بعد أن يفسر المفسّر الآية بالآيات الأخرى من القرآن الكريم، ثم بما صح من أحاديث عن النبي ﵇، ينتقل إلى المرحلة الثالثة، وهي البحث عن أقوال الصحابة رضوان الله عليهم، فإن وجد أقوالا صحيحة عنهم اعتمدها وقال بها في تفسير الآية، فإن الصحابة أدرى الناس بالقرآن؛ لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها عن غيرهم، ولما لهم من الفهم والعلم الصحيح، ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم ﵃.
ويكون اعتماد المفسّر على الصحيح منها، لأن كثيرا من الأقوال لا تصح نسبتها إليهم، وقد يتعارض بعضها مع ظاهر كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ، فهي كالحديث النبوي الشريف منها الصحيح والضعيف والموضوع.
وقد اهتم المؤلف بهذا النوع اهتماما بالغا، إذ نقل من أقوال الصحابة في تفسير كتاب الله تعالى الكثير، وقد اتبع في ذلك أساليب مختلفة، منها:
١ - يفسر آية بقول صحابي: مثال ذلك: «قيل: جاء يهوديّ إلى عمر بن الخطّاب فقال:
أرأيت قوله: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ،﴾ الآية [آل عمران:١٣٣]، فقال عمر لأصحاب محمّد ﷺ: أجيبوه، ولم يكن عندهم فيها شيء، فقال: أرأيت النهار إذا جاء يملأ السموات والأرض، قال: بلى، قال: فأين الليل؟ قال: حيث شاء الله، فقال عمر: والنّار حيث شاء الله، فقال اليهوديّ: والذي نفسك بيده، يا أمير المؤمنين، إنّها لفي كتاب الله المنزل كما قلت» (٣).
٢ - يورد أكثر من قول للصحابة في معنى الآية: في تفسيره قول الله تعالى: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء:٥١]، يذكر عن ابن عباس: أنه الموت يوم بدر. وعن عبد الله بن عمرو: المراد به البعث. (٤)
٣ - يستشهد بقول الصحابي على معنى كلمة نحو: «قيل لعليّ: هلا احترزت من ظهرك؟ قال:
_________________
(١) درج الدرر ٣٤٤.
(٢) درج الدرر ١٧٤.
(٣) الأصل (٧٤ و).
(٤) درج الدرر ١٦٠.
[ ٢ / ٢٣ ]
فإذا أمكنت من ظهرك، فلا وألت» (١)، وذلك في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَوْئِلًا﴾ [الكهف:٥٨].
يفسر كلمة بقول صحابي: ومنها ما جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل:٧٢] «عن ابن عباس قال: البنون: الصغار، والحفدة: ما قد أعان والده على عمله. (٢) وقال ابن مسعود: البنون: الأولاد، والحفدة: (١٨٣ و) الأختان» (٣).
٤ - يستشهد كثيرا جدّا بأقوال ابن عباس ﵄، ولكنه كثيرا ما يذكر قوله عن طريق: الكلي عن أبي صالح عن ابن عباس، والأمثلة عليه كثيرة، منها: عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٥]، يقول: «وروى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن السامري كان من جملة صبيان غيّبهم الآباء والأمهات مخافة أن يذبحهم فرعون، فربّتهم الملائكة، وكان جبريل هو الذي تولى تربية السامري، فكان يمص إبهام يمينه سمنا، والأخرى عسلا ولبنا، فمن ثم عرفه حين رآه، فقبض قبضة من أثره». (٤) ومن المعروف أن رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس من أضعف الروايات وأوهاها، فلا يستشهد بها.
٥ - ويستشهد بقول صحابي على معنى تدل عليه الآية: يروي عن عمر بن الخطاب قوله:
لخطيئة أصبتها بمكة أعز عليّ من سبعين خطيئة أصبتها بركبة. (٥) وذلك في معرض تفسيره قول الله تعالى: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج:٣٠].
٦ - يستشهد بقول صحابي على أهمية سورة: عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها﴾ [النور:١]، يروي عن عمر بن الخطاب أنه كتب: علموا نساءكم سورة النور. (٦)
٧ - يذكر قولين متعارضين لصحابي ويوفق بينهما: ففي تفسيره قول الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٥) [السجدة:٥] يورد قولين لابن عباس في تفسير مقدار اليوم فالقول الأول هو: في يوم من أيام الدنيا، ولو سار أحد من بني آدم لم يسره في ألف سنة. (٧) والقول الثاني هو ما جاء في تفسيره قول الله تعالى ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]:
«وعن ابن أبي مليكة قال: مررت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان على ابن عباس فسلّمنا عليه، فقال لصاحبي: من أنت؟ فانتسب له فعرفه فقال: يا أبا العباس، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٤) [المعارج:٤]، أيّ يوم هذا؟ فقال:
_________________
(١) درج الدرر ٢٠٢.
(٢) ينظر: الدر المنثور ٥/ ١٣١.
(٣) درج الدرر ١٢٨.
(٤) درج الدرر ٢٥٦، وينظر: درج الدرر ٢٨٤ و٣٧٢.
(٥) درج الدرر ٣٠٨.
(٦) درج الدرر ٣٢٩.
(٧) درج الدرر ٤٤٣.
[ ٢ / ٢٤ ]
إنّما سألتك لتخبرني، قال: فهي أيّام سمّاها الله تعالى في كتابه، وهو أعلم بها، أكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم، قال ابن أبي مليكة: فضرب الدهر ضربة، فجلست إلى سعيد بن المسيّب، سئل عن المسألة، فلم يدر ما يقول، فقلت له: ألا أخبرك بما شهدته من ابن عباس؟ ثمّ ذكرته له، فسرّى ذلك عنه، وقال: هذا ابن عباس قد اتّقى أن يقول فيها وهو أعلم منّي». فيقول في سورة السجدة: «وهذه الرواية مخالفة لما سبق عن ابن عباس في هذا الباب، فإن صحت فيحمل:
أنه فسّر هذه الآية لتوقيف، أو لدلالة قامت له. ويحتمل: أن ما سبق قوله الأول، وهذا قوله الثاني استفاده من عليّ أو أبيّ أو غيرهما، أو فتح عليه بالإلهام، وأدركته دعوة النبي ﵇: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (١)».
يمكن القول بأن المؤلف رحمه الله تعالى قد أكثر بالأخذ بأقوال الصحابة، ولكن لم يمحص هذه الأقوال تمحيصا تامّا، فذكر الصحيح منها والضعيف والموضوع، كما أنه أورد الإسرائيليات على ألسنة الصحابة، التي تجعل القارئ يحذر كثيرا من مثل هذه الأقوال.