مكية (١)، وعن ابن عباس إلا أربع آيات؛ ثلاث من أولها والرابع ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] وهي مائة وإحدى عشرة آية بلا خلاف (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضمير عائد إلى الكتاب ﴿قُرْآنًا﴾ اسم من القراءة أو مصدر ﴿عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب، قال -﵇-: "إن العربية ليست بأب والد ولكن مَنْ تكلم بالعربية فهو عربي" (٣). ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ما كان غاية في إفادة الصّدق والعجب الباعث على مكارم الأخلاق، الزاجر عن اللوم بنظم سهل منتفع؛ وهو (٤) القرآن لتضمنه أقاصيص الأنبياء والأولياء وذكر عاقبة المتقين، وقصارى عمل المفسدين، وقيل: قصة يوسف -﵇- لاستمالة على حسن تعبير يعقوب، وحسن موعظة يوسف (٥)، وحسن
_________________
(١) مكيتها ثابتة وذكر ذلك عن ابن عباس وابن الزبير، حتى قال ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ١٧٨) أن ذلك إجماع.
(٢) وانظر: "البيان في عدّ آي القرآن" (ص ١٦٧).
(٣) ابن عساكر (٢١/ ٢٢٥، ٤٢٤، ٤٠٧) وسنده ضعيف جدًا، وانظر: السلسلة الضعيفة (٩٢٦)، ولفظ: ( بأب ولا أم).
(٤) في الأصل: (هي).
(٥) (يوسف) في الأصل و"أ".
[ ٣ / ٩٨٩ ]
صبره في حزنه، وحسن تعزيه في مصيبته، وحسن رجائه من الله، وحسن معاشرته فيه حيث لم يهاجرهم ولم ينابذهم، ولاشتماله على حسن صورة يوسف، وحسن رؤياه في صباه، وحسن إمساكه عن زليخا (١)، وحسن اختياره السجن، وحسن تعبيره رؤيا الفتيان (٢)، وحسن صبره في السجن، وحسن تدبيره في ادِّخار الميرة، وحسن كيده في حبس أخيه، وحسن ردِّه على إخوته بضاعتهم، وحسن عفوه عنهم، ولاشتماله على حسن اختيار (٣) زليخا والنسوة والملك، وحسن توبة إخوة يوسف، وحسن اعترافهم واعتذارهم، وحسن عاقبة الجميع، وحسن ذكر الله إياهم، والقول الأول الأصح (٤) لقوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ عن مصعب بن سعد (٥) عن أبيه قال: أنزل الله تعالى القرآن على رسول الله -ﷺ- (٦) فتلاه عليهم زمانًا فقيل: يا رسول الله لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى ﴿الر تِلْكَ﴾ الآية فتلا عليهم زمانًا، قيل: يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] الآية، وروي فقيل: لو خوفتنا (٧) فأنزل ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦] الآية (٨).
﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل الوحي إلا (٩) عاقلًا عن هذه الأنباء.
﴿يَا أَبَتِ﴾ قال الفراء (١٠): كانت ها وقفة (١١)، واستجازوا تحريكها
_________________
(١) هذا اسم زوجة العزيز وقد ورد عند أكثر المفسرين هكذا.
(٢) في الأصل: (الفتين).
(٣) في "أ": (اختياره).
(٤) في "ب": (أصح).
(٥) في "ب": (سعيد).
(٦) (ﷺ) من "ب" فقط.
(٧) في الأصل: (حرفتنا).
(٨) ابن جرير (١٣/ ٨) وسنده محتمل للتحسين.
(٩) (إلا) ليست في الأصل و"ب".
(١٠) (الفراء) من "أ" "ي".
(١١) ذكره الفراء في معاني القرآن (٢/ ٣٢) وقال: في قوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾ [يُوسُف: ٤] لا تقف =
[ ٣ / ٩٩٠ ]
كتحريك هاء (١) الندبة (٢)، ثم قلبوها تاء، فهاء التأنيث، فأدخلوا عليها الإضافة بالكسر، والندبة بالفتح، وقيل: التاء عوض عن ياء المتكلم لأنها لا (٣) تثبت مع الياء، وإنما جمع جمع العقلاء لاعتبار فعل العقلاء وهو السجود أو لأن تأويل (٤) أبواه وإخوته.
﴿لَا تَقْصُصْ﴾ لأنه علم غيرتهم ومنافستهم في طريق المشاهدة أو من طريق القياس على أمر أخيه عيصو (٥)، وذكر الشيطان لأنه كان يعلم أنهم يفهمون التأويل؛ لأن البيت كان بيت النبوة والعلم فيتخوف على يوسف البوائق وعلى إخوته البغي من وسوسة الشيطان. وعن وهب: رأى هذه الرؤيا وهو ابن اثنتي عشرة سنة (٦) وكان رأى قبل ذلك وهو ابن سبع سنين (٧) إحدى عشرة (٨) عصًا طوالًا مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصًا صغيرة تثب على هذا العصي فتغلبها وتفوقها.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ إشارة إلى السجود أو لاختصاصه بالرؤيا (٩)، فإنما بشره بالاجتباء لرؤياه؛ فإنّ الرؤيا من الله والعلم (١٠) من الشيطان، وبشره بعلم
_________________
(١) = عليها بالهاء وأنت خافضٌ لها في الوصل؛ لأن تلك الخفضة تدل على الإضافة إلى المتكلم.
(٢) في "أ": (واستجازوا تحريكها كتحريكها الندبة).
(٣) ومنه قول النابغة: كِليني لِهَمَّ يا أُمَيْمَةَ ناصبِ وليلٍ أُقاسيه بطيء الكواكبِ بفتح التاء في "أميمةَ".
(٤) (لا) ليست في الأصل.
(٥) في "أ": (تأويله).
(٦) هو أخو نبي الله وعم يوسف ذكره أهل التفسير كالقرطبي والبغوي، وبعض شروح الحديث كعمدة القاري للعيني، والعرب تسميه (العيص) وإليه ينسب الروم.
(٧) ذكره ابن الجوزي كأحد الأقوال عن عمر يوسف وقت الرؤيا (٤/ ١٨٣).
(٨) ذكره ابن الجوزي كأحد الأقوال عن عمر يوسف وقت الرؤيا (٤/ ١٨٣)، وذكر أيضًا قولًا ثالثًا وهو سبع عشرة سنة.
(٩) (عشرة) من "أ" "ي" ..
(١٠) في "ب": (والاختصاص بالرؤيا)، وفي "ي": (أو الاختصاص فساح أمره بالرؤيا).
(١١) في "أ": (الحلم).
[ ٣ / ٩٩١ ]
التأويل (١) لافتتاح أمره بخصلة نبوته وهي الرؤيا، وبشره بإتمام النعمة عليه لأنَّ الله متمم نوره، وعلم بذلك لوقوع أمثلتهم في الرؤيا كواكب (٢).
والكواكب نور يهتدى به إذ قالوا فيما بينهم وإخوة لأمه (٣) ﴿عُصْبَةٌ﴾ ما بين العشرة إلى الأربعين (٤)، وضللوا آباءهم في تدابير (٥) الدنياوي لكون يوسف وأخيه غلامين ضعيفين وكونهم عصبة أقوياء على الحماية والانتصار من العدو، ولم يقصدوا إيذاءهم وإنما قصدوا العقاب.
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ بغير حق لأنهم لم يكونوا بلغوا رتبة النبوة ولا يوسف بعد، وقتل غير النبي ليس بكفر، والكبائر قبل النبوة ممكنة (٦)، ويحتمل أنهم قالوا نصيحة لأبيهم وصرف محبته إليهم إذ هو الأصلح فيما بينهم ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ﴾ أسقطوه ﴿أَرْضًا﴾ بأرض من غير أرضهم ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ يفرغ ويحصل لكم ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ هذا الذنب ﴿صَالِحِينَ﴾ تائبين عن ابن عباس (٧)، وقال مقاتل: أراد إصلاحهم فيما بينهم (٨).
﴿قَالَ قَائِلٌ﴾ قتادة وابن إسحاق: روبيل (٩)، مجاهد: شمعون (١٠)،
_________________
(١) من قوله: (فإنما بشره) إلى هنا ليس في "ب".
(٢) (كواكب) ليست في "ب".
(٣) ذكر ابن الجوزي أن أخا يوسف كان لأمه وأبيه - أي كان شقيقًا - والباقون إخوته لأبيه دون أمه. [زاد المسير (٢/ ٤١٥)].
(٤) قال الزجاج: هي في اللغة الجماعة الذين أمرهم واحد يتابع بعضهم بعضًا في الفعل، ويتعصب بعضهم لبعض. وفي معناها ستة أقوال؛ أظهرها قول ابن عباس﵄ -، وهو ما زاد على العشرة إلى الأربعين، واختاره عامة المفسرين. [معاني القرآن للزجاج (٣/ ٩٣)، زاد المسير (٢/ ٤١٥)].
(٥) في "أ" "ي": (تدبير).
(٦) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (٢١٧٨).
(٧) ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٨٤).
(٨) ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٨٤).
(٩) الطبري (١٣/ ٢٠)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٠٦).
(١٠) الطبري (١٣/ ٢١)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٠٦).
[ ٣ / ٩٩٢ ]
وقيل: يهودا ﴿الْجُبِّ﴾ الرَّكية لم تطو فإذا طويت فهي بئر (١)، و(الالتقاط) دفع المنبوذ ﴿السَّيَّارَةِ﴾ مارة الطريق وهي (٢) العير ﴿فَاعِلِينَ﴾ حائلين بين يوسف وأبيه لا محالة فحولوا (٣) كذلك.
﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾ كان يعقوب يتخوف على يوسف بين (٤) إخوته لما كان يعلم من غيرتهم ومنافستهم، وكان لا يرسله معهم للحس (٥) ولا التماشي ويحبسه عند نفسه فلذلك قالوا ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ على اعتقادهم أن إخراجه من بين أظهرهم خير له ولهم.
أرادوا بقولهم ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ حفظه وحبسه في البئر إلى (٦) أن يلتقطه بعض السيارة.
فقال (٧) حزنني وأحزنني، وإنما خاف أكل (٨) الذئب لأنه كان رأى في المنام أن الذئب قد اختطفه، وقيل لأن الذئاب كانت كثيرة عائدة في أرض كنعان، وإنما أظهر هذه العلة دون تخوفه من كيدهم للرفق وحسن العشرة.
لما قالوا: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ سكن إلى قولهم وأحب أن يرسله معهم لعل الله يؤلّف بينهم، ولئلا يزيدهم حقدًا (٩) بردِّهم خائبين ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ واو مفخمة كما في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]
_________________
(١) أصل الجب هو القطع، وسميت البئر بذلك لأنها قطعت قطعًا ولذا تكون شديدة الظلمة، وبذلك فسر ابن عباس - ﵄ - "غيابة الجب" ظلماته. [زاد المسير (٢/ ٤١٦)].
(٢) في "ب": (وفي).
(٣) في الأصل: (فحالوا).
(٤) في "أ": (من).
(٥) في الأصل: (للخير) وفي "ي": (الحش).
(٦) في "ب": (إلا).
(٧) في الأصل و"أ": (يقال).
(٨) في الأصل: (لكل).
(٩) (حقدا) ليست في الأصل.
[ ٣ / ٩٩٣ ]
قيل: إيحاء جبريل، وقيل: الإلهام إليه وإلى يوسف ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ﴾ وهو قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩].
﴿يَبْكُونَ﴾ يكلفون البكاء كعادة الجاني إذا تبارأ من البكاء.
﴿نَسْتَبِقُ﴾ نسابق (١) بالرمي والتعادي، ويحتمل أنهم لم يقصدوا الكذب بخبرهم من الاستباق وتركه لأنه ممكن، وعنوا بالذئب ما كان رآه أبوهم في المنام وتأويله السارق أو الغاصب مثلًا أو مجازًا، وإنما قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ لشدة خوفهم كما يقال: كاد المريب يقول خذني.
﴿عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي الدم المكذوب، كانوا قد لطخوا القميص بدم جدي (٢) يوهمون أنه دم يوسف، وإنما اعتذروا بهذا لما يرجون من تصديق أبيهم وتسليمه لهم هذا العذر بعد خوفه عليه من قبل هذا المعنى، وإنما علم الخلاف بوحي أو إلهام أو صدق فراسته أو اعتبار القميص غير ممزق ﴿سَوَّلَتْ﴾ زيّنت ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي فعلى صبر جميل (٣) وهو ما عري من الشكوى والعويل ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ على استبانة ما تصفون.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ الرفقة كانوا من خزاعة يريدون مصر ﴿وَارِدَهُمْ﴾ مالك بن ذعر الخزاعي (٤)، ﴿فَأَدْلَى﴾ فأرسل إلى أسفل البئر ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾
_________________
(١) (نسابق) ليست في الأصل.
(٢) صح عن ابن عباس - ﵄- أنه دم سخلة شاة، وكذا روي عن مجاهد. وقال ابن عباس -﵄-: لو أكله الذئب لخرق قميصه. [الطبري (١٣/ ٣٦)].
(٣) يجوز في "صبر جميل" أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف التقدير: أمري صبر جميل، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره محذوف والتقدير: صبر جميل أمثل بي. وقدره الطبري: صبري صبر جميل، والصبر الجميل قيل: هو الذي ليس فيه جزع، وروى الطبري مرفوعًا أن النبي - ﷺ - قال: "فصبر جميل صبر لا شكوى فيه". [الطبري (١٣/ ٤٠)، الدر المصون (٦/ ٤٥٨)].
(٤) ابن جرير (١٣/ ٦٢) من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٢١٦) كذلك لأبي الشيخ، واسمه ورد في جميع التفاسير.
[ ٣ / ٩٩٤ ]
يحتمل إخوة يوسف ويحتمل السيارة (١) ﴿بِضَاعَةً﴾ قطعة من المال يتجر بها، وهي منصوبة على الحال (٢).
﴿وَشَرَوْهُ﴾ يحتمل البيع من إخوة يوسف ويحتمل الاشتراء من السيارة. ذكر في التواريخ (٣) أن إخوة يوسف لما رجعوا من الغد إلى البئر لم يجدوا يوسف فيها فافتقدوه فوجدوه في هذه الرفقة فأوهموا أنه عبد آبق باعوه منهم بعشرين درهمًا (٤)، وقيل: باثنين وعشرين (٥) ﴿بَخْسٍ﴾ باخس أو مبخوس ﴿دَرَاهِمَ﴾ مضروب من الفضة للمعاملة، (الزهد في الشيء): الرغبة عنه.
﴿الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ هو عزيز مصر اسمه قُطيفَرع، وقيل: قُطْفير (٦) اشتراه من مالك بن ذعر دخل به السوق وعرضه للبيع، فبلغ ثمنه في العرض مقدارًا من المسك وحرير وذهب وفضة، فاشتراه العزيز بذلك لامرأته زليخا، وقيل راعيل (٧) وإنما وكله إليها لتربّيه تربية الأم ولدها ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ اجعلي منزلته حميدة حسنة لئلا يفسد بتربية السوء فيتطرق إليه خيانة العبيد ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ تفرس لما فيه من مخايل (٨) الكرم (٩)
_________________
(١) القول الأول - أنهم إخوة يوسف - قال به ابن عباس -﵁ -، والقول الثاني قال به مجاهد، ورجح الطبري القول الثاني. [الطبري (١٣/ ٤٩)].
(٢) ويجوز أن تكون "بضاعة" مفعولًا ثانيًا على أن يُضَمَّن "وَأَسَرُّوهُ" معنى صَيَّروه.
(٣) بل ورد كذلك في الطبري (١٣/ ٥٠ - ٥١)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١١٤) عن السدي.
(٤) هذا الرقم ورد في رواية السدي عند الطبري، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١١٦)، وهو مروي عند ابن أبي حاتم (٧/ ٢١١٦) عن مجاهد.
(٥) هذا الرقم ورد عند ابن أبي حاتم (٧/ ٢١١٥) عن عكرمة.
(٦) أما قطفير فقد وجدناه في جميع التفاسير أما قطفيرع فلم نجده، ووجدناه بلفظ أطفير. [الطبري (١٣/ ٦١)، زاد المسير (٢/ ٤٢٤)].
(٧) محمد بن إسحاق سماها (راعيل بنت رعائيل)، وأما زليخا فسماها الجبائي كما في تفسير أبي الشيخ، انظر الدر المنثور (٨/ ٢١٥)، ومقاتل كما في زاد المسير (٤/ ١٩٨)، وقيل: إن اسمها راعيل وأن لقبها (زليخا) كما في تفسير أبي السعود (٤/ ٢٦٢).
(٨) (من مخايل) ليست في "ب".
(٩) (الكرم) ليست في الأصل.
[ ٣ / ٩٩٥ ]
وشمائل الأحرار، كفراسة ابنة شعيب في موسى -﵇-، وفراسة خديجة في نبينا -﵇- (١) ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ لأنه كان غنيًا لا وارث له، عنّينًا (٢) لا يولد له.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي وكما (٣) نخبرك ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ معطوف على ضمير أي ليتمكن ولنعلمه ﴿عَلَى أَمْرِهِ﴾ قيل: أمر الله، وقيل: أمر يوسف.
وقيل: إن يوسف إذ وقع بمصر كان عمره سبع عشرة سنة، فلما بلغ ثماني عشرة سنة (٤). ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ وآتاه (٥) الحكم والحلم وذلك حين رأى برهان ربه. ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾
ثم بقي بعد ذلك على حالته ست سنين ثم ابتلاه الله بالسجن سبع سنين (٦) واتاح له الفرج على رأس ثلاثين سنه من عمره.
وقيل: بلوغ أشده بلوغه ثلاثين سنة، والمراد بـ"الحكم" ما حكم بين الناس، وبـ "العلم" ادخار الميرة وغيره.
﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾ طالبته عن نفسه (عن) للتعدية، كما يقال: سأل عن كذا ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ لئلا يدخل عليهما (٧) داخل ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أي ألتزم
_________________
(١) وردت رواية عن ابن مسعود في ذلك ولكن فيها أبو بكر باستخلافه عمر بدل خديجة بالنبي -ﷺ- رواها سعيد بن منصور في تفسيره (١١١٣)، وابن سعد (٣/ ٢٧٣)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٥٧٤)، وابن جرير (١٣/ ٦٤)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١١٨)، والطبراني (٨٨٣٠،٨٨٢٩)، والحاكم (٢/ ٣٤٥).
(٢) في "أ" "ي": (عندنا).
(٣) في "ب" "أ": (فكما).
(٤) الثاني هذا ذكره ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (٧/ ٢١١٩)، أما الأول فلم أجده. وذكر المفسرون أرقامًا أخرى.
(٥) المثبت من "ب"، وفي البقية: (وأتيه).
(٦) هذا ورد عن عكرمة عند ابن جرير (١٣/ ١٥١).
(٧) في "أ": (عليهم).
[ ٣ / ٩٩٦ ]
معاذ الله، وأعوذ بالله من هذا الفعل القبيح ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ أي (١) الله تعالي (٢) ﴿الظَّالِمُونَ﴾ الزانون (٣).
وتقديم جواب ﴿لَوْلَا﴾ علقه كتقديم الجزاء على الشرط، وجواب (لو) هاهنا همّ يوسف، تقديرها ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ و﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ لهمَّ بها ﴿بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قيل: صورة يعقوب عاضًا على إصبعه يقول: مثلك قبل المواقعة كذا وبعد المواقعة (٤) كذا (٥). مقاتل: سمع صوتًا: إياك ومواقعتها فإنك إن واقعتها صرت كالطير الواحد، وقيل: سمع صوتًا: أتَهُمُّ بعمل السفهاء وأنت مكتوبٌ في الأنبياء (٦)، وقيل: رأى مكتوبًا في السقف ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ (٧) [الإسراء: ٣٢] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي عصمناه عن الفاحشة كذلك.
﴿وَاسْتَبَقَا﴾ تبادرا إلى ﴿الْبَابَ﴾ أما يوسف فللإعراض عن الفاحشة، وأما المرأة فللولوع بيوسف ﴿وَقَدَّتْ﴾ شقت ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ من خلف لأنها لحقته وتعلقت به لئلا يخرج من الباب ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ زوجها ﴿قَالَتْ مَا﴾
_________________
(١) المثبت من "أ"، وفي البقية: (أكرم الله تعالى).
(٢) الأظهر في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ [يُوسُف: ٢٣] المراد به سيده، وهو زوج امرأة العزيز التي راودته عن نفسه فهو الذي أحسن مثواه. وهكذا روي عن مجاهد والسدي. أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٧٨)، وما ذكره المؤلف "إنه ربي" أي الله عزوجل، قاله ابن الجوزي في تفسيره (٢/ ٤٢٧).
(٣) ذكر ذلك ابن الجوزي في تفسيره وقال: هم الزناة لأن امرأة العزيز دعته إلى الزنا. [زاد المسير (٢/ ٤٢٧)].
(٤) (كذا وبعد المواقعة) ليست في "أ".
(٥) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وعكرمة، رواه عنهم الطبري في تفسيره (١٣/ ٩٠ - ٩٥) دون قوله: "مثلك قبل المواقعة كذا وبعد المواقعة كذا".
(٦) ذكره ابن الجوزي عن ابن عباس - ﵄ - والصوت الذي ناداه هوصوت جبريل -﵇ -. [زاد المسير (٢/ ٤٣١)].
(٧) رواه الطبري في تفسيره عن محمَّد بن كعب القرظي. [الطبري (١٣/ ٩٨)].
[ ٣ / ٩٩٧ ]
جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ قالت لخوفها من ان يفضحها يوسف عند زوجها، وإنما أشارت بالسجن لصرفه عن بيعه وقتله، وقيل: لانعكاس المحبة لأن الشيء إذا تناسى (١) انعكس.
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا (٢)﴾ مقاتل والضحاك: رجل كبير ابن عمها (٣)، وقيل: رجل حكيم من قرابتها (٤)، وقيل: ابن خالها وهو صبي في المهد (٥)، وشهادته على طريق الاستدلال كشهادة خزيمة بن ثابت ﴿مِنْ قُبُلٍ﴾ قدام، واستدل بدلالة الحال، رجع الزوج إلى شهادته فتبين له أن الجناية (٦) من قِبَلها.
﴿يُوسُفُ﴾ يا يوسف تغافل عن هذا الحديث فلا تذكره لأحد ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ دليل أن الزنا والبهتان كانا محظورين عندهم، وإنما لم يجاوز إنكاره وغيرته لأن عنته (٧) كانت ذهبت بحميته.
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ اللائمات كن خمسًا؛ امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب (٨)، أفشين حديثهما في البلد على ما جرت به عادة النساء ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أي أصاب يوسف شغاف قلبها من حب، كما يقال كبده ورأسه إذا أصاب ذلك. والشغاف غلاف القلب، وقيل: حبة القلب، وهي (٩) علقة سوداء في
_________________
(١) في "ب""ي": (تناهى).
(٢) (من أهلها) ليست في "ي" "أ".
(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٢١١) ولم يعزه لأحد.
(٤) ورد عن زيد بن أسلم عند ابن أبي حاتم (٧/ ٢١٢٩)، وقريبًا منه عن قتادة كما عند ابن جرير (١٣/ ١٠٩، ١١٢)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٢٩).
(٥) ذكره ابن جرير (١٣/ ١٠٦) عن سعيد بن جبير، وعن ابن عباس كما عند ابن جرير (١٣/ ١٠٧)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٢٨)، وعن الضحاك عند ابن جرير (١٣/ ١٠٦).
(٦) في الأصل: (له الخيانة).
(٧) كون زوجها عنينًا ورد في روايات كثيرة.
(٨) ذكرهن القرطبي في تفسيره (٩/ ١٥١)، وذكره ابن الجوزي (٤) وعزاه لمقاتل.
(٩) في الأصل: (وقيل).
[ ٣ / ٩٩٨ ]
صميمه، وإنما ضللنها (١) في رأيها لإيثارها عبدًا مملوكًا مقدورًا عليه موجودًا عنده على عزيز مصر.
﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ دعتهن للضيافة ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ أحضرت وحصّلت ﴿مُتَّكَأً﴾ معتمدًا عليه، قيل: الطعام، وقيل: متكأً، قيل: هو الأترج، وقيل: الزماورد ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ دليل على طعام أو فاكهة يحتاج فيه إلى السكين، والسكين: الشفرة ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أمرتْه (٢) لأنه كان لا يجد من الخدمة والائتمار بأمرها بُدًّا ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أعظمنه من أن يكون ﴿بَشَرًا﴾ نصب (٣) (بشرًا) لنزع الخافضة (٤) ﴿كَرِيمٌ﴾ في حسن الصورة وصفاء الخلقة، وإنما عرضت المحبوب على صواحباتها لكون المحبوب مصونًا مأمونًا، أو لرجاء العون والإعانة.
﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ استمسك بالرشد والعصمة ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ وعيد منها، وذلك في حال امتزاج المحبة بحظوظ النفس قبل صفائها، فلما صفت المحبة قالت: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١]
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ الفعل منه مسندًا إلى الجملة متركبة من جواب (٥) وقسم، وتقديره: ثم بدا لهم أن والله ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ وهذا كقوله: نويت لأذهبن إلى فلان، وإنما بدا لهم ذلك لأنهم رأوا محبة يوسف وحبه، وتبرئة المرأة أسهل من تبرئة الغلام، وفضيحة المرأة وتشويش البيت، فاقدموا على تنحية البريء الصادق وتخلية الجانية الخائنة لمصلحة الحال بعد مشاهدة الآيات على الكيفية.
_________________
(١) في الأصل: (ضللها).
(٢) (أمرته) ليست في "ب".
(٣) روي عن الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه وجمع من النحويين أن "بشرًا" منصوب لأنه خبر "ما" التي تعمل عمل ليس وهي لغة أهل الحجاز. [الدر المصون (٦/ ٤٨٨)، زاد المسير (٢/ ٤٣٦)].
(٤) في "ب" "أ": (الخافض).
(٥) في "ب" ي ": (جو انب).
[ ٣ / ٩٩٩ ]
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾ حصل معه داخل ﴿السِّجْنَ﴾ كقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢١٤] قال وهب: كانا عبدين لفرعون أحدهما خبازه والآخر ساقيه (١)، وكان سبب وقوعهما في السجن أن جماعة من أهل مصر خرجوا على فرعون وأرادوا المكر به، فرشوا إلى هذين، فضمنوا لهما مالًا ليسمّا فرعون فأجاباهم إلى ذلك. ثم ندم الساقي، وقبل الخباز الرشوة فسمّ طعام فرعون، فلما حضروا منه قال الساقي: أيها الملك لا تأكل فإن الطعام مسموم، وقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب مسموم، فقال فرعون للساقي: اشرب أنت هذا الشراب فشرب ولم يضره، وقال للخباز: كل هذا الطعام فأبى أن يأكله، فجرب الطعام على حيوان فنفذ السمّ فيه. فأمرهما الملك إلى السجن، فكانا في السجن سنة (٢) فأتياه وقصّا عليه الرؤيا، قيل: إن الساقي قال: إني أرى وأنا في بستان فإذا أنا بأصل حَبَلة (٣) عليها ثلاث عناقيد عنب فقطعتها، وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيها وسقيتُه (٤) الملك فشربه، فقال يوسف: نِعْمَ ما رأيت، أما العناقيد الثلاث فإنها ثلاثة أيام تبقى في السجن ثم يخرجك الملك اليوم الرابع وتعود إلى ما كنت عليه (٥)، فقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فى أعلاها الأطعمة وإذا سباع الطير تقع عليها فتأكل منها، قال يوسف: أما السلال الثلاث فثلاثة أيام تبقى في السجن، ثم يخرجك الملك فيصلبك فتأكل الطير من رأسك فقال: إني لم أر شيئًا وإنما كنت ألعب، فقال يوسف: إن رأيتما رؤياكما أو لم ترياها (٦) فقد ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ
_________________
(١) روي ذلك عن قتادة والسدي. أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ١٥٢)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٤٢).
(٢) قريبًا منه عن السدي عند الطبري (١٣/ ١٥٢)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٤٢). وعن محمد بن إسحاق كما عند ابن جرير (١٣/ ١٥١، ١٥٢)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٤٢).
(٣) هي شجرة العنب كما في اللسان مادة (حبل).
(٤) في "أ": (وسقيت).
(٥) ابن جرير عن عكرمة (١٣/ ١٥٥).
(٦) في "ب": (تراها).
[ ٣ / ١٠٠٠ ]
﴿الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (١) و(العصر) استخراج المائع من الشيء بالغمز، وإنما سمي العنب خمرًا لأنه يؤول إليها ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لعلم التعبير.
وقول يوسف ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ الآية ليس بجواب عن سؤالهما ولكنه دعوة نبوته (٢) وإظهار المعجزة، فإن ذلك عند وجود الفرصة كان أوجب عليه وأهمّ عنده من تعبير الرؤيا، فلذلك ابتدأ به. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ الضمير عائد إلى ما رأياه وسألا، وقيل: إلى الطعام، فإن أخذنا بالقول الأول ففائدته سرعة الجواب وذلك لا يكون إلا بوحي إلهي، فإن المستنبط يحتاج إلى تأمل واستخراج، وإن أخذنا بالقول الثاني فهو كقول عيسى -﵇-: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ (٣)﴾ [آل عمران: ٤٩] في محل الرفع لإسناد الإتيان إليه أو للابتداء وخبره ثم أخبر أن المعجزة النبوية مختصة بأولياء الله لا يؤتيها الكاذبين لئلا يلتبس النبي بالمتنبىء وقال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وتكرارهم للتأكيد.
﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي شيئًا؛ فـ (من) صلة مؤكدة للنفي ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ دليل أن أسباب التوحيد مبتدأ من الله، وأن نعمة الدعوة عامة على الموقعين للإجابة، والمخذولين عنها بعد التمكين.
﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ سؤال على سبيل الإلجاء ومزية المدين الواجد، ظاهره يقال: لا يصلح سيفان في غمد وروحان في جسد.
﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ إن كان المراد عبادة المسميات أو عبادة ذوات الأسماء لم يتوجه الذم فإن الموحد يعبد شيئًا مسمى ونفى ذات اسم وهو محمود (٤)، وإن كان المراد عبادة مسمّيات بغير أسمائها لم
_________________
(١) قريبًا منه عند ابن جرير (١٣/ ١٦٧، ١٦٨)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٤٨) عن ابن مسعود.
(٢) في الأصل: (نبوة).
(٣) (في بيوتكم) ليست في "ب".
(٤) في الأصل: (اسم وهو اسم محمود).
[ ٣ / ١٠٠١ ]
يتوجه أيضًا، فإن تغير الاسم غير تغير الصفة، فثبت أن المراد بعبادة الأسماء عبادة ألفاظ لا معاني لها لأنهم توهموا أرواحًا (١) قادرة (٢) مدبرة وأنفسًا إلهية، فوضعوا الأسماء وزعموا أنها تحل (٣) ما استحيوه في المشاهدة من جسد أو حجر أو شجر، وما توهموه معدوم، وما يشاهدونه يكون قبله فلا يبقي المعدوم إلا ألفاظًا مهملة لتدعوها بها، أي العبادة أو الأسماء أو الموهومات المسماة، ﴿سُلْطَانٍ﴾ بحجة ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ دليل أن الله منفرد بمشيئة التكوين والإبقاء والإفناء لينفرد باستحقاق العبادة.
﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ سيده ﴿خَمْرًا﴾ وصاحبه ﴿ظَنَّ﴾ تيقن (٤) وعلم، وقيل: أراد غلبة أحد النقيضين من الموهوم؛ لأن يوسف لم يتيقن وإنما قال: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ بأن الأمور معلقة بالأسباب، وطلب الخير مباح بالاكتساب كقوله لأعرابي: "اعقل ناقتك وتوكل" ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي الغلام الناجي ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عند ربه ﴿بِضْعَ﴾ ما بين الثلاث إلى التسع وأراد سبع سنين، وقيل: لبث سبعًا بعد خمس سنين.
﴿إِنِّي أَرَى﴾ وإنما لم يذكر النوم لدلالة الحال، وقال إبراهيم: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ﴾ [الصافات: ١٠٢] لئلا يلتبس الرأي بالرأي الذي هو العزم ﴿سِمَانٍ﴾ جمع سمين كغلاظ وغليظ، وهو ضد المهزول، و(العجاف): المهازيل ﴿سُنْبُلَاتٍ﴾ جمع سنبلة والسنابل جمع تكسير.
﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف كقوله: ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] و(الضغث) حزمة أو باقة من بقل أو حشيش أو حطب، وإنما
_________________
(١) (أرواحًا) سقطت من الأصل.
(٢) في "ب": (أرواحًا مدبرة).
(٣) في "أ" "ي": (تحلها).
(٤) إطلاق الظن بمعنى اليقين وارد في كلام العرب ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا ﴾ [الكهف: ٥٣].
[ ٣ / ١٠٠٢ ]
وصفوا بها لاختلاطها في الظاهر المعقول، و(الأحلام) جمع حلم (١). وأسباب الفكرة الرؤية في اليقظة وما رآه الملك كان رؤيا لا حلمًا فجعلوه (٢) من الأحلام لقصور علمهم.
﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بعد أجل معدود، وخطاب الغلام إن توجه للملك فهو على سبيل التعظيم كقوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] وإن توجه للملأ فهو ظاهر.
سألوا وقالوا: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ سموه لتوحيده أو لتأويله.
﴿دَأَبًا﴾ لزومًا للزراعة واستمرارًا للعبادة جمع بين التعبير والنصيحة لأنه أراد مصالح العباد والبلاد.
﴿يَأْكُلْنَ﴾ أسند الأكل إلى السنين على طريق المجاز كقولك: ليل نائم وسيوف قائمة ﴿قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ ادخاره لأجله لأجلهن ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ على سبيل التدريج تحرزون.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ إنما توصل إلى هذا العلم؛ لأن العجاف والسنبلات اليابسات كن عددًا محصورًا فعلم أن حكم ما وراءهن بخلافهن، وهذه السنون كانت معجزة إلهية ليوسف -﵇- بسببها يخلص عن إفك النسوة وكيدهن، وبها تمكن من فرعون وقومه، وبها تسلط على إخوته فعفا عنهم، وبها وجد أبويه فرفعهما على العرش، ودعا نبينا -﵇- على قريش سنين كسني يوسف (٣) فابتلاهم الله بها.
_________________
(١) أي: قال الملأ الذين سألهم ملك مصر عن تعبير رؤياه: رؤياك هذه "أضغاث أحلام" يعنون أنها أخلاط رؤيا كاذبة لا حقيقة لها، فهي أحلام مختلطة. ولذا يطلق الحلم على ما لم يصدق من الرؤيا. ولذا قال ﵊: "الحلم من الشيطان".
(٢) في "أ": (فجعلوا).
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في عدة مواضع منها: (كتاب الأذان - ١٢٨، والاستسقاء (٢)، والجهاد (٩٨)، والأنبياء (١٩)، كما أخرجه مسلم في صحيحه في عدة مواضع منها: المساجد (٢٩٤)، وأبو داود في سنة الوتر (١٠)، وغيرهم من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.
[ ٣ / ١٠٠٣ ]
﴿مَا بَالُ﴾ وما شأن، سؤال عن حال وأمر تقديره: ما بالهن إذ قطعن أيديهن.
﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ﴾ أسند إليهن قبل اعترافهن لأنهن كن قد تعاون وتظاهرن (١) في المراودة، ولذلك اختار السجن، وكان الأمر قد فشا في البلد واستفاض ولكن لا يعلمون هل مال إليهن يوسف أم لا؟ وهل أطاع بعضهن أم لا؟ فكان السؤال لاستبانة هذا المستتر فبرأنه و﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ و﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ ظهر وتبين الحق أي (٢) حقيقة الأمر.
﴿ذَلِكَ﴾ أي توقفي في السجن ومطالبتي بالسؤال إنما كان ﴿لِيَعْلَمَ﴾ الملك ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بتحريف (٣) الغيب الذي أوحاه الله إليّ في تأويل رؤياه كما لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته في ظهر الغيب (٤)، وقيل: إنه من كلام المرأة، أي أعترف (٥) بالمراودة ليعلم يوسف أني لم أخنه بظهر الغيب في الافتراء عليه، إلا أنه يشكل بقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بفتح الهمزة فإنه معطوف على المعلوم الأول وذلك لا يكون إلا من يوسف.
_________________
(١) في الأصل و"أ": (ويظاهرن).
(٢) (أي) من الأصل و"أ".
(٣) في "ب" كتبت كلمة غريبة.
(٤) يجوز أن يكون القائل هو يوسف وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك، وجائز أن تحكى عن شحص شيئًا ثم تصله بالحكاية عن آخر، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [الأعرَاف: ١١٠] هذا قول الملأ ثم قال: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] قول فرعون. ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] هذا قول بلقيس، ثم قال ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] هو من قول الله تعالى. ومنه أيضًا: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] هذا قول الكفار، ثم قال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] هو من قول الملائكة. لذا فإن قوله: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يُوسُف: ٥١] هو من قول امرأة العزيز، ثم قال تعالى بعده: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يُوسُف: ٥٢] وهو من قول يوسف.
(٥) في "ب" "ي": (اعتراف).
[ ٣ / ١٠٠٤ ]
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أراد التنبيه على توفيق الله وعصمته ونفي الزنا والعجب ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ﴾ استثناء منقطع (١)، أي لكن من رحم ربي فهو المعصوم، وقيل: استثناء متصل تقديره إلا رحمة من ربي، وقيل: هو كلام المرأة برأت يوسف ولم تبرىء نفسها.
﴿أَسْتَخْلِصْهُ﴾ أجعله من خواصي كي لا يشغل إلا بمصالح أمري، فلما دخل عليه يوسف كلمه بلسان أهل مصر فجعل الملك يكلمه بألسنة أخرى وجعل يوسف يجيبهُ بتلك الألسنة حتى تكلما سبعين لغة، ثم إن يوسف دعا له بالعبرية وأثنى عليه بالعربية فلم يعرفها الملك وانقطع عن الجواب، واستحسن جميع ذلك من يوسف فقال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ المكين اسم من المكان والتمكين قيل: دعاه إلى توحيد الله فأجابه الملك في هذا اليوم طائعًا راغبًا فقوله: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ إيمان واعتراف منه له، وقيل: جعله مكينًا أمينًا هذا اليوم في أمور الدنيا والإِسلام تأخر عن ذلك اليوم إلى سنتين، وقيل: تأخر إسلامه إلى سني القحط.
﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ خطب هذا العمل بإذن الله تعالى ليتم القضاء المعدود فيه وفي إخوته في (٢) أهل مصر أجمعين. جاء في التواريخ أن الملك ولاه حفظ خزائن الارتفاعات يومئذ، ومات العزيز بعد ذلك فولاه جميع ما كان يتولاه العزيز، وزوَّجه امرأته فوجدها بكرًا لم تفض، ثم تأمل في حسن تدبيره وكيفية ادِّخاره الميرة وإنفاقها وبيعها من الناس، زاد في رتبته وسلم إليه الخاتم والسرير والتاج، فقال يوسف -﵇-: أما
_________________
(١) قال ابن عطية: هذا قول الجمهور، وجوَّز أبو البقاء العكبري أن تكون "ما" في معنى الزمان فيكون مستثنى من الزمان العام المقدر وهذا لا يجيزه الجمهور. وقيل: هو مستثنى من الضمير المستكن في "أَمَّارة" كأنه قيل: إن النفس لأمارة بالسوء إلا نفسًا رحمها ربي فيكون أراد بالنفس الجنس، فهو مثل قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢، ٣] وإلى هذا نحا الزمخشري. [الكشاف (٢/ ٣٢٧)، الإملاء (٢/ ٥٤)، المحرر (٩/ ٣٢١)].
(٢) في "أ" "ي": (وفي).
[ ٣ / ١٠٠٥ ]
الخاتم فأستعمله لإصلاح مملكتك، وأما السرير فأجلس عليه لنظام أمرك، وأما التاج فليس من لباسي في الدنيا، قال الملك: إن لم تلبس التاج لم ألبسه إجلالًا لك واستنانًا بسنتك واقتداءً بك، فإنما أنا تابع لك، وبقيا بعد ذلك كذلك، أما يوسف فكالملك وأما الملك فكالطفل المولى عليه حتى اشترى بالميرة المدخرة صنوف أموال أهل مصر العين والحلي والمواشي والعقار (١) والرقيق، ثم استرق (٢) بها أولادهم ورقابهم وهم شاكرون له معترفون برفقه ورحمته وحسن تدبيره، ثم قال للملك (٣): كيف ترى ما صنع الله بي من لطفه وما خولني من نعمته، قال الملك: الرأي رأيك والأمر أمرك وأنا لك كبعض أهل مصر. فعند ذلك أعتقهم يوسف لوجه الله تعالى ورد إليهم أموالهم وردّ الخاتم والسرير إلى الملك بشرط الثبات على الملة الحنيفية وحسن الجوار مع أهل بيته، قالوا: فوفى له (٤) الملك إلى أن توفي هذا الملك وقام مقامه قابوس بن مصعب (٥) فهو الذي نكث العهد وارتد عن الرشد.
﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ عام في المؤمنين وغيرهم، والدليل استفادة (٦) الكافر المحسن في سيرته بقاء (٧) الملك وحسن الثناء عليه، ولذلك خص المؤمنين في الآية الثانية بأجر الآخرة وهو ما أعدَّ الله للمؤمنين (٨) في الآخرة فذلك خير.
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ لما عزت الميرة بأرض كنعان وسمعوا بأن رجلًا يمير الناس قصدوه مع كل واحد منهم بعيره، فدخلوا عليه على زيّهم
_________________
(١) في "أ": (العقارب).
(٢) في "أ": (استتر).
(٣) في الأصل: (الملك).
(٤) (له) ليست في الأصل.
(٥) ذكره أبو السعود في تفسيره (٤/ ٢٦٢)، والزمخشري في الكشاف (١/ ٥٧٧).
(٦) في الأصل: (إسعاده) وهو خطأ.
(٧) في "أ": (بقاء ملك الملك).
(٨) من قوله: (في الآية الثانية) إلى هنا ليست في "أ".
[ ٣ / ١٠٠٦ ]
المعهود، ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ وهم لم يعرفوه لأنهم شاهدوه على غير زيّه المعهود، ﴿وَهُمْ لَهُ﴾ إياه ﴿مُنْكِرُونَ﴾.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ والتجهيز أن تصحب الغائب حاجته والجهاز اسم منه، ﴿بِأَخٍ لَكُمْ﴾ بنيامين (١)، فيه دليل أن يوسف -﵇- بدأ بذكره ولو بدأوه لقال بالأخ لكم أو بأخيكم، روي أنه قال لإخوته: من أنتم؟ قالوا: نحن أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فقال: ولدكم ثلاثة من الأنبياء ما تشبهون أن تكونوا كذلك، وأوعز إلى الوكيل بإكرامهم وحُسْن قِراهم، فلما دخلوا عليه ثانيًا من الغد فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: أخبرناك بالأمس، قال: أنتم باللصوص أشبه، وتجمعهم ونظر إليهم شزرًا، فقالوا فيما بينهم: هذا العزيز يكرمنا ويحسن قرانا إذا غبنا عنه ويتجهمنا وينظر إلينا شزرًا إذا حضرناه! فلا يكونن سامعًا بما صنعنا بأخينا فإنه قاصمة الظهر والبلاء الفادح والأمر الفاضح.
ودخلوا عليه بعد ذلك والصاع بين يديه، فقال للحاجب: انقره نقرة، فنقر الحاجب فطنَّ طنينًا، قال لإخوته: أتدرون ما يقول هذا الصالح؟ قالوا: لا، قال: يقول: إنكم خائنون سارقون خنتم أباكم وبعتم أخاكم وأحلتم الذنب على الذئب، ثم أمر الحاجب فنقر الصاع نقرة أخرى قال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: يقول: طرحتم أخاكم في البئر وبعتموه بثمن يسير، فتعجبوا وألجموا (٢) عن الجواب وخرجوا من عنده، ثم أمر الوكيل بتجهيزهم ودس بضاعتهم في أحمالهم وهم لا يعلمون، وقال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ ووعدهم على ذلك إيفاء المكيل (٣) وحسن القرى.
﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ﴾ هذا وعيد من يوسف -﵇-، وإنما
_________________
(١) بنيامين هو أخو يوسف لأبيه وأمه روي ذلك عن قتادة، أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٢٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢١٦٣).
(٢) في "ب" "ي": (وأفحموا).
(٣) في "أ": (الكتاب).
[ ٣ / ١٠٠٧ ]
عطف المجزوم على المرفوع حكمًا لحسن دخول الفاء الموجبة للرفع على هذا المجزوم.
﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ جمع رحل وهو ما ترحل به الدابة من بيت أو أثاث أو طعام ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ (١) يميزونها من سائر ما في رحالهم إذا فتحوا فلا يتعذر عليهم الرجوع لإعواز البضاعة.
﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ في المستقبل لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ﴾ الآية.
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ (٢) قَبْلُ﴾ ذكرهم حديث يوسف -﵇- ليعلم أن جريمتهم الأولى جرّت تهمتهم في سائر الأمور، فيندموا عليها ولا يقدموا على مثلها.
﴿مَا نَبْغِي﴾ بمعنى الاستفهام، أي أيش نطلب بعد هذا، وقيل: التمسوا بضاعة للرحيل فلم يقدروا عليها، ثم فتحوا متاعهم ووجدوا بضاعتهم الأولى ردّت إليهم، فقالوا: يا أبانا وجدنا الذي كنا نبغيه، ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ نجلب إليهم الميرة، يقال: مار فلان أهله (٣)، ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ لأن يوسف -﵇- ما كان يكيل رجلًا واحدًا إلا حمل بعير واحد، وذلك إشارة إلى ما حملوه فيكون اليسير القليل، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ازدادوه فيكون اليسير سهل المأخذ.
﴿مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ من الحلف بالله، وفيه دلالة على صحة الكفالة بالنفس ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ﴾ يحيط ﴿بِكُمْ﴾ أمر من الله تعالى فيعذركم ﴿وَكِيلٌ﴾
_________________
(١) في الأصل و"أ": (يعرفون).
(٢) (من) من "ب" "ي".
(٣) قال ابن قتيبة: يقال: مار أهله يميرهم ميرًا وهو مائر لأهله: إذا حمل إليهم أقواتهم من كير بلده، ومنه قول الشاعر: بعثتك مائرًا فمكثتَ حولًا متى يأتي غِيَاثُكَ من تُغِيثُ [تفسير الطبري (١٣/ ٢٣٣)، زاد المسير (٢/ ٤٥٥)].
[ ٣ / ١٠٠٨ ]
المتوكل عليه على حفظ ميثاقنا، أو الشهادة على هذا الميثاق موكولة (١) إليه لا يشهد عليه أحد سواه.
﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ تخوفًا من العين، وقال جبريل -﵇- لنبينا -﵇-: "يا محمَّد صدّق بالعين فإن العين حق" (٢).
ما كان أبوهم يغني عنهم من قضاء الله وقدره شيئًا بتحذيره إياهم العين ﴿إِلَّا حَاجَةً﴾ لكن تحذيره ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ أمضاها وأظهرها، والحاجة قضية النفس جمعه حوائج، وقيل: أصله حائجة ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ لتعليمنا إياه وللذي علمناه من الأنبياء.
﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ قيل: إن يوسف أقعدهم على مائدته وأخذ كل اثنين قصعة وجلس بنيامين وحيدًا، فسأله يوسف عن حاله فقال: إني مصاب بأخي من أمي فبقيت فردًا، فرقَّ عليه يوسف -﵇- وضمَّه إلى نفسه على المائدة وقال: أنا وحيد مثلك، ثم تعرف إليه وقال: لا تبتئس ولا تكتئب بصنيعهم إليّ فإن الله قد عصمني ونصرني، فاستبشر (٣) بنيامين بقول أخيه وسكن إليه ولم يظهر ذلك على سائر إخوته لاستيحاشه.
﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ روي أن بنيامين لما عرف يوسف ووجده بعد اليأس اشتد عليه فراقه وأحبَّ المقام معه فطلب من يوسف أن يمسكه، فقال له يوسف: قد علمت ما فيه أبونا من الحزن والغم ولا يمكنني حبسك إلا بأن أتهمك بما لا يحل، قال: لا أبالي بما اتهمتني به ولست براجع معهم، ففكر (٤) يوسف في ذلك فألهمه الله تعالى هذه الحيلة
_________________
(١) في "ب": (من له).
(٢) ابن عساكر في تاريخه (٢٤/ ٤٦١) وسنده ضعيف. لكن ورد في البخاري (١٠/ ١٦٦)، ومسلم (٧/ ١٣) وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "العين حق".
(٣) في الأصل: (فاستنثر).
(٤) في "ب": (فذكر).
[ ٣ / ١٠٠٩ ]
ليتم قضاؤه في ابتلاء آل يعقوب، و(السقاية): مكيال الملك عن مجاهد (١)، وعن أبي عبيدة: مكيال كان يسمى سقاية، ابن عباس والحسن والضحاك (٢): الصّاع والسقاية شيء واحد، ويحتمل أنها كانت مكيالًا يكيلون به الخمر كالدورق فاتخذها يوسف -﵇- مكيالًا للطعام، ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ الإبل والحمير التي يحمل عليها كقولك: يا خيل الله اركبي، ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قول المؤذن لم يكن أمره يوسف إلا بتعريف الصاع فقط، ويحتمل على أنه على سبيل الاستفهام، ويحتمل أنه وصفهم بالسرق لاستراقهم يوسف من أبيه.
﴿قَالُوا﴾ يعني إخوة يوسف، ﴿وَأَقْبَلُوا﴾ على أصحاب يوسف تقديره: قالوا وقد أقبلوا ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ يطلبون الغائب.
﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وعد بالجُعْل ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ صريح بالكفالة والتزام للضمان وإليه يعود قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ [القلم: ٤٠] قال -﵇-: "المنحة (٣) مردودة والدين مقضي والزعيم غارم" (٤) والكفالة لا تصح إلا بقبول (٥) المكفول له؛ لأنه عقد ضمان كالبيع، أو عقد تبرّع كالهبة.
﴿تَاللَّهِ﴾ يمين، قال الفراء: لا تدخل التاء على غيره من الأسماء؛ لأنه لما كثر دورها على ألسنتهم بالواو جعلوا الواو كأنها من نسج الكلمة، فتارة حذفوها وتارة أبدلوها بالتاء (٦).
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٤٥)، عن مجاهد وعن قتادة أيضًا وابن أبي حاتم في تفسيره عنهما (٧/ ٢١٧١).
(٢) أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
(٣) في الأصل: (المحنة).
(٤) الترمذي (١٢٦٥)، أحمد (٥/ ٢٦٧، ٢٩٣)، والطيالسي (١١٢٨)، والطبراني في الكبير (٧٦١٥، ٧٦٢١)، وسعيد بن منصور (٤٢٧)، والحديث حسن.
(٥) في "أ": (بقول).
(٦) انظر: معانى القرآن للفراء (٢/ ٥٤).
[ ٣ / ١٠١٠ ]
﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ حكمه وحده والهاء عائد إلى الفعل وهو السّرق، إنما سألهم يوسف ليحكموا بشيء فيأخذ بحكمهم ولا يأخذ بحكم أهل مصر.
﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ﴾ أي السرقة، وحدُّها هو حبس ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ واسترقاقه ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ فما بينا شريعتنا، (الوعاء): الظرف، والمراد به الجوالق، وإنما بدأ بأوعيتهم لئلا يعلموا بأنه حيلة ﴿اسْتَخْرَجَهَا﴾ أي الصاع وهو يذكر ويؤنث.
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ في سلطان الملك (١) وطاعته إلا بمشيئة الله، قيل: شاء الله ذلك وأذن له فيها بإلهامه الكيد، ويقال: لم يشأ الله ذلك ولذلك وفقه لسؤال إخوته ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ فأخذ بقولهم وحكمهم دون حكم الملك.
﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ﴾ يعنون يوسف، وهب: أنه خبأ طعامًا من المائدة للفقراء وكان صبيًا (٢)، كعب: رفع عناقًا عن السائمة إلى السائل، قتادة وابن جبير: سرق (٣) صنمًا كان لأبي أمه في بيت يعقوب فألقاه بين الجيف وغطاه في التراب، مجاهد (٤): أن عمّته رحمة بنت إسحاق احتضنته بعد موت أمه، فلما شب ألفَتْه ولم تحب أن ينتزعه يعقوب -﵇- منها، فشدت على وسطه من تحت القميص منطقة أبيها، ثم افتقدتها فأوهمت أنها وجدته عند يوسف وأنه كان استرقها، فأمسكته عند نفسها بهذه
_________________
(١) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - والضحاك، أخرجه عنهما الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٦٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢١٧٦)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٢٧) إلى ابن أبي شيبة وأبي الشيخ.
(٢) رواه عطاء عن ابن عباس كما في زاد المسير (٤/ ٢٦٣)، ورواه عن عطية كما عند ابن جرير (١٣/ ٢٧٣).
(٣) أما عن سعيد بن جبير فذكره ابن جرير (١٣/ ٢٧٢، ٢٧٣)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٧٧)، وأما عن قتادة فرواه ابن جرير (١٣/ ٢٧٣)، وهو مروي عن زيد بن أسلم وابن عباس.
(٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٣٦٣).
[ ٣ / ١٠١١ ]
الحيلة، فلما ذكر إخوة يوسف ذلك الأمر بأقبح صورة، فساء يوسف قولهم: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ منزلة.
﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ ولم يقل: إلا السارق لأنه علم أن بنيامين ليس بسارق، فلذلك عرض قوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ إن أمسكنا غير بنيامين لأن بنيامين (١) كان راضيًا بالإمساك وغيره لم يكن راضيًا به.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا﴾ افتعال من اليأس أو من الإياس (٢)، ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ خرجوا متناجين ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾ تفريطكم فيه من قبل ﴿كَبِيرُهُمْ﴾ كعب: أنه روبيل أكبرهم سنًا (٣)، وهب: يهودا كان أرجحهم عقلًا (٤)، ﴿أَبْرَحَ﴾ أزول ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ في تخليص بنيامين والرجوع معه.
﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ أي بما علمنا من طريق المشاهدة، وهو استخراج الصاع من رحله ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ﴾ لما لم نشاهده من كيفية (٥) الدس: أكان كدس البضاعة في رحالنا أول مرة، أو كان خيانة من جهة بنيامين؟.
كان يعقوب -﵇- برده عليهم بقوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ (٦) صادقًا لأن بنيامين لم يكن سرق في الحقيقة، وفي ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ صادقًا أيضًا؛ لأن هذه الحادثة الثانية كانت من جريرة أنفسهم إياهم أول مرة في شأن يوسف -﵇- ﴿بِهِمْ﴾ بيوسف وبنيامين وكبيرهم.
_________________
(١) (لأن بنيامين) ليست في الأصل.
(٢) في "أ": (الباس).
(٣) هذا مروي عن قتادة كما عند ابن جرير (١٣/ ٢٨٣)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٨١). وأما عن كعب فلم نجده.
(٤) عزاه لابن عباس من طريق أبي صالح ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٢٦٦).
(٥) في "ب": (لا من كيفية).
(٦) (أنفسكم أمرًا) ليست في "ب" "ي".
[ ٣ / ١٠١٢ ]
﴿يَا أَسَفَى﴾ تأسف ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ والتأسف التلهف (١)؛ لأن المحن توالت بعد غيبته فتأسف على حالة وجوده وحضوره عنده، ﴿تَفْتَأُ﴾ لا تفتؤ، أي لا تزال، وحذف (لا) مع الأيمان جائز (٢)، ﴿حَرَضًا﴾ والحرض الحزن وفساد الجسم بشيء (٣).
(البث) أشد الحزن (٤) و﴿إِنَّمَا﴾ جمع (٥) للتأكيد، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ من لطفه وصنعه.
﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ كان يعقوب -﵇- غير شاكِّ في يوسف أنه لم يأكله الذئب، ولم يقتله (٦) إخوته، ولم يقبضه ملك الموت بعلمه بأن الله
_________________
(١) التأسف هو الحزن، فالمعنى: يا حزنًا على يوسف، روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - ومجاهد وقتادة والضحاك. أخرجه عنهم الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٩٤).
(٢) قوله: "تفتأ" هو جواب القسم في قوله: "تالله" وهو على حذف "لا" ويدل على حذفها أنه لو كان مثبتًا لاقترن بلام الابتداء ونون التوكيد معًا عند البصريين، أو أحدهما عند الكوفيين. وهي ناقصة بمعنى - لا تزال- فترفع الاسم وهو الضمير، وتنصب الخبر وهو الجملة من قوله: "تذكر". وسقوط (لا) منها ومن غيرها معروف في كلام العرب، تقول العرب: والله أقصدك أبدًا: أي لا أقصدك، ومنه قول امرئ القيس: فقلت يمين الله أبرحُ قاعدًا ولو قَطَّعوا رأسي لديْكِ وأوصالي [الكشاف (٢/ ٣٣٩)، البحر (٥/ ٣٢٦)، المحرر (٩/ ٣٦٠)، الدر المصون (٦/ ٥٤٦)].
(٣) روي عن ابن عباس - ﵄ - أن "الحرض" هو الذاهب عقله، الدنف الجسم الذي بلغ به المرض جهدًا. وقال أبو عبيدة: هو الذي أذابه الحزن -أي أذاب عقله وجسمه- وقال الزجاج: الحرض هو الفاسد في جسمه، وكذا قال الفراء. [تفسير الطبري (١٣/ ٣٠٣)، زاد المسير (٢/ ٤٦٤)، معاني القرآن للفراء (٢/ ٥٤)، معاني القرآن للزجاج (٣/ ١٢٦)].
(٤) قاله ابن قتيبة، وعن ابن عباس - ﵄ -: "بثي" هَمِّي. تقول: بثثته أي فرقته، ومنه قول ذي الرمة: وقفت على رَبْعٍ لميَّةَ ناقتي فما زِلتُ أبكي عنده وأُخاطِبهْ وأسقيه حتى كاد مما أبثهُ تُكَلِّمُنِي أحجاره وَمَلاعِبُهْ [تفسير القرطبي (٩/ ٢٥١)، زاد المسير (٢/ ٤٦٥)].
(٥) في "ب" "ي": (بشيء) وهو خطأ.
(٦) في الأصل "ب": (يقتله).
[ ٣ / ١٠١٣ ]
سيجتبيه ويعلِّمه من (١) تأويل الأحاديث، وبحق رؤياه، ولكنه كان يحزن لفقده، فلذلك أمر بنيه أن يتحسسوا من أمره، وإنما أمر الذين غيّبوه لأنه (٢) لا يجد غيرهم أو لأنه كان أحس بشيء من ندامتهم، و(التحسس) طلب الإخبار بالحس. ابن عباس: التحسس والتجسس مقاربان إلا (٣) أن الحاء في الخير والجيم في الشر (٤). ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ الروح الرحمة (٥) والراحة والفرج.
﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ من متاع البادية، وهو الصوف والسمن والأقط،
عن عبد الله بن [الحارث (٦). والصنوبر والحبة الخضراء عن أبي صالح (٧).
والحِبال، عن ابن] (٨) زيد (٩). والمزجاة: القليلة اليسيرة التى تبتلغ (١٠) به
ويزجى به العيش ولا يدخر، وقيل: هى التى لا تصلح للنقل من يد إلي
يد فهي مصرف إلي الوجوه، ولا تمسك ولا تكنز ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾
قيل: المحاباة فى البيع، وقيل: الصدقة الظاهرة لأن الصدقة لم تكن
محرمة عل آل نبينا ولو كانت محرمة (١١) على آل إبراهيم لحرمت
على ربيعة ومضر، ولو كانت محرمة على آل يعقوب كانت محرمة على بني
إسرائيل اليوم.
_________________
(١) (من) من "ب".
(٢) في "ب": (لأنهم).
(٣) (إلا) ليست في الأصل.
(٤) لم نجده عن ابن عباس - ﵄ - والمعنيان متباينان من حيث المعنى.
(٥) هكذا روي عن قتادة والضحاك. أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٣١٤)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٩٠)، أما الراحة والفرج فهما من رحمة الله لا تنفك عنها.
(٦) ابن جرير (١٣/ ٣١٩)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٩١).
(٧) ابن جرير (١٣/ ٣١٩، ٣٢٠)، وابن أبي حاتم (٧/ ٣١٩١).
(٨) ما بين []، ليست في الأصل.
(٩) لم أجده عن ابن زيد وإنما وجدت قريبًا منه عن ابن عباس عند عبد الرزاق (١/ ٣٢٨)، وسعيد بن منصور (١١٤١)، وابن جرير (١٣/ ٣١٨)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٩١).
(١٠) في "أ": (تتبع).
(١١) من قوله: (إلا على آل) إلى هنا ليست في "أ".
[ ٣ / ١٠١٤ ]
﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ على سبيل العتاب لئلا يعتقدوا أن لا ملام عليهم في الحقيقة أو الندامة والخجل عند العتاب، وإنما ذكر جهلهم ليمهّد لهم عذرًا فلا يخافوا (١) كل الخوف كقوله: ﴿يَعْمَلُونَ (٢) السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] وأراد علمهم بقبح صنيعهم (٣) فكأنه يقول (٤): هل تبين؟ هل وضح لكم قبح ما صنعتم بيوسف وأخيه إذ كنتم جاهلين فالعامل (٥) في (إذْ) صنعهم (٦)، أما صنيعهم (٧) بيوسف فظاهر وصنيعهم بأخيه سلبهم أخاه وتركه فردًا وحيدًا، وتركهم إياه عند يوسف متهمًا بالسرقة من غير بينة واعتراف، إذ يمكنهم أن يقولوا أنت أمرت بدس الصاع في رحله (٨)، كما أمرت بدس بضاعتنا في رحالنا أول مرة.
﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ زاد الجواب لئلا يفرد نفسه بالثناء عليها فيتداخله العجب فيردّه من حيز الشكر إلى حيز الفقر.
﴿آثَرَكَ﴾ اختارك ﴿لَخَاطِئِينَ﴾ آثمين من الخطأ (٩)، والخطيئة: الإثم وتعمد الخطأ.
﴿لَا تَثْرِيبَ﴾ لا تقريع وتقرير الذنوب.
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ قيل: كان القميص من كسوة الجنة كساه الله
_________________
(١) في الأصل و"أ": (يخافون).
(٢) (يعملون) ليست في "أ" "ب".
(٣) في "ب": (قبح صنيعكم)، وفي "ي": (قبح صنيعهم).
(٤) في "ب": (قال).
(٥) في الأصل و"أ": (قالوا بل).
(٦) في "ب": (صنيعهم).
(٧) في "ب": (صنيعهم).
(٨) في "ب": (رحل).
(٩) هكذا روي عن ابن عباس - ﵄ -، ذكره ابن الجوزي في تفسيره. قال ابن الأنباري: اختير "خاطئين" على "مخطئين" وإن كان "أخطأ" على ألسن الناس أكثر من "خطىء يخطأ" لأن معنى خطىء أثم ومعنى أخطأ يخطئ فهو مخطئ ترك الصواب ولم يأثم. [زاد المسير (٢/ ٤٦٩)].
[ ٣ / ١٠١٥ ]
إبراهيم وإبراهيم إسحاق وإسحاق يعقوب، ثم طيه في قصته وعلقها من يوسف -﵇-، وقيل: هذا القميص الذي قدّ مِنْ دبر جعله الله آية له ومعجزة على صدق دعواه ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يعود كما كان لا بياض في مقلته.
﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ إنما وجد لرفع الله الابتلاء وكشفه حجب الفراق وتعويضه منها أسباب الوصال، قال النبي - ﷺ -: "إن لربكم نفحاتٍ في أيام دهركم فتعرضوا لها فعسى أن تدرككم فلا تشقوا أبدًا" (١) ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ نسبة إلى الفند وهو الخوف وضعف الرأي، فكأنه يقول: إني لأفندكم علمًا بوجودي ريح يوسف لولا تفنيدكم إياي، وذلك لامتناع (٢) وقوع العلم لهم بصدق مخبره بعد تفنيدهم إياه.
﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قول أولاد أولاده ضللوه مثل آبائهم من قبل، ﴿الْقَدِيمِ﴾ المقدوم كونه (٣).
﴿جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ هو الذي كان ابتدأ بقوله: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ و﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾، وقيل: هو الذي كان تخلف بأرض مصر (٤) وقال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ عجل يوسف الاستغفار عند اعترافهم ورجا (٥) يعقوب استغفارهم
_________________
(١) الحديث أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٥١٩) عن محمَّد بن مسلمة. قال في "المجمع (١٠/ ٢٣١): وفيه من لم أعرفهم، ومن عرفتهم وثقوا. وضعفه الألباني -﵀- كما في ضعيف الجامع (٢/ ١٩١٥).
(٢) في الأصل: (امتناع).
(٣) أي خطاك القديم كما قال ابن عباس - ﵄ -، ويعنون به حبه ليوسف وحزنه عليه. [تفسير الطبري (١٣/ ٣٤٢)]. وأما قول المؤلف: إن الذين خاطبوه هم أولاد أولاده، فقد روي ذلك عن ابن عباس ذكره ابن الجوزي في تفسيره (٢/ ٤٧١) وعللوا ذلك بأن بنيه كانوا بمِصْر.
(٤) "البشر" هو البريد الذي أرسله يوسف -﵇- وهو المبشر برسالة يوسف، وهو يهوذا بن يعقوب أخو يوسف لأبيه، هكذا روي عن ابن عباس - ﵄ - ومجاهد وابن جريج والضحاك. رواه عنهم الطبري في تفسيره (١٣/ ٣٤٤)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢١٩٩).
(٥) في "أ" "ي": (واحار).
[ ٣ / ١٠١٦ ]
﴿سَوْفَ﴾ (١) عند مطالبتهم إياه به، والانتفاع من المصلحة، وهذا مَثَل في وقار المشايخ، (دخلوا عليه) في ناحيته ومعسكره، وكان قد استقبلهم في الطريق واستقبلهم فرعون كذلك إكرامًا ليوسف، والمراد بأبويه أبوه وخالته (٢) وهي بعض إخوته، ولفظة ﴿ادْخُلُوا﴾ على معنى الخبر كقول الشاعر (٣):
لدوا للموت وابنوا للخراب
ولذلك دخله الاستثناء، وقيل: الاستثناء للأمن لا للدخول،
﴿آمِنِينَ﴾ نصب على الحال، وذكر الأمن لئلا يظن إخوته أنهم يكونون في مصر كالأسارى والأرقاء.
﴿أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ذكر السجن ولم يذكر البئر لأن البئر كانت سجنًا كذلك فالاسم مشتمل عليهما، وقيل: لئلا يخجل إخوته ﴿مِنَ الْبَدْوِ﴾ البادية، ﴿لَطِيفٌ﴾ ملطف (٤) ﴿لِمَا يَشَاءُ﴾ من الأعمال، وقيل: رقيق العمل لما يشاء (٥) قوله: ﴿آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ اعتراف بالنعمة وسكن (٦) للمنعم، وقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ توكل على الله وانقطاع إليه، وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ تقرب إلى الله بسؤال ما
_________________
(١) في الأصل: (لسوف).
(٢) هذا صحيح لأن أهل السير ذكروا أن والدة يوسف توفيت قديمًا، كما قال ابن عباس والجمهور، وممن قال أنها الخالة وهب كما عند ابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٠١)، وسفيان بن عيينة كما في الدر المنثور (٨/ ٣٣٩).
(٣) هذا البيت لأبي العتاهية وهو في ديوانه ص ٣٣، وقيل: لعلي بن أبي طالب - ﵁ - كما في خزانة الأدب (٩/ ٥٢٩) ولفظ البيت: لِدُوا للموتِ وابنوا للخراب فَكُلُّكمُ يَصِيْرُ إلى ذهابِ
(٤) قال الأزهري: اللطيف من أسماء الله تعَالى ومعناه: الرفيق بعباده، وقد تجلى لطف الله -﷿- ليوسف في عدة مواطن منها أنه أخرجه من السجن وجاء بأهله من البدو وأنه نزع من قلبه نَزْغ الشيطان وتحريشه على إخوته. [تهذيب اللغة (لطف)، تفسير الطبري (١٣/ ٣٦٤)].
(٥) في الأصل: (رقيق القلب قوله).
(٦) في "ب": (شكر).
[ ٣ / ١٠١٧ ]
أوجبه الله تعالى له حتمًا ليكون الواجب موجودًا على سبيل الاختيار دون الاضطرار ﴿لَدَيْهِمْ﴾ عند إخوة يوسف -﵇-.
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ تعزية للنبي -﵇-.
﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ المرور على الشيء وبالشيء واحد وهو الطواف، والمراد به مشاهدة هذه الآيات.
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ﴾ إيمان باللسان، وأهل الملك يوحدون الله بألسنتهم ثم يشركون.
﴿هَذِهِ﴾ إشارة إلى السبيل؛ أي هذه السبيل ﴿سَبِيلِي﴾ وهي الملة الحنيفية ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ بيان ويقين ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ خلفاؤه والأئمة المهديون والعلماء الراسخون والمؤمنون ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ من أن يشاركه شريك أو يزاحمه مليك.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ نزلت (١) لنفي تعجبهم من نبوة نبينا -﵇- متوهمين أن النبي -﵇- لا يكون بشرًا أو لا (٢) يسكن فيما بين العشيرة والأهل، وليس في الآية امتناع ذلك.
﴿وَظَنُّوا﴾ أي المنافقين والكفار بأن الرسل ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ فيما وعدوا أو ظن الرسل بأن أصحابهم كذبوهم في إظهار الموالاة.
_________________
(١) ذكر ابن عباس كما عند ابن أبي حاتم (٧/ ٢٢١٠)، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وعن ابن جريج قال أنهم قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] كما عند ابن جرير (١٣/ ٣٨١).
(٢) في "ب": (ولا يسكن).
[ ٣ / ١٠١٨ ]