مكية (١)، وقيل: آية واحدة نزلت بالمدينة وهي قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾: [يس: ٤٧]، وهي اثنان وثمانون آية في غير عدد أهل الكوفة (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يس (١)﴾ قال: يا إنسان (٣)، إلا أن حرف النداء لا يمال واسم المنادى لا يكون ساكنًا بل يكون مرفوعًا أو مبنيًا على الضم، ولو قيل: يا من أي والسين من الإنسان وهما حرفان مشيران إلى اسمين، والتقدير: أيها الإنسان لكان أقرب.
وعن مجاهد: اجتمعت قريش رؤساؤهم وهم: أمية بن خلف، والوليد ابن المغيرة، والعاص بن وائل، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام في رجال من قريش فبعثوا عتبة بن ربيعة فقالوا: لو رأيت هذا الرجل فقل له إن قومك يقولون إنك جئت بأمر عظيم لم يكن عليه آباؤنا ولا يتبعنك عليه أحد منا، وإنك إنما صنعت هذا لأنك ذو حاجة فإن كنت تريد المال فإن قومك سيجمعون لك يعطونك فدع ما ترى وعليك ما كانت عليك آباؤك، فانطلق إليه عتبة فقال له الذي أمروه، فدخل عليه
_________________
(١) نقل عن عائشة وابن عباس القول بمكيتها كما في الدر المنثور (١٢/ ٣١٠)، وكذا ذكر أبو عمرو الداني في "البيان" (٢١١).
(٢) وفي عد أهل الكوفة (٨٣) آية. انظر "البيان" (٢١١).
(٣) ابن جرير (١٩/ ٣٩٨) عن ابن عباس.
[ ٤ / ١٤٤٩ ]
بيته، فلما فرغ من قوله وسكت، قال رسول الله - ﷺ -: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت: ١، ٢] " فقرأ عليه من أولها حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ [فصلت: ١٣] إلى آخر الآية.
فرجع عتبة وأخبرهم الخبر وقال: لقد كلمني بكلام ما هو بشعر وإني لشاعر أعرف الشعر، ولا هو بسحر وإنه لكلام عجيب ما هو بكلام الناس فوقعوا به وقالوا: نذهب إليه بأجمعنا، فلما أرادوا ذلك طلع عليهم رسول الله (١) فعمد لهم حتى قام على رؤوسهم وقال: "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (ضض٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ " حتى بلغ إلى قوله: ﴿جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ فصرف الله بأيديهم إلى أعناقهم فجعل ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فلما انصرف عنهم رأوا الذي صنع بهم فتعجبوا وقالوا: ما رأينا أحدًا قط أسحر منه، انظروا ما صنع بنا (٢).
وفي قوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ صريح، كما في قوله: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣].
﴿تَنْزِيلَ﴾ رفع باللام التي في التنزيل وبتقدير مبتدأ والنصب على القطع أو على التحريض (٣) أي مثل ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٢٧].
﴿مُقْمَحُونَ﴾ رافعون رأسهم، والقموح والقماح رفع الإبل رأسها من الماء امتناعًا عن الشرب، والإقماح فعل عن القامح به وذلك في ﴿إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ.
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) عزاه في الدر المنثور (١٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧) لعبد بن حميد عن مجاهد.
(٣) قوله "تنزيلَ" القراءة بالنصب وقدرها الفراء: حقًا إنك لمن المرسلين تنزيلًا حقًا. وقرأ أهل الحجاز بالرفع، وعاصم والأعمش ينصبانها، ومن رفعها جعلها خبرًا ثالثًا، والرفع على الاستئناف كقولك: ذلك تنزيل العزيز الرحيم. [معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٧٢)].
[ ٤ / ١٤٥٠ ]
عن أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت الآية، فقال -﵇- (١): "إن آثاركم تُكتب فلا تنتقلوا" (٢) قال: نزول الآية متقدم على هذه الحادثة، والحديث محمول إما على نزول الآية مرتين وإما لم يكن سمع أبو سعيد الخدري هذه الآية فيما قبل فظن أنها نزلت يومئذ.
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ اُقصص لهم القصة، كقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ أهل أنطاكية (٣).
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ على عهد عيسى -﵇- (١) وهما تومان وبولس (٤) وهما من الحواريين، فجعلا يدعوانه إلى توحيد الله حتى اطلع الملك على أمرهما فحبسهما، فجاء شمعون الصفا وهو من عظماء الحواريين في أثرهما مسجونين فجعل نفسه كواحد من أهل أنطاكية، وجاء بطعام ليطعم أهل السجن فأطعم كل واحد من أهل السجن شيئًا شيئًا، فلما انتهى إلى صاحبيه قال: إني أسعى في تقويتكما وإخراجكما، ثم خرج من السجن ودخل بيت الأصنام فاعتكف فيه أيامًا يصلي لله -عَزَّوَجَلَّ- ويتضرّع إليه وأهل أنطاكية يرونه متقربًا إلى أصنامهم فسكنوا إليه ووثقوا به ورفعوا خبره إلى الملك فدعاه الملك واستخلصه، ثم إنه قال للملك: إني سمعت أنك سجنت رجلين مخالفين لك في دينك فأخرجهما لأخاصمهما.
وأخرجهما (٥) الملك فقال لهما شمعون: وأنا أفعل ذلك، قالا: نحن نحيي ونميت الموتى، قال شمعون: عندنا ميت قد مات منذ سبعة أيام
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) الترمذي (٣٢٢٦)، وعبد الرزاق (١٩٨٢)، وابن جرير (١٩/ ٤١٠)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير، والحاكم (٢/ ٤٢٨)، والبيهقي في الشعب (٢٨٩٠)، والحديث صحيح.
(٣) روي ذلك عن قتادة وعكرمة. أخرجه الطبري في تفسيره (١٩/ ٤١٣) وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ١٤٠).
(٤) ذكره في "زاد المسير" (٧/ ١٠) عن مقاتل.
(٥) في "أ" "ي": (فأخرجهما).
[ ٤ / ١٤٥١ ]
فأحيياه، فدعوا الله جهرًا ودعا شمعون سرًا فأحيا ذلك الميت فقال شمعون: أشهد أنهما صادقان وأن إلاههما حق، فآمن عند ذلك حبيب النجار ودعا الناس إلى الإيمان بهم فوطئوه بأرجلهم حتى قتلوه فأدخله الله الجنة.
﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ واختلفت الروايات قيل: آمن الملك وطائفة من الناس معه فصاح جبريل -﵇- (١) بالباقين، وقيل: لم يؤمن الملك ولا أحد سوى حبيب النجار ولكن رحموا الأنبياء فصاح جبريل بهم أجمعين.
وروي أن الرجل الذي آمن بهؤلاء الرسل -﵇- لم يكن نجّارًا ولكنه راعٍ من رعاتهم وهو أب الميت الذي أحيوه بإذن الله وهو الذي قتلوه فقال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَا حَسْرَةً﴾ لبيان موضع التحسُّر كأنه قيل: يا متحسرًا، أي هل من متحسر فيكم.
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾ في الاستدلال بانتفاء الرجعة العامة المطلقة على ثبوت المعاد لأن الأرواح لا تدبر بالإجماع، فلا بد له من محل ما، والمحل محلان، فإذا انتفى أحدهما ثبت الثاني بخلاف رجعة قوم معذورين لأنها كانت مخصوصة مقيّدة، وقد مات أصحاب تلك الرجعة بعد رجعتهم فلم يرجعوا.
﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾ من ثمر ما ذكرنا ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ﴾ للحجر (٢) على الحقيقة أي لم يوجدوه بأيديهم.
وعن ابن عباس أن (ما) بمعنى الذي، والمراد تلقح النخل وهو على سبيل كسب الفعل.
﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ﴾ الأجناس.
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قيل: لا مستقر لها كل ليلة ولكن
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) في الأصل: (وما عملته الحجر).
[ ٤ / ١٤٥٢ ]
مستقرها في آخر الزمان، تغرب الشمس فتمكث ما شاء الله غير طالعة، ثم تطلع من نحو المغرب يومًا واحدًا ثم تعود لهيئتها إلى انتهاء أيام الدنيا لقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣]، وقرأه ابن مسعود: ﴿والشمس تجري لا مستقر لها﴾ (١) وقيل إنها تستقر كل ليلة ساجدة تحت العرش، ساجدة حتى يؤذن لها إلى الرجوع إلى الدنيا لقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾.
وعن أبي ذر قال: سألت رسول الله (٢) عن قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال: "مستقرها تحت العرش".
وعن أبي ذر قال: كنت مع رسول الله (٢) في المسجد حين وجبت الشمس فقال: "يا أبا ذر أتدري أين تذهب الشمس؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "إنها تذهب حتى تسجد بين يدَي ربها فتستأذن بالرجوع فيؤذن لها، وكان قد قيل لها ارجعي من حيث جئت، فترجع إلى مطلعها فذلك مستقرها" ثم قرأ ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ (٣).
وعن ربيعة الحرشي قال: عشر آيات بين يدَي الساعة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بحجاز العرب، والرابعة الدجال، والخامسة نزول عيسى ابن مريم، والسادسة الدابة، والسابعة الدخان، والثامنة يأجوج ومأجوج، والتاسعة ريح باردة لا يبقى نفس مؤمنة إلا قبضت في تلك الريح، والعاشرة طلوع الشمس من مغربها (٤).
﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ وهي النجوم، هي أجزاء البروج وهي ثمانية
_________________
(١) هي قراءة لابن عباس كذلك عند أبي عبيد في فضائله (١٨١)، وابن الأنباري في المصاحف كما في الدر (١٢/ ٣٤٨)، وهي قراءة شاذة.
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩)، وأحمد (٥/ ١٥٢).
(٤) هذه الرواية ذكرها عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٧٩٢). وأصل الحديث من رواية حذيفة بن أسيد عند مسلم (٩٠١).
[ ٤ / ١٤٥٣ ]
وعشرون منزلًا فيما يشاهد ﴿كَالْعُرْجُونِ﴾ قال الفراء: العرجون ما بين الشماريخ إلى الثابت في النخلة من العذق (١).
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ فيه ما يبطل قول المنجمة في الكسوف والاحتراق إلا أنهم لا يسمون ليالي الهلال والمحاق قمرًا.
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ لقريش وأمثالهم ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣].
﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ﴾ للذرية ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ مثل الفلك المشحون.
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتدرون ما ﴿الْمَشْحُونِ﴾؟ قلنا: لا، قال: الموقر، قال: جعلت سفينة نوح -﵇- (٣) على مثالها (٤).
وعن السدي عن أبي مالك ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ قال: سفينة نوح حمل فيها من كل زوجين اثنين، وقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾.
قال: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ قال: السفن التي في البحر والأنهار التي يركبُ الناس فيها (٥).
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ نصب لأنه مفعول له (٦)، وتقديره: إلا أن نرحمهم رحمة منا.
﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ جوابه مضمر والتقدير منه: أعرضوا.
_________________
(١) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٣٧٨).
(٢) (ذريبتهم) ليست في "ب".
(٣) (السلام) ليست في "ي".
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٩/ ٤٤٤) عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -﵄-.
(٥) ذكره السيوطي في الدر (١٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣)، وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٦) هذا قول أبي إسحاق الزجاج، وذهب الكسائي إلى أنه منصوب على الاستثناء. [إعراب القرآن لنحاس (٢/ ٧٢٤)].
[ ٤ / ١٤٥٤ ]
عن أبي هريرة قال: تقوم الساعة والرجل يذرع الثوب والرجل يحلب الناقة ويتبايعون في السوق، ثم قرأ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ (١).
عن أبي هريرة قال: أخبرنا رسول الله (٢) ونحن في طائفة من أصحابه فقال: "إن الله (٣) ﵎ لما فرغ من خلق السموات والاْرض خلق الصُّور وأعطاه إسرافيل واضع على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر" فقال أبو هريرة: فقلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال: "قرن" قلت: وكيف هو؟ قال: "عظيم، والذي نفسي بيده إن أعظم دارة فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين"، يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماء والأرض إلا مَن شاء الله، ويأمره فيمدها ويديمها ويطولها، يقول الله -عَزَّوَجَلَّ-: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [ص: ١٥] فيسيّر الله الجبال فتمر مرّ السحاب ثم تكون سرابًا (٤) ثم ترتج الأرض بأهلها رجًا وهي التي يقول الله -عَزَّوَجَلَّ-: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ [النازعات: ٦ - ٨] فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج فيميد الناس على ظهرها، وتذهل المراضع وتضع الحوامل ما في بطونها وتشيب الولدان وتطاير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتتلقاها الملائكة تضرب وجوهها، فيرجع الناس مدبرين [ينادي بعضهم، وهي التي يقول الله -عَزَّوَجَلَّ-: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾] (٥) ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣،٣٢].
فبينا هم على ذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إلى قطر فرأوا أمرًا
_________________
(١) البخاري (٦٥٠٦)، ومسلم (٢٩٥٤).
(٢) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٣) من قوله (وتحت) إلى هنا ليست في "أ".
(٤) في "ب": (سحابًا).
(٥) ما بين [] ليست في الأصل.
[ ٤ / ١٤٥٥ ]
عظيمًا فيأخذهم من ذلك الكرب ما الله به عليم، ثم ينظرون إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت وانخسفت شمسها وقمرها واندثرت نجومها ثم كشطت السماء عنهم. ثم قال رسول الله (١): "فالموتى لا يعلمون بشيء من ذلك وإنما يصل الفزع إلى (٢) الأحياء". قال: قلت: يا رسول الله فمَن استثناه الله حيث يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]؟ قال: "أولئك الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ووقاهم (٣) الله شر ذلك اليوم ويؤمنهم منه، وهو عذاب يلقيه الله شرار خلقه، وهو الذي يقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج:١، ٢] فيمكثون في ذلك ما شاء الله له أن يطول.
ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعقة فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فإذا هم خمود، فيجيء ملك الموت إلى الجبار -عَزَّوَجَلَّ- فيقول: قد مات أهل السماء وأهل الأرض، فيقول الله وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقي حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل، وإنما قال: وليمت جبريل وميكائيل وإسرافيل فيتكلم العرش فيقول: أي رب أتموت جبريل وميكائيل وإسرافيل؟ فيقول له: اُسكت فإني كتبت على من تحت عرشي الموت، فيموتون.
ويأتي ملك الموت إلى الجبار -عَزَّوَجَلَّ- فيقول: أي رب مات جبريل وميكائيل وإسرافيل، فيقول الله وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول: أي رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وحملة عرشك وبقيت أنا، فيقول: وليمت حملة عرشي، فيموتون.
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) (إلى) ليست في "ب".
(٣) (ووقاهم) من "ب"، وفي البقية: (ولقنهم).
[ ٤ / ١٤٥٦ ]
ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: أي رب قد مات حملة عرشك، فيقول وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول: قد (١) بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت أنا، فيقول: أنت خلق من خلقي خلقتك لما قد رأيت فمن ثم لا تحيى، فيموت.
فإذا لم يبقَ أحد إلا الله -عزّوجلّ- ليس بوالد ولا ولد كان آخرًا كما كان أولًا، يقول: لا موث على أهل الجنة ولا موت على أهل النار، فيطوي السماء ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثم دحاهما ثم يتلقفهما ثم يقول: أنا الجبار أنا الجبار أنا الجبار، ثم يهتف بصوته: لمن الملك اليوم لمن الملك اليوم لمن الملك اليوم؟ ثم يقول: لله الواحد القهار، ثم ينادي: ألا من كان شريكًا فليأتِ، ألا من كان شريكًا فلياتِ، ألا من كان شريكًا فليأتِ، فلا يأتي أحد.
ثم تبدَّل السماء والأرض غير الأرض ويبسطها ويبطحها ويمدها مدّ الأديم العكاظي ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٧] ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى في بطنها وعلى ظهرها، ومن كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها.
ثم ينزل الله عليهم من تحت العرش ما يقال له الحيوان فتمطر السماء عليكم أربعين سنة حتى يكون الماء فوقكم اثني عشر ذراعًا، ثم يأمر الله الأجساد فتنبت كنبات الطراثين وكنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادكم فكانت كما كانت يقول الله جل ثناؤه: ليحيَ حملة عرشي، فيحيون، ثم يقول: ليحي جبريل وميكائيل وإسرافيل، فيحيون، فيأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور ثم يدعو الله الأرواح فيؤتى بها (٢) فتوهج أرواح المسلمين نورًا والأخرى مظلمة فيأخذها فيلقيها في الصور.
_________________
(١) (قد) من "ي" "ب".
(٢) (فيؤتى بها) من "أ" "ي".
[ ٤ / ١٤٥٧ ]
ثم يقول لإسرافيل: انفخ نفخة البعث، فينفخ فتخرج الأرواح كأمثال النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الله -﷿-: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، تدخل في الخياشيم فتمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فيخرجون منها شبابًا كلكم أبناء ثلاث وثلاثين سنة، واللسان يومئذ بالسريانية، سراعًا ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر: ٨] ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
فيوقفون في موقف حفاة عراة غلفًا غرلًا مقدار سبعين سنة لا ينظر الله إليكم ولا يقضي بينكم، فتبكي الخلائق حتى تنقطع الدموع، ثم تدمع دماء، ويعرقون حتى يبلغ منهم الأذقان أو يلجمهم، فيضجون فيقولون: مَن يشفع لنا إلى ربنا ليقضي بيننا؟ فيقولون: مَن أحق بذلك من أبيكم آدم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلًا.
فيؤتى آدم يطلب ذلك إليه فيأبى، ثم يستنفرون الأنبياء نبيًا نبيًا، كلما جاؤوا نبيًا أبى".
فقال رسول الله (١): "حتى يأتوني فإذا جاؤوني انطلقت حتى آتي الفحص فاخرّ قدام العرش لربي ساجدًا حتى يبعث الله إلى ملكًا فليأخذ (٢) بعضدي فيرفعني"، فقال أبو هريرة (٣): فقلت: يا رسول الله وما الفحص؟ قال: "قدّام العرش، فإذا رفعني الملك قال: ما شأنك يا محمَّد وهو أعلم، فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفِّعني في خلقك فاقضِ بينهم، فيقول الله -﷿-: قد شفعتك، أنا آتيكم وأقضي بينكم".
قال رسول الله (١): "فأرجع وأقف مع الناس، فبينما نحن وقوف إذ سمعنا حسًّا شديدًا من السماء فهالنا، ونزل أهل السماء الدنيا بمثلي من فيها
_________________
(١) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٢) المثبت من "ب" وفي البقية "فيأخذ".
(٣) في "ب": (أبا).
[ ٤ / ١٤٥٨ ]
من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض وأخذوا مصافهم قلنا: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، وهو آت، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف حتى ينزل الجبار ﷻ في ظلل من الغمام يحمل عرشه يومئذ ثمانية وهم اليوم أربعة، أقدامهم في تخوم الأرض السفلى والأرضون والسموات إلى حجزهم والعرش على مناكبهم، لهم زجل بالتسبيح وتسبيحهم: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق، سبُّوح قدُّوس رب الملائكة والروح قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة سبحانه أبد الآبدين.
ثم يضع عرشه حيث شاء من الأرض ثم يقول: وعزتي وجلالي لا يؤتى اليوم أحد بظلم، ثم ينادي نداء يسمع الخلاتق: يا معشر الجن والإنس إني قد أنصتُّ لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا أبصر أعمالكم وأسمع أقوالكم فأنصتوا إلى، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه.
ثم يأمر الله جهنم فيخرج (١) منها عنق ساطع، ثم يقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ ثم يقضي الله بين خلقه كلهم إلا الثقلين: الجن والإنس، ويقيد بعضهم حتى إنه ليقيد الجلحاء من القرناء، حتى إذا لم يبقَ تبعة لواحد عند آخر قال الله: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠].
ثم يقضي الله بين الثقلين فيكون أول من يقضي فيه الله الدماء، فيؤتى بالذي كان يقاتل في سبيل الله بأمر الله وكتابه ويأتيه من قتل كلهم يحمل رأسه يسحب أوداجه دمًا يقولون: ربنا قتلنا هذا، فيقول الله -﷿- وهو أعلم:
_________________
(١) في "أ" "ي": (ويخرج).
[ ٤ / ١٤٥٩ ]
لمَ قتلتهم؟ فيقول: أي رب قتلتهم لتكون العزة لك، فيقول الله: صدقت، فيجعل الله لوجهه مثل نور الشمس ثم تشيِّعه الملائكة إلى الجنة.
ويؤتى بالذي كان يقاتل في الدنيا على غير طاعة الله وعلى غير أمر الله تعزّزًا في الدنيا، ويأتي من قتل كلهم يحمل رأسه يسحب أوداجه دمًا فيقولون: ربنا قتلنا هذا، فيقول وهو أعلم: لمَ قتلتهم؟ فيقول: أي رب قتلتهم لتكون العزة لي، فيقول الله: تعست، ويسود وجهه وتزرق عيناه، ثم لاتبقى نفس قتلها إلاقتل بها.
ثم يقضي الله بين خلقه حتى إنه ليكلف الشائب اللبن بالماء يخلص الماء من اللبن، حتى إذا لم يبقَ لأحد عند أحد تبعة نادى منادٍ فاسمع الخلاتق كلهم: ليلحق كل قوبم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله، فلا يبقى أحد عبد من دون الله شيئًا إلا مثلت لهم آلهتهم بين أيديهم، ويجعل ملك يومئذ من الملائكة على صورة عيسى فتتبعه النصارى ثم تقودهم آلهتهم إلى النار، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ (١) آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٩].
حتى إذا لم يبقَ إلا المؤمنون وفيهم المنافقون جاءهم الله سبحانه فيما شاء من هيبة فيقول: أيها الناس الحقوا بآلهتكم، فيقولون: ما لنا من إله إلا الله وما كنا نعبد غيره، ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربهم فيخرُّون له سجَّدًا فيسجدون ما شاء الله، وبجعل أصلاب المنافقين كصياصي البقر فيخرُّون على أقفيتهم، ثم يأذن الله فيرفعون رؤوسهم.
ثم يضرب بالصراط في كتفَي جهنم كحد الشعر وكحد السيف عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان دونه جسر دحض مزلة، فيمرون كخطوف العين وكلمح البرق وكمرّ الريح وكأجاويد الخيل وكأجاويد الركاب وكأجاويد الرجال، مسلَّم وناجٍ مخدوش مكردس في جهنم، فيقع خلق من خلق الله أوقعتهم أعمالهم تأخذ النار قدميه لا تجاوز ذلك، ومنهم من تأخذه
_________________
(١) (وهؤلاء) من "ب" "ي".
[ ٤ / ١٤٦٠ ]
إلى أنصات ساقَيْه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم مَن تأخذ كل جسده إلا صورهم يحرمها الله تعالى على النار.
فإذا مضى أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار قالوا: مَن يشفع لنا إلى ربنا ليُدخلنا الجنة؟ فيقولون: مَن أحق بذلك من أبيكم؟ خلقه بيده ونفغ فيه من روحه وكلّمه قبلًا، فيؤتى آدم فيطلب فيذكر ذنبًا فعله فيقول: عليكم شرح فإنه أول رسل الله، فيؤتى نوح فيطلب إليه فيذكر ذنبًا فعله (١) فيقول: عليكم بإبراهيم فإن الله -﷿- اتخذه خليلًا، فيؤتى إبراهيم فيطلب فيقول: عليكم بموسى فإن الله تعالى قرّبه نجيًا وأنزل عليه التوراة، فيؤتى موسى فيطلب إليه فيقول: عليكم بروح الله وكلمته عيسى ابن مريم، فيؤتى عيسى فيطلب إليه فيقول: سأدلُّكم على صاحب ذلك، ويقول: عليكم بمحمد صلّى الله عليه وعلى جميع (٢) الأنبياء".
قال رسول الله (٣): "فيأتوني ولي عند الله ثلاث شفاعات وُعِدْتُهُن" ثم ذكر باقي الحديث وفيه طول (٤).
وعن عائشة قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت الأقلام وحبست الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال (٥).
﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ جمع جدث وهو القبر.
﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ يجوز أن يكون تمام الكلام فيحسن الوقف عليه، ويجوز أن يكون هذا إشارة إلى المرقد على سبيل التأكيد.
وعن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ قال: في افتضاض الأبكار (٦).
_________________
(١) (فعله) من "ب".
(٢) في "ب": (شفيع).
(٣) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٤) إسحاق بن راهويه كاملًا في مسنده (١٠).
(٥) ابن أبي شيبة (٣٧٥٩٩).
(٦) ابن أبي الدنيا في "صفة الجنة " (٢٧٦، ٢٧٧)، وابن جرير (١٩/ ٤٦٠).
[ ٤ / ١٤٦١ ]
عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الرجل ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع" فقال رجل من أهل الكتاب: إن الذي يأكل ويشرب يكون له حاجة، فقال رسول الله - ﷺ - (١): "يفيض من جسد أحدهم عرق مثل المسك فيضمر لذلك بطنه" (٢).
وعن أبي أمامة قال: سئل رسول (٣) الله (٤): أينكح أهل الجنة في الجنة؟ قال: "نعم دحمًا دحمًا ولا مني ولا منية" (٥).
وعن أبي هريرة: هل يقرب أهل الجنة نساءهم؟ قال: "نعم بذكر لا يمل وفرج لا يحفى وشهوة لا تنقطع" (٦).
وعن أبي سعيد الخدري قلنا: يا رسول الله إن الولد من قرّة العين وتمام السرور فهل يولد لأهل الجنة؟ فقال: "والذي نفسي بيده إن العبد أو الرجل ليشتهي أو ليتمنى فيكون حمله ووضعه وسنه الذي بنتهي إليها في ساعة واحدة" (٧).
وقال ابن عباس: إن اشتهوا ولد لهم (٨).
والفكاهة (٩) غاية السرور والبشاشة.
﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ قال الفراء وغيره: المراد بالسلام المسلم (١٠)، أي دعواهم مسلمة لا منازعة فيها، وقوله: ﴿قَوْلًا﴾ أي
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) أحمد (٤/ ٣٦٧)، والنسائي في الكبرى (١١٤٧٨)، والطبراني في الأوسط (١٧٢٢)، والحديث صحيح.
(٣) (رسول) ليست في "أ".
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) رواه الترمذي (٢٤٨٧)، وابن ماجه (٤٣٢٩).
(٦) الطبراني في الكبير (٧٦٧٤)، وفي مسند الشاميين (٩٥٦)، والحديث صحيح.
(٧) هناد في الزهد (٨٧) وفي سنده ضعف.
(٨) لم نجده عن ابن عباس.
(٩) في "ب": (الفاكهة).
(١٠) ذكره الفراء في معانيه (٢/ ٣٨٠).
[ ٤ / ١٤٦٢ ]
وعدناهم هذه الأشياء وعدًا، وقيل (١): التقدير: ولهم ما يدعونه (٢) قولًا
مسلمًا ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ هذه الآية في تهديد قريش أن يصيبهم الله ببلاء في الدنيا.
﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ﴾ كأنهم استنكروا (٣) الطمس والمسح فذكرهم الله -﷿- بنكس الشاب العاقل المستوي إذا صار شيخًا ضعيفًا هرمًا على سبيل الاستدلال.
﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ الركوب ما يركب كالقعود ما يقعد عليه والظهور ما يظهر به.
﴿مُحْضَرُونَ﴾ مأخوذون مأسورون غير ممتنعين ولا منتصرين.
﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ غير مفسر هاهنا ﴿إِنَّا نَعْلَمُ﴾ كلام مبتدأ من جهة الله.
عن الكلبي عن مجاهد قال: أتى أُبي بن خلف الجمحي إلى رسول الله (٤) بعظم بالٍ ففتّه بيده ثم قال: يا محمَّد أتعدنا إذا متنا وكنا مثل هذا بُعثنا؟ فأنزل الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية (٥).
عن أُبي بن كعب عنه -﵇- قال: "إن لكل شيء قلبًا وقلب القرآن
يس، ومَن قرأ يَس يريد الله به غفر له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن ثنتي عشرة مرة، وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت كان له بعدد كل حرف في سورة يَس عشرة مرة أملاك يقومون بين بديه صفوفًا يصلُّون
_________________
(١) (وقيل) ليست في "ب".
(٢) في "ب": (ما يدعون).
(٣) في "ب": (استكرهوا).
(٤) في "ب": (رسول الله - ﷺ -).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٢٠٢)، والطبري في تفسيره (١٩/ ٤٨٦).
[ ٤ / ١٤٦٣ ]
عليه ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ سورة يس وهو في سكرات الموت أو من قرئت عليه لم يقبض ملك الموت روحه إلا وهو ريان فيمكث في قبره وهو ريان ويبعث يوم القيامة وهو ريان، [ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان] (١) ".
وعن علي عنه -﵇-: "مَن كتب يس ثم شربها دخل جوفه ألف نور وألف رحمة وألف بركة وألف دواء وأخرج منه ألف داء" (٢).
_________________
(١) ما بين []، ليست في الأصل.
(٢) هذا جزء من حديث أبي الموضوع وقد مرّ الكلام عليه.
[ ٤ / ١٤٦٤ ]