدته الاستدراج.
_________________
(١) في "ب": (ولولا).
(٢) في "أ" "ي": (أسقط).
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) ما بين [] ليست في الأصل و"أ".
(٥) في " ب": (وإياك).
(٦) أي قالوا ذلك على وجه السخرية والاستهزاء قاله ابن عباس -﵄- وقتادة والفراء ذكره ابن الجوزي في تفسيره [زاد المسير (٢/ ٣٩٦)]. وذكر ابن كيسان أنه على حقيقته وقالوا: أنت حليم رشيد فلم تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟
(٧) المثبت من "ب"، وفي البقية: (بهذا).
[ ٣ / ٩٨١ ]
﴿يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ كقولك: لا يحملنك مخالفتي على أن تدحرج نفسك من شاهق إلى بئر.
﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أتى بالدعوة على سبيل الترغيب بعد الدعوة على سبيل الترهيب لتبليغ الدعوة كل مبلغ، ويلزم الحجة كل اللزوم، ﴿وَدُودٌ﴾ مستجيب، في الحديث أن الله تعالى: "يتحبب إلى عبده بالنعم والعبد يتمقت إليه بالمعاصي" (١) لما انقطعوا في المناظرة والجدال أخذوا في الشفاعة عادة الجهال.
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ مكفوفًا ﴿رَهْطُكَ﴾ عشيرتك، والرهط: ما دون العشرة من الأنفس ﴿لَرَجَمْنَاكَ (٢)﴾ شتمناك وقذفناك، ويحتمل الرجم بالحصى ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ لا يعز علينا مكروهك ولكنه يعز علينا مكروه رهطك.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ يكذبهم، تقول: ليس (٣) لعشيرتي عندكم ذمام أو حرمة (٤) فإنكم أعرضتم عن حق الله فكيف يرجى منكم رعاية حق العشيرة، والثاني كان يحتج (٥) عليهم بحفظ ذمام العشيرة، ويقول: إن كنتم تحفظون ذمام العشيرة فلم لا تراعون حق الله ولم تعرضون عنه فإنه أحق وأوجب ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ اتخذتم (٦) الرهط ملجأ وعده لكم من ورائكم، وقيل: اتخذتم حق الله سببًا (٧) لا تلتفتون (٨)
_________________
(١) هذا أثر وليس حديثًا بل هو كما قال ابن القيم أثر إلهي؛ أي هو منقول من الإسرائيليات، وهو في "شفاء العليل" (٢٣٨)، ومدارج السالكين (١/ ٤٦٤،١٩٤).
(٢) (لرجمناك) ليست في "ب".
(٣) في "ب": (ويقول وليس).
(٤) في البقية: (وحرمة)، والمثبت من "ب".
(٥) في "ب": (محتج).
(٦) المثبت من الأصل، وفي "أ" "ي": (أخذكم)، وفي "ب": (اتخذهم).
(٧) في الأصل و"ب": (شيئًا).
(٨) في "ي" "أ": (يلتفتون).
[ ٣ / ٩٨٢ ]
إليه، قوم شعيب كانوا يخوفونه بأنه يعتريه بعض آلهتهم بسوء وعذاب ويسمونه كاذبًا، فقال على سبيل التهديد: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ على حالتكم التي هي حالة التمكين من الاختيار ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ عملي على هذه الحالة ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ﴾ (١) [عند نسخ حالة الاختيار بحالة الإلجاء والاضطرار.
﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ إياهم أن استخفهم فأطاعوه في عبادته] (٢) وتعبيد بني إسرائيل ﴿بِرَشِيدٍ﴾ مرشد.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ يقال: قَدُمَ يقدم بضم العين فيهما إذا صار قديمًا أو مقدمًا، وقدِم يقدم بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر إذا تلقي واستقبل، وقدَم يقدم بفتح العين في الماضي، وضمها في الغابر إذا تقدم ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ على سبيل التسبب دون التسليط، وقال ابن عرفة: الورود موافاة المكان قبل دخوله وحقيقة الوصول والبلوغ. (الرفد) اسم للقوام المستفاد، والرفد بدل القوم، فلما كان قيام بؤس آل فرعون وانتظام وبالهم وتتمة المقدور فيهم باللعنة بعد اللعنة وقعت العبارة عنها بالرفد، ويحتمل أنهم أطاعوا فرعون طمعًا في الرفد فبدله الله باللعنة فوقعت العبارة عن البدل.
﴿قَائِمٌ﴾ باقٍ ﴿وَحَصِيدٌ﴾ فانٍ (٣)، يقال: حصدهم بالسيف، فالباقي مثل مصر وجنة شداد وأخواتهما، والفاني مثل حِجر والمؤتفكات وأخواتها.
﴿تَتْبِيبٍ﴾ تخسير، و(التباب): الخسار.
_________________
(١) في "ب": (من هو كاذب).
(٢) ما بين []، من "ب" "ي".
(٣) قال ابن قتيبة: القائم: الظاهر العين، والحصيد: الذي قد أبيد وحصد. وقال الزجاج: القائم: ما بقيت حيطانه، والحصيد: الذي خُسِفَ به وما قد امَّحَى أثره. [معاني القرآن للزجاج (٣/ ٧٧)، زاد المسير (٢/ ٣٩٩)].
[ ٣ / ٩٨٣ ]
عن أبي موسى عنه -﵇-: "إن الله تعالى يملي للظالم أو قال يملا حتى إذا أخذه لم (١) يُفْلت"، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ (٢) الآية (٣).
﴿نُؤَخِّرُهُ﴾ الضمير عائد إلى اليوم الموعود ﴿يَأْتِ﴾ يشبه الترخيم، ويحتمل أن يكون شرطًا لأنّ يومًا يشبه الميم الموصول وقد ينقلب حرف شرط قال:
استغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتحمل (٤)
والجواب قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ﴾ محروم مكدوم (٥) ﴿وَسَعِيدٌ﴾ محظوظ مجدود، عن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت هذه الآية سألت النبي -﵇- فقلت: يا نبي الله فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: "بلى على شيء فرغ منه وجرت به الأقلام، يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له" (٦).
﴿زَفِيرٌ﴾ صوت في الصدر ﴿وَشَهِيقٌ﴾ صوت في الحلق، وكلاهما من أصوات المكروبين، ويحتمل أن هذا في نهيق الحمار (٧)، ويحتمل هذا في
_________________
(١) (لم) ليست في الأصل.
(٢) الآية في "أ" "ب": ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾.
(٣) البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣).
(٤) ذكره الأنصاري في "مغني اللبيب" (١٣١، ٩١٦)، والشعر للحارث بن بدر الغداني كما في تاريخ دمشق لابن عساكر (١١/ ٣٩٥).
(٥) في "ي": (مكدود).
(٦) الترمذي (٣١١١)، وأبو يعلى (٥٤٦٣، ٥٥٧١)، وابن جرير (١٢/ ٥٧٧، ٥٧٨)، وابن أبي حاتم (٦/ ٢٠٨٤) والحديث صحيح.
(٧) روى الطبري عن ابن عباس﵄- في قوله: ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هُود: ١٠٦] قال: صوت شديد وصوت ضعيف. ثم خُصَّ هذا الصوت بصوت الكافر في نار جهنم كصوت نهاق الحمار في أوله، فإذا ردده في الجوف عند فراغه من نهاقه قيل له: شهيق، كما قال رؤبة بن العجاج: حشرَجَ في الجوفِ سحيلًا أوشَهَقْ حتى يُقالَ: ناهقٌ ومانهق روي ذلك عن قتادة. [تفسير الطبري (١٢/ ٥٧٦)].
[ ٣ / ٩٨٤ ]
القبر كقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وقوله -﵇-: (القبر روضة من ري اض الجنة أو حفرة من حفر النار" (١).
إن ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ يحتمل كون أنفسهم اللطيفة في النار قبل مجيء القيامة وانفطار السماء وتبدل الأرض وبعثرة ما في القبور والاستثناء حالة الرقدة (٢) والصعقة، ويحتمل أن المراد بالسماوات سقوف النار ودركاتها والاستثناء حالة العرض والحساب أو حالة عقوبة الاستهزاء، ويحتمل أن المراد ببقاء السماوات والأرض بقاء أجزائهما لا بقاء تأليفهما ولا دلالة على فناء الأجزاء المتلاشية بعد الوجود والاستثناء حالة الدنيا.
وقيل: جرى مجرى الأمثال كقولهم: لا آتيك سنا الخيل ومِعْزَى الفِزْرِ (٣)، وقيل: مقدار دوام السماوات والأرض.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ﴾ الله (٤) ﴿رَبُّكَ﴾ من الزيادة قاله الفراء (٥)، وقيل: ما شاء ربك من شاء ربك، وهم طائفة من أهل الإيمان جمعوا بين شقوة المعاصي وسعادة الإيمان فهم مستثنون من الأشقياء لانقطاع خلودهم مستثنون من السعداء لتأخر دخولهم، والمراد بكونهم في الجنة برفقة
_________________
(١) هذا الحديث مروي عن عدة من الصحابة منهم أبو هريرة، كما عند الطبراني في الأوسط (٨٦١٣)، والحاكم (٦١٧٦)، وأبو سعيد الخدري كما عند الترمذي (٢٤٦٠)، وابن عمر كما عند البيهقي في "عذاب القبر" (٥٠)، وسهل بن سعد الساعدي كما عند الطبراني في الكبير (٥٦٥٨) والحديث بكل طرقه ضعيف.
(٢) في "أ": (القدوة).
(٣) الجملة الثانية من المثل وهي "لا آتيك مِعْزَى الفِزْرِ" ذكرها الميداني في مجمع الأمثال (٣/ ١٥٣)، والفِزْرُ: لقب سعد بن زيد مناة بن تميم، وإنما لقب بذلك لأنه وافى الموسم بمعزى فانهبها هناك وقال: من أخذ منها واحدة فهي له ولا يؤخذ منها فِزْر- وهو الاثنان فأكثر- ومعناه لا آتيك حتى تجتمع تلك وهي لا تجتمع أبدًا.
(٤) (الله) من الأصل فقط.
(٥) ذكره الفراء في معانى القرآن (٢/ ٢٨) وجوز الفراء أن يجعل "سوى" مكان "إلا" وقدر الآية: خالدين فيها ما كانت السماوات وكانت الأرض سوى ما زادهم من الخلود والأبد.
[ ٣ / ٩٨٥ ]
الشهداء، ويحتمل سائر الوجوه المذكورة ﴿عَطَاءً﴾ أي أعطيناهم عطاءً (١) ﴿مَجْذُوذٍ﴾ مقطوع. والفائدة في ذكر موسى -﵇-، وكتابه: هو التنبيه على جواز التمهيل مع وجود الاختلاف كيلا يظن ظان أنه معنى اختص بالقرآن.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ ولا تميلوا ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية كالعارض بين مس النار وابتغاء النصرة.
﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الفجر والظهر والعصر (٢)، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ساعاته المترادفة أراد صلاة المغرب والعشاء (٣) والوتر، وعن موسى بن طلحة عن أبي اليَسْر قال: أتتني امرأة تبتاع تمرًا فقلت: إن في البيت تمرًا أطيب منه، فدخلت معي في البيت وأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر -﵁- فذكرت له ذلك، فقال: استُرْ على نفسك وتُبْ، فأتيت عمر - ﵁ - فذكرت له ذلك، فقال: استر على نفسك وتبْ ولا تخبر أحدًا، ولم أصبر فأتيت النبيﷺ - فذكرت له ذلك فقال: "أخلفت غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟ " حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل النار، وأطرق رسول الله -﵇- (٤) طويلًا حتى أوحى الله إليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ الآية، قال أبو اليسر: فأتيت رسول الله -﵇- فقرأها عليّ، فقال أصحابي: يا رسول الله ألهذا خاصة أم للناس عامة؟! قال: "بل للناس عامة" (٥).
_________________
(١) أي أنه منصوب على المصدر المؤكد من معنى الجملة قبله لأن قوله: ﴿فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ﴾ [هُود: ١٠٨] يقتضي إعطاء وإنعامًا فكأنه قال: أعطاهم عطاءّ. [الدر المصون (٦/ ٣٩٤)].
(٢) روي ذلك عن مجاهد ومحمد بن كعب القرظي والضحاك، رواه الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٠٢)،وابن أبي حاتم في تفسيره (٢٠٩١)،وروي عن ابن عباس﵄ - قال: "طرفي النهار": صلاة الغداة وصلاة المغرب. أخرجه الطبري في تفسيره أيضًا (١٢/ ٦٠٣).
(٣) روي ذلك عن الحسن ومجاهد وقتادة ومحمد بن كعب القرظي والضحاك، رواه عنهم الطبري في تفسيره (١٢/ ٦١٠).
(٤) (السلام) ليست في "ي".
(٥) الترمذي (٣١١٥)، والبزار (٢٣٠٠)، وابن جرير (١٢/ ٦٢٥،٦٢٤) والحديث حسن.
[ ٣ / ٩٨٦ ]
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس - ﵄ - أن الآية نزلت في عمرو بن غزية الأنصاري وكان يبيع التمر فأتته امرأة تبتاع منه تمرًا فأعجبته فقال: إن في البيت تمرًا أجود من هذا فانطلقي حتى أعطيك منه، قال: فانطلقت معه المرأة فلما دخلت المرأة بيته فوثب إليها فلم يترك شيئًا مما يصنع الرجل بالمرأة إلا وقد فعله إلا أنه لم يجامعها وحذف شهوته، فلما حذف شهوته ندم على ما صنع بالمرأة فاغتسل، ثم أتى النبي -﵇- يسأله عن ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما أدري ما أردّ عليك حتى يأتيني فيك شيء من الله" قال: فبينما هم كذلك إذ حضرت العصر فلما فرغ من صلاته نزل جبريل -﵇- بتوبته فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ الآية فقرأها رسول الله من القرآن، فقال عمر بن الخطاب: أخاص أو عام؟ قال: "لا، بل عام" (١).
﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أُولُو بقاء على أنفسهم لتمسكهم بالدِّين، ويحتمل بقية سنن الصّالحين، أي هذا كان منهم من يتمسك بالبقية من سنن آدم وشيث وإدريس -﵈- ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ﴾ البدع ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿قَلِيلًا﴾ نصب على الاستثناء (٢)، (الإتراف): الإنعام فوق المقدار والكفاية.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ أي ما كان ليهلكهم بذنب وأهلها موحدون، وقيل: ما كان ليهلكها وأهلها متمسكون بعدل السيرة، وقيل: ما كان ليهلكها بظلم نادر واهلها غير مستحقين للعقاب، وقيل: ما كان بظالم لو أهلكها وإن كان أهلها مصلحين. ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ إشارة أن يكونوا أمة واحدة على الإسلام، وقيل: للاختلاف، وقيل: للإمساك عن الاختلاف، وقيل: للاستثناء بالرحمة.
﴿فِي هَذِهِ﴾ إشارة إلى السورة.
_________________
(١) ذكره ابن الأثير في "أُسد الغابة" (٢١٥) في ترجمة عمرو بن غزية وعزاه لابن مندة، وأبو نعيم من طريق محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وانظر: الإصابة لابن حجر (٤/ ٦٦٨)، ورواه الطبري في تفسيره (١٢/ ٦٢٦).
(٢) يجوز في "قليلًا" أن يكون استثناءً منقطعًا وذلك أن يحمل التحضيض على حقيقته، والثاني: أن يكون استثناءً متصلًا وذلك بأن يؤؤَّل التحضيض بمعنى النفي فيصح ذلك. [الكشاف (٢/ ٢٩٨)].
[ ٣ / ٩٨٧ ]