يعدّ تفسير التابعين من قبيل التفسير بالمأثور، ويشمل التفسير بالمأثور ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما نقل عن النبي ﷺ، وما نقل عن الصحابة رضوان الله عليهم، وما نقل عن التابعين من كل ما هو بيان وتوضيح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم.
والواقع أنّ كثيرا من أقوال التابعين في كثير من القضايا التي لا يمكن أن تكون من أقوالهم، وليس للاجتهاد مجال فيها، من مثل أسباب النزول والنسخ وغيرها، فهذه الأقوال لا بد أن تكون قد أخذت من الصحابة رضوان الله عليهم، هذا إن كان التابعي الذي نقل هذا القول ثقة، فلا يمكن أخذه على أنه كذب، وإن لم يكن مورده فيها. والصحيح أنه يكون من المرسل الذي يقع فيه سقط للصحابي، ويكون حكمه كحكم المرسل في المعاملة والأخذ به. (٢)
أما ما كان في مجال الاجتهاد والرأي، فالرأي الراجح في ذلك أنه رأي قابل للصواب والخطأ، وإنما يستأنس به في التفسير، لأنهم قد شاهدوا وعايشوا الصحابة الذين بدورهم شاهدوا النبي ﷺ، وعاصروا التنزيل.
وقد نهج مؤلف درج الدرر رحمه الله تعالى نهجا واسعا في الأخذ بأقوال التابعين، وذكر أقوالهم، وأكثر النقل عنهم، سواء ذكر أن هذه الأقوال لهم أو لم يذكر، وقد اتبع الأساليب الآتية:
١ - أقوال يذكر أصحابها: وهي كثيرة وأكثر نهجه على ذلك، وأمثلته كثيرة منها:
في تفسير قول الله تعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف:١٠]، يقول: «قتادة
_________________
(١) درج الدرر ٣١٣.
(٢) ينظر: مناهج المفسرين ٤٤ - ٤٥.
[ ٢ / ٢٥ ]
وابن إسحاق: روبيل. مجاهد: شمعون» (١). وكذلك في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (٢٤) [الحجر:٢٤]، يقول: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ:﴾
القرون الماضية، و﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ القرون الباقية، عن مجاهد. وهم المسارعون في الخيرات، والمتثاقلون عنها، عن الحسن، وهم من يسلم، ومن لا يسلم، عن سفيان بن عيينة» (٢).
٢ - أقوال لا يذكر أصحابها: بل يذكر على صيغة (قيل)، وهذا أمثلته كثيرة جدا أيضا، ومن هذه الأمثلة:
ففي تفسير قول الله تعالى: ﴿هذا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦] يقول: «. . . وقيل: هذا ربي بزعمهم، قال الله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]. (٣) وقيل:
استدراج القوم ليطمئنوا إليها بإظهار الموافقة فيرجعوا برجوعه، ومثله يتصور في الشرع كالتقية، وعن بعض الحواريين نحو هذا. وقيل: إنه قول بظن، والذي من مقدمات اليقين. . .»، وقيل:
العجل: الطين، قاله الكلبي وغيره. وفي تفسير قوله: ﴿مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٦] يورد أقوالا عديدة في تفسير هذه الكلمة، فيقول: «وقيل: مصبوب. وقيل: خلق الله تعالى قالبا من سلالة الأرض على صورة آدم. . .» (٤).
٣ - يذكر أقوالا ولا يرجح بينها: ومنه في تفسير (الرياح اللواقح) في قول الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر:٢٢]، يقول: «التي تحمل الندى، والثرى؛ ليتكون غيوما في أثنائها بإذن الله.
وقيل: الملقحات للغيوم، والأشجار. وقيل: هي التي ينتفع بها؛ لما ضمّنها الله تعالى من النفع، بخلاف العقيم، وهي الدّبور. وقيل: اللواقح ريح واحدة، وهي الجنوب وحدها، وإنما جمع على الجنس. وقيل: كل ريح أتى بالمطر النافع، فهي من جملة اللواقح» (٥). فبعد ذكر هذه الأقوال لم يرجح قولا منها، وهذا كثير، كما في الأمثلة على ما سبق.
٤ - يذكر أقوالا ثم يردها أو يرد بعضها:
يرد قولا من هذه الأقوال: ومثاله ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢]، يقول: «(الإخزاء): الإلجاء. . . وههنا أربعة أقوال أحدها: أنّه لا يدخل المؤمنين النّار وإن ارتكبوا الجرائم، بل يغفر لهم ويشفع فيهم؛ لأنّه تعالى لا يخزي ﴿النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التّحريم:٨]، [أي:] والمؤمنين، وهذا قول فيه مقال. . .» (٦).
_________________
(١) درج الدرر ٤٠.
(٢) درج الدرر ١٠٤.
(٣) الأصل (١٠٥ ظ).
(٤) درج الدرر ١٠٥.
(٥) درج الدرر ١٠٤.
(٦) الأصل (٧٩ ظ).
[ ٢ / ٢٦ ]