موقفه من الكوفيين والبصريين
من خلال القراءة المتأنّية لكتاب (درج الدرر) يتبيّن أنّ مؤلّفه أكثر ميلا إلى المدرسة الكوفيّة، فنراه يقدّم آراء الكوفيّين، وربّما اكتفى بها، أو بتفسيرها، ولا سيّما آراء الفرّاء، أحد أشهر أئمّة الكوفيّين. ولكنّ هذا لا يعني إغفاله آراء البصريّين التي قد يعرضها مع آراء الكوفيّين، وقد يفصّل في توضيحها، وربّما رجّحها على غيرها، ولكنّ ترجيحه هذا قد لا يكون ميلا إلى مذهب نحويّ، وإنّما انسجاما مع مذهبه الفقهيّ. ويمكن تبيان ما ذهبنا إليه من خلال الأمثلة على النّحو الآتي:
في قوله تعالى: ﴿ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا﴾ [البقرة:٢٦] قدّم رأي الكوفيّين في انتصاب (مثلا) على القطع، ووضّحه بما يوحي أنّه رأيه، ثمّ أردفه بذكر رأي البصريّين، فقال: ﴿مَثَلًا:﴾
انتصب على القطع، فكأنّه قال: بهذا المثل، فلمّا قطعت الألف واللام انتصب، وعند البصريين انتصب على الحال، كقوله: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود:٧٢]» (١).
وفي قوله تعالى: ﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى﴾ [البقرة:٧٣] تحدّث عن أصل (ميّت) عند الفراء، وفصّل فيه، أمّا رأي البصريّين فأوجزه بكلمتين، وأورده بصيغة (قيل)، فقال: «و(الموتى): جمع ميّت، وأصله عند الفرّاء: مويت، كصريع وصرعى، وجريح وجرحى، فاستثقلت الكسرة على الواو والخروج من الواو إلى الياء، فجعل ياء، فأدغمت الياء في الياء. وقيل: أصله: ميوت» (٢).
وقدّم قول الكوفيّين أيضا، وأتبعه بقول البصريّين في كلامه على انتصاب ﴿(مُصَدِّقًا)﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة:٩١]، فقال: «و﴿مُصَدِّقًا:﴾
نصب على القطع كوفيّا، وعلى الحال بصريّا» (٣). وفعل مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّارًا﴾ [البقرة:١٠٩]، فقال: ﴿كُفّارًا:﴾
نصب على القطع؛ لأنّه جاء بعد تمام الكلام، وعند البصريّين نصب على الحال» (٤).
وفي كلامه على (أشياء) في قوله تعالى: ﴿لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
_________________
(١) درج الدرر ٢٩.
(٢) درج الدرر ٨٦.
(٣) درج الدرر ١٠٣.
(٤) درج الدرر ١٣١.
[ ١ / ٥٧ ]
[المائدة:١٠١] اكتفى بتفسير قول الفراء: إنّ أصل (شيء) (شيّئ)، فقال: «و﴿أَشْياءَ:﴾ جمع شيء، وشيء في الأصل شئيء على وزن شفيع، فليّنت الهمزة الأولى وأدغمت كما في ميّت وهيّن فصار شيّئا ثم استخفّ بحذف المدغم» (١)، وأعرض عن ذكر الأقوال الكثيرة في وزن (أشياء) نفسها. واكتفاؤه بتفسير قول الفراء يوحي بموافقته له في ما ذهب إليه.
وقد يذكر رأي البصريّين وحدهم ويفصّل فيه، كما فعل في حديثه عن الضّمير المنفصل في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥] إذ قال: «و(أنت) للتّأكيد، كقوله: ﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ [طه:٤٢]، وقوله: ﴿فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون:٢٨]»، ثمّ ذكر أنّ ذلك موافق لرأي البصريّين وفصّل فيه، ولم يذكر غيره فقال: «وإنّما اقتضى هذا التّوكيد عطف الظّاهر المرفوع على الضّمير المرفوع في الفعل، إذ ليس يجوز ذلك عند البصريّين إلا بالتّأكيد بضمير مرفوع منفصل، أو بنوع فاصل كقوله: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا﴾ [الأنعام:١٤٨]، ولم يقل: وآباؤنا» (٢).
وممّا وافق فيه البصريّين خلافا لمذهب الكوفيّين، ذهابه إلى أنّ الواو لا تفيد التّرتيب، وكرّر ذلك في أكثر من موضع. ففي قوله تعالى: ﴿يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاُسْجُدِي وَاِرْكَعِي﴾ [آل عمران:٤٣] قال: «وتقديم السّجود لا يوجب تقديمه على الرّكوع؛ لأنّ الواو للجمع والاشتراك دون التّرتيب؛ لأنّ الواو في الاسمين المختلفين كالنّسبة في المتّفقين، وإنّما بدئ بالصّفا (٣) لقوله:
(ابدؤوا بما بدأ الله به)» (٤). وكرّر ذلك مرّتين عند حديثه عن قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ﴾ [النّساء:١٦٣] فقال: «وقدّم عيسى على أيّوب ويونس تشريفا له لكونه من جملة أولي العزم، والواو لا توجب التّرتيب» (٥)، ثمّ قال عن يونس ﵇ أيضا: «وإنّما قدّمه على هارون وداود وسليمان؛ لأنّ الواو لا توجب التّرتيب» (٦). ولكنّ هذه الموافقة للبصريّين لم تكن انتصارا لمذهب نحويّ، بل جاءت انتصارا لمذهبه الفقهيّ، وموافقة لما ذهب إليه جمهور أصحابه من الحنفيّة الذين يرون أنّ الواو لا توجب التّرتيب، وهذا ما نقل الزركشيّ «أنّه قول الحنفيّة
_________________
(١) درج الدرر ٥١٠.
(٢) درج الدرر ٣٩.
(٣) إشارة إلى قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ [البقرة:١٥٨].
(٤) درج الدرر ٣١٠.
(٥) درج الدرر ٤٦٠.
(٦) درج الدرر ٤٦٠.
[ ١ / ٥٨ ]
بأسرهم» (١).
أمّا المصطلحات فأكثرها بصريّة، وهذا غير مستغرب لدى علماء القرن الخامس وما بعده، ولكنّه استعمل أيضا كثيرا من مصطلحات الكوفيّين، كالكناية (٢)، والعماد (٣)، والصّرف (٤)، والقطع (٥)، والتّفسير (٦)، والنّعت (٧)، والنّسق (٨)، والجحد (٩). وربّما استعمل المصطلحين للتّعبير عن الشّيء الواحد في مواضع مختلفة، كاستعمال الضّمير مكان الكناية (١٠)، والصّفة مكان النّعت (١١)، والعطف مكان النّسق (١٢).
_________________
(١) البحر المحيط في أصول الفقه ٢/ ٢٥٤، وينظر: واو العطف وأثره في اختلاف الأصوليين والفقهاء ١٦٠ - ١٦٥ (ضمن مجلة كلية العلوم الإسلامية).
(٢) ينظر أمثلة على ذلك في درج الدرر ١٤، و٥١، و٨٦.
(٣) ينظر: درج الدرر ٩٨.
(٤) ينظر: درج الدرر ٤٩.
(٥) ينظر أمثلة على ذلك في درج الدرر ٢٩، و١٠٤، و١٣١.
(٦) ينظر أمثلة على ذلك في درج الدرر ٨٨، و١٠٣،١٥٤.
(٧) ينظر أمثلة على ذلك في درج الدرر ٣٠، و٥٢، و٩٨.
(٨) ينظر أمثلة على ذلك في درج الدرر ١٣٠، و٥٨٠، و٥٩٨.
(٩) ينظر أمثلة على ذلك في درج الدرر ١٦، و٣٦٨، و٧٥١.
(١٠) ينظر أمثلة على ذلك في درج الدرر ١١، و١٣، و١٧، و٣٩،٢٩٩.
(١١) ينظر أمثلة على ذلك في درج الدرر ٨٢، و٨٣، و٢٨٥، و٣١٢، و٤٢٥.
(١٢) ينظر أمثلة على ذلك في درج الدرر ١٣، و١٨، و٢٩٩، و٣١٣، و٣٢٤.
[ ١ / ٥٩ ]