نسبة الكتاب لمؤلفه
من أهمّ القضايا التي يبدأ المحقّق ببيانها وتوضيحها هي: هل هذا الكتاب لصاحبه أو أنّه منسوب إليه؟ وبخاصة إذا كان المؤلف من الإئمة الأعلام كالإمام عبد القاهر الجرجانيّ العلاّمة الأديب النحويّ البلاغيّ، فهذا يحتاج إلى جهد ومشقّة وعناء، وممّا يزيد الأمور تعقيدا ومشقّة أنّ السيرة الذاتيّة لهذا العالم الكبير، وعلى الرغم من شهرته، لا تسعفنا كثيرا في مثل هذه المسألة.
فأوّل من ذكر هذا الكتاب في كتب الفهارس والتي تذكر أسماء الكتب ومؤلّفيها هو حاجي خليفة في كتابه «كشف الظنون» فيقول: «درج الدرر في التفسير، مختصر للشيخ عبد القاهر الجرجانيّ ظنّا» (١)، وهذا الكلام يشكّك في نسبة هذا الكتاب للإمام عبد القاهر الجرجانيّ، كما ذكره إسماعيل باشا البغداديّ في «هدية العارفين» إذ يدرج في ضمن الكتب التي ألّفها الجرجاني كتابا باسم «درج الدرر في تفسير الآي والسور» (٢)، وهذا أيضا يجعل في النفس شيئا من نسبة الكتاب وذلك لاختلاف العنوان.
ومما يثبت نسبة الكتاب إلى عبد القاهر الجرجانيّ ما يأتي:
١ - ما ورد في الأصول المخطوطة وعلى الصفحة الأولى من النسخ الأربع، التي تدلّ على أنّ المخطوطة له، إذ جاء في النسخة الأصل ما نصّه: «كتاب درج الدرر في تفسير القرآن العظيم للإمام العلامة علامة العالم، قدوة السلف والخلف عبد القاهر الجرجانيّ»، وفي النسخة الأخرى من مكتبة كوبرلي: «كتاب درج الدرر في تفسير القرآن العظيم، تأليف الإمام العالم العلامة وحيد دهره وفريد عصره عبد القاهر الجرجانيّ تغمّده الله برحمته»، وفي نسخة نور عثمانية يقول: «كتاب تفسير القرآن العظيم المسمّى بدرج الدرر، تأليف الإمام والحجة الهمام عمدة المفسرين وزبدة. . . (٣) مولانا عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانيّ تغمّده الله بالرحمة والرضوان». أما نسخة الأسكريال فكتب على صفحتها الأولى: «تفسير القرآن العظيم المسمّى بدرج الدرر، تأليف سلطان. . . (٤) سيدنا الشيخ المحقّق عبد القاهر الجرجانيّ تغمّده الله برحمته آمين».
_________________
(١) كشف الظنون ١/ ٧٤٥.
(٢) هدية العارفين في أسماء المؤلفين ٥/ ٦٠٦.
(٣) كلمة غير واضحة في المخطوطة.
(٤) كلمة غير واضحة في المخطوطة.
[ ٢ / ٥ ]
٣ - نجده يقرّر في كتابه أنّ إعجاز القرآن إنّما كان بالنظم العجيب فيقول: «وحدّ الإعجاز هو الإتيان بناقض العادة، والخارج عن طوق من هو مثل صاحب المعجزة في الخلقة،. . . وإذا وقع التحدّي هاهنا بنظم عجيب بديع، تضمّن معنى صحيحا غير مناقض ولا هزل. . .» (١).
٤ - وجود كثير من الإشارات البلاغيّة المودعة في هذا التفسير، كالحذف والمجاز والكناية ومعاني (افعل) الأمر، ومعاني الاستفهام، وغيرها. (يرجع إلى مبحث عنايته بالبلاغة في قسم الدراسة).
٥ - الاستئناس بما جاء في بعض الترجمات لعبد القاهر الجرجانيّ بأنّ له تفسيرا، كما جاء عند الأدنه وي والسيوطي (٢)، إذ يقولان عند تعدادهما لمصنفات عبد القاهر: «وصنّف التفسير»، وفي كشف الظنون (٣) يقول: «تفسير عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانيّ المتوفّى سنة ٤٧٤ هـ مختصر في مجلّد، ولعلّه تفسير الفاتحة».
٦ - ومما يستأنس به لإثبات أنّ هذا الكتاب له هو ما ورد من أسماء لأعلام كانت وفاتهم قبله، ممّا يدلّ على أنّها في عصر الشيخ الجرجانيّ.
٧ - نسب التفسير في فهرس آل البيت لعبد القاهر الجرجاني. (٤)
ومما يشكّك بنسبة الكتاب إلى عبد القاهر الجرجانيّ أمور متعدّدة، منها:
١ - ما دكر فيما سبق أنّ أول ذكر للكتاب جاء في كشف الظنون لحاجّي خليفة، وجاء بشكل مشكّك إذ قال: «درج الدرر في التفسير، مختصر للشيخ عبد القاهر الجرجانيّ ظنّا»، وقوله: ظنّا، مشكل إذ يشكّك في نسبة الكتاب له، ولكنّ هذا القول لم يكن متثبّتا منه إذ في مكان آخر ينسبه إليه من غير شكّ فأدرجه ضمن التفاسير فقال: «تفسير عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانيّ»، ولكنّه ذكر أنّه «مختصر في مجلّد ولعلّه تفسير الفاتحة» (٥). وقوله هذا دليل على عدم اطّلاعه على الكتاب، إذ لو اطّلع عليه لعلم أنّه ليس تفسير الفاتحة.
٢ - جاء في هديّة العارفين اسم هذا الكتاب ضمن كتب الجرجانيّ «درج الدرر في تناسب الآي والسور دلائل الإعجاز في المعاني والبيان، شرح الفاتحة في مجلّد» (٦)، وهذا مخالف لما هو مدرج في المخطوطات الأربع بأنّ اسم هذا الكتاب هو «درج الدرر في تفسير القرآن
_________________
(١) الأصل (٦ و).
(٢) طبقات المفسرين ١٣٣، وطبقات المفسرين للسيوطي ١٣٣.
(٣) ١/ ٤٥٣.
(٤) ١/ ١١٤.
(٥) كشف الظنون ١/ ٤٥٣.
(٦) هدية العارفين ١/ ٦٠٦.
[ ٢ / ٦ ]
الكريم». وهذا أيضا يدحض قول حاجي خليفة بأنّ درج الدرر غير تفسير الفاتحة، كما أنّ هذا العنوان الذي ذكره إسماعيل باشا هو الأنسب لهذا الكتاب، وذلك لعادة المؤلفين في ذلك الوقت أن يسمّوا الكتب بأسماء مسجوعة، ولعلّه اطلع على نسخة أخرى من الكتاب لم تصل إلى مكتبات المخطوطات العامّة.
٣ - أما بروكلمان فقد ذكر أنّ التفسير ينسب خطأ للشريف الجرجانيّ، فقال: «درج الدرر وهو في التفسير. . . وينسب خطأ للشريف الجرجانيّ» (١) وعبارته هذه تحمل ادعاء لأحدهم ينسب الكتاب لغير عبد القاهر الجرجانيّ، وهي في الوقت نفسه نفت هذا الخطأ. كما أنّه بعيد أن يكون له إذ خلا الكتاب في نقله عن علماء من العصور التي بعد عبد القاهر الجرجانيّ، ممّا يجعل النسبة إليه من باب الوهم، فالشريف الجرجانيّ قد توفي سنة ٨١٦ هـ (٢)، كما أنّه لم ينقل من المؤلفات في التفسير أو غيره بعد عصر الجرجانيّ، وبخاصّة الزمخشريّ وأبي حيان وغيرهما من الأعلام الذين جاؤوا بعده.
وقد رجعت إلى مظانّ ترجمة السيد الشريف الجرجانيّ، فلم أجد ذكرا لهذه النسبة. (٣)
٤ - المعروف عن عبد القاهر الجرجانيّ وما ذكرته كتب التراجم التي ترجمت له: أنّه شافعيّ المذهب، فقد ذكره الإسنويّ في طبقات الشافعيّة (٤)، وقال عنه: «كان شافعيّا»، وكذلك في سير أعلام النبلاء، (٥) وغيرها.
وقد بحثت في مذهب المؤلّف الفقهيّ من خلال دراستي لهذا الكتاب، وقد تولّد لديّ أنّ صاحب هذا الكتاب له مذهب فقهيّ هو المذهب الحنفيّ، وذلك من خلال المسائل التي ذكرتها في مبحث (عنايته بالأحكام الفقهيّة) فدرست مذهبه الفقهيّ من خلال ثماني مسائل، هذه المسائل الثماني خالف فيها المؤلف المذهب الشافعيّ أو الرأي الراجح في المذهب الشافعيّ، ووافق فيها أصحاب المذهب الحنفيّ بل المشهور في المذهب الحنفيّ، وأحيانا يصرّح بمخالفته للشافعيّ.
أضف إلى ذلك أنّه يذكر الإمام أبا حنيفة فيترضّى عنه أو يترحّم عليه في أكثر من موضع (٦)، ويستشهد بقوله كذلك، (٧) بل إنّه يروي عنه بعض الأحاديث والآثار على الرغم من وجودها عند غيره، فيختار طريق أبي حنيفة (٨).
_________________
(١) تاريخ الأدب العربي ٥/ ٢٠٧.
(٢) ينظر ترجمته: الضوء اللامع ٥/ ٣٢٨، والبدر الطالع ١/ ٤٤٨، وأبجد العلوم ٣/ ٥٧.
(٣) ينظر: الكنى والألقاب للقمي ٢/ ٣٥٨، والضوء اللامع ٥/ ٣٢٨، والبدر الطالع ١/ ٤٨٨.
(٤) ٢/ ٤٩٢.
(٥) ١٨/ ٤٣٣. وينظر: وطبقات الشافعية للسبكي ٥/ ١٤٩، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٣١.
(٦) الأصل (٧١ ب)، وسورة الأنبياء ٨٤.
(٧) سورة الأنبياء الآية ٧٩ و٨٤.
(٨) الأصل (١٣ و)، والأصل (٩٥ ظ)، وسورة الحجر الآية ٢ والإسراء الآية ٧٩.
[ ٢ / ٧ ]
٥ - من المعلوم عن عبد القاهر الجرجانيّ أنّه أشعريّ المذهب عقائديّا، وهذا ما ذكرته كتب التراجم التي ترجمت له.
ولكن عند الدراسة في عقيدته في هذا الكتاب يتبيّن أنّ مؤلف الكتاب ليس أشعريّ المذهب، فهو ينهج منهج الإمام أبي حنيفة النعمان في بعض. المسائل العقدية التي ذكرها في تفسيره، ومن هذه المسائل:
أ-قوله بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فقد جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء:١٥٠] إذ يقول: «وفي الآية دليل على أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص» (١)، وهذا القول يقول به الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ومن وافقه من بعده فقد جاء في شرح المقاصد (٢) ما نصّه: «وعند أبي حنيفة (﵀) وأصحابه وكثير من العلماء، وهو اختيار إمام الحرمين، أنه لا يزيد ولا ينقص، لأنّه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان، ولا يتصوّر فيه الزيادة والنقصان».
ب-وعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥]، يقول: «و(وجه الله) ليس كأوجه خلقه، وهو خالق الوجوه، متعال عن الحلول في الجهات والأقطار، وهو أقرب من حبل الوريد، ﷾. وقد أوّل من أوّل من أصحابنا بأنّه الإقبال بالرحمة والرضوان والقبول، وهو ممكن أن يكون مرادا» (٣).
ج-كذلك عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] يقول: «دليل أنّ إتيان الربّ صفة له لا يجوز حملها على إتيان الأمر، إذ الشيء لا يعطف على نفسه».
د-أمّا عن صفة الكلام فيقول: «والتكليم صفة لله تعالى حقيقية من غير كيفيّة» وذلك عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وأيضا يقول في موضع آخر: «وقول الله تعالى حقيقة، وقد أكّد بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، والتأكيد لنفي إيهام الاستعارة، وفي فحوى قوله: ﴿وَما كانَ﴾
_________________
(١) الأصل (٩٠ و).
(٢) ٥/ ٢١١.
(٣) الأصل (٣٠ و)
[ ٢ / ٨ ]
﴿لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا،﴾ الآية [الشورى:٥١] ما يدل على أنّ القول صفته حقيقة» (١).
٦ - ومن المعلوم أيضا عن الإمام عبد القاهر الجرجانيّ أنّه نحويّ بصريّ، فقد تتلمذ على تلميذ الإمام أبي عليّ الفارسيّ، وهو أبو الحسين الفارسيّ، أحد أئمة البصريين، بل لم يكن له شيخ له غيره، وقد شرح كتابه «الإيضاح» واعتنى به عناية فائقة، وسمّاه «المغني» وقد بلغ هذا السفر نحوا من ثلاثين مجلدا، ولكننا نلحظ أنّ مؤلّف هذا الكتاب لم ينقل عن أبي عليّ إلا في موضع واحد فقط (٢).
كما نجده ميّالا إلى مذهب الكوفيين، فهو يقدّم آراءهم في كثير من الأحيان على آراء البصريين، ويعتدّ بها، بل قد يكتفي بذكرها.
٧ - هناك أمر يلفت انتباه المتتبع لهذا الكتاب إذ نجد في موضع يقول: «وفي الآية دلالة أنّ صبر الخليفة على جنايات قومه والتغافل عنها جائز لابتغاء المصلحة، كمنابذته ومضاجرته إيّاهم، ولذلك يصبر خلفاء نبيّنا ﷺ من آل عباس على قبائح هذه الأمّة وافتراق أهوائها» (٣) وكذلك عند حديثه عن قول الله تعالى: ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ بأنّ المراد هو «أمّة محمد ﵇، وقد اختصّت بها الخلفاء الأربعة وبنو عمّه الأئمة المهديّون» (٤)، ولعلّه يقصد به الخلفاء العباسيّين، وفي هذا الكلام دلالة واضحة على أنّ مؤلف الكتاب كان يميل لخلفاء بني عباس، على عكس ما ذكر في سيرة عبد القاهر الجرجانيّ أنّه كان يكره الحكام، ولا يميل إليهم، ويتبرّم منهم.
٨ - أورد في كثير من المواضع ما يخالف نظريّة النظم التي ابتكرها الجرجانيّ، فنلاحظ أنّه في عدد من المواضع يقول: «كذا لوفق رؤوس الآي»، وهذا يتعارض مع نظرية النظم، إذ يقول في دلائل الإعجاز: «واعلم أن ليس النّظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو، وتعمل على قوانينه وأصوله» (٥). فالتّقديم والتّأخير، أو تغيير التّركيب لوفق رؤوس الآي لا يتّفق مع قوله: «أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو».
وقد يردّ على ما سبق: أنّ عبد القاهر الجرجانيّ ربّما ألّف «درج الدرر» في أوّل حياته العلمية قبل أن تنضج لديه فكرة نظريّة النظم، وكان هذا التفسير بداية طريقه مع هذه النظريّة، لما تضمّن من أمور بلاغيّة كثيرة، تدلّ على بذرة جيّدة لنظرية النظم، كما أنّه لم يتتلمذ على أحد
_________________
(١) الأصل (١٦ ظ)
(٢) الأصل (٥٦ ظ).
(٣) الأصل (١٢٥ و)
(٤) درج الدرر ٣١٢.
(٥) دلائل الإعجاز ٧٧.
[ ٢ / ٩ ]
سوى أبي الحسين الفارسيّ، وكان هذا التتلمذ متأخّرا، فقد كان في بداية حياته العلمية حنفيّ المذهب والاعتقاد، كوفيّا نحويّا، وبعد أن نضج وتتلمذ على يد أبي الحسين الفارسيّ، وقرأ كتبا أخرى، جعلته يغيّر منهجه الذي يسير عليه إلى منهج آخر مختلف تماما، نظرا لسعة اطّلاعه، وسعة أفقه ومداركه.
٩ - ومما تجدر الإشارة إليه أنّ المؤلف أورد خلال حديثه عن اسم الله تعالى (البارئ) خلال تفسير الآية ٢٤ من سورة الحشر يقول: «وقد استوفينا الكلام في الأسماء في مفتاح الهدى» (١)، وقد استبشرت خيرا بهذا فقد ذكر أنّ للجرجانيّ كتابا هو المفتاح، فقلت: إنّ ضالّتي قد وجدت، فبحثت عن الكتاب، وبعد جهد توصّلت إلى كتاب للجرجانيّ اسمه «المفتاح في الصرف»، وبحثت فيه عن ذلك فلم أجد شيئا يدلّ على ما ذكره، ولو بالإشارة، فكان المفتاح في الصرف ليس له علاقة في اشتقاق بأسماء الله من قريب ولا بعيد، كما أنّي لم أجد كتابا بهذا الاسم فيما لديّ من مصادر يذكر كتابا اسمه مفتاح الهدى، سواء للجرجانيّ أو غيره.
وخلال بحثي في الكتاب عن شيء يدلّ على المؤلّف في محاولة لمعرفة المؤلّف وجدت عبارة مهمة وهي: «قال الأمير» (٢)، ولعلّها من أهمّ العبارات التي تشير إلى المؤلّف، إذ قد يكون الأمير هو مؤلّف الكتاب، إذ من المعتاد في كتب القدماء أن يذكر المؤلف باسمه أو بلقيه، لأنّ كثيرا منهم قد أملى كتابه إملاء على تلاميذه، فقام هؤلاء التلاميذ بذكر أسمائهم فيها، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: «معاني القرآن» للفراء، والذي ترد فيه عبارة «قال الفراء» أو «حدثنا شيخنا» (٣).
ونظرا لأهميّة هذه العبارة قمت بالبحث في المصادر عمّن يلقب بالأمير من العلماء الذين عاشوا في عصر المؤلّف في القرن الخامس، فلم أجد سوى الأمير العالم ابن ماكولا، وهو سعد الملك أبو نصر عليّ بن هبة الله بن عليّ بن جعفر، صاحب كتاب «الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب» المتوفّى سنة نيّف وسبعين، أو نيّف وثمانين وأربع مئة للهجرة، فيكون كما ذكرت، من عصر عبد القاهر الجرجانيّ، وهو العصر الذي رجحت أن يكون قد كتب فيه الكتاب.
_________________
(١) الأصل (٣٠٧ ظ).
(٢) الأصل (١٢٣ و)، و(١٥٠ و)، ودرج الدرر ٢١٨.
(٣) ينظر: على سبيل المثال: معاني القرآن ١/ ٢١ و٢٢ و٣٣٨.
[ ٢ / ١٠ ]
ورغم أنّ مصادر ترجمة ابن ماكولا ذكرت «أنّه كان نحويّا مجوّدا وشاعرا مبرّزا» (١) لكنّي لم أقف في مصادر ترجمته على تاليف في التفسير، فلم تذكر أنّه كان له تفسير أو حتى تفسير سورة واحدة.
كما أنّه ممّا يظهر من هذا التفسير والأحاديث الواردة فيها أنّ صاحب التفسير هذا لم تكن لديه اهتمامات المحدّثين في ضبط الأحاديث وأسانيدها والحكم عليها، بل نجده يستشهد بأحاديث ضيعفة جدّا بل موضوعة، وكذلك يهتمّ بالإسرائيليات والتاريخ، مما يدفع كون مؤلّف الكتاب هو من أهل الحديث كما هو معروف عن ابن ماكولا، ودقته واحترافه لهذا الفنّ، وبخاصّة أنّه ألّف كتابا في نقد الرجال وتاريخهم وهو كتاب «الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب».
وخلاصة القول: إنّ كتاب «درج الدرر في تفسير القرآن العظيم» وحسب ما ترجح لديّ، والله أعلم، أنّ الكتاب ليس لعبد القاهر الجرجاني، بل هو لغيره، ولم أستطع نسبته لغيره، إذ لم توجد علامات دالّة على ذلك، فهو، في رأيي المتواضع، منسوب له، ويبقى كذلك حتى يتبيّن لي أو لأحد غيري مؤلّف الكتاب.