مكية كلها (١)، وعن ابن عباس إلا ثلاث آيات: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] الآيات (٢)، وقيل: الآية نزلت (٣) في يهود المدينة وهي قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠] (٤)، وهي ماية وتسع (٥) آيات إلا عند أهل الشام (٦).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الر﴾ أنا الله أرى (٧)، وقيل: قسم أقسم بآياته ولطفه وربوبيته (٨)، وقيل: إشارة إلى رأفة الله تعالى ورحمته وبره وبريته أو إشارة إلى القرآن والذكر.
_________________
(١) انظر: "البيان في عدِّ آي القرآن" لأبي عمرو الداني (١٦٣)، وهو المروي عن ابن عباس عند النحاس في ناسخه (٥٢٩)، وهو المروي عن عبد الله بن الزبير كما عند ابن مردويه. انظر: الدر المنثور (٧/ ٦٢٥). وذكر القرطبي في تفسيره ذلك عن الحسن وعكرمة وعطاء وجابر.
(٢) ذكره عن ابن عباس القرطبي في تفسيره (٨/ ٢٧٨) وكذا ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٣).
(٣) من قوله: (وقيل: الآية) إلى هنا ليست في "أ".
(٤) نقله عن الكلبي القرطبي في تفسيره (٨/ ٢٧٨).
(٥) في جميع المخطوطات (سبع) وهو خطأ.
(٦) انظر: "البيان في عدَّ آي القرآن" (١٦٣)، و"روح المعاني" للألوسي (١١/ ٥٩)، وفي الشامي (١١٠) آية.
(٧) هذا مروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك، انظر: "الدر المنثور" (٧/ ٦٢٦).
(٨) هذا مروي عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة كما في زاد المسير (٤/ ٤).
[ ٣ / ٩٣٧ ]
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ جملة مركبة من مبتدأ وخبر، وقيل: خبر لمبتدأ مضمر (١) الحكم المشتمل على الحكم والدلالات في الخبر أن القرآن شافع مشفع وماحل مصدق.
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ استفهام تعجب وإنكار الشيء المستبعد جوازه على قضية العادة والطبيعة، والناس (٢) قريش وأمثالهم، ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ في محل الرفع على أنه اسم كان ﴿إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ هو خيرة (٣) الله مِنْ خَلْقِهِ خاتم النبيين أبو القاسم محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب، ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ ترجمة للوحي بأن ﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ منزلة رفيعة (٤)، عن القتبي: ما قدموه من عمل صالح (٥)، عن أبي سعيد الخدري: محمَّد شفيع صدق لهم يوم القيامة (٦)، وعن زيد بن أسلم: أنه محمَّد -﵇- (٧) لقوله -﵇-: "أنا فرطكم على الحوض" (٨)، ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ﴾ حكايته لقولهم الذي قالوه عند تعجبهم بالوحي النازل على محمَّد.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ قال ابن سابط (٩): يدبر أمر الرسالة أربعة أملاك:
_________________
(١) قاله النحاس في إعرابه (٣/ ٤٩) والتقدير: تلك التي جرى ذكرها آيات الكتاب الحكيم، وعلى الإعراب الثاني يكون التقدير: هذه تلك آيات الكتاب الحكيم. هكذا قدره النحاس.
(٢) من قوله: (إنكار الشيء) إلى هنا ليست في "أ".
(٣) الأظهر أن الخبر هو"عجبًا" و"للناس" متعلق بمحذوف على أنه حال من "عجبًا" لأنه في الأصل صفة له، و"إلى رجل" جار ومجرور متعلقان بـ "أوحينا"، ويكون التقدير: أكان إيحاؤنا إلى رجل منهم عجبًا لهم، و"منهم" تكون صفة لـ"رجل". [المغني (ص ٥٧٠)، المحرر (٩/ ٥)، الدر المصون (٦/ ١٤٤)].
(٤) قاله الزجاج في معاني القرآن (٣/ ٦).
(٥) رواه الطبري عن ابن عباس، وكذا روي عن مجاهد [الطبري (١٢/ ١٠٨)] وهو الذي رجحه الطبري.
(٦) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٦٢٩) لابن مردويه.
(٧) ابن جرير (١٢/ ١١١) وأخرجه سفيان بن عيينة في تفسيره كما في التغليق (٤/ ٢٢٢).
(٨) البخاري (٦٢٠٥)، ومسلم (٢٢٨٩).
(٩) لم نجد من ترجم لابن سابط هذا ولا أدري هل هو شيخ المؤلف أم هو متقدم عليه مع أن هذا أول ذكر له منذ بداية التفسير، فالله أعلم.
[ ٣ / ٩٣٨ ]
جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل -﵈-، فأما جبريل فعلى الرياح والجنود، وأما ميكائيل فعلى المطر والنبات، وأما ملك الموت فعلى الأنفس، وأما إسرافيل فينزل عليهم بما يؤمرون (١)، وهذا على المجاز (٢)، وهو في تفسير قوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]، فأما حقيقة التدبير فهي لله (٣) تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ يكفي كل شيء ولا يكفيه شيء، ويغني عن كل شيء ولايغني منه شيء.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: وعدًا حقًا، ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: بأعمالهم التي أقسطوا فيها، وقيل: إن الله يجزيهم بالقسط ولا يبخسهم شيئًا، ﴿حَمِيمٍ﴾ ماء ساخن، ومنه الحمام والمستحم، وحميم جهنم يشوي الوجوه بئس الشراب.
﴿ضِيَاءً﴾ مصدر كالبناء، والضياء أغلب من النور؛ لأنه يتعدى إلى غير ذاته أبدًا، والنور قد يتعدى وقد لا يتعدى. روي أن كعبًا لقي عبد الله بن عمرو بن العاص والناس حوله يستفتونه قال: هلك أخي عبد الله عند هذا يكون الفتن (٤)، اذهب إليه، فقل له: لا تكذبنَّ على الله، فإن غضب فدعه وإن لم يغضب فاسأله، فأتاه فقال: إن كعبًا يقول لك: لا تكذبن علي الله، قال: نصح لي أخي، من كذب على الله سوّد الله وجهه يوم القيامة، قال: إنه يسألك عن الشمس والقمر أهما في السماوات السبع أم في السماء الدنيا أم في الهوي دون الفلك؟ قال: بل هما في السماوات السبع ووجههما إلى العرش وأقفيتهما إلى الأرض، قال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٦]، وقيل: الشمس في السماء الرابعة والقمر في السماء الدنيا، وقيل: الشمس في
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٩/ ١٧) في تفسيره قوله تعالى في سورة النازعات: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥].
(٢) يقصد أن هذا ليس حقيقيًا، بل مرد الأفعال إلى الله، وهذا تكلف لا معنى له فلكل فعل ولا ينفذ فعل المخلوق إلا بعد مشيئة الخالق: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] فللعبد مشيئة وفعل ولكنها موقوفة بإذن الله -عزوجل-.
(٣) في الأصل: (النذير فهو الله).
(٤) المثبت من الأصل وفي البقية (الغبن).
[ ٣ / ٩٣٩ ]
الفلك الرابع، والقمر في الفلك الأدنى. والأفلاك غير السماوات، وقيل: السماء والهواء واحد، ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلا بأمره الحق بقضية حكمه من غير لهو ولا عبث.
﴿لَآيَاتٍ﴾ دلائل وحدانية الله تعالى ودلائل انقضاء الدنيا والمال.
﴿لَا يَرْجُونَ﴾ أبو عبيدة: لا يخافون (١)، ﴿لِقَاءَنَا﴾ الحساب والعرض، وقيل: لقاء الله، هم الذين أيسوا عن لقائه لجهلهم به، ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الذين آثروا شهواتها على السعي للآخرة، وقنعوا بالحياة الدنيا لأنها مبلغهم من العلم فليست لهم همة الآخرة.
روي أن النبي -﵇- (٢) بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان هو صالَحَ أهل البحرين وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال [من البحرين فسمعت الأنصار بقدومه فوافقت صلاة الفجر مع رسول الله - ﷺ -، فلما صلَّى]، (٣) صلاة الفجر وانصرف تعرضوا له، فتبسم رسول الله - ﷺ - حين رآهم وقال: "أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء"، قالوا: أجل يا رسول الله، فقال: "أبشروا وأمِّلوا ما يسرُّكم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتلهيكم كما ألهتهم" (٤)، وروي: "فتهلككم كما أهلكتهم" (٥) (٦).
_________________
(١) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ -، ذكره ابن الجوزي في تفسيره ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣] وقول أبي ذؤيب الهذلي: إذا لسَعَتْه النَّحْل لم يَرْجُ لِسْعَهَا وخالفها في بيتِ نُوبٍ عَوَامِلِ [زاد المسير (٢/ ٣١٨)، الطبري (١٢/ ١٢١)].
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) ما بين [] من "أ" "ب".
(٤) البخاري (٦٠٦١).
(٥) هذه الرواية عند البخاري (٣٧٩١)، ومسلم (٥٩٦١).
(٦) قوله: (وروي فتهلككم كما أهلكتهم) ليس في "أ".
[ ٣ / ٩٤٠ ]
﴿وَاطْمَأَنُّوا﴾ أخلدوا إليها لجهلهم بالآخرة ولكراهة ما قدمت أيديهم، هم الذين يحجبهم المحسوس عن المعقول.
﴿يَهْدِيهِمْ﴾ إلى الفلاح، ﴿بِإِيمَانِهِمْ﴾ بنور إيمانهم وبسبب (١) إيمانهم، ﴿في جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ في العقبى.
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ أول (٢) دعواهم دليل على تعجبهم بكل ما يشاهدونه لحسنه وبهجته، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ دليل على إعجابهم بما يشاهدونه لما يعود إليهم من نفع أو لذة، ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ دليل على أمنهم وطهارة صدورهم من الغل واستراحتهم من الذلة.
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله﴾ نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة وأمثاله حيث قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء (٣)، وقيل: في شأن من يدعو على نفسه وولده ودابته وعبده في غضبه (٤)، وقيل: في شأن المستعجل بشر يتوهمه خيرًا، ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ كأستعجالهم، ﴿فَنَذَرُ﴾ عطف مستقبل على ما مرّ في جواب (لو) كما سبق (٥).
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ﴾ نزل في هشام بن المغيرة (٦)، وقيل: عامة فيمن لزم هوى النفس والطبيعة واستهان بالعقل والشريعة، وفيها تنبيه على
_________________
(١) في "ب": (لسبب).
(٢) (دعواهم فيها أول) ليست في "ب".
(٣) ذكره القرطبي (٨/ ٢٨٥) وابن الجوزي، في تفسيره (٢/ ٣١٩).
(٤) ورد هذا عن مجاهد عند ابن جرير (١٢/ ١٣٠)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٩٣٢).
(٥) أي أنها معطوفة على جواب "لو" وهو قوله: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] وقيل: إنها معطوفة على جملة مقدرة والتقدير: ولكن نمهلهم فنذر، قاله أبو البقاء العكبري، وقيل: إنها جملة مستأنفة والتقدير: فنحن نَذَرُ الذين - قاله الحوفي. [الإملاء (٢/ ٢٥)، الدر المصون (٦/ ١٥٩)].
(٦) عزاه لابن عباس ومقاتل ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٢).
[ ٣ / ٩٤١ ]
قبح هذه الخصلة، ﴿لِجَنْبِهِ﴾ أي: مضطجعًا على جنبه وهو حال مسّ الضر أو الدعاء (١)، ﴿مَرَّ﴾ ذهب عن باب الدعاء معرضًا إلى شهواته، وقال الفراء: معناه استمر على طريقته (٢)، ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] لننظر إلى المشاهدة من كيفية أعمالكم التي قدرناها من سابق علمنا وعلمناها (٣) من سابق مشيئتنا. وفائدة النظر إيجاب الجزاء، وعن عرباض بن سارية الأسلمي، قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل من أصحابه: إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا يا رسول الله؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله وبالسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا"، أي: الذي عليكم "فإنه من يعش منكم ير اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، ومن أدركته منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" (٤).
﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ الكلبي وهم خمسة نفر الوليد بن المغيرة المخزومي والعاص بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث والأسود بن عبد المطلب والحارث بن عيطلة، فقتل الله كل واحد منهم بغير قتلة صاحبه (٥) وفيهم قوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٥]، ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ له معنيان: أحدهما محاولتهم سبيلًا على رسول الله (٦) بإتيانه بما يقترحونه، والثاني: طمعهم أن لا يكون في الثاني (٧) سب آلهتهم والنهي عن عبادتهم وأن يكون محللًا لما يحبونه
_________________
(١) في "أ" "ي": (مس الضراء والد عامر) وهو خطأ.
(٢) ذكره الفراء في معاني القرآن (١/ ٤٥٩) بلفظ: استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه البلاء.
(٣) (وعلمناها) من "ب" "ي".
(٤) أبو داود (٤٦٠٧)، الترمذي (٢٦٧٦)، ابن ماجه (٤٢، ٤٣)، وأحمد (٤/ ١٢٦)، والدارمي (٩٥)، وابن حبان (٥)، وغيرهم والحديث صحيح.
(٥) هؤلاء الخمسة ذكرهم المفسرون عند قوله تعالى في سورة الحجر آية (٩٥): ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٥] منهم ابن جرير الطبري في تفسيره عن عروة بن الزبير (١٤/ ١٤٦).
(٦) في "ب" رسول الله - ﷺ -.
(٧) في "ب": (في الها) وهو خطأ.
[ ٣ / ٩٤٢ ]
محرمًا لما يكرهونه على قضية شهواتهم (١)، وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ﴾ الآية منسوخة (٢) بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢].
وفي قوله: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ (٣) مَا تَلَوْتُهُ﴾ دلالة أن القرآن لم يكن مقدورًا لرسول الله (٤) وأنه لم يمكنه أن يأتي بمثله عمدًا من قبله لأنه قد بلغ أشده وآنس منه الرشد ولم يكن يتعاطى من القرآن شيئًا حتى اكتهل ثم انتصب قارئًا من غير كتابة ولا تعلم.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث مطالبتهم رسول الله - ﷺ - أن يفتري على الله ما لا ينفعهم ولا يضرّهم ذوات معبوديهم.
﴿أَتُنَبِّئُونَ﴾ أتخبرون الله بلا شيء، وقيل: أتنبهون الله على شيء جهله ولم يعلمه وبما لا يعلمه الله، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ صفات معبوديهم.
﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ هي كلمة التمهيل والتأجيل إلى حين؛ إنما الغيب على ما كتمه الله عن خلقه من الآيات الملجئة متى يكون وأنى يكون.
﴿وَإِذَا﴾ ظرف والعامل فيه ﴿إِذَا﴾ الثانية (٥) مع صلتها، ﴿لَهُمْ مَكْرٌ﴾ (٦)
_________________
(١) أي: أنهم أرادوا تغيير آية العذاب بالرحمة وآية الرحمة بالعذاب كما قاله ابن عباس - ﵄ - أو أنهم كرهوا منه ذكر البعث والنشور، لأنهم لا يؤمنون به، وكرهوا عيب آلهتهم، فطلبوا ما يخلو من ذلك كلما قاله الزجاج. [زاد المسير (٢/ ٣٢٠)، معاني القرآن للزجاج (٣/ ١١)].
(٢) قال السيوطي في الإكليل (ص ١٤٧): استدل بهذه الآية من منع نسخ القرآن بالسنة.
(٣) قوله: (لو شاء الله) ليس في "ب".
(٤) في "أ": الرسول الله - ﷺ -).
(٥) "إذا" الأولى هي قوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ [يونس: ٢١] و"إذا" الثانية في نفس الآية قوله: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ فالأولى: شرطية، والثانية: جوابها وهي "إذا" الفجائية، والعامل في "إذا" الفجائية الاستقرار المقدر في "لهم"، لكن ذهب أبو البقاء العكبري إلى أن "إذا" الثانية زمانية. [الإملاء (٢٦١٢)].
(٦) في "أ": (مكروا).
[ ٣ / ٩٤٣ ]
إضافة الشرط المتقدم والخير القادم إلى آلهتهم وإلى النجوم والأيام، و﴿اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ بالطبع على قلوبهم وباستدراجهم وبإهلاك الأولين وإتباع الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين.
﴿حَتَّى﴾ غاية للتسيير المتقدم، ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ جماعة بدلالة (١) قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾، ﴿جَاءَتْهَا﴾ عائد إلى ﴿الْفُلْكِ﴾ وقيل: إلى الريح الطيبة اختصاص العصوف بالريح يغني عن علامة التأنيث. قال الفراء (٢): نقول ريح عاصف وعاصفة (٣) على لغتين، وأعصفت أيضًا الموج فورة الشيء الكثير بكل مكان من أمكنة الموج.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي: ظنوا أنهم هالكون، يقال: فلان محاط به، أي: هالك سدت عليه سبيل النجاة، ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ أي: فدعوا الله ﴿مِنْ هَذِهِ﴾ أي: الريح العاصفة أو المحنة أو النكبة أو الحالة.
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إنما وقع تمثيل الحياة الدنيا بالنبات الحصيد بعد الاكتهال لسرعة زوالها عند الكمال، والمراد من التمثيل التزهيد والتنبيه، ﴿قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ على الانتفاع بها، ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ قضاؤنا وحكمنا بهلاكها ويبسها وجدبها، ﴿حَصِيدًا﴾ مستأصلًا.
﴿دَارِ السَّلَامِ﴾ دار السلامة من الآفات، فالسلام والسلامة بمعنى كاللذاذ واللذاذة، وقيل: السلام اسم الله تعالى.
عن مالك بنيزيد الأشجعي قال: الإسلام ثلثمائة وخمسة عشر سهمًا، فإذا كان يوم القيامة أقبل في صورة حسنة يجر ثوبه حتى ينتهي
_________________
(١) في "أ": (بدليل).
(٢) ذكره الفراء في معاني القرآن (١/ ٤٦٠) وبالألف - أعصف هي لغة بني أسد ومنه قول الشاعر: حتى إذا أعصفت ريح مزعزعة فيها قطار ورعد صوته زَجِلُ
(٣) في "أ": (ريح عاصف)، وفي الأصل: (ريح عاصفة وعاصفة).
[ ٣ / ٩٤٤ ]
إلى الله تعالى فيقول: يا رب، أنت السلام وأنا الإسلام، منك بدأت وإليك أعود، اللهم من جاء متمسكًا بسهم من سهامي فأدخله الجنة (١).
﴿الْحُسْنَى﴾ الجنة (٢)، و(الزيادة) النظر إلى الله تعالى، تواترت الأخبار (٣)، ﴿وَلَا يَرْهَقُ﴾ ولا يلحق ولا يصيب ومنه المراهق ﴿قَتَرٌ﴾ غبار العرصات ودخان الدركات، ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾ لهم جزاء سيئة.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: واذكروا يوم نحشرهم، ﴿مَكَانَكُمْ﴾ أي: قفوا والزموا مكانكم، وذلك قوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٤] قريبًا
_________________
(١) هذا الأثر معروف عن ابن عباس - ﵄ -، أخرجه الطبري في تفسيره مختصرًا وبغير اللفظ الذي ذكره المؤلف ولفظه: قال: الإسلام ثلاثون سهمًا، وما ابتلى الله بهذا الدين أحدًا فأقامه إلا إبراهيم، قال الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧] فكتب الله له براءة من النار. [تفسير الطبري (٢/ ٤٩٩)، تاريخ الطبري (١/ ٢٨٠)] ".
(٢) ورد عن ابن عباس - ﵄ - أن "الحسنى" هي قولهم: لا إله إلا الله، وقال ابنِ الأنباري: الحسنى كلمة مستغنى عن وصفها ونعتها، لأن العرب توقعها على الخَلَّة المحبوبة المرغوب فيها المفروح بها، فكان الذي تعلمه العرب من أمرها يغني عن نعتها فكذلك المزيد عليها محمول على معناها ومتعرف من جهتها، ويدل على ذلك قول امرئ القيس: فلما تنازعنا الحديث وأَسْمَحَتْ هَصَرْت بغصنٍ ذي شماريخ مَيَّالِ فَصِرْنَا إلى الحسنى وَرقَّ كلامُنَا وَرُضْت فَذَلَّت صَعبةً أيِّ إذلالِ وقول ابن الأنباري لا شك أنه أوسع وأشمل من قصر المؤلف له على الجنة، وربما نقول في الحسنى أنه كل عمل حسن مؤد إلى الجنة، وهناك خمسة أقوال في معنى "الحسنى" ذكرها المفسرون وفصل ابن الجوزي في تفسيره هذه الأقوال وأشملها ما ذكرنا، والله أعلم. [زاد المسير (٢/ ٣٢٦)].
(٣) هذا من إنصاف المؤلف وهذا معتقد أهل السنة أن تفسير (الزيادة) بالنظر إلى الله -عزوجل- يوم القيامة، وهو ما رواه مسلم في صحيحه (١٨١)، والترمذي (٣١٠٥)، والنسائي (٢٥٤) وغيرهم من حديث صهيب مرفوعًا، قال -﵇-: "الزيادة النظر إلى وجه الله -عزوجل-" وبهذا القول قال أبو بكر الصديق وأبو موسى الأشعري وحذيفة وابن عباس - ﵄ - وغيرهم، وهناك سنة أقوال في معنى الزيادة.
[ ٣ / ٩٤٥ ]
﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ بعد وقفهم مسؤولين، قال الله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: ٢٥] لو تميز المؤمنون من الكافرين.
﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ قول الأصنام المصورة، وقيل: قول الملائكة [وعزير وعيسى -﵈- كما قال عيسى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧] الآية قول الملائكة]، (١) ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ [سبأ: ٤١] ويحتمل أن الأرواح الخبيثة من طواغيت الإنس والجن تبرأ من عابديها وتستشهد الله كاذبة كما يحلفون به كاذبين.
﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أعيدوا إلى جزائه.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ اتصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الإشراك، ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ سخط الله بطاعته أو تتقون الإشراك بالله بتوحيده (٢).
﴿فَذَلِكُمُ﴾ إشارة إلى الله الرازق من السماء والأرض المالك للسمع والبصر المدبر للأمر، ﴿رَبُّكُمُ﴾ سيدكم وخالقكم، ﴿الْحَقُّ﴾ الشيء الواجب كونه ووجوده الباطل نفيه وجحوده، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ إنكار عليهم على قضية انقسام الكلام فإنه حق وباطل، فإذا استحق الحق نفى للغير الباطل، واتباع الباطل: الضلال.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أنه ليسى بعد الحق إلا الضلال أو كما يصرفون أو كما فسقوا وكما نخبرك ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ترجمة الكلمة.
﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ للإعادة معنيان: الإماتة كقوله (٣)، ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] والنشأة للمعاد.
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾ يعني أوهامهم التي توهموها، وفي الآية رد على القائلين بحدوث صفات الذات والفعل وبالجهة والهيئة فإنها أوهام كلها.
_________________
(١) ما بين [] ليس في الأصل.
(٢) في الأصل و"أ": (بتوحيد).
(٣) في الأصل: (كقولك) وهو خطأ.
[ ٣ / ٩٤٦ ]
﴿أَنْ يُفْتَرَى﴾ في محل نصب خبر ﴿كَانَ﴾ (١)، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ كقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الكتب المتقدمة (٢)، ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ أحكامه، (الكتاب): هو التوراة والإنجيل واللوح المحفوظ أو ما كتب الله علينا.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ إخبار عن خاتمتهم ومآلهم دون أحوالهم.
﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ والمراد منها التهديد، وقيل: المتاركة، وهي منسوخة بآية السيف (٣).
﴿مَنْ يَسْتَمِعُونَ﴾ إن كان الاستماع للانتفاع فالصم قوم آخرون وإن كان
الاستماع للاستهزاء فالصم هم المستمعون، والمراد به صميم القلب لأنه قال: ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ واذكر (٤) يوم نحشرهم.
﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نريك مرجعهم فحشرهم للحساب والعذاب فدمر عليهم يوم بدر ومحقهم في سائر المشاهد واستأصلهم يوم فتح مكة، ﴿ثُمَّ اللَّهُ﴾ لترادف الأخبار دون المعاني المخبر عنها.
_________________
(١) يمكن أن يكون التقدير: وما كان هذا القرآن افتراء، وقيل: أنَّ "أَنْ" هذه هي المضمرة بعد لام الجحود، والتقدير: وما كان هذا القرآن ليفترى - أي: لأن يفترى. فلما حذفت لام الجحود ظهرت "أن" وعلى هذا يكون خبر "كان" محذوفًا و"أن" و"ما" دخلت عليه متعلقة بذلك الخبر. [الدر المصون (٦/ ٢٠١)].
(٢) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - ذكره ابن الجوزي في تفسيره، وقيل: ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من البعث والنشور ذكره الزجاج، وقيل: هو الذي بين يدي القرآن لمشاهدتهم النبي وعرفوه قبل سماعهم القرآن. ذكره ابن الأنباري. [زاد المسير (٢/ ٣٣١)].
(٣) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - ذكره ابن الجوزي في تفسيره وقال -أي: ابن الجوزي-: وليس هذا بصحيح لأنه لا تنافي بين الآيتين.
(٤) في الأصل: (واذكروا).
[ ٣ / ٩٤٧ ]
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ الآية في مثل قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وقيل: قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾ [هود: ١١٧] وفيها دلالة أن الجماعة وإن عظمت لم ينطبق عليها اسم الأمة حقيقة ما لم يقروا برسول الله، فإذا جاء رسولهم بينت (١) أحكامهم وشرائعهم وميز بين الخبيث والطيب والهالك والناجي، وقيل: فإذا جاء رسولهم يوم القيامة شهيدًا عليهم (٢) وحوسبوا على أعمالهم ووفوا ثوابها وعقابها، ﴿بِالْقِسْطِ﴾ ذكر للتنبيه على قيام الحجة ووجوب الجزاء.
﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ سؤال على وجه الاستعجال بالبوار. ﴿الْوَعْدُ﴾ الوعيد.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ﴾ لا أقدر على خير نفسي ونفعها فكيف أقدر على تعجيل الوعد الموعود، ثم بين وجه تأخر العذاب بوجوب الهلاك معلق بإتيان الرسل، وإتيانه معلق بتتمة الأجل.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ﴾ وزانها قولك لغريم: أرأيت (٣) أن أزنك هذه الدنانير إيش تطالبه، أي: ليس لك عندي سوى هذه الدنانير شيء، فكذلك ليس للكفار عند الله إلا البوار وإدخال النار ﴿ثُمَّ﴾ معناه نقول أو قيل أو يقال للمجرمين إذا آمنوا عند معاينة البأس. ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾، ﴿ثُمَّ قِيلَ﴾ بعد ذلك ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ على وجه الاستهزاء، ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ أكائن هذا الوعيد، ﴿إى﴾ نعم (٤)، ﴿وَرَبِّي﴾ قسم وجوابه، ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ وقيل: القسم متصل بقوله: ﴿إِى﴾ ويكون قوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ كلامًا مبتدأ.
_________________
(١) في "أ": (ثبتت).
(٢) (عليهم) من "ب" "ي".
(٣) في "أ ": (أرأيتك).
(٤) هي حرف جواب بمعنى نعم ولكنها تختص بالقسم؛ قاله الزمخشري، وقال أيضًا: سمعتهم يقولون في التصديق -إيْوَ-. [الكشاف (٢/ ٢٤١)].
[ ٣ / ٩٤٨ ]
﴿وَلَوْ أَنَّ﴾ جوابه مضمر (١)، ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ عند أول لحظة ثم الحسرة من بعد كما يحلفون ويجحدون ثم يعتزمون ويتلاعنون (٢).
اتصال ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ﴾ بما قبلها، ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ فأخبر أنه لله عزوجل فكذلك ما في السماوات.
﴿وَشِفَاءٌ﴾ برء وزوال علة.
﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الإسلام والقرآن هو آي الكتاب، ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من المال.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ فيه ضمير تقديره: أرأيتم هذا الرزق الذي جعلتم منه حرامًا وحلالًا أنتم مأذونون فيه إن جعلتم (٣) ذلك بإذن الله فتقول: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ يوم القيامة نصب بالظن، أي: ما يظنون بالله يومئذٍ بأن يفعل بهم، وإنما ذكر الفضل من حيث ذكر الرزق أو من حيث تقديم الدعوة والإنذار أو من حيث الإرجاء والإمهال.
﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ دليل على أن النعمة الدنياوية عمت البرَّ والفاجر، وأن الشكر (٤) واجب عليهم في النفع والدفع جميعًا في شأن أمر وبال.
﴿مِنهُ﴾ أي: من الله، وقيل: من القرآن، وقيل: إلى العمل. ﴿يَعْزُبُ﴾ يبعد (٥).
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اعترفوا بقضية المعرفة، ﴿يَتَّقُونَ﴾ بقضيف الاعتراف.
_________________
(١) لم أجد من قال أن جواب "لو" مضمر بل جواب "لو" هو جملة "لافتدت به" وعليه عامة المفسرين.
(٢) في "ب": (ويتلا عبون).
(٣) في الأصل: (أو جعلتم).
(٤) في "أ": (الشر) وهو خطأ.
(٥) أصله من عزوب الرجل عن أهله إذا غاب عنهم، وقال الراغب: العازب: المتباعد في طلب الكلأ، والعازب أيضًا: البعيد الذهاب في المرعى، ومنه حديث أم معبد: "والشاءُ عازبٌ حيال" ذكره الهروي وابن الأثير. [المفردات للراغب (٣٣٣)، النهاية في غريب الحديث (٢٢٧٣)].
[ ٣ / ٩٤٩ ]
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ "هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له" رواها (١) أبو الدرداء وعبادة بن الصامت عنه -﵇- (٢).
وعن أبي قتادة الأنصاري: سمعت رسول الله (٣) يقول: "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان فهذا حلم أحدكم الحلم يكرهه فليبصُق عن يساره وليستعذ بالله منه فلن يضره" (٤)، وفي الصحاح عن ابن سيرين (٥) عن أبي هريرة: "إذا اقترب الزمان لم تكذب رؤيا الرجل المسلم وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا الرجل المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا ثلاث: الرؤيا الصالحة من الله تعالى ورؤيا من تخزين الشيطان ورؤيا من شيء يحدث الإنسان به نفسه فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث وليقم فليصلِّ" (٦).
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ ادعاؤهم العزة لأنفسهم، ثم ردّ عليهم ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لادعائهم العزة لأنفسهم، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بضمائرهم.
﴿وَمَا يَتَّبِعُ﴾ يحتمل وجوهًا أربعة: العطف وتقديره: وما يتبعه الذين، والجحد، أي: وما يتبعك أو وما يتبع الحق، والاستفهام على وجه الإنكار، أي: أيّ شيء يتبع، والمصدر، أي: اتباع الذين ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ إن هؤلاء يريدون اتباع ﴿الظَّنَّ﴾ في ذلك إشارة إلى البيان والقرآن أو إلى الجعل.
_________________
(١) في الأصل: (يرى).
(٢) مسلم (٤٧٩) عن ابن عباس. أما عن أبي الدرداء فرواه الترمذي (٢٢٧٣، ٣١٠٦)، وأحمد (٦/ ٤٤٥، ٤٤٦، ٤٤٧، ٤٥٢)، والطيالسي (٩٧٦)، والحاكم (٩٧٦). وأما عن عبادة بن الصامت فرواه الترمذي (٢٢٧٥)، وابن ماجه (٨٩٨)، وأحمد (٥/ ٣١٥، ٣٢١، ٣٢٥)، والدارمي (٢١٣٦)، والطيالسي (٥٨٣)، والحاكم (٣٣٠٢، ٨١٧٩).
(٣) في "ب": (- ﷺ -).
(٤) البخاري (٣١١٨)، ومسلم (٢٢٦١) وغيرهما.
(٥) في "أ": (سيره).
(٦) البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٢٦٣) وغيرهما.
[ ٣ / ٩٥٠ ]
﴿مَتَاعٌ﴾ أي: لهم متاع أو متاعهم متاع (١).
﴿إِذْ﴾ في محل النصب بالذكر تقديره: واذكر لهم ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾، ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ اجعلوا الآراء المختلفة جامعًا، ﴿غُمَّةً﴾ سترة، أي: لا يكونن عليكم أمركم مستترًا ملتبسًا، ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ أتموا أمركم، وكل هذا تحدِّ من نوح -﵇- (٢) توكلًا على الله وإظهارًا لآياته.
﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ﴾ جواب التولي المشروط لمعنى خفي فكأنه يقول: فإن تولَّيتم فلم تقولوا عليّ أجرًا ولم تنقصوني شيئًا ولم يعظم علىَّ توليتكم.
﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ المراد بهم الهالكون دون المفلحين (٣) وإنما خصهم لتمحض الوعيد، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: لم يكن الملتزمون بطريقة الماضين بمؤمنين بالذي كذبت به أئمتهم من قبل، وقيل: فما كانوا ليؤمنوا به في المستقبل من اْعمارهم بسبب تكذيبهم أول مرة فإنه ران على قلوبهم.
﴿أَتَقُولُونَ﴾ أن هذا سحر مبين، ﴿لِلْحَقِّ﴾ إذ جاءكم، وقوله: ﴿أَسِحْرٌ﴾ من كلام موسى -﵇- على وجه الإنكار.
﴿لِتَلْفِتَنَا﴾ لتصرفنا، ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ العظمة والملك.
﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ﴾ أربعون أهل بيت من القبط ولدهم نساء بني إسرائيل كانوا يسمون الذرية (٤) ﴿لَعَالٍ﴾ خبر عما مضى.
﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ إنما أمرهم لئلا يخافوا دون الله فيفسد إيمانهم.
_________________
(١) أي: يجوز في "متاع" أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف وقدره المؤلف -متاعهم متاع- والوجه الثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف وقد قدره المؤلف: لهم متاع.
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) في "أ": (المخلفين).
(٤) روى الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٤٥) عن قتادة قال: كان ابن عباس يقول: الذرية: القليل.
[ ٣ / ٩٥١ ]
﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ كون المسلم فتنة للكافرين (١) أن تسوء عاقبته العاجلة ويشمت الكافر به ويقيس عليه عاقبته الآجلة، وأن يرتد المسلم فيزيد الكافر إصرارًا.
﴿تَبَوَّءَا﴾ تتخذ المنازل وأصله البواء وهو اللزوم (٢). ﴿بُيُوتًا﴾ مساجد، الكلبي وغيره (٣): كانت مساجد بني إسرائيل ظاهرة فأمر فرعون بهدمها عند منابذة (٤) موسى -﵇- إياه، فأمر الله اتخاذ المساجد في بيوتهم وأن يجعلوها مستقبلة للكعبة قبلة إبراهيم وإسماعيل (٥)، ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ مستقبلة القبلة (٦)، وقيل: اجعلوها قبلة لكم يصلون إليها، وقيل: اجعلوا بعضها مقابل بعض (٧)، وقيل: المراد به المصلى.
وقيل: المسجد وإنما لم يؤمروا بالزكاة لأن أكثرهم كانوا مماليك لآل فرعون أو كانوا فقراء.
﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ لما دعا انقلبت أعيان أموالهم حتى صار
_________________
(١) في "ب" (للكافر).
(٢) يقال: تَبَوَّأَ فلانٌ منزلًا: إذا نزله، وَبَوَّأتُهُ: أنزلته، واستشهد الزجاج بقول الشاعر، وينسب لإبراهيم بن هرمة: وَبُوِّئتْ في صَمِيْمِ مَعْشرِهَا فَتَمَّ في قوْمِهَا مُبَوَّؤُهَا [مجاز القرآن (١/ ٢١٨)، اللسان (بوأ)].
(٣) روي ذلك أيضًا عن مجاهد والضحاك أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٨٧).
(٤) في الأصل و"أ": (مثابرة).
(٥) هذا ورد عن ابن عباس كما عند ابن جرير (١٢/ ٢٥١)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٩٧٦). وأما اتخاذ الكعبة قبلة فهو مروي عن أبي سنان كما عند أبي الشيخ، انظر: "الدر المنثور" (٧/ ٦٩٥)
(٦) روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ - ومجاهد وقتادة والضحاك. أخرجه الطبري في تفسيره
(٧) روي ذلك عن سعيد بن جبير أخرجه الطبري في تفسيره وذكر ابن الجوزي في تفسيره أنه مروي عن ابن عباس - ﵄ -. [الطبري (١٢/ ٢٦٠)، زاد المسير (٢/ ٣٤٥)].
[ ٣ / ٩٥٢ ]
سُكَّرهم حجارة (١)، ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ عطف على ﴿لِيُضِلُّوا﴾ وقيل: نصب على جواب الأمر بالفاء، وقيل: جزم على الدعاء (٢).
﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ كان موسى يدعو وهارون (٣) يؤمِّن (٤).
﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ابن عباس، عنه -﵇- (٥) أنه ذكر أن جبريل -﵇- (٥) يدس في فيّ فرعون الطين خشية أن يرحمه (٦)، كان جبريل يعاجل فرعون ليتم فيه دعوة موسى -﵇- (٧)، فمن كان يعاجل رحمة الله كفر لأنه يتقرب إلى الله بإظهار موالاة نبيه ومعاداة عدوه.
﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ إن جبريل -﵇- فرح حين سمع وتيقن أن فعله وقع مرضيًا لله.
_________________
(١) روي ذلك عن قتادة والربيع بن أنس والقُرظي وأبي صالح والضحاك وابن زيد. أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٢٦٦،٢٦٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٩٧٩).
(٢) أي أن النصب من وجهين أحدهما: ما ذكره المؤلف أنه معطوف على ﴿لِيُضِلُّوا﴾ [يُونس: ٨٨] والثاني: أنه منصوب على جواب الدعاء في قوله: ﴿اطْمِسْ﴾ [يُونس: ٨٨] والجزم على أنَّ "لا" للدعاء. والنصب في الوجه الأول هو قول الأخفش، والثاني من أوجه النصب هو قول الزمخشري، والجزم قول الكسائي والفراء، وأنشدا قول الأعشى: فلا يَنْبَسِطْ من بين عينك ما انْزَوَى ولا تلقني إلا وأنفك راغِمُ [معاني القرآن للأخفش (٢/ ٣٤٨)، الكشاف (٢/ ٢٥٠)، ديوان الأعشى (ص ٧٩)، المحرر الوجيز (٩/ ٨٥)، الدر المصون (٦/ ٢٦٠)].
(٣) في الأصل: (ندعوا هارون).
(٤) هذا مروي عن ابن عباس عند أبي الشيخ كما في الدر المنثور (٧/ ٦٩٧). وهو مروي عن عكرمة كما في تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٩٧) وابن جرير (١٢/ ٢٧٠ - ٢٧٢).
(٥) (السلام) ليست في "ي".
(٦) الترمذي (٣١٠٧)، وأحمد (٥/ ٣٠)، وابن جرير (١٢/ ٢٧٧)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٩٨٢)، والطبراني في الكبير (١٢٩٣٢)، والطيالسى (٢٧٤٠)، وابن حبان (٦٢١٥) وغيرهم والحديث صحيح.
(٧) (-﵇-) من"أ"، وفي "ى": (عليه)
[ ٣ / ٩٥٣ ]
﴿بِبَدَنِكَ﴾ بجسدك، فقيل: الآية استفهام على سبيل الإنكار تقديرها ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ فتكون قدوة وحجة، لمن خلقك ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ وقيل: إنها على سبيل الخبر ومعناها: اليوم نلقي بدنك بعد إزهاق الروح على فجوة من الأرض لتكون عبرة ونكالًا لمن خلفك (١).
﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ ما أورثهم من ديار آل فرعون، وقيل: المراد به التيه حيث ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، وقيل: ديار العمالقة حيث افتتحها يوشع -﵇- أو البيت المقدس حين ابتناه داود وسليمان -﵉-.
﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ خطاب للنبى -﵇- والمراد به أمته كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقيل: هذا شرط لم يوجد والمراد به التأكيد، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١] (٢) الآية، وقيل: لم يشك ولم يسأل كقوله: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣]، وقيل: معناه: إن كنت في شك مما أنزلنا إليك هل هو موجب لك أمن العاقبة والختم على السعادة فأسأل الأنبياء إذا لقيتهم ليلة المعراج كقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] الآية، وإن كانت الآية مكية فتكون (مما) بمعنى ممن (٣) أنزل وهو جبريل -﵇- (٤) في الصورة التي ظهر فيها لرسول الله في ابتداء الوحي حتى سألت خديجة له ورقة بن نوفل، وقيل: لما جرى على لسانه في سورة "النجم" أنه شيء ابتلي به وحده وخاف مثله في المستقبل فأخبر الله في سورة "الحج" أنه ما أرسل من قبله ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] الآية.
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي عن يونس وأبي عبيدة، وقوله: نجوة من الأرض - أي: ارتفاع من الأرض-. [زاد المسير (٢/ ٣٤٨)].
(٢) في"أ" كرره مرتين.
(٣) في الأصل: (من).
(٤) (السلام) ليست في"ي".
[ ٣ / ٩٥٤ ]
﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ﴾ أنث لإضافة كل إلى مؤنث كقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ [ق:١٩]
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ الإيمان النافع الذي يكون عند إحساس العذاب قبل عين اليقين، كما كان من قوم يونس -﵇- لما غلب على ظنهم أنه العذاب سينزل بهم ندموا وتضرعوا وأنابوا إلى الله ولم ينتظروا عين اليقين لم ينفعهم، انتصب ﴿قَوْمَ يُونُسَ﴾ لأنه مستثنى منقطع (١)؛ لأنهم لم يكونوا من عداد الأمم الهالكة، وعن ابن عباس: أن يونس بن متى كان يسكن فلسطين (٢) هو وقومه فغزاهم ملك من الملوك يقال له: يغلث بالعساكر من أهل نينوى وهي التي تسمى نصيبين، فغز ابني إسرائيل فسبى منهم تسعة أسباط ونصفًا وبقي سبطان ونصف، وكانوا من وراء الأردن وهم من سبط يهودا ونصف سبط من سبط ميثا فسبوهم جميعًا غير هذين السبطين ونصف سبط فرجعوا بهم إلى أرضهم. وقد كان أوحى الله تعالى إلى بني إسرائيل إذا أمركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني فإذا دعوتموني أستجب لكم، فلما أسروا نسوا أن يدعوا الله زمانًا من الدهر حتى إذا ذهبت أيام عقوبتهم ونزلت أيام عافيتهم وأوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء (٣) بني إسرائيل يسمى شعيا فقال: ائت حزقيا وهو الملك يومئذٍ، فقل له: ابعث إلى بني إسرائيل نبيًا قويًا أمينًا - وكان في ملكه خمسة من الأنبياء - فقد ذهبت أيام عقوبتهم وتراءت أيام عافيتهم وإني ملقٍ في قلوب ملوكهم وأشرافهم أن يرسلوهم معهم، فجاء شعيا إلى حزقيا حتى أبلغه
_________________
(١) من قال أنه نصب على أنه استثناء منقطع هو سيبويه والكسائي والأخفش والفراء، ولذلك أدخله سيبويه في باب ما لا يكون فيه إلا النصب لانقطاعه، وإنما كان منقطعًا لأن ما بعد "إلا" لا يندرج تحت لفظ "قرية"، وذهب الزمخشري إلى أنه استثناء متصل فهو استثناء من القرى لأن المراد أهاليها. [الكتاب (١/ ٣٦٦)، معاني القرآن للأخفش (١/ ٤٧٩)، الكشاف (٢/ ٢٥٤)، الدر المصون (٦/ ٢٦٩)].
(٢) (فلسطين) ليست في "أ".
(٣) (أنبياء) ليست في "ب".
[ ٣ / ٩٥٥ ]
ذلك، فقال له حزقيا: أنت الذي أمرت بذلك فأبعث، فقال له: إن الله تعالى أوحى أن آمرك بأن تبعث فابعث، فقال له حزقيا: فيمن تشير علي، قال: ابعث يونس بن متى فإنه قوي أمين.
قال: فأرسل حزقيا الملك إلى يونس فأتاه، فقال له: إن شعيا النبي -﵇- (١) أتاني فقال: إن الله أوحى إليّ أن ائت حزقيا فَمُرْه يبعث نبيًا إلى بني إسرائيل فإنه قد ذهبت أيام عقوبتهم ونزلت أيام عافيتهم وإني ملقٍ في قلوب ملوكهم وأشرافهم أن يرسلوهم معه فأنت نبي قوي أمين، فانطلق إلى بني إسرائيل [فقالوا له] آلله أمرك (٢) بهذا؟ قال: لا، قال: فسماني لك، قال: لا، ولكن أمرت أن أبعث نبيًا قويًا أمينًا فأنت نبي قوي أمين، قال: إن في بني إسرائيل قويًا أمينًا غيري فابعث غيري، فقال حزقيا: بحق الملك إلا ذهبت، فلما عزم الملك على يونس انطلق فلم يجد بدًا ورجع يونس ليتزود وخرج مغاضبًا لحزقيا حتى أتى بحر الروم فوجد قومًا قد شحنوا سفينتهم فقال لهم: احملوني معكم، فعرفوه فحملوه، فلما كانوا في البحر اضطربت السفينة وكادت تغرق فقال ملاّحوها: يا هؤلاء إن فيكم رجلًا عاصيًا لأن السفينة لا تفعل هذا من غير الريح إلا وفيها رجل عاصٍ، فقال البحار: إنا قد جربنا مثل هذا وكنا نقترع بالسهام فمن خرج سهمه ألقيناه في البحر فإنه لأن يغرق واحد خير من أن يغرق جميع أهل السفينة، قال: فاقترعوا بسهامهم فخرج سهم يونس -﵇- فقال البحار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله، ثم اقترعوا الثانية فخرج سهمه -﵇- (٣) فقال: يا هؤلاء أنا والله العاصي، فقال: فتلفف في كسائه ثم قام على رأس السفينة، قال: وإن السمكة التي أمرت به أن تجعله في جوفها لتساير السفينة من حيث ركب، فرمى يونس بنفسه فابتلعته السمكة فصار في بطنها وهو يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فذلك
_________________
(١) (السلام) ليست في "ي".
(٢) ما بين القوسين ليس في أي نسخة من نسخ المخطوط وأثبتناه ليستقيم السياق.
(٣) (السلام) ليست في "ي".
[ ٣ / ٩٥٦ ]
قوله: ﷾، ﴿فَسَاهَمَ﴾ يقول: فقارع أهل السفينة، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين الذين ليست لهم حجة. ذهبت به السمكة إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم دخلت به البطايخ ثم دخلت به دجلة فصعدت به وكان يسد جنباه شاطئ دجلة، حتى رمته بنصيبين بالعراء على ظهر الأرض بعد أربعين ليلة مكث في بطنها وهو كهيئة الفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا لحم، فأنبت عليه شجرة من يقطين قال: وسأل رجل ابن عباس زعموا أن اليقطين هو القرع، قال: فقال ابن عباس - ﵁ -:ما الذي جعل القرع أحق من البطيخ وغيره؟! كل شيء ينبت بسطًا فهو يقطين، فكان يستظل في ظل ذلك اليقطين ويأكل من ثمرها حتى تشدد (١)، فبينما هو كذلك إذ سلط الله عليه الأرضة فأكلتها فخرت من أصلها، فحزن يونس -﵇- لذلك حزنًا شديدًا فقال: يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ثمرها وقد سقطت مني (٢)، فقيل له: يا يونس، أتحزن (٣) على شجرة أنبتت في ساعة واقتلعت في ساعة ولا تحزن على ماية ألفٍ أو يزيدون لم تذهب إليهم وقد نزلت أيام عافيتهم؟!
وتوجه يونس -﵇- نحوهم حتى دخل أرضهم، ومنهم غير بعيد، فأتى بني إسرائيل، فقال: إني بعثت إليكم، قالوا: إنك لمصدق عندنا ولكنا عبيد أسارى فائت أمراءنا فاذكر لهم ذلك فإن خلّونا خرجنا معك، فأتى يونس -﵇- ملوكهم وأشرافهم وقال: إن الله أرسلني إليكم لتبعثوا معي بني إسرائيل، قالوا: ما نعرف ما نقول، ولو علمنا أنك صادق لفعلنا ولكنا أتيناكم في دياركم وقراركم فسبيناكم فلو كان كما تقول لمنعكم الله، فطاف فيهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه (٤)، فأوحى (٥) إليه قل لهم: إن لم تؤمنوا من ليلتكم هذه صبحكم العذاب، فأبلغهم ذلك فأبوا
_________________
(١) (حتى تشدد) ليست في "أ".
(٢) في "أ": (عني).
(٣) في الأصل: (الحزن).
(٤) في الأصل: (فأبوا عليه)، وفي "ب": (فأبوا).
(٥) في "ب": (فأوحى الله إليه).
[ ٣ / ٩٥٧ ]
فتزود زادًا وخرج من عندهم، فلما فقدوه ندموا على صنيعهم وقالوا: أي شيء صنعنا، ثم انطلقوا يطلبونه فلم يجدوه فأتوا علماءهم وذكروا لهم أمره وأمرهم، فقالت العلماء: انظروا في المدينة فإن كان بها فليس مما قال لكم شيء لأنه لم يكن يجلس فيها والعذاب ينزل بها، وإن كان قد خرج فهو كما قال والعذاب مصبحكم، قال: فطلبوه، فقيل لهم: قد رأيناه خرج بالعشي منطلقًا، فسأل بنى إسرائيل عنه، فقالوا: ما قال لنا شيئًا إلا كما قال لكم، فلما أمسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم ولا غنمهم، وعزلوا الوالدة عن ولدها والوالد عن ولده، وعزلوا النساء والصبيان، وكذلك الأولاد من الأمهات من البقر والغنم، قاموا ينتظرون الصبح، فلما انشق الصبح نظروا إلى العذاب ينزل من السماء وهو شيء أحمر فشقوا جيوبهم ووضع الحوامل وما في بطونها وصاحت الصبيان، وثغت الأغنام وخارت البقر وجعل العذاب ينزل عليهم حتى غشيهم ووجدوا حرَّه في أكتافهم ثم وقع عنهم.
فبعثوا إلى يونس بن متى (١) -﵇- (٢) فأتاهم فآمنوا به وصدّقوه وبعثوا معه بني إسرائيل (٣) فذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ نقول: رفعنا عنهم العذاب تقديرًا لهم ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ يقول: وأجلناهم إلى الموت، عرف الله الصدق منهم فرفع العذاب عنهم ولم يقبله من غيرهم، وعن محمَّد بن المنكدر أنه بلغه أن الحوت لما التقم يونس -﵇- أوحى الله إلى الحوت أن لا تخدش له لحمًا ولا تكسرله عظمًا.
(جميعًا) نصب على التأكيد بعد التأكيد، ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لست تكرههم (٤) ليؤمنوا.
_________________
(١) (بن متى) ليست في "أ".
(٢) (السلام) ليست في "ي".
(٣) ذكر هذه القصة مطولة ابن الجوزي في تفسيره (٢/ ٣٥١).
(٤) في الأصل: (أكرههم).
[ ٣ / ٩٥٨ ]
﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ أي: تفكروا (١) (ما) للاستفهام، ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ أمر تهديد، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أخبرناك ينجي المؤمنين وعدنا وعدًا ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ كانت قريش في شك في دينه -﵇- يسمونه الصابي مرة وابن أبي كبيشة أخرى ويرجون أنه سيرجع إلى دينهم فأنزل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ فاعلموا أنه ما أشرحه وأبيّنه وأذكره لكم ﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ وأمرت أن أقيم، فإن ترجمة للأمر ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أي: يمسك بضر، الباء لتعدية الفعل، ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يدل أن حقيقة الرحمة هي إرادة الخير دون النعمة ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أراد بالحكم آية السيف أو يوم الفتح.
_________________
(١) (أي تفكروا) ليست في الأصل
[ ٣ / ٩٥٩ ]