١ - السماع:
عرّف السّيوطيّ السّماع بقوله (١): «وأعني به ما ثبت في كلام من يوثق بفصاحته، فشمل كلام الله تعالى، وهو القرآن، وكلام نبيّه، وكلام العرب قبل بعثته وفي زمنه وبعده إلى أن فسدت الألسنة بكثرة المولّدين نظما ونثرا عن مسلم أو كافر، فهذه ثلاثة أنواع لا بدّ في كلّ منها من الثّبوت».
ومؤلّف (درج الدرر) يعتدّ بالسّماع ويعوّل عليه في التّقعيد لمسائل اللّغة والنّحو، ويشهد له على ذلك كثرة الشّواهد التي ساقها للاستدلال على صحّة الآراء التي يذكرها، وقد عرضنا آنفا أمثلة على تلك الشّواهد. وليس هذا وحده دليلنا على أهميّة السّماع عند المؤلّف، فقد صرّح المؤلّف بموقفه بوضوح في كتابه حين تحدّث عن (المرء) في قوله تعالى: ﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] فقال: «ومرء وامرؤ لغتان، وفي التأنيث: مرأة وامرأة»، ثمّ تحدّث عمّا قيل في همزة الوصل في قولهم: (امرؤ وامرأة) فقال: «وكأنّ همزة الوصل إنّما عوّضت من الهمزة الأخيرة إذ لا صورة لها، فسكّنت الميم وهي فاء الفعل وابتدئ بهمزة الوصل كما في الاسم والابن. وقيل: إنّما سكّنت فاء الفعل في مثل هذه الأسماء وابتدئ بهمزة الوصل؛ لأنّها أسماء كثر دورها على الألسنة، فشبّهت بالأفعال التي على صيغة الأمر»، ثمّ بيّن موقفه من مثل هذه العلل المتكلّفة، وتعويله على السّماع في اللّغة فقال: «ومثل هذه العلل واه، واللّغة بالسّماع» (٢).
٢ - القياس:
وهو «حمل فرع على أصل بعلّة، وإجراء حكم الأصل على الفرع» (٣). وقد اختلف علماؤنا القدماء في القياس بين مانع يرى قصر اللّغة على السّماع، ومجيز يرى أنّ ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم (٤).
_________________
(١) الاقتراح في علم أصول النحو ١٤.
(٢) درج الدرر ١٢٠ - ١٢١.
(٣) الاقتراح في علم أصول النحو ٤٢.
(٤) ينظر: في أصول النحو ٧٩ - ٩٩.
[ ١ / ٥٥ ]
وفي الكتاب أمثلة متفرّقة على اعتداد المؤلّف بالقياس، منها ما ذكره في قوله تعالى: ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة:٨١] إذ تكلّم على وزن (سيّئة) فقال: «ووزنها (فعيلة) في قياس قول الفرّاء وأهل الكوفة» (١).
وفي قوله تعالى: ﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] قال: «وكأنّ المرء موضوع غير مشتقّ، والتّثنية: مرءان وامرؤان ومرأتان وامرأتان، وهي في التّأنيث أكثر استعمالا، وأمّا الجمع فلم يرو إلا في حديث: (أحسنوا ملأكم أيّها المرؤون)، وقال رؤبة لطائفة رآهم: أين يريد المرؤون؟»، وعقّب على قولهم: (المرؤون) بقوله: «وهذا جمع سلامة جائز بالقياس» (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿حَتّى تَتَّبِعَ﴾ [البقرة:١٢٠] تحدّث عن نصب الفعل المضارع ورفعه بعد (حتى) فقال: «وإذا وليها فعل مضارع فهو مرفوع أو منصوب»، وبعد أن انتهى من الكلام على النّصب قال: «وإن كان الفعل المضارع منفيّا ب (لا)، وحسنت (ليس) مكان (لا) فرفعه حسن، قياسا على المنفيّ ب (لا) بعد (أن لا)، نحو قوله: ﴿أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾ [طه:٨٩]، ﴿أَلاّ تَكُونَ (٣)﴾ فِتْنَةٌ [المائدة:٧١]» (٤).
وربّما تكلّم على مجيء الكلام على غير قياس كما في قوله تعالى: ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ﴾ [النّساء:١٥] إذ قال: ﴿وَاللاّتِي:﴾ «جمع (التي) على غير قياس» (٥).
_________________
(١) درج الدرر ٩٤.
(٢) درج الدرر ١٢١.
(٣) برفع (تكون).
(٤) درج الدرر ١٤١.
(٥) درج الدرر ٣٩١.
[ ١ / ٥٦ ]