معلوم أنّ الفرّاء من أشهر أئمّة المدرسة الكوفيّة، ولأنّ المؤلّف يميل إلى الكوفيّين فقد أكثر من نقل آراء الفرّاء النّحويّة والصّرفيّة واللّغويّة، بل إنّه قد يكتفي برأيه ولا يذكر غيره، وكان يعزو هذه النّقول إلى الفرّاء في كثير من المواضع، ولكنّه نقل عنه آراء كثيرة أيضا بلا عزو.
فعند حديثه عن أصل (صيّب) في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة:١٩] نقل رأي الفراء فقال: «وأصل الصيّب صيوب، وعند الفرّاء صويب» (٧).
_________________
(١) درج الدرر ١٤٢ - ١٤٣.
(٢) درج الدرر ٢٥١.
(٣) درج الدرر ٣٢٠.
(٤) درج الدرر ٣٣٣.
(٥) درج الدرر ٤٠٦.
(٦) درج الدرر ٦٩٦.
(٧) درج الدرر ١٨.
[ ١ / ٣٣ ]
وفي توجيه قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة:٤١] ذكر رأي الفراء فقال: «وقال الفرّاء: تقديره: أوّل من كفر به» (١).
وقد يقدّم رأي الفراء، ويوحي بضعف غيره إذ يسوقه بصيغة التمريض: قيل، كما فعل في أثناء حديثه عن قوله تعالى: ﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى﴾ [البقرة:٧٣] إذ قدّم رأي الفراء في أصل (ميّت) وبدا كأنّه يضعّف الرّأي الآخر فقال: «و(الموتى): جمع ميّت، وأصله عند الفرّاء: مويت، كصريع وصرعى، وجريح وجرحى، فاستثقلت الكسرة على الواو والخروج من الواو إلى الياء، فجعل ياء، فأدغمت الياء في الياء. وقيل: أصله: ميوت» (٢).
وربّما نقل عنه أكثر من رأي في المسألة الواحدة، كما فعل في توجيه إعراب (لا تعبدون) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ [البقرة:٨٣] إذ قال: «وفي أحد أقوال الفرّاء أنّه خبر بمعنى النهي، وكون الخبر بمعنى النهي ككونه بمعنى الأمر في قوله تعالى: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣]، ولهذا قرأ أبيّ: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله). وفي قوله الآخر: جواب القسم، إذ الميثاق هو العهد الموثّق باليمين، يدلّ عليه قراءة ابن مسعود: (لا نعبد) بالنون» (٣).
وفي كلامه على قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ﴾ [الأعراف:١٤٥] نقل عن الفراء «أنّها كانت لوحين، ويجوز أن يعبّر عن الاثنين بلفظ الجماعة، كقوله: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النّساء:١١]» (٤).