خلت نسخ الكتاب المخطوطة من مقدمة للمؤلف يذكر فيها اسم كتابه ومنهجه فيه. وقد ثبت على صفحة العنوان في نسخة الأصل أن اسم الكتاب: (درج الدّرر في تفسير القرآن العظيم)، والاسم المثبت على صفحتي العنوان في نسختي ك وب: (تفسير القرآن العظيم المسمى بدرج الدرر)، وفي نسخة ع: (درج الدرر تفسير القرآن العظيم)، وهي متقاربة جدّا.
وأجمعت النّسخ الأربع على نسبة الكتاب إلى عبد القاهر الجرجانيّ.
وأول من ذكر اسم الكتاب حاجي خليفة ولكنه لم يجزم بنسبته إلى عبد القاهر الجرجانيّ، قال (١): «درج الدرر في التّفسير، مختصر للشيخ عبد القاهر الجرجاني ظنّا»، وظنّ حاجي خليفة لا يبدو قائما على تثبّت أو اطّلاع على مادّة الكتاب؛ لأنّه كان قبل ذلك أدرج ضمن التّفاسير «تفسير عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني»، ولكنّه ذكر أنّه «مختصر في مجلد ولعلّه تفسير الفاتحة» (٢). وقوله هذا دليل على عدم اطّلاعه على الكتاب، إذ لو كان ذلك لعرف أنّه ليس تفسير الفاتحة.
وذكر إسماعيل باشا البغداديّ ضمن تصانيف عبد القاهر الجرجانيّ «درج الدّرر في تفسير الآي والسّور، دلائل الإعجاز في المعاني والبيان، شرح الفاتحة في مجلّد» (٣)، وهذا يعني بوضوح أنّ (درج الدرر) غير تفسير الفاتحة.
والعنوان الذي ذكره البغداديّ للكتاب يبدو الأقرب إلى طريقة كثير من القدماء في إطلاق تسميات مسجوعة على تآليفهم، ولكنّ نسخ المخطوطة الأربع لم تذكر العنوان بهذه الصّيغة، ولعلّ البغداديّ اطّلع على نسخة، أو نسخ أخرى من الكتاب لم تصل إلى خزائن مكتبات المخطوطات العامّة.
وفي أثناء تحقيق الكتاب تكشّفت لي قرائن مهمّة تؤيّد الشّكّ في صحّة نسبة الكتاب إلى عبد القاهر الجرجانيّ، وتفصيلها على النحو الآتي:
_________________
(١) كشف الظنون ١/ ٧٤٥.
(٢) كشف الظنون ١/ ٤٥٣.
(٣) هدية العارفين ١/ ٦٠٦.
[ ١ / ١٥ ]
من المعلوم أنّ الذين ترجموا لعبد القاهر ذكروا أنّه شافعيّ المذهب (١)، ولكنّ مؤلّف (درج الدّرر) حنفيّ، يشهد على ذلك تقديمه آراء الحنفيّة الفقهيّة، واقتصاره عليها في أحيان كثيرة، وربّما ذكر اختلاف أبي حنيفة وصاحبيه، ويذكر أحيانا آراء الحنفيّة في مقابلة آراء الشّافعيّة مبيّنا كونها خلافا لهم، وربّما قال عند عرض آرائهم: «وعندنا». ومن الأمثلة على ذلك ذكره رأي أبي حنيفة في أنّ (الصّابئين) أهل كتاب، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ﴾ [البقرة:٦٢] وذكر مخالفة صاحبيه له وعدّهما (الصّابئين) عبدة الكواكب، واكتفاؤه بذلك (٢). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة:١٥٨] بيّن حكم ترك السّعي بينهما بقوله: «والسّعي سنّة يجب بتركه الدّم عندنا، وعند الشافعيّ واجب يلزمه العود لها» (٣). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] بيّن رأي الحنفيّة في النّفي المذكور في الآية بقوله: «والنّفي عندنا بالحبس حيث يستصوبه الإمام»، وتحدّث عن الصّلب فقال: «والصّلب بعد القتل»، ثمّ نقل عن أبي حنيفة «أنّه يصلب حيّا ثمّ يطعن في نحره» (٤). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] قال: ﴿وَالْمَساكِينِ:﴾ أهل التّرحّم والرّأفة، وهم أسوأ حالا من الفقراء عندنا» (٥)، وهذا الذي ذكره قول الحنفيّة.
وعبد القاهر الجرجانيّ بصري، وقد بلغ من عنايته بكتاب الإيضاح لأبي عليّ الفارسيّ، أحد أئمّة البصريّين، أن شرحه شرحا مبسوطا في نحو ثلاثين مجلدا وسمّاه (المغني)، ثمّ لخّص هذا الشّرح في كتابه (المقتصد في شرح الإيضاح)، واختصر (الإيضاح) في كتابه (الإيجاز) (٦). أمّا مؤلّف (درج الدرر) فلم ينقل عن أبي عليّ إلا في موضع واحد من الجزء الذي حقّقته من الكتاب (٧). وهو أكثر ميلا إلى الكوفيّين، فهو يعتدّ بآرائهم، ويقدّمها في كثير من الأحيان على آراء البصريّين، وقد يكتفي بها. وثمّة تفصيل أوفى عن مذهبه النّحويّ في الكلام على موقفه من الكوفيّين والبصريّين في الفصل الثّالث من هذه الدراسة.
_________________
(١) ينظر: العبر في خبر من غبر ٣/ ٢٧٩، وطبقات الشافعية الكبرى ٥/ ١٤٩، وطبقات الشافعية ٢/ ٢٥٢.
(٢) ينظر: درج الدرر ٧٤.
(٣) درج الدرر ١٧٧.
(٤) درج الدرر ٤٨٥.
(٥) درج الدرر ٧٠٢.
(٦) ينظر: كشف الظنون ١/ ٢١٢.
(٧) ينظر: درج الدرر ٢٦٦.
[ ١ / ١٦ ]
والكتاب يخلو من أيّ إشارة إلى نظريّة النّظم (١) التي عرف بها عبد القاهر الجرجانيّ، بل إنّ في الكتاب آراء مناقضة لها، إذ ورد في عدّة مواضع منه أنّه لم يقل كذا لوفق رؤوس الآي، منها في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥] قال: «وإنّما لم يقل: ظالمين، لوفق رؤوس الآي» (٢). وفي قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] قال: «وتقديره: خاسئين قردة، وإلا يقال: قردة خاسئة، لكن التقديم والتأخير لوفق رؤوس الآي» (٣). وفي قوله تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاِتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٧٦) [آل عمران:٧٦] قال: «وإنّما لم يقل: فإنّ الله يحبّه لنظم الآي» (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ [آل عمران:١٩٢] قال: «وإنّما قال: ﴿مِنْ أَنْصارٍ،﴾ ولم يقل: من ناصر، لنظم رؤوس الآي، أو مقابلة للظّالمين» (٥). ونظرية النّظم تناقض هذه الأقوال، ويتبيّن ذلك من قول الجرجانيّ: «واعلم أن ليس النّظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو، وتعمل على قوانينه وأصوله» (٦). فالتّقديم والتّأخير، أو تغيير التّركيب لوفق رؤوس الآي لا يتّفق مع قوله: «أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو».
وقد يجاب عن كلّ ما سبق بأنّ عبد القاهر ربّما ألّف (درج الدرر) في بداية حياته العلميّة، وقبل أن يستوي في تفكيره مفهوم نظريّة النّظم، وأنّه كان حنفيّا ثمّ صار شافعيّا، وليس هذا بدعا بين العلماء قبله وبعده، وأنّه كان يميل إلى آراء الكوفيّين ثمّ استقرّ بعد ذلك على المذهب البصريّ. وأنّ هذا كلّه كان في المرحلة التي ينطبق عليه فيها ما وصفه به القفطيّ من أنّه «كان ضيّق العطن، لا يستوفي الكلام على ما يذكره مع قدرته على ذلك» (٧).
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى عبارة مهمّة أوردها المؤلف في القسم الثاني من الكتاب، ففي حديثه عن اسمه تعالى (البارئ) عند الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ﴾ [الحشر:٢٤] قال: «وقد استوفينا الكلام في الأسماء في مفتاح الهدى» (٨)، فهو يذكر هنا كتابا له اسمه (مفتاح الهدى)، ولم أقف على ذكر لهذا الكتاب في المصادر التي بين يدي. ومن المعلوم أنّ
_________________
(١) ينظر في نظرية النظم: دلائل الإعجاز ٧٦ - ٨١.
(٢) درج الدرر ٤٠.
(٣) درج الدرر ٧٩.
(٤) درج الدرر ٣٢٣.
(٥) درج الدرر ٣٧٥.
(٦) دلائل الإعجاز ٧٧.
(٧) إنباه الرواة ٢/ ١٨٨.
(٨) درج الدرر (المخطوط) ورقة ٣٠٨.
[ ١ / ١٧ ]
لعبد القاهر كتابا اسمه (المفتاح في الصرف) (١)، ولم أجد فيه أيّ شيء عن اشتقاق أسماء الله الحسنى، وهذا يعني أنّه لا علاقة لمفتاح الهدى بمفتاح عبد القاهر الجرجانيّ. ولم يذكر المؤلّف (مفتاح الهدى) هذا في غير ذلك الموضع، ولم يشر إليه عند الحديث عن اشتقاق اسم الجلالة (الله) في بداية سورة الفاتحة (٢).
وليس في الجزء الذي حقّقته من الكتاب ما يدلّ على اسم مؤلّفه، ولم يذكر المؤلّف أحدا من شيوخه ليستدلّ بذكره عليه. أمّا محمد بن الحسن الذي ذكر في أثناء حديثه عن اشتقاق اسم الجلالة في سورة الفاتحة (٣) فيبعد أن يكون شيخ عبد القاهر الجرجانيّ؛ لأنّ المصادر اختلفت في تسميته، ففي معظم مصادر ترجمة الجرجانيّ أنّه محمد بن الحسن، وفي مصادر ترجمة شيخه أنّه محمد بن الحسين، وقد أشرت إلى ذلك عند الحديث عن شيوخه. وثمّة سبب آخر يبعد أن يكون محمد بن الحسن المذكور شيخ عبد القاهر، وهو أنّه لم يذكر غير مرّة واحدة، وهذا يناقض ما قيل في مصادر ترجمة الجرجانيّ من أنّه «كان يحكي عنه كثيرا» (٤)، وهو قول يؤيّده ما نجده في كتاب (المقتصد في شرح الإيضاح) من كثرة نقله عن شيخه، وتسميته بالشّيخ أبي الحسين، أو شيخنا أو الشّيخ ﵀، وعدم ذكره باسمه فقط (٥).
والأرجح أنّ المؤلّف من عصر عبد القاهر الجرجانيّ، أي أنّه من علماء القرن الخامس الهجريّ؛ لأنّ الكتاب خلا من أيّة نقول عن علماء بعد القرن الرّابع، فآخر علم ورد ذكره في الكتاب على وجه اليقين أحمد بن فارس (ت ٣٩٥ هـ) الذي لم يذكر في الجزء الذي حقّقته، ولكنّه ذكر بعد ذلك ستّ مرات: واحدة في الحديث عن الآية ٣٢ من سورة لقمان (٦)، وأخرى في الحديث عن الآية ٥٧ من سورة النجم (٧)، وذكر مرّتين في سورة الحاقّة عند الحديث عن الآيتين ٣٦ و٤٦ منها (٨)، ومرّة عند الحديث عن الآية الثّامنة من سورة المدّثّر (٩)، والمرّة الأخيرة عند الكلام على الآية العاشرة من سورة الشّمس (١٠).
_________________
(١) ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ١٥٠، وطبقات المفسرين ١/ ٣٣١، وكشف الظنون ٢/ ١٧٦٩.
(٢) ينظر: درج الدرر ١ - ٢.
(٣) درج الدرر ١ - ٢.
(٤) نزهة الألباء ٢٦٤.
(٥) ينظر أمثلة على ذلك في المقتصد ١/ ٩٧، و١٠٥، و١٢٢، و١٣٥، و١٤٢، و١٥١، و١٥٦، و١٥٧، و١٨٩، و١٩٤، و١٩٥، و١٩٧، و٢١٤، و٢١٥، و٢٢١، و٢٤٩، و٢٩٠، و٤٠٤، و٤٠٩.
(٦) درج الدرر (المخطوط) ورقة ٢٦٠.
(٧) درج الدرر (المخطوط) ورقة ٣٠٢.
(٨) درج الدرر (المخطوط) ورقة ٣١٤.
(٩) درج الدرر (المخطوط) ورقة ٣١٦.
(١٠) درج الدرر (المخطوط) ورقة ٣٢٤.
[ ١ / ١٨ ]
وكون مؤلّف الكتاب قريبا من عصر عبد القاهر ينفي ما يمكن أن يتوهّم من نسبته إلى الشّريف الجرجانيّ، عليّ بن محمد، المتوفّى في سنة ٨١٦ هـ (١). وهو وهم يمكن أن يستشفّ ممّا ذكره بروكلمان بعد قوله عن (درج الدرر): «وهو تفسير القرآن»، إذ نفى نسبته إلى الشّريف فقال: «وينسب خطأ للشّريف» (٢). ونفيه هذا يوحي أنّ هناك من يتوهّم النّسبة إليه. ويؤكّد النّفي الذي ذهب إليه بروكلمان أنّ الشريف الجرجانيّ توفّي في سنة ٨١٦ هـ، وقد أسلفت أنّ (درج الدرر) خلا من أيّة نقول عن علماء بعد القرن الرابع، ولو كان الشريف مؤلف الكتاب فلا يعقل ألا ينقل عن أعلام بعد ذلك القرن، ولا سيّما الزّمخشريّ الذي ألّف الشريف حاشية على أوائل كشّافه (٣).
وثمّة عبارة وردت في النّصّ المحقّق مرّتين، وهي عبارة «قال الأمير» (٤). ولعلّها أهمّ إشارة يمكن الاستدلال بها على المؤلف. وقد يكون الأمير المؤلف نفسه، فليس بدعا في كتب القدماء أن يذكر المؤلف باسمه أو بلقبه في كتابه؛ لأنّ كثيرا من تلك الكتب كان إملاء من مؤلفيها على تلامذتهم الذين نشروا كتب شيوخهم فيما بعد، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: (معاني القرآن) للفراء الذي ترد فيه كثيرا عبارة «قال الفراء»، أو «حدثنا الفراء» (٥)، ومثل هذا نجده أيضا في (إصلاح المنطق) لابن السّكّيت، أبي يوسف يعقوب بن إسحق (ت ٢٤٤ هـ)، إذ تكثر في الكتاب عبارة «قال أبو يوسف» (٦).
ولأهميّة هذه العبارة بحثت في المصادر عمّن يلقّب بالأمير من علماء القرن الخامس، فلم أجد غير ابن ماكولا (٧)، الأمير سعد الملك أبي نصر عليّ بن هبة الله بن عليّ بن جعفر، صاحب (الإكمال) المتوفّى في سنة نيّف وسبعين، أو نيّف وثمانين وأربع مئة للهجرة، أي أنّه من عصر عبد القاهر الجرجانيّ، أو بعبارة أخرى، هو من عصر مؤلف (درج الدرر) الذي رجّحت آنفا أنّه من القرن الخامس.
وهو من أسرة مقرّبة من الخلفاء، «ووزّره أبوه أبو القاسم هبة الله للإمام القائم بأمر الله، وتولّى عمّه أبو عبد الله الحسين بن علي قضاء بغداد» (٨). وهذا يعني أنّ الأمير ابن ماكولا نفسه
_________________
(١) ينظر في ترجمته: الضوء اللامع ٥/ ٣٢٨، والبدر الطالع ١/ ٤٨٨، وأبجد العلوم ٣/ ٥٧.
(٢) تاريخ الأدب العربي ٥/ ٢٠٧.
(٣) ينظر: البدر الطالع ١/ ٤٨٨، وأبجد العلوم ٣/ ٥٧.
(٤) درج الدرر ٦١٦، و٧٢٧.
(٥) ينظر على سبيل المثال: معاني القرآن ١/ ٢١، و٢٢،١٥٦،٣٣٨،٣٦٧.
(٦) ينظر على سبيل المثال: إصلاح المنطق ١٨، و٦٦، و٩٢، و١٠١، و١٠٥.
(٧) ينظر في ترجمته: الكامل في التاريخ ٨/ ٤٩١، ووفيات الأعيان ٣/ ٣٠٥، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٥٦٩، والنجوم الزاهرة ٥/ ١١٥، وطبقات الحفاظ ٤٤٣، وشذرات الذهب ٣/ ٣٨١.
(٨) وفيات الأعيان ٣/ ٣٠٥.
[ ١ / ١٩ ]
كان مقرّبا من الحكّام أيضا، إذ بعثه «المقتدي بالله رسولا إلى سمرقند وبخارى لأخذ البيعة له على ملكها» (١). وفي (درج الدرر) عبارة توحي بميل مؤلّفه إلى خلفاء عصره، ففي أثناء تفسيره الآية ١٥٠ من سورة الأعراف قال: «وفي الآية دلالة أنّ صبر الخليفة على جنايات قومه والتّغافل عنها جائز لابتغاء المصلحة كمنابذته ومضاجرته إيّاهم، ولذلك يصبر خلفاء نبيّنا ﷺ من آل عبّاس على قبائح هذه الأمّة وافتراق أهوائها» (٢). ولا بدّ هنا من العودة إلى عبد القاهر الجرجانيّ مرّة أخرى، إذ ليس في مصادر ترجمته ما يشير إلى قربه من حكام عصره، بل إنّ تلك المصادر تنقل عنه بيتين من الشّعر يظهر فيهما تبرّمه بزمانه الذي لم يعد فيه حظّ للعلماء والعقلاء، وإنّما صار زمان السّفهاء والجهّال، بحسب رأيه، يقول (٣):
كبّر على العقل (٤) لا ترمه
ومل إلى الجهل ميل هائم
وعش حمارا تعش سعيدا فالسّعد في طالع البهائم
وواضح أنّ مثل هذه السّخرية المرّة قد لا تصدر إلا عمّن رأى أنّ أولي الأمر يقرّبون الجهلة، وينبذون العلماء.
وابن ماكولا «تتبّع الألفاظ المشتبهة في الأسماء والأعلام، وجمع منها شيئا كثيرا» (٥)، وهو «النّسّابة صاحب التّصانيف» (٦)، وكتابه (الإكمال) «في غاية الإفادة في رفع الالتباس، والضّبط والتّقييد، وعليه اعتماد المحدّثين وأرباب هذا الشّأن، فإنّه لم يوضع مثله، ولقد أحسن فيه غاية الإحسان» (٧). «ولا يحتاج هذا الأمير بعده إلى فضيلة أخرى، ففيه دلالة على كثرة اطّلاعه وضبطه وتحريره وإتقانه» (٨). ومؤلّف (درج الدّرر) كان مشغوفا بالرّوايات التاريخيّة، واستقصاء الأسماء إلى حدّ ذكر أسماء أبناء إبراهيم ويعقوب ﵉ وحتى توأمتي قابيل وهابيل (٩).
ورغم أنّ مصادر ترجمة ابن ماكولا ذكرت أنّه «كان نحويّا مجوّدا وشاعرا مبرّزا» (١٠)، لم
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٨/ ٥٧٥.
(٢) درج الدرر ٦٢٣ - ٦٢٤.
(٣) ينظر: طبقات الشافعية ٢/ ٢٥٣، وشذرات الذهب ٣/ ٣٤٠.
(٤) في بعض المصادر: العلم، ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ١٥٠، والبلغة ١٢٧.
(٥) وفيات الأعيان ٣/ ٣٠٥.
(٦) العبر في خبر من غبر ٣/ ٣١٩.
(٧) وفيات الأعيان ٣/ ٣٠٥.
(٨) البداية والنهاية ١٢/ ١٥٢.
(٩) سيأتي مزيد بيان لذلك عند الكلام على منهجه.
(١٠) سير أعلام النبلاء ١٨/ ٥٧٥، وطبقات الحفاظ ٤٤٣.
[ ١ / ٢٠ ]
أقف في هذه المصادر على تآليف له في النّحو. والأهمّ من ذلك كلّه أنّ مصادر ترجمة ابن ماكولا التي وقفت عليها لم تذكر له تفسيرا.
وإلى أن يظهر دليل قطعيّ، ينفي أو يثبت، يظلّ (درج الدّرر في تفسير القرآن العظيم) منسوبا إلى عبد القاهر الجرجانيّ.