مكّيّة، وعن ابن عبّاس وقتادة إلاّ خمس آيات نزلن (١) بالمدينة، [أوّلها] (٢) قوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف:١٦٣]. وهي مئتان وستّ آيات مدني كوفي، وخمس بصري (٣).
بسم الله الرّحمن الرّحيم
١ - ﴿المص:﴾ قال ابن عبّاس (٤): «أنا الله أعلم وأفصّل». ويحتمل أن تكون الصّاد إشارة إلى الفصل، أي: إلى هذا الفصل (٥)، فإنّ السّور (٦) فصول لا محالة. ويحتمل إشارة إلى الصّدق (٧)، أي: (١١٠ ظ) أنا الله أعلم وأصدق، أو الرّسول صادق (٨)، أو الوحي صدق (٩).
٢ - ﴿كِتابٌ:﴾ هذا كتاب (١٠).
﴿حَرَجٌ:﴾ شكّ، عن ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والسدّي (١١): أي: لا تشكنّ (١٢) في ظهوره وانتشاره، أو في نفسه وعينه. وقال الفرّاء والزّجّاج (١٣): المراد بالحرج (١٤) الخوف، أي: لا تخافنّ من عجزك عن القيام به فإنّك موفّق لتبليغه، أو من ردّهم وإنكارهم فإنّك منصور عليهم.
والضّمير في ﴿مِنْهُ﴾ (١٥) عائد إلى الإنذار على سبيل التّقديم والتّأخير (١٦).
﴿وَذِكْرى:﴾ عطف على (كتاب) (١٧).
٤ - ﴿فَجاءَها بَأْسُنا:﴾ الفاء بمعنى الواو، كقولك: أعطيتني فأحسنت (١٨) إليّ. وقيل:
_________________
(١) في ع وب: نزلت.
(٢) يقتضيها السياق. وينظر: زاد المسير ٣/ ١١١.
(٣) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٢١١.
(٤) معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣١٣، ومجمع البيان ٤/ ٢١٣، وزاد المسير ٣/ ١١١.
(٥) بعدها في النسخ الثلاث: كتاب، وليس موضعها، وموضعها الصحيح يأتي قريبا.
(٦) في ب: السورة.
(٧) ينظر: زاد المسير ٣/ ١١١، والبحر المحيط ٤/ ٢٦٧.
(٨) في ب: صادقا، وهو خطأ.
(٩) في ك: كذب، وهو خطأ.
(١٠) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٦٩، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣١٤، وإعراب القرآن ٢/ ١١٣.
(١١) ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٣١، والطبري ٨/ ١٥٣ - ١٥٤، وزاد المسير ٣/ ١١٢.
(١٢) في ك: لا تكن.
(١٣) لم أقف على قول الفراء في معاني القرآن، وقول الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣١٥.
(١٤) (المراد بالحرج) ساقطة من ب.
(١٥) في ع: منهم، والميم مقحمة.
(١٦) ينظر: زاد المسير ٣/ ١١٢، وتفسير القرطبي ٧/ ١٦١، والبحر المحيط ٤/ ٢٦٧.
(١٧) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧٠، وإعراب القرآن ٢/ ١١٤، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٢٨١.
(١٨) النسخ الثلاث: فاحتسب. وينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧١، وتفسير القرطبي ٧/ ١٦٢.
[ ١ / ٦٤١ ]
المراد بالإهلاك مشيئة الإهلاك، وبمجيء البأس إمضاء الحكم وإتمامه، فلذلك (١) عقب.
وفي قوله: ﴿أَوْ [هُمْ] (٢)﴾ قائِلُونَ: واو مضمرة للحال، أي: وهم قائلون (٣).
والقيلولة: النّوم والاستراحة في نصف النّهار، تقول (٤): قلت أقيل قائلة وقيلولة (٥).
٥ - ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ:﴾ قولهم وكلامهم الذي يكرّرونه (٦) ويتّخذونه عادة، كما في قوله: ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ [يونس:١٠].
وإنّما ذكر دعواهم ليعلموا (٧) أنّ عاقبة أمرهم النّدامة والاعتراف.
٦ - ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ:﴾ فيعمي (٨) الأنباء عليهم ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص:٦٦]، وأمّا المرسلون فيقولون: ﴿لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ (٩)﴾ الْغُيُوبِ [المائدة:١٠٩].
٧ - (الغيبة): الزّوال عن مكان (١٠).
٨ - والموازنة (١١) والوزن: تسوية الحساب ومقابلة الحسنة بالحسنة والسّيّئة بالسّيّئة، كوزن (١٢) الشّعر، عن قتادة ومجاهد والضّحّاك والأعمش. وفي الحديث أنّ العبد المؤمن يؤتى بتسع وتسعين سجلا (١٣)، كلّ واحد منها مدّ البصر، فيها خطاياه وذنوبه، فتوضع في كفّة الميزان، ثمّ يخرج له بطاقة من تحت العرش بمقدار الأنملة فيها شهادة أن لا إله إلاّ الله، فتوضع (١٤) في كفّة أخرى فيقول: يا ربّ ما تزن (١٥) هذه البطاقة مع هذه (١٦) الصّحف؟ فطاشت الصّحف
_________________
(١) في ك: فكذلك. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٤٨، والكشاف ٢/ ٨٧، والتفسير الكبير ١٤/ ٢٠.
(٢) من ع.
(٣) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧٢، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٤٦، وزاد المسير ٣/ ١١٤.
(٤) في ك: يقال، وفي ع: يقول.
(٥) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٤٥، والبحر المحيط ٤/ ٢٦٥.
(٦) في ع: تكررونه. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٤٨، وزاد المسير ٣/ ١١٤، وتفسير القرآن العظيم ٢/ ٢٠٩.
(٧) في الأصل وع: لتعلموا. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٤٨، وتفسير القرآن العظيم ٢/ ٢٠٩.
(٨) في ع: نعمي.
(٩) في الأصل وب: العلام، وهو خطأ. وينظر: تفسير القرآن العظيم ٢/ ٢٠٩.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٥١.
(١١) في الأصل وك وع: والموازاة.
(١٢) في ب: كون، والزاي ساقطة. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٥٢.
(١٣) في ب: حملا.
(١٤) في الأصل وع: فيوضع.
(١٥) في ك: ما قرن.
(١٦) النسخ الثلاث: هذا، وبعدها في ك: المصحف، بدل (الصحف).
[ ١ / ٦٤٢ ]
ورجحت البطاقة (١). فيه دليل على أنّ الموزون هو الدّواوين ونسخ الأعمال، هكذا روي عن ابن عمر (٢)، ومن فحوى ظاهر قوله: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ [الفرقان:٢٣] أنّ الأعمال تعاد وتقلب جواهر للوزن (٣). وقوله ﷺ: (ترى الرّجل (٤) الطّويل العظيم الأكول الشّروب لا يزن عند الله يوم القيامة جناح بعوضة) يدلّ على وزن أجسام العاملين، ولا تنافي بين هذه الأقاويل لإمكان الجمع بين أن يحاسب العبد ثمّ يوزن بدواوينه ثمّ توزن أعماله ثمّ يوزن نفسه، كما يبتلى في الدّنيا مرّة بعد مرّة، وكذلك في القبر (٥) والقيامة.
﴿الْحَقُّ:﴾ «العدل» (٦).
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ:﴾ بالخير.
﴿مَوازِينُهُ:﴾ جمع الميزان، إمّا لوزن (٧) كلّ جنس من عمله على حدة فيصير الميزان موازين (٨) في حقّه، وإمّا لاعتبار طريقة العرب أنّهم يجمعون الشّيء بأجزائه (٩).
١٠ - ﴿مَعايِشَ:﴾ جمع معيشة، وهي ما يعاش (١٠) به من القوت. والعيش امتداد الحياة.
١١ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ:﴾ يعني خلق الطّينة (١١).
﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ:﴾ يعني تصوير النّفس الجامعة لصور النّاس وهو نفس آدم ﵇ (١٢). وقيل: (ثمّ) (١٣) لترادف الأخبار دون الأشياء المخبر عنها. و(التّصوير): إمالة الأشكال (١٤).
_________________
(١) (مع هذه الصحف. . . البطاقة) مكررة في ب. وينظر: صحيح ابن حبان ١/ ٤٦١، وجزء البطاقة ٣٥، والمستدرك ١/ ٤٦ و٧١٠.
(٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٥٢، ومجمع البيان ٤/ ٢٢٠، وتفسير القرطبي ٧/ ١٦٥.
(٣) ينظر: تفسير القرطبي ٧/ ١٦٥.
(٤) ساقطة من ب، وبعدها في ك: العظيم الطويل، بدل (الطويل العظيم)، وهو موافق لما في مصادر التخريج، ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٣١، وتفسير القرآن ٣/ ٣٩٢، وكنز العمال ٢/ ٣٠.
(٥) في ك: البقر، وهو تحريف.
(٦) تفسير الطبري ٨/ ١٦٠، وزاد المسير ٣/ ١١٤.
(٧) في ع: (إنما الوزن)، بدل (إما لوزن) وهذه العبارة ساقطة من ب.
(٨) في ب: فتصير ميزان الموازين، بدل (فيصير الميزان موازين).
(٩) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٤٩، والتفسير الكبير ١٤/ ٢٦، وتفسير القرطبي ٧/ ١٦٦.
(١٠) في ع: يقاس. وينظر: الكشاف ٢/ ٨٩، ومجمع البيان ٤/ ٢٢١ و٢٢٢، وتفسير القرطبي ٧/ ١٦٧.
(١١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٢١، والكشاف ٢/ ٨٩، وزاد المسير ٣/ ١١٧.
(١٢) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٥٠.
(١٣) أي: ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ. وينظر: تفسير البغوي ١/ ١٥٠، ومجمع البيان ٤/ ٢٢٣، والتفسير الكبير ١٤/ ٣٠.
(١٤) ينظر: لسان العرب ٤/ ٤٧٣ (صور).
[ ١ / ٦٤٣ ]
١٢ - ﴿قالَ﴾ الله: ﴿ما مَنَعَكَ:﴾ حبسك، ﴿أَلاّ تَسْجُدَ:﴾ (١١١ و) أي: عن أن تسجد (١)، ويحتمل: ما حملك على أن لا تسجد (٢).
١١ - ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (٣): أي: لم يسجد، وقيل: لم يكن من جنس السّاجدين؛ لأنّه أدخل في جملة المخاطبين على طريق التّبع لكونه دخيلا ملحقا (٤).
١٣ - ﴿قالَ (٥)﴾ فَاهْبِطْ مِنْها: من وجه الزجر (٦) ونشزاتها (٧) إلى المستنقعات من السّواحل والجزائر (٨)، وعن مقاتل: من الجنّة (٩)، وعن مجاهد: من السّماء (١٠)، وعن أبي روق:
من صورته؛ لأنّه مسخ لافتخاره بنفسه (١١)، وليس لأحد أن يتكبّر في مواضع الملائكة ولا في سلطان غيره وفعل غيره.
١٤ - ﴿قالَ أَنْظِرْنِي:﴾ أجّلني وأمهلني، قال على وجه المكايدة وإرادة لتأخير العقوبة، فأمهله الله تعالى استدراجا ليزداد إثما فيزاد (١٢) عقوبة.
وقيل: ظنّ اللّعين أنّه إن أمهل إلى ذلك الوقت أمهل عن الإماتة وسلم عن ذوق الموت من حيث إنّه يوم حياة لا يوم موت، فآيسه الله تعالى وأبهم الإنطاق (١٣).
وقيل: أجابه إثابة له على (١٤) عبادته المتقدّمة لئلاّ يبقى له في الآخرة إلاّ النّار.
١٦ - ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي:﴾ فبإغوائك إيّاي، والباء للقسم والسّبب، أو المقارنة (١٥).
و(الإغواء): الإضلال، عن ابن عبّاس (١٦).
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧٤، وتأويل مشكل القرآن ٢٤٤، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٢٢.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٧١، ومجمع البيان ٤/ ٢٢٤، والتفسير الكبير ١٤/ ٣٢.
(٣) عودة إلى الآية السابقة.
(٤) ينظر: تفسير القرطبي ٧/ ١٦٩.
(٥) ليس في ك.
(٦) كذا في نسخ التحقيق، ولعل الصواب: الجزر.
(٧) «النّشز والنّشز: المتن المرتفع من الأرض»، لسان العرب ٥/ ٤١٧ (نشز).
(٨) ينظر: تفسير القرطبي ٧/ ١٧٣، والبحر المحيط ٤/ ٢٧٤، والدر المصون ٥/ ٢٦٤.
(٩) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٦٠، وزاد المسير ٣/ ١١٨، والتفسير الكبير ١٤/ ٣٥.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٦٠، وزاد المسير ٣/ ١١٨.
(١١) ينظر: تفسير القرطبي ٧/ ١٧٣، والبحر المحيط ٤/ ٢٧٤.
(١٢) في ع: فيزداد، وفي ب: ويزداد.
(١٣) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٥١، والتفسير الكبير ١٤/ ٣٦، وتفسير القرطبي ٧/ ١٧٣ - ١٧٤.
(١٤) في ب: الإثابة له وعلى، بدل (إثابة له على).
(١٥) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٦٢ - ٣٦٣، والكشاف ٢/ ٩١ - ٩٢، والتفسير الكبير ١٤/ ٣٨.
(١٦) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٧٥، وزاد المسير ٣/ ١١٩، وتفسير القرطبي ٧/ ١٧٤.
[ ١ / ٦٤٤ ]
﴿لَأَقْعُدَنَّ:﴾ جواب قسم (١)، ومعناه إعراضه عن شرائع الإسلام وسبيل الحقّ ليوسوس ويصدّ ويزلّ ويضلّ (٢)، قال الله تعالى: ﴿وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التّوبة:٥]، أي: في كلّ مرصد (٣).
١٧ - ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ:﴾ الآخرة، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ الدّنيا، ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ:﴾ الدّين، ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ:﴾ الشّهوات (٤).
﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ:﴾ ظنّا منه بالعسرى التي جعلها الله تعالى من موهومه وخلقه لها ويسّرها (٥) عليه.
١٨ - ﴿قالَ اُخْرُجْ مِنْها:﴾ يحتمل على سبيل التّكرار (٦)، ويحتمل خروج عن معنى آخر (٧).
﴿مَذْؤُمًا:﴾ معيوبا (٨)، ﴿مَدْحُورًا:﴾ مطرودا مبعدا (٩).
﴿لَمَنْ تَبِعَكَ:﴾ والله لمن تبعك، وجوابه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ (١٠).
٢٠ - ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا:﴾ صوّت لهما. ووسوس إليه، أي: ألقى إليه صوتا خفيّا (١١).
واللام (١٢) في ﴿لِيُبْدِيَ﴾ لام (كي).
واختلفوا في مواراة سوآتهما، قيل: كانت بالحليّ والحلل، فطارت عنهما بالمعصية. وعن (١٣)
_________________
(١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٦٣، ومجمع البيان ٤/ ٢٢٦، والتفسير الكبير ١٤/ ٣٨.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٧٦، والبغوي ٢/ ١٥١، والكشاف ٢/ ٩٢.
(٣) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ٧٣.
(٤) ينظر: تأويل مشكل القرآن ٣٤٨، وتفسير الطبري ٨/ ١٧٩، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٧ - ١٨.
(٥) في ب: أو يسرها، وبعدها في ع: له، بدل (عليه). وينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٥٢، ومجمع البيان ٤/ ٢٢٨، والتفسير الكبير ١٤/ ٤٣.
(٦) ساقطة من ب.
(٧) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٢٧٨.
(٨) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٤٤، وتفسير الطبري ٨/ ١٨١ - ١٨٢، والبغوي ٢/ ١٥٢.
(٩) (قال اخرج. . . مبعدا) ليس في ك. وينظر: تفسير غريب القرآن ١٦٦، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٩، ومفردات ألفاظ القرآن ٣٠٨ (دحر).
(١٠) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٢٥، وإعراب القرآن ٢/ ١١٧ - ١١٨، والكشاف ٢/ ٩٤.
(١١) ينظر: الكشاف ٢/ ٩٤، والتفسير الكبير ١٤/ ٤٥، والجواهر الحسان ٣/ ١٥.
(١٢) في ب: واللازم، والزاي مقحمة. وينظر: تفسير القرطبي ٧/ ١٧٨، والمجيد ٢١٨ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي)، والبحر المحيط ٤/ ٢٧٩.
(١٣) بعدها في ك: ابن.
[ ١ / ٦٤٥ ]
وهب أنّها كانت بنور يغشي العيون ويمنع عن الإدراك (١)، فلمّا عصيا ذهب النّور. وذكر القتبيّ (٢) أنّها كانت بجهلهما سوآتهما، فلمّا أكلا من شجرة العلم علما أنّهما عريانان فتواريا في الأشجار.
﴿أَنْ تَكُونا:﴾ كراهة أن تكونا، عند البصريّين (٣)، ولئلاّ تكونا، عند الكوفيّين (٤).
٢١ - ﴿وَقاسَمَهُما:﴾ أقسم وحلف لهما باسم الله تعالى (٥).
و(النّصح): ضدّ الخيانة (٦).
٢٢ - ﴿فَدَلاّهُما:﴾ قربهما، من قوله: ﴿فَتَدَلّى﴾ [النّجم:٨]، عن أبي الهيثم (٧).
وقيل: جرّأهما، من الدّلّ والدّالّة، فصيّرت إحدى اللامات ياء (٨). وقيل: «دلاهما من الجنّة إلى الأرض» (٩).
﴿وَطَفِقا:﴾ «أخذا في الفعل» (١٠).
﴿يَخْصِفانِ:﴾ يضمّان ويجمعان، إطباق طاق على طاق، ومنه خصف النّعل (١١).
روي أنّ الأشجار كلّها امتنعت ولم تمكّنهما من أخذ الورق إلاّ شجرة التّين (١٢).
وفي الآية دلالة على وجوب (١٣) الفعل بالعقل، قيل: لمّا خاطب الله تعالى آدم بقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُما،﴾ قال: بلى يا ربّ ولكنّي لم أعلم أنّ أحدا يحلف (١١١ ظ) بك كاذبا (١٤).
٢٣ - ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا:﴾ لمّا اعترفا بقبح أفعالهما وتعرّضا للمغفرة، واعتقدا الخسران إن لم يغفر الله لهما، وسكتا عن الاحتجاج بالمشيئة والتّقدير استوجبا المغفرة في حكم الله تعالى (١٥).
_________________
(١) في ب: عند الاستدراك، بدل (عن الإدراك). وينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٨٤، والبغوي ٢/ ١٥٣، والكشاف ٢/ ٩٦.
(٢) لم أقف على قوله.
(٣) ينظر: معاني القرآن للأخفش ٢/ ٥١٤، وتفسير الطبري ٨/ ١٨٥، وإعراب القرآن ٢/ ١١٨.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٨٤ - ١٨٥، وإعراب القرآن ٢/ ١١٨، والاستغناء في أحكام الاستثناء ٥٩٧.
(٥) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٨٥، والعمدة في غريب القرآن ١٣٣، وتفسير البغوي ٢/ ١٥٣.
(٦) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٢٣٠.
(٧) ينظر: لسان العرب ١٤/ ٢٦٧ (دلا).
(٨) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ٤٩، وتفسير القرطبي ٧/ ١٨٠، والبحر المحيط ٤/ ٢٨٠.
(٩) التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٧٢.
(١٠) معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٢٧، والتفسير الكبير ١٤/ ٤٩، وتفسير القرطبي ٧/ ١٨٠.
(١١) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٦٦، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٢٧، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
(١٢) ينظر: تفسير القرطبي ٧/ ١٨١.
(١٣) في ك: وجود.
(١٤) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٨٧، والكشاف ٢/ ٩٦، وتفسير القرآن العظيم ٢/ ٢١٥.
(١٥) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٩٠.
[ ١ / ٦٤٦ ]
٢٥ - ﴿قالَ فِيها:﴾ «أي: في الأرض ﴿تَحْيَوْنَ»﴾ (١).
٢٦ - ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ:﴾ لمّا ذكر الله تعالى قصّة آدم ﵇، كيف بدت سوأته، وكيف طفق [يخصف] (٢) عليه من ورق الجنّة ذكر منّته الجسيمة على بنيه في رزق (٣) اللّباس ليشكروه على ذلك، وليستنّوا بسنّة أبيهم في ستر العورة (٤).
وإنّما قال: (أنزلنا)؛ لأنّ تركيب (٥) النّبات والحيوان من الأصول الأربعة، فالثّلاثة منها منزلة في المشاهدة: الحرارة والماء والرّيح (٦)، أو لمكان التّقدير والكتابة في اللّوح المحفوظ وذلك في السّماء وإن كانت الأعيان في الأرض، نظيره قوله: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذّاريات:٢٢] (٧)، أو لمكان الإلهام بالنسج والاكتساء، والإلهام يجيء مجيء الروح وذلك من فوق (٨)، أو لتفخيم شأن الإعطاء (٩)، ولذلك سمّيت يد المعطي اليد العليا ويد السّائل اليد السّفلى.
ف (اللّباس): كالمئزر الثّخين (١٠). و(الرّيش): هو لباس الرّفاهية والتّجمّل (١١)، ومنه سمّي الحارث الرائش (١٢) رائشا وهو من ملوك حمير (١٣).
﴿وَلِباسُ التَّقْوى:﴾ الريش؛ لأنّ الإنسان يتعفّف به ليحسب غنيّا، وقيل: ما يستر مواضع الشّهوة سوى السّوأة (١٤)، وقيل: ثياب (١٥) التّواضع كالصّوف والفرو (١٦)، وقيل: الحياء الذي هو من الفطرة (١٧)، وعن ابن عبّاس العمل الصّالح (١٨)، وعنه السّمت الحسن (١٩)، وعن
_________________
(١) تفسير الطبري ٨/ ١٩٢.
(٢) يقتضيها السياق.
(٣) في ع وب: ورق.
(٤) ينظر: الكشاف ٢/ ٩٧.
(٥) في ب: لتركيب، بدل (لأن تركيب)، وبعدها في ك: والحيوانات، بدل (والحيوان).
(٦) ينظر: مشكل إعراب القرآن ١/ ٢٨٦، وتفسير البغوي ٢/ ١٥٤، وزاد المسير ٣/ ١٢٣.
(٧) ينظر: الكشاف ٢/ ٩٧، والبحر المحيط ٤/ ٢٨٣.
(٨) ينظر: زاد المسير ٣/ ١٢٣، وتفسير القرطبي ٧/ ١٨٤، والبحر المحيط ٤/ ٢٨٢ و٢٨٣.
(٩) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٢٣٧.
(١٠) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٩٣، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٧٨.
(١١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٧٨، والوجيز ١/ ٣٩٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٥٥.
(١٢) في ك: الريش.
(١٣) ينظر: لسان العرب ٦/ ٣١٠ (ريش).
(١٤) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٩٧، والوجيز ١/ ٣٩٠.
(١٥) في ع: ثواب.
(١٦) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٧٩، وتفسير البغوي ٢/ ١٥٥، ومجمع البيان ٤/ ٢٣٧.
(١٧) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٦٦، وتفسير الطبري ٨/ ١٩٦، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٤.
(١٨) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٩٦، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٧٩، وتفسير البغوي ٢/ ١٥٥.
(١٩) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٩٦، وزاد المسير ٣/ ١٢٤، وتفسير القرطبي ٧/ ١٨٤.
[ ١ / ٦٤٧ ]
قتادة والسدّي الإيمان (١)، وعن الكلبيّ العفاف والتّوحيد (٢)، وعن زيد بن عليّ الدّرع وسائر ما يتّقى به في الحرب (٣)، وعن عروة بن الزّبير قول الرّجل: حسبنا الله ونعم الوكيل (٤).
والخطاب في قوله: ﴿ذلِكَ﴾ راجع إلى النّبيّ ﷺ بدليل ضمير الجماعة في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ.﴾
٢٧ - ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما:﴾ للحال، أو مستقبل بمعنى الماضي (٥). وإبليس لم يفعل ولكن أسند الفعل إليه لحصوله بسببه، كقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا [مِنَ النّاسِ]﴾ (٦) [إبراهيم:٣٦].
والنزع كالسّلخ (٧).
﴿وَقَبِيلُهُ:﴾ حزبه وجماعته (٨).
وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ يقتضي كونهم متستّرين (٩) عنّا بشيء لو لم يتستّروا لرأيناهم، قال ﷺ: (من احتاج إلى كشف عورته فقال: بسم الله ما شاء الله (١٠) لا قوّة إلاّ بالله، كان سترا بينه وبين الجنّ) (١١).
﴿إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ:﴾ قيّضناهم قرناء (١٢).
٢٨ - ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً:﴾ وهو تقديمهم (١٣) عند الطّواف، وقيل (١٤): هو عامّ.
﴿قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا:﴾ على وجه الاحتجاج إذا ناظرهم مؤمن وبيّن لهم قبحها (١٥)، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ دليل أنّها موجودة قبل الشّريعة، وهي
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٩٥ و١٩٨، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٧٩، وتفسير البغوي ٢/ ١٥٥.
(٢) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٥٥، وزاد المسير ٣/ ١٢٤، والتفسير الكبير ١٤/ ٥٢.
(٣) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٥٥، ومجمع البيان ٤/ ٢٣٧، وزاد المسير ٣/ ١٢٤.
(٤) المنقول عن عروة أنه خشية الله، ينظر: تفسير الطبري ٨/ ١٩٦، والبغوي ٢/ ١٥٥، ومجمع البيان ٤/ ٢٣٧.
(٥) ينظر: التبيان في إعراب القرآن ١/ ٥٦٣، والمجيد ٢٢٥ - ٢٢٦ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي).
(٦) من ع وب. وينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٠١، والوجيز ١/ ٣٩٠، والتبيان في إعراب القرآن ١/ ٥٦٣.
(٧) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٨٠.
(٨) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٢٣٧، والتفسير الكبير ١٤/ ٥٤.
(٩) في ع وب: مستترين، وبعدها في ع: أو، بدل (لو). وينظر: التفسير الكبير ١٤/ ٥٤.
(١٠) (ما شاء الله) ليس في ك.
(١١) ينظر: الدعاء ٢٩٠، وسنن الترمذي ٢/ ٥٠٣، والجواهر الحسان ٣/ ٢٠.
(١٢) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٥٥، والبحر المحيط ٤/ ٢٨٥.
(١٣) في ب: تقدمهم، ولعل الصواب: تعرّيهم. وينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٠١ - ٢٠٣، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٥، والوجيز ١/ ٣٩١.
(١٤) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٣٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٥٥، والكشاف ٢/ ٩٩.
(١٥) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٠٣.
[ ١ / ٦٤٨ ]
ما جبل الطّبائع على ردّها وذمّها كالظّلم والكذب والغدر والتخنث (١) ونحوها، لم يوجبها الله تعالى في كتاب ولا لسان نبيّ ولا ندب إليها ولا أباح.
٢٩ - ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ:﴾ فيه دليل أنّ القسط موجود قبل الشّريعة وإلاّ لما صحّ الأمر به، وهو العدل الذي يتعادل به العقلاء (٢). (١١٢ و)
﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ:﴾ أي: أخلصوا عزائمكم ونيّاتكم وليكن كلّ واحد منكم ذا (٣) وجه واحد ولا يكوننّ (٤) ذا وجهين منافقا مرائيا ولا يكوننّ معرضا.
﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ:﴾ في كلّ متعبّد (٥).
﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ:﴾ تشبيه العود بالبدء (٦) من حيث التّقليب والتّركيب والإحياء والإنطاق، وعن ابن عبّاس أنّ التّشبيه لكونهم حفاة عراة غرلا بهما (٧).
وإنّما لم يقل: يعيدكم، لاعتبار نظم رؤوس الآي عند الكوفيّين، ولاعتبار سائر الأفعال المسندة إليهم عند الباقين.
٣٠ - ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ:﴾ أي: ثبت وظهر وتحقّق، تقول: حقّت الخيانة على فلان، أي: ظهرت (٨). وإنّما قال: ﴿هَدى،﴾ ولم يقل: أضلّ؛ لأنّ الله متّصف بالهداية من جميع الوجوه، غير متّصف بالإضلال (٩) من جميع الوجوه.
٣١ - ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ:﴾ أمر بستر العورة عند الطّواف والصّلاة، عن ابن عبّاس وعطاء ومجاهد (١٠). ويجوز أن يكون حكم التّرجيل والتّطيّب ولبس الجديد والألبسة الحسنة في الجمع والأعياد مأخوذا منها على وجه الاستحباب (١١).
وكان المشركون قد سوّل لهم الشّيطان أن لا يطوفوا في ثياب يبتدلون (١٢) فيها ويقولوا:
_________________
(١) في الأصل وك وع: والتحنث.
(٢) في ك: الفضلاء. وينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٣٠، وزاد المسير ٣/ ١٢٥، والتفسير الكبير ١٤/ ٥٧.
(٣) في ع: إذا.
(٤) النسخ الثلاث: يكون، والنون الثانية ساقطة، وكذا ترد قريبا في ع وب.
(٥) ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٣٤، والطبري ٨/ ٢٠٤ - ٢٠٥، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٥ - ٢٦.
(٦) في ب: بالمبدأ.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٠٨، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٨٤، وتفسير القرآن العظيم ٢/ ٢١٧.
(٨) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٥٦.
(٩) في ب: بإضلال. وينظر: روح المعاني ٨/ ١٠٨.
(١٠) ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٣٥، والطبري ٨/ ٢١٠ - ٢١٣، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٨٦.
(١١) ينظر: زاد المسير ٣/ ١٢٧، وتفسير القرطبي ٧/ ١٩٦، وتفسير القرآن العظيم ٢/ ٢١٩.
(١٢) كذا في نسخ التحقيق، ولعل الصواب: يذنبون.
[ ١ / ٦٤٩ ]
لا نطوف في ثوب عصينا الله فيه، فالغنيّ منهم قد أعدّ لطوافه ثوبا، والمتوسّط كان يكتري، والفقير كان يطوف عريانا، وربّما لا يكرون للمرأة الحسناء ثوبا (١) لتطوف عريانة فينظروا إلى عورتها، حتى طافت واحدة وقالت (٢): [من الرّجز]
البدن (٣) يبدو بعضه أو كلّه
فما بدا منه فلا أحلّه
فبيّن الله أنّه من تسويل الشّيطان، وأنّه فاحشة كحكم البحيرة والسّائبة، فأمر بستر العورة واستحلال لحوم حرّموها واستباحة ألبان حظروا عنها، ونهى عن مجاوزة الحدّ المعتاد في الأكل والشّرب واللبس حتى يصير شهرة في النّاس.
٣٢ - ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ:﴾ ما كانت الكفّار يحرّمونه على أنفسهم ممّا (٤) سبق ذكره، وكانت الحمس (٥) إذا أحرمت لم تتدسم بلحم ولا سمن ولا أقط، فنفى الله تعالى أن يكون ذلك حكمه (٦).
٣٣ - ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ:﴾ أحكامهم وشرائعهم المبتدعة (٧).
﴿وَالْإِثْمَ:﴾ ما اعترفوا بأنّه منكر (٨)، وقيل (٩): هو الخمر، قال الشّاعر (١٠): [من الوافر]
شربت الإثم حتى ضلّ عقلي كذاك (١١) الإثم يذهب بالعقول
﴿وَالْبَغْيَ:﴾ استطالة بعضهم على بعض (١٢). ولم يدخل في جملة الفواحش؛ لأنّهم لم يكونوا يستبيحونه، ولم يدخل في الإثم؛ لأنّهم (١٣) كانوا يفتخرون به ولا يقطعون الحكم بأنّه منكر. وقيل (١٤): الإثم والبغي (١٥) دخلا في الفواحش، وإنّما خصّهما لتعظيم شأنهما.
_________________
(١) (والمتوسط. . . ثوبا) ساقطة من ب، وبعدها: فتطوف، بدل (لتطوف).
(٢) عزي إلى بنت الأصهب الخثعمية في المنمق في أخبار قريش ١٢٩، وعزي إلى ضباعة بنت عامر بن قرط في تفسير القرطبي ٧/ ١٨٩، والإصابة ٨/ ٢٢٢.
(٣) كذا في النسخ الأربع، وفي المصادر: اليوم، وهو الصواب.
(٤) في ب: ما.
(٥) في الأصل وع: الخمس. والحمس: قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة وبنو النضر بن معاوية، سمّوا حمسا لشدّتهم في دينهم، ينظر: أسباب نزول الآيات ٣٣.
(٦) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٥٧.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢١٨.
(٨) ينظر: زاد المسير ٣/ ١٣٠.
(٩) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٩٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٥٨، والكشاف ٢/ ١٠١.
(١٠) بلا عزو في التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٩٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٥٨، وزاد المسير ٣/ ١٣٠.
(١١) في الأصل وع: كذلك، واللام مقحمة.
(١٢) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧٨، وتفسير الطبري ٨/ ٢١٩، وإعراب القرآن ٢/ ١٢٣.
(١٣) (لم يكونوا. . . لأنهم) ساقطة من ب.
(١٤) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ٦٦، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٠١.
(١٥) النسخ الأربع: والفواحش، والسياق يقتضي ما أثبت، وبعدها: (دخلا في الفواحش) مكررة في ب.
[ ١ / ٦٥٠ ]
وإنّما وصف البغي ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ؛﴾ لأنّ ظاهر الجهاد يتصوّر بغيا وهو بالحقّ لمكان الدّعوة إلى الإسلام بإذن الله ﷿ (١).
﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ:﴾ حرّم عليكم أن تشركوا به شيئا ما، وأيّ شيء فإنّ الله (٢) ﴿لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا.﴾
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ:﴾ أي: أن تكذبوا على الله بأن تجعلوا الفواحش من أحكامه (٣).
٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ:﴾ أجل الموت (٤)، وعن مقاتل أجل العذاب (١١٢ ظ) والإهلاك (٥)، وهي خاصّة على هذا القول.
اتّصال الآية بما قبلها من حيث التّهديد والإنذار بمجيء الأجل (٦) ودفعه لكي يبادروه إلى ما فيه الفلاح والنّجاة.
و(الاستقدام): التّقدّم إلى الأجل عند دنوّه، و(الاستئخار): التّأخّر (٧) والتّباعد عنه وهو غير ممكن (٨).
٣٥ - ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي:﴾ العهد المأخوذ (٩) على آدم وبنيه.
وهو عطف على قوله: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف:
٢٥]، وفصل ستر العورة وغيره كالعارض في الكلام.
٣٧ - ﴿أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ:﴾ ما وعدوا من خير أو شرّ، عن ابن عبّاس (١٠). فإنّ كان المراد به في الدّنيا فجرت الغاية في موضعه، وإن كان المراد به في الآخرة فهو عارض. وعن الرّبيع وابن زيد نصيبهم العمر والرّزق (١١). وعن مجاهد أعمال لم يعملوها بعد، لا شكّ أنّهم يعملونها (١٢)، أي: على قضيّة العلم والمشيئة والتّقدير.
_________________
(١) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ٦٦.
(٢) بعدها في ع: ما. وينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢١٩، ومجمع البيان ٤/ ٢٤٨.
(٣) (من أحكامه) ساقطة من ع. وينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢١٩، والبغوي ٢/ ١٥٨.
(٤) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٢٤٨، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٠٢، والبحر المحيط ٤/ ٢٩٥.
(٥) ينظر: زاد المسير ٣/ ١٣٠، والتفسير الكبير ١٤/ ٦٧.
(٦) في ك: العذاب. وينظر: البحر المحيط ٤/ ٢٩٥.
(٧) ساقطة من ب.
(٨) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٩١، ومجمع البيان ٤/ ٢٤٨.
(٩) في الأصل وك وع: المأخوذة. وينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٢٠ - ٢٢١.
(١٠) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٢٤، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٣٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٥٩.
(١١) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٢٥ - ٢٢٦، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٩٥، وزاد المسير ٣/ ١٣١.
(١٢) النسخ الثلاث: يعملونه. وينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٢٣، والقرطبي ٧/ ٢٠٣.
[ ١ / ٦٥١ ]
﴿جاءَتْهُمْ رُسُلُنا:﴾ الملائكة (١).
﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ:﴾ قيل (٢): عن الدّنيا إلى الآخرة، وقيل (٣): عن عرصة القيامة إلى النّار.
٣٨ - ﴿قالَ:﴾ الله تعالى، ﴿اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ،﴾ أي: في عدادهم (٤).
و(الأخوّة) بين الاثنين في الدّين (٥)، أو من حيث اجتماعهما في النّار.
﴿حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا:﴾ «أي: تداركوا وتلاحقوا» (٦).
﴿رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا:﴾ سنّوا لنا السّنن السّيّئة (٧) وأسّسوا قاعدة الضّلال.
﴿عَذابًا ضِعْفًا:﴾ مضاعفا (٨).
﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ:﴾ عذاب مضاعف (٩)، قيل: هم الأوّلون دون الآخرين، ﴿وَلكِنْ (١٠)﴾ لا تَعْلَمُونَ: ذلك ليجادلوا الآخرين، فتكون (١١) مجادلتهم نوع مشقّة وحزن وعذاب.
وقيل (١٢): هم الأوّلون والآخرون؛ لأنّ لكلّ أمّة استئناف الضّلالة وتأويل الفاسدة والرّضا بأن تكون بدعتها سنّة لمن بعدها.
٣٩ - ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ:﴾ مجادلة (١٣) منهم عن القول الأوّل.
﴿فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ:﴾ ليس لكم عذر تتفضّلون به علينا فإنّكم دخلتم في الضّلالة مختارين كما دخلنا من غير إكراه وإجبار (١٤). وكلامهم هذا اتباع لقول [البعض] (١٥): لكلّ أمّة ضعف، على القول الثّاني.
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٢٦، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٣٥، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٣١.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٢٦، وزاد المسير ٣/ ١٣٢، والتفسير الكبير ١٤/ ٧١.
(٣) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٩٦، ومجمع البيان ٤/ ٢٥٠، وزاد المسير ٣/ ١٣٢.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٢٧، والبغوي ٢/ ١٥٩، والقرطبي ٧/ ٢٠٤.
(٥) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧٨، وتفسير الطبري ٨/ ٢٢٧، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٣٩٧.
(٦) الوجيز ١/ ٣٩٣، وتفسير البغوي ٢/ ١٥٩.
(٧) في ك وع: السببية. وينظر: الوجيز ١/ ٣٩٣، وتفسير الطبري ٨/ ٢٢٨، والبغوي ٢/ ١٥٩.
(٨) ساقطة من ب. وينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧، ومجمع البيان ٤/ ٢٥١، وزاد المسير ٣/ ١٣٣.
(٩) في ب: مضاف، والعين ساقطة. وينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٣٦، وزاد المسير ٣/ ١٣٣.
(١٠) في الأصل وع وب: وإنّما.
(١١) في ع: فيكون.
(١٢) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٢٨، ومجمع البيان ٤/ ٢٥٢.
(١٣) في ع: مجادلته، وبعدها: (عن القول الأول) ساقطة من ك.
(١٤) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٢٥٢.
(١٥) من ك.
[ ١ / ٦٥٢ ]
٤٠ - ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ:﴾ لا ترفع أرواحهم إلى علّيّين ولا أعمالهم إذ ليس لهم كلام طيّب ولا عمل صالح (١)، وقيل (٢): لا يبارك عليهم فإنّ البركات تنزل من السّماء، وقيل (٣): لا يرحمون.
﴿حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ:﴾ وهو من الإبل كالرّجل من النّاس (٤).
﴿فِي سَمِّ الْخِياطِ:﴾ ثقب (٥) الإبرة وخرطها.
وفي مصحف ابن عبّاس: (الجمّل) بضمّ الجيم وتشديد الميم (٦)، وهو حبل السّفينة (٧)، وفي مصحف ابن مسعود: (في سم المخيط) وهو كالإزار والمئزر (٨).
وولوج الجمل في سمّ الخياط غير متصوّر إلاّ بتقليب أحدهما وتغيير (٩) التّركيب وحينئذ لا يبقى الاسم، وهي غاية الإياس (١٠)، كقول الشّاعر (١١): [من الوافر]
إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار (١٢) كاللّبن الحليب
٤١ - ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ:﴾ «جمع غاشية» (١٣).
٤٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها:﴾ فائدة العارض (١٤) بين المبتدأ والخبر هو الأمن من التّكليف بما فوق الطّاقة من الأعمال الصّالحات ووقوف الثّواب عليه (١٥).
_________________
(١) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٦٧، وتفسير الطبري ٨/ ٢٣٠ - ٢٣١، والبغوي ٢/ ١٦٠.
(٢) ينظر: الكشاف ٢/ ١٠٣، والتفسير الكبير ١٤/ ٧٦.
(٣) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٢٩٩.
(٤) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧٩، وتفسير الطبري ٨/ ٢٣٤ - ٢٣٥، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٣٦.
(٥) في ك: ثقبه، وفي ع وب: ثقبة. وينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٣٧، وغريب القرآن وتفسيره ١٤٥ - ١٤٦، والعمدة في غريب القرآن ١٣٤.
(٦) في ب: الجيم، وهو سهو. وينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧٩، وتفسير الطبري ٨/ ٢٣٤، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٣٥.
(٧) ينظر: تفسير سفيان الثوري ١١٢، والطبري ٨/ ٢٣٦ - ٢٣٧، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٣٨.
(٨) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧٩، والكشاف ٢/ ١٠٤، وزاد المسير ٣/ ١٣٥.
(٩) في ب: وتعسر.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٠٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٦٠، ومجمع البيان ٤/ ٢٥٤.
(١١) بلا عزو في روضة العقلاء ١٥٨، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٠٠، ومجمع البيان ٤/ ٢٥٤.
(١٢) في ع: القلب، وفي ب: العار.
(١٣) تفسير الطبري ٨/ ٢٣٩، والبغوي ٢/ ١٦٠، ومجمع البيان ٤/ ٢٥٣.
(١٤) في ب: التعارض.
(١٥) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٢٥٦، والتفسير الكبير ١٤/ ٧٨ - ٧٩، والبحر المحيط ٤/ ٣٠١.
[ ١ / ٦٥٣ ]
٤٣ - ﴿مِنْ غِلٍّ:﴾ تفسير لما في (١) صدورهم. والغلّ: الدّخلة والضّغن (٢) والحقد.
(١١٣ و) والمراد بالهداية ما وعد الله المؤمنين بقوله: ﴿يَوْمَ (٣)﴾ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الحديد:١٢]، وقيل: الوحي الكتاب؛ لأنّ الإيمان قبل الدّعوة لا يوجب الجنّة وإن كان في نفسه مسقطا للعقاب.
والمراد بالرّسل الذين يدخلونهم الجنّة يومئذ.
﴿وَنُودُوا:﴾ أي: ناداهم الله، أو نادتهم الملائكة (٤)، أو أصحاب الأعراف عند رفعهم أصواتهم بالتّحميد.
٤٤ - ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا:﴾ المراد بالوعد في حقّ أهل النّار الوعيد، وإنّما وقعت العبارة عنه بالوعد لازدواج الكلام، كقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف:٢٩]. ويحتمل أنّ المراد بالوعد في حقّ الفريقين جميعا هو البعث بعد الموت، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النّحل:٣٨].
وفائدة السّؤال التّقريع والتّبكيت (٥).
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ:﴾ «أعلم معلم» (٦)، وهو جبريل (٧)، عن ابن عبّاس.
﴿أَنْ:﴾ أي: بأن ﴿لَعْنَةُ اللهِ﴾ (٨).
٤٥ - ثمّ وصف الظّالمين في الحياة الدّنيا (٩).
٤٦ - ﴿وَبَيْنَهُما:﴾ «أي: بين الجنّة والنّار» (١٠).
﴿حِجابٌ:﴾ حاجز وحائل، وهو السّور الذي ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ﴾
_________________
(١) ساقطة من ع وب، وبعدها في ب: صدرهم، بدل (صدورهم).
(٢) في ك: والصغر. وينظر: لسان العرب ١١/ ٤٩٩ (غلل).
(٣) في الأصل وب: ثم، وبعدها في ب: (ترى المؤمنين بقوله ثم)، وهي مقحمة.
(٤) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ٨١، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٢.
(٥) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٠٨، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٠٩، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٢.
(٦) تفسير الطبري ٨/ ٢٤٦، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٠٦، ومجمع البيان ٤/ ٢٥٨.
(٧) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٠٣.
(٨) ينظر: مشكل إعراب القرآن ١/ ٢٩٢، والبيان في غريب إعراب القرآن ١/ ٣٦٢، وتفسير القرطبي ٧/ ٢١٠.
(٩) ينظر: إعراب القرآن ٢/ ١٢٧، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٠٩، وتفسير القرطبي ٧/ ٢١٠.
(١٠) تفسير البغوي ٢/ ١٦٢، والكشاف ٢/ ١٠٦، والتفسير الكبير ١٤/ ٨٦.
[ ١ / ٦٥٤ ]
﴿الْعَذابُ﴾ [الحديد:١٣]، وهو العذاب (١).
وأعراف الرّمال أشرافها، وواحد الأعراف عرف، ومنه عرف الدّيك (٢).
﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ:﴾ الذين استوت حسناتهم وسيّئاتهم، عن ابن عبّاس وابن مسعود وحذيفة (٣). وسئل ﷺ عنهم فقال: (هم الذين قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم) (٤).
وعن مجاهد الذين رضي (٥) عنهم أحد الأبوين دون الآخر (٦). وروي عن ابن عبّاس ولد الزّنا (٧)، وقيل (٨): أطفال المشركين.
والضّمير في قوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [عائد على] (٩) أصحاب الأعراف.
وقال عليّ ﵁: نحن الأعراف، يعني بني هاشم، نعرف كلاّ بسيماهم (١٠)، كأنّ الضّمير على تأويل عليّ (١١) [عائد على] أصحاب الجنّة (١٢)، ويجوز إطلاق أصحاب الجنّة قبل الدّخول فيها.
٤٧ - ﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ:﴾ أبصار أهل الأعراف (١٣)، وأصحاب الجنّة على قضيّة تأويل عليّ (١٤).
﴿تِلْقاءَ:﴾ الشّيء: تجاهه (١٥).
﴿قالُوا (١٦)﴾ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا: على قضيّة الرّوايات، يدلّ أنّ أصحاب الأعراف مرجون لأمر الله تعالى ويخافون دخول النّار، وعلى تأويل عليّ: قال أصحاب الجنّة عند المرور على الصّراط قبل دخول الجنّة.
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٤٦ - ٢٤٧، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤١٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٦٢.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٤٧، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٣٩ - ٤٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٦٢.
(٣) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٤٩ - ٢٥٢، وزاد المسير ٣/ ١٣٩، وتفسير القرطبي ٧/ ٢١١.
(٤) ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٣٧، والطبري ٨/ ٢٥٢، والبغوي ٢/ ١٦٢.
(٥) بعدها في النسخ الأربع: الله، وليس موضعها.
(٦) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٦٢ - ١٦٣، وزاد المسير ٣/ ١٣٩، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٤.
(٧) ينظر: زاد المسير ٣/ ١٣٩، وتفسير القرطبي ٧/ ٢١٢.
(٨) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٦٣، وزاد المسير ٣/ ١٣٩، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٤.
(٩) يقتضيها السياق. وينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٥٧، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٣٩، وتفسير البغوي ٢/ ١٦٣.
(١٠) ينظر: تفسير القرآن الكريم لأبي حمزة الثمالي ١٧٠.
(١١) (تأويل علي) ساقطة من ع، وبعدها: [عائد على] يقتضيها السياق.
(١٢) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٥٧، وزاد المسير ٣/ ١٤٠، وتفسير القرطبي ٧/ ٢١٣.
(١٣) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٥٨، وزاد المسير ٣/ ١٤٠.
(١٤) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ٤٠.
(١٥) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٥٨، والقرطبي ٧/ ٢١٤.
(١٦) في الأصل وع وب: قالا.
[ ١ / ٦٥٥ ]
٤٨ - ﴿رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ (١)﴾ بِسِيماهُمْ: مثل أبي جهل والوليد وشيبة وعتبة، يقول لهم (٢) أصحاب الأعراف على وجه اللّوم والتّقريع (٣).
٤٩ - ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ:﴾ مثل بلال وصهيب وسلمان والمقداد وغيرهم، كانت قريش تستبعد وجه فلاحهم (٤) وتنكر دخولهم الجنّة.
﴿لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ:﴾ لا تنالهم (٥) رحمة.
﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ:﴾ قيل لأصحاب الجنّة على سبيل الرّضا بدخولهم الجنّة (٦) عند دخولهم، وهو شبيه بالدّعاء، كما تقول للآكل: كل (٧) هنيئا، وللشّارب: أساغك الله.
وقيل: القول مضمر، وتقديره: قيل لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنّة بشفاعته (٨).
وقال ابن عبّاس: أصحاب الأعراف قوم ينتهى بهم إلى نهر يقال له الحيوان (٩)، جانباه (١١٣ ظ) قضب الذّهب مكلّل بالدّرّ، فيغتسلون فيه ويخرجون وفي نحورهم شامة، فيعودون فيغتسلون فيزدادون (١٠) بياضا وحسنا، فيقال لهم: تمنّوا، فيتمنّون ما شاؤوا، فيقال لهم: لكم سبعون ضعفا، فهم مساكين أهل الجنّة (١١).
وعلى قضيّة تأويل عليّ هذا القول قول أصحاب الأعراف لأصحاب (١٢) الجنّة قبل دخول الجنّة.
٥٠ - ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ (١٣)﴾ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ: من الأشربة والطّعام (١٤).
وإنّما استعمل الإفاضة على الجميع وإن كان فيه ما لا يتصوّر إفاضته على سبيل
_________________
(١) في ب: يعرفون، وهو خطأ.
(٢) في ب: بقولهم، بدل (يقول لهم)، وبعدها: (أصحاب) ساقطة منها.
(٣) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٦٣، وزاد المسير ٣/ ١٤٠، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٦.
(٤) ساقطة من ع. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٦٣، وزاد المسير ٣/ ١٤١.
(٥) في ك: تنلهم، وفي ع: تنيلهم.
(٦) ساقطة من ع. وينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٦١، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤١٥، وزاد المسير ٣/ ١٤١.
(٧) ساقطة من ك.
(٨) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٦١، وزاد المسير ٣/ ١٤٠ - ١٤١، والتفسير الكبير ١٤/ ٩١ - ٩٢.
(٩) في مصادر التخريج: الحياة. والرواية فيها جميعا عن عبد الله بن الحارث.
(١٠) في ب: فيزدادوا.
(١١) ينظر: الزهد لابن المبارك ٤٨٢، والزهد لهناد ١/ ١٥٠، ومصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٤٠.
(١٢) في ك: لأهل. وينظر: زاد المسير ٣/ ١٤١.
(١٣) (من الماء) ليس في ب.
(١٤) ينظر: الكشاف ٢/ ١٠٨، ومجمع البيان ٤/ ٢٦٥، وتفسير القرآن العظيم ٢/ ٢٢٨.
[ ١ / ٦٥٦ ]
الإتباع (١)، كقوله: ﴿أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾ [البقرة:٢٤٦]، وقال الشّافعيّ (٢): [من الوافر]
إذا ما الغانيات برزن (٣) يوما
وزجّجن الحواجب والعيونا
وإنّما لم يقولوا: لا نفيض؛ لأنّ فيه شمّة بخل ولكنّهم ذكروا وجه المنع وعلّته.
٥١ - ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ:﴾ من كلام الله، منسوق على قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف:٣٦ و٤٠] في أوّل الفصل.
٥٢ - ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ:﴾ أي (٤): أتيناهم.
﴿فَصَّلْناهُ:﴾ عالمين به وبمعانيه (٥)، ومجازه: فصّلناه على غير جهل ولا على جهل.
﴿هُدىً وَرَحْمَةً:﴾ يجوز أن يكون مفعولا له من فعل المجيء (٦)، وأن يكون حالا للضّمير في (فصّلناه) (٧).
٥٣ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ:﴾ والمراد بالتّأويل مآل ما تشابه (٨) من الوعيد وعاقبته وبيانه، كقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ [الفرقان:٧٧]، ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ (١٠) [الدّخان:١٠].
﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ:﴾ فيه (٩) معنى الطّلب والإرادة، ومثله قوله (١٠): ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصّافّات:٥٤]. ويحتمل أنّه بمعنى (١١) النّفي، كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ [البقرة:٢١٠]، ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ﴾ [فاطر:٣].
_________________
(١) ينظر: الكشاف ٢/ ١٠٨، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٧.
(٢) لم أقف عليه في ديوانه، وعزي إلى جميل بن معمر في الأحاديث الطوال ٧٨، ومجمع الزوائد ٨/ ٢٧٦، ولم أقف عليه في ديوانه أيضا، وهو في شعر الراعي النميري ١٥٠، وعزي إليه في شرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٥ - ٧٧٦، وروايته فيهما: وهزّة نسوة من حيّ صدق يزجّجن الحواجب والعيونا.
(٣) النسخ الثلاث: يزرن.
(٤) ساقطة من ك وع.
(٥) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤١٨، والكشاف ٢/ ١٠٩، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٨.
(٦) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤١٩، ومجمع البيان ٤/ ٢٦٦، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٨.
(٧) ينظر: إعراب القرآن ٢/ ١٢٩، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٢٩٣، والكشاف ٢/ ١٠٩.
(٨) في ع وب: يشابه. وينظر: الكشاف ٢/ ١٠٩.
(٩) ساقطة من ب.
(١٠) في ك: كقوله.
(١١) النسخ الأربع: نهي، والسياق يقتضي ما أثبت.
[ ١ / ٦٥٧ ]
﴿فَيَشْفَعُوا لَنا:﴾ جواب الاستفهام بالفاء (١).
﴿أَوْ نُرَدُّ:﴾ «أو هل نردّ» (٢).
وإنّما خسروا أنفسهم لكونها رهينة بما كسبت.
٥٤ - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ:﴾ فصل في دلائل الرّبوبيّة ترتّب على فصل الوعد والوعيد ليكون أنجع (٣) في القلوب، وكذلك هو في أوّل سورة البقرة.
و﴿السَّماواتِ:﴾ إنّما لم يجمع سماءات؛ لأنّ الهمزة في وحدانها (٤) غير أصليّة، وهي واو انقلبت (٥) همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة (٦).
﴿سِتَّةِ:﴾ اسم عدد الثّلاث مرّتين، أصله: سدسة (٧).
والمراد به الأيّام العقباويّة، كلّ يوم ألف سنة من سني الدّنيا (٨)، يدلّ عليه ما يروى من خلق آدم ﵇ ودخوله في الجنّة وخروجه منها وبكائه على خطيئته وقبول توبته، كلّ ذلك في آخر يوم الجمعة، وقيل: والجمعة الثّانية يوم القيامة.
والحكمة في الخلق على المهلة مع كونه مقدورا في أقلّ من لحظة هو (٩) التّنبيه على حسن الوقار.
وقوله: ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يدلّ [على] (١٠) أنّ العرش لم يكن مستوى عليه في هذه الأيّام السّتّة مع كونه موجودا من قبل لقوله: ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ [هود:٧].
وهذا الكلام يفيد كون العرش آية على الرّبوبيّة يوجب العلم لمن (١١) شاهده من غير استدلال، فإنّ العيون تتّجه إليه عند رؤية من تعالى عن الجهات، وإنّ الأسماع تصغي إليه عند استماع كلام من تعالى عن المخارج واللهاة (١٢).
_________________
(١) ينظر: إعراب القرآن ٢/ ١٣٠، والتبيان في إعراب القرآن ١/ ٥٧٣، وتفسير القرطبي ٧/ ٢١٨.
(٢) معاني القرآن للفراء ١/ ٣٨٠، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٤٢، وإعراب القرآن ٢/ ١٣٠.
(٣) في ع: الجمع.
(٤) في ع: واحدتها.
(٥) في ب: تقلب.
(٦) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٢١.
(٧) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ٩٦، وتفسير القرطبي ٧/ ٢١٨، والمجيد ٢٤٤ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي).
(٨) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٦٨، والبغوي ٢/ ١٦٤، والقرطبي ٧/ ٢١٩.
(٩) في ع: وهو، والواو مقحمة. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٦٤، والقرطبي ٧/ ٢١٩.
(١٠) من ب، و(يدل على أن العرش) ساقطة من ع.
(١١) في ع: بمن.
(١٢) في الأصل وع وب: واللهات.
[ ١ / ٦٥٨ ]
وهو سرير كما شاء الله فوق السّموات السّبع، وهو سقف الفردوس فيما يروى (١).
ولقد سأل (١١٤ و) إسرافيل ﵇ الرفيع عن عرش ربّ العزّة قال: سألت الروح (٢) عن عرش ربّ العزّة قال: سألت القلم (٣) عن عرش ربّ العزّة قال: إنّ للعرش (٤) ثلاث مئة وستّين ألف قائمة، كلّ قائمة من قوائمه مثل الدّنيا ستّين ألف مرّة، تحت كلّ قائمة ستّون (٥) ألف مدينة، في كلّ مدينة ستّون ألف صحراء، في كلّ صحراء ستّون ألف عالم، في كلّ عالم (٦) مثل الثّقلين الجنّ والإنس ستّين (٧) ألف مرّة لا يعلمون أنّ الله تعالى خلق آدم ولا إبليس، ألهمهم الله تعالى أن يستغفروا لأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ومحبّيهم، ومصداق هذا الحديث قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التّوبة:١٢٩]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧].
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ:﴾ يكسو (٨) ظلمة اللّيل نور النّهار ويسترها به، والنّور هو المشبه باللّباس؛ لأنّه عارض طارئ والظّلمة هي (٩) الأصل.
﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا:﴾ صفة النّهار على سبيل التّشبيه أيضا، أي (١٠): كأنّه طالب اللّيل مسرعا في أثره (١١). والطّلب لا محالة قبل التغشية (١٢) فهو الإصباح وهو طلوع الشّمس.
و(التّسخير): تصريف الشّيء لا على (١٣) اختياره.
﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ:﴾ الفعل والقول، ليس الخلق بأمر ولا الأمر بخلق (١٤).
٥٦ - ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها:﴾ الهاء عائدة إلى الأرض.
_________________
(١) ينظر: فيض القدير ٢/ ٤٣٧.
(٢) في الأصل وع وب: اللوح.
(٣) في ب: العلم.
(٤) (قال إن للعرش) ساقطة من ب.
(٥) ساقطة من ع.
(٦) (في كل عالم) ساقطة من ع.
(٧) ساقطة من ك.
(٨) في ع: يكسر.
(٩) في ك وب: هو. وينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٦٨.
(١٠) ساقطة من النسخ الثلاث.
(١١) ينظر: تفسير القرطبي ٧/ ٢٢١.
(١٢) في الأصل وع: التعشية.
(١٣) في ب: الشمس على، بدل (الشيء لا على). وينظر: لسان العرب ٤/ ٣٥٣ (سخر).
(١٤) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٦٥، والقرطبي ٧/ ٢٢١ - ٢٢٢.
[ ١ / ٦٥٩ ]
وإصلاحها وضع الميزان فيها وإنزال الكتب (١) إلى أهلها.
و(الخوف) من قضيّة (٢) الهيبة، و(الطّمع) من قضيّة حسن الظّنّ، فالله (٣) تعالى عزيز لا يوازيه عزيز، كريم لا يضاهيه كريم (٤)، ليس يعرفه من لا يهابه خائفا ولا يحسن الظّنّ به راجيا، كما لا يعرف السّرور من لا يرضاه، ولا يعرف الحزن من لا يكرهه (٥).
وإنّما قال: ﴿قَرِيبٌ﴾ لاعتبار المعنى (٦)، وهو الفعل.
٥٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا (٧)﴾: منشرة في الآفاق، فإن كانت فاعلة فإنّها تنشر السّحاب بإذن الله تعالى. وبشارتها أداؤها حروف الكلم إلى الأسماع بإذن الله، ويحتمل أنّها إيهام ما جرت به العادة في العلم من الحوادث السّارّة والضّارّة تتبع الرّياح المختلفة.
﴿أَقَلَّتْ:﴾ استقلّت وحملت (٨).
و(السّحاب): اسم جنس، واحدتها سحابة (٩).
و(الثّقال): جمع الثّقيل، كالغلاظ جمع الغليظ (١٠).
وإنّما وصف السّحاب الثّقال على اعتبار الجمع، وهو (١١) لغة تميم، ومثله قوله: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقّة:٧].
﴿سُقْناهُ:﴾ الهاء عائدة إلى السّحاب (١٢). وهو لغة قريش، يذكرون بلفظ الوحدان كلّ جمع لا فرق بينه وبين واحدته إلاّ بالهاء (١٣).
_________________
(١) النسخ الثلاث: الكتاب. وينظر: زاد المسير ٣/ ١٤٦، والتفسير الكبير ١٤/ ١٣٣.
(٢) في ب: مضيه.
(٣) النسخ الثلاث: بالله.
(٤) (لا يضاهيه كريم) ساقطة من ب.
(٥) ينظر: تفسير القرطبي ٧/ ٢٢٧.
(٦) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٦٦، والقرطبي ٧/ ٢٢٧ - ٢٢٨، ولابن القيم تفصيل طويل في هذه المسألة في بدائع الفوائد ٣/ ٥٢٩ - ٥٤٥.
(٧) في الأصل وع وب: نشرا، وبعدها في ك وب: مبشرة، بدل (منشرة). وبشرا قراءة عاصم، وقرأ ابن عامر: (نشرا)، وقرأ حمزة والكسائيّ: (نشرا)، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: (نشرا)، ينظر: حجة القراءات ٢٨٥ - ٢٨٦، وتفسير البغوي ٢/ ١٦٧، والمجيد ٢٤٨ - ٢٤٩ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي).
(٨) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٦٩، وتفسير الطبري ٨/ ٢٧٣، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٤٥.
(٩) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٤٥، والتفسير الكبير ١٤/ ١٤١.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٣١.
(١١) في ب: وهي.
(١٢) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ٤٥، وتفسير البغوي ٢/ ١٦٧، وزاد المسير ٣/ ١٤٨.
(١٣) ينظر: إعراب القرآن ٢/ ١٣٣، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٢٩.
[ ١ / ٦٦٠ ]
﴿فَأَنْزَلْنا بِهِ:﴾ أي: بالسّحاب وبسببه، أو بذلك البلد وفيه (١).
﴿كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى:﴾ كما أخرجنا النّبات (٢)، قيل: إنّ الأرض تمطر بماء (٣) كالمني أربعين صباحا بعد الهمزة، وهي الرقدة أربعين سنة فيما بين النّفختين، فتنبت (٤) الموتى بإذن الله تعالى كما نبتوا في الأرحام بإذنه تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.﴾
٥٨ - ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ:﴾ الأرض السّهل المنبت الذي طبيعته كريمة (٥).
﴿وَالَّذِي خَبُثَ:﴾ هي السّبخة ونحوها (٦).
﴿لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِدًا:﴾ لا يخرج نباته (١١٤ ظ) إلاّ عسرا قليل الخير (٧).
وهذا تنبيه على صفة المؤمن الكريم والكافر اللّئيم (٨).
٥٩ - ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ﴾ (٩): ذكر جماعة من أهل العلم بالأنساب والتّواريخ أنّ آدم ﵇ لمّا قارب أجله أوحى الله إليه يأمره (١٠) باستخلاف شيث ﵇ على ذرّيّته، فقام فيهم خطيبا بلغته فقال (١١): الحمد لله الذي خلقني بيده، ونفخ فيّ من روحه، وأسجد لي ملائكته، وعلّمني أسماءه (١٢)، وأسكنني جنّته، فمضت مشيئته في معصيتي له وإخراجي من جواره، فله الحمد على إقالته عثرتي، ورحمته ضعفي، وتوبته عليّ، ومغفرته لي، ومعونته إيّاي على محاربتي عدوّي إبليس، وله المنّ في ذلك والطّول، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، الباقي بعد فنائي وانقراض عمري، عليكم يا بنيّ بطاعة الله، والإنابة إلى أمر الله، والرّضا بقضاء الله ﵎ تنالوا بذلك رضوان الله، وتأمنوا به سخطه (١٣)، واجتنبوا طاعة النّساء، فبئس الشّركاء هنّ ولا بدّ منهنّ. ثمّ أخبرهم بعذاب نازل بعد ألف سنة من وفاته، وبعد ألفي سنة ومئتين في بعض الرّوايات، وكلاهما ممكن؛ لأنّ بعد الشّيء
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٤٥، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٤٥، وتفسير البغوي ٢/ ١٦٧.
(٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٣١، والكشاف ٢/ ١١١، والتفسير الكبير ١٤/ ١٤٣.
(٣) في ع: بها.
(٤) في ع: فينبت. وينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٧٤، والبغوي ٢/ ١٦٧.
(٥) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٧٤، والكشاف ٢/ ١١٢، والبحر المحيط ٤/ ٣٢٢.
(٦) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٧٦، والبغوي ٢/ ١٦٨، والكشاف ٢/ ١١٢.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٧٤ - ٢٧٥، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٣٣، والتفسير الكبير ١٤/ ١٤٥.
(٨) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٣٠، وتفسير الطبري ٨/ ٢٧٥، والبغوي ٢/ ١٦٧ - ١٦٨.
(٩) ينظر في قصة نوح ﵇ والطوفان: البداية والنهاية ١/ ١١٣ - ١٣٧.
(١٠) ساقطة من ك.
(١١) في ك: قال.
(١٢) (وعلمني أسماءه) ساقطة من ب.
(١٣) في ك: غضبه.
[ ١ / ٦٦١ ]
لا يقتضي الاقتران به، يجوز الاتّصال والانفصال، وأمرهم باحتفاظ جسده إلى أن ينجلي العذاب ثمّ يدفنوه في (١) الأرض المقدّسة، وبشّر من يتولّى حفظ التّابوت إلى الأرض المقدّسة بطول العمر وإرجائه إلى يوم القيامة، واستخلف عليهم شيث ﵇، وودّعهم، وفرغ من خطبته، ومرض من يومه، وسمّى لشيث مكانا أرسله إليه لعلّه يلقى الرّوح الأمين ﵇ فيستهديه (٢) شيئا من ثمار الجنّة، فمضى شيث إلى ثمّ (٣) فإذا هو بجبريل ﵇ ينعى إليه أباه ويعزيه ويخبره (٤) بأنّهم نزلوا للصّلاة عليه، فرجع معهم وغسّل أباه وحنّطه وكفّنه بتعليم جبريل ﵇، ثمّ قدّم جبريل ﵇ شيث ليصلّي عليه أبيه، وقام جبريل مع الملائكة خلفه، ثمّ إنّ شيث أودع أباه تابوتا من الساج، وتولّى الأمر وهو ابن ثلاث مئة سنة، وتوفّي وهو ابن ثمان مئة، واستخلف على قومه قينين، فتولّى الأمر بعد أبيه (٥) وهو ابن خمس مئة سنة، وحارب الجنّ وأثخن فيهم القتل، وتوفّي وهو ابن سبع مئة سنة. فمن وفاة آدم (٦) إلى وفاة قينين على هذا الحساب سبع مئة سنة، فكأنّه كان قد ولد يوم وفاة آدم. والله أعلم أهذه السنون (٧) شمسيّة أم قمريّة أم كان النّاس يحسبون في ذلك الزّمان مدّة مسير الشّمس في البروج الشّاميّة سنة كاملة على حدتها (٨)، ومسيرها في البروج اليمانيّة كذلك، كحساب طائفة من الهنود. ويحتمل أنّ حسابهم كان على حساب سائر النّجوم السّيّارة سوى النيرين.
وهذه تواريخ قد فسدت باختلاف العبارات والعادات، فمن المخبرين من يذكر مدّة ما بين ولادة الأوّل إلى ولادة الثّاني، ومنهم من يذكر هذه ما بين وفاة ذلك إلى ولادة هذا، ومنهم (١١٥ و) من يذكر ما بين خروج ذلك إلى خروج هذا، ومنهم من يذكر من وقت فلان إلى وقت فلان لا يقف على مراده من الوقت، ومنهم من يترجم فيغلط في التّرجمة، ومنهم من يستدلّ على الحوادث الماضية بأمارات (٩) نجوميّة من اجتماعها وافتراقها فيقتضي بأنّ تلك الحادثة كانت عند تلك (١٠) الأمارات، ويقطع الحكم ثمّ يستخرج الحساب على هذه القضيّة (١١)،
_________________
(١) في ع: إلى.
(٢) مكانها في ب: فيستشهد به، وبعدها (شيئا) ساقطة منها.
(٣) بياض في ك مكان (إلى ثمّ).
(٤) في الأصل وك وع: ويخبر، والهاء ساقطة.
(٥) ساقطة من ب.
(٦) ليس في ب.
(٧) في ب: السنين.
(٨) (على حدتها) ساقطة من ب.
(٩) في ك: لأمارات، وفي ع: من أمارات.
(١٠) ساقطة من ب.
(١١) في ك: القصة.
[ ١ / ٦٦٢ ]
ومنهم من يتعمّد الكذب، فالواجب أن لا يعتمد على شيء من ذلك ما لم يكن ثابتا بالتّواتر أو الإعجاز (١).
ثمّ قام بالأمر بعد قينين ابنه مهلايل وقام في النّاس خطيبا بلغته وقال: الحمد لله الذي علا في سنائه، وتلألأ في بهائه، وتعظّم في كبريائه، ونفذ أمره في أرضه وسمائه، أحمده على ما ساق إلينا من نعمته، وأفضل علينا من كرامته، أيّها النّاس عليكم بطاعة ربّكم الذي بيده نواصيكم، وإليه منقلبكم ومثواكم، اجتنبوا سخطه وتمسّكوا بدينه تنالوا بذلك رحمته، وتأمنوا به من عذابه، ولا قوّة إلاّ بالله. وامتلأت أرض الحجاز ويمامة في أيّامه من النّاس (٢)، ووقع بينهم التّباغي والتّحاسد، ففرّقهم خمس فرق، أسكن (٣) أولاد شيث بالعراق وسيّر الفرق الأربع (٤) إلى مهبّ الرّياح الأربع، وأمّر عليهم، زعموا، ودّا وسواعا ويغوث ويعوق (٥) ونسرا، وهم رجال صالحون، فلمّا درج مهلايل ودرجوا من بعده اتّخذ النّاس تماثيل على صورهم يسكنون إلى رؤيتها، ثمّ طال الزّمان وانتشأت الذّرّيّة على ذلك فاعتادت وعبدت التّماثيل، وبقي النّاس فوضى لم يملّكوا أحدا ولم يجتمع (٦) أمرهم. وكان مهلايل قد ولد له اليارد، ولليارد أخنوخ وهو إدريس النّبيّ (٧) ﵇. ولم يبلغنا كميّة بقاء مهلايل واليارد في الدّنيا، ولا سمعنا متى ولد أخنوخ ﵇. قالوا: وولد لأخنوخ متوشالخ على رأس ثلاث مئة سنة من عمره، فلمّا بلغ ثلاث مئة وخمسا (٨) وستّين رفعه الله مكانا عليّا، وكيفيّة قصّته تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى. وولد لمتوشالخ لمك (٩)، وللمك نوح ﵇ فأرسله (١٠) الله إلى قومه وهو ابن مئتين وخمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاما بعد الدّعوة، أو مع ما مضى قبل الدّعوة، وعايش ثلاثة قرون منهم، فلم يجبه إلاّ (١١) ثمانون شخصا من رجل وامرأة، كان الرّجل من الكفّار يحمل ولده إلى نوح ﵇ فيريه إيّاه ويقول: يا بنيّ لا يفتننّك هذا الشّيخ المجنون عن دينك ودين آبائك، فلمّا ضاق ذرعا دعا على قومه: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ﴾
_________________
(١) كان الأولى بالمؤلف ﵀ أن يلزم نفسه هذا القول.
(٢) (عليكم بطاعة ربكم. . . الناس) مكررة في ب.
(٣) في ع وب: أمسك.
(٤) في ك: الرابع.
(٥) في ب: ويعود، وهو تحريف.
(٦) النسخ الثلاث: يجتمعوا.
(٧) ليس في ك.
(٨) ساقطة من ك.
(٩) في ب: لملك، وبعدها: وللملك، بدل (وللمك).
(١٠) مكررة في ع.
(١١) مكررة في ب.
[ ١ / ٦٦٣ ]
﴿الْكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح:٢٦]، فاستجاب الله دعاءه وأمره بغرس الشّجر، شجر الساج، فعلم نوح ﵇ أنّ في الأمر مهلة، فأمر بغرس الأشجار (١) عشر سنين، وأدركت القطع بعد أربعين سنة، ثمّ أمر الله بقطعها واتّخاذ السّفينة منها، وألهمه كيفيّتها فعمل السّفينة على خلقة البطّ، وجعل لها رأسا كرأس الدّيك، وذنبا كذنب الطّاووس، (١١٥ ظ) وصيّرها أربعة أطباق، طبقا له ولأصحابه وطبقا للبهائم والوحوش وطبقا للسّباع (٢) وطبقا كالسّقف في بعض الرّوايات لئلاّ يصل المطر إليهم من نحو السّماء، وقيّرها داخلا وخارجا، وسدّها بالمسامير، وفرغ من ذلك فبينا (٣) ابنته تختبز إذ فار (٤) التّنّور بالماء وفجّرت الأرض عيونا فبادرت إلى أبيها تخبره، فنادى نوح في أصحابه فاجتمعوا إليه ودخلوا السّفينة، وحشر الله إليه (٥) حيوان الأرض فأخذ من كلّ جنس زوجين، وامتنع الحمار عن الدّخول فزجره نوح وقال: ادخل يا شيطان، فدخل إبليس معه، فلمّا أبصره نوح ﵇ قال: من أدخلك (٦)؟ قال: أنت وليس لك عليّ سلطان فإنّي من المنظرين، ودعا (٧) نوح ابنه يام فلم يجبه، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين.
واختلف النّاس في عوج بن عنق، قال بعضهم: لم يغمره الماء ولم تدركه دعوة نوح؛ لأنّه لم يكن ديّارا، أي: صاحب دار. وقال بعضهم: شذّ عن عموم الدّعوة واختصّت الدّعوة بالباقين.
ويحتمل أنّه كان من أصحاب السّفينة ثمّ كفر بعد ذلك بهود وسائر الأنبياء. وقيل: إنّه من ذرّيّة إرم بن سام، ولد بعد الطّوفان.
فكانت أبواب السّماء مفتّحة بماء منهمر والأرض متفجّرة بالماء أربعين يوما، ثمّ قال (٨):
﴿يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاِسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤] بعد سبعة وخمسين يوما، وقيل: بعد مئة وخمسين يوما، وقيل: بعد ستّة أشهر، وقال وهب: وإنّما استقرّت لعشر خلون من رجب، وقيل: إنّه خرج من السّفينة لعشر خلون من المحرّم. والجوديّ من جبال الجزيرة، فابتنى نوح ﵇ هناك (٩) مذبحا لله تعالى وقرّب
_________________
(١) في ك: الساج.
(٢) (وطبقا للسباع) ساقطة من ك.
(٣) في ك: فبينما.
(٤) في ب: وفار، بدل (إذ فار).
(٥) في ع: إليهم.
(٦) في ب: دخلك.
(٧) في ب: ونادى.
(٨) (ثم قال) ساقطة من ب.
(٩) ساقطة من ك.
[ ١ / ٦٦٤ ]
قربانا، وأنشأ الله تعالى على قربانه ريح الرّاحة (١)، وبارك عليه وعلى بنيه، وابتنى نوح هناك قرية الثّمانين. قالوا: وغرس ما كان حمل في السّفينة من الفواكه، وافتقد الكرم، كان إبليس قد استرقه فردّه على شرط أن يكون ثلثاه له.
وزعموا أنّ أصحاب السّفينة لم يعقبوا إلاّ ثلاثة منهم: سام وحام ويافث، بنو (٢) نوح ﵇، ومن النّاس من أنكر هذا القول وقال: لو كان كذلك لقال الله تعالى في سورة بني إسرائيل: ذرّيّة نوح، ولما قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء:٣]، ويدلّ على هذا المعنى أيضا قوله ﷾: ﴿يا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود:٤٨]، ويحتمل أنّ المراد بمن معه بنوه ونساؤهم دون غيرهم.
وأرباب الملك كلّهم في الأقاليم كلّها ما خلا الهنود والمانويّة (٣) مقرّون معترفون بالطّوفان، ودلّتهم الدّلائل النّجوميّة على كونه أيضا قبل إسكندر بألفي سنة وسبع مئة واثنتين وتسعين (٤) سنة، وقالت النّصارى: قبل إسكندر بألفي سنة وتسع مئة وستّ وخمسين سنة، (١١٦ و) وقالت اليهود: قبل إسكندر بألف سنة وسبع مئة واثنتين وتسعين سنة، فتاريخ النّصارى أقرب إلى القبول وهو يتقدّم على تاريخ المنجمة بمئة وأربع وستّين، وكذلك على تاريخ مولد باسديو الهند يتقدّم على تاريخ (٥) الهند بألف كاملة ومئتي سنة. وإنّما اخترنا تاريخ النّصارى؛ لأنّهم أعرف بإسكندر وأضبط للحساب على مذهب اليونانيّة، وعهدهم بالوحي السّماويّ أقرب من اليهود، وكتابهم أقلّ تحريفا وتبديلا، ولأنّ الطّوفان ينبغي أن يكون متقدّما (٦) على مولد باسديو الهند لا محالة فإنّ الهند تهندت وتبلبلت الألسن، والله أعلم بالحقيقة.
قالوا: وعاش نوح ﵇ بعد الطّوفان مئتين وخمسين سنة، ثمّ استخلف سام على ولده، وتوفّاه الله تعالى إلى رضوانه، وندب سام أصحاب السّفينة إلى حمل تابوت آدم (٧) ﵇ إلى الأرض المقدّسة بعد ما كثر النّاس وعاد إلى الأرض بهجتها وأنسها، فانتدب الخضر ﵇ وحمله إلى بيت المقدس ودفنه هناك، فهو (٨) حيّ إلى اليوم، وهو صاحب موسى ﵉، وهو من أولاد قابيل، زعموا. وقيل: الخضر صاحب موسى بليا بن ملكان بن
_________________
(١) في ب: الراحلة.
(٢) ساقطة من ب.
(٣) في ب: والمانيوية.
(٤) في ب: وتسعون، وهو خطأ.
(٥) (المنجمة. . . تاريخ) ساقطة من ب.
(٦) في ب: مقدما.
(٧) ليس في ب.
(٨) في ع: فهي.
[ ١ / ٦٦٥ ]
فالغ بن عابر (١) بن شالخ بن أرفخشد ابن سام، وقيل: هو من ذرّيّة قوم آمنوا بإبراهيم ﵇ وهاجروا (٢) معه إلى الشّام، والله أعلم بالحقيقة.
قالوا: وولي الأمر سام بعد أبيه مئتي سنة، كان يشتو بأرض جوخى (٣) ويصيف [بأرض] (٤) الموصل، وقيل: [كان] (٥) ممرّه على شطّ دجلة من الجانب الشّرقيّ فسمّي (٦) سامراه، وهو يدعى اليوم سامرة وسرّ من رآه (٧). ثمّ توفّي سام، واستخلف على ولده وسائر النّاس ابنه أرفخشد، قيل: وهو الذي تسمّيه العجم إيران، فعمر أرض العراق عمارة تامّة واختصّها لنفسه، وبقي ثلاث مئة سنة، ثمّ توفّي، واستخلف ابنه شالخ، فولي شالخ الأمر بحسن السّيرة والعدل مئتي سنة، ثمّ توفّي، واستخلف ابن أخيه جم بن نويجهان بن أرفخشد، قالوا: وفي أيّامه تبلبلت الألسن (٨). هذه قصّة نوح بفاتحتها وخاتمتها على الإجمال والإيجاز.
وقيل: إنّ الطّوفان كان مختصّا بأرض العراق والجزيرة (٩) والحجاز، والمراد بالأرض في قوله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح:٢٦] هذه البلاد دون غيرها من البلدان.
٦١ - ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ:﴾ أي: لم يعرض لي هذا المعنى، كما يقال: ما بي (١٠) داء، وما بي آفة.
٦٢ - ونصحته ونصحت له (١١) بمعنى.
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ:﴾ من أمره وحكمه.
٦٣ - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ:﴾ ألف استفهام دخلت (١٢) على واو العطف، والتّقدير (١٣): أكفرتم وعجبتم (١٤). والعجب استبعاد وجه جواز الشّيء وإمكانه على سبيل اعتبار العادة (١٥).
_________________
(١) في ك: عامر.
(٢) في ب: وهاجرا، والواو ساقطة.
(٣) بالضّمّ والقصر، وقد يفتح: اسم نهر عليه كورة واسعة في سواد بغداد، ينظر: معجم ما استعجم ٢/ ٤٠٣، ومعجم البلدان ٢/ ١٧٩.
(٤) من ك.
(٥) من ب.
(٦) في ب: فسموا.
(٧) في ع: ورآه.
(٨) بعدها في ك: قالوا، وهي مقحمة.
(٩) في ع: أو الجزيرة.
(١٠) في ك: في. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٣٧، ومجمع البيان ٤/ ٢٨٠.
(١١) في ع. آية. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٦٩، والكشاف ٢/ ١١٥، وزاد المسير ٣/ ١٥٠.
(١٢) في ك: أدخلت.
(١٣) في ب: والتقديم، وهو تحريف.
(١٤) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٨٣، والكشاف ٢/ ١١٥، والتفسير الكبير ١٤/ ١٥٢.
(١٥) ينظر: لسان العرب ١/ ٥٨٠ (عجب).
[ ١ / ٦٦٦ ]
وإنّما توجّه عليهم الإنكار لمعنيين: لمجيء آدم وشيث وإدريس ﵈ من قبل، ولأنّ إجراء العادة على سننها (١١٦ ظ) غير واجب على الله ﷾.
٦٤ - ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا:﴾ إن كان عوج من المكذّبين فهذا عموم بمعنى الخصوص وإلاّ فهو عامّ.
و(عم) على وزن فعل، من عمي يعمى، تقول: هو عم وهما عميان وهم عمون (١).
٦٥ - ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا﴾ (٢): ذكر جماعة من أهل العلم بالأنساب والتّواريخ أنّ جم بن نويجهان علا في الأرض وجعل أهلها شيعا، فتنافرت القلوب وتبلبلت الألسن، فخرج أولاد يافث إلى مهبّ الصّبا والشّمال وتفرّقوا في تلك الدّيار، وملكهم، زعموا (٣)، فراسياب بن ياسر بن بوذاب (٤) بن الترك بن يافث حتى استولى عليه (٥) وعليهم غانم بن علوان أخو (٦) الضّحّاك بن علوان بن عمليق بن عاد بأمر عمّه (٧) شديد بن عمليق بن عاد، ولمّا زال سلطان عاد عن ديار الشّرق قام بملك أولاد يافث، زعموا (٨)، فراسياب بن ياسر بن بوذاسب بن الترك بن يافث، فكرّ بجنوده إلى العراق واستولى عليها سنين، وقتل (٩) منوشهر بن كنعان بن نمرود، وكنعان (١٠) هو المسمّى إيرج (١١)، ونمرود هو المسمّى فريدون، وامتدّ ملك فراسياب على العراق إلى أن خرج عليه زاب (١٢) بن بوذكاب بن منوشهر مفترصا أيّام الشّتاء، وتفرّق عسكره من أولاد يافث خلف أموالهم المواشي، فانحاز فراسياب من العراق إلى ديار الهياطلة، ثمّ التقت الفئتان بعد ذلك في أرض خراسان، وأصاب فراسياب سهم غرب فخالط (١٣) فؤاده، وانصرفت أولاد يافث إلى ديارهم، ومات زاب فجأة بعد ذلك بشهر.
_________________
(١) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٢٦.
(٢) ينظر في قصة هود ﵇ وعاد: تاريخ الطبري ١/ ١٥٢ - ١٥٨، وتفسير البغوي ٢/ ١٧١ - ١٧٣، والبداية والنهاية ١/ ١٣٧ - ١٤٩.
(٣) النسخ الثلاث: وزعموا.
(٤) في ب: بوذاسب.
(٥) ساقطة من ب.
(٦) في ع: ابن.
(٧) النسخ الثلاث: عمها، و(بأمر عمه شديد بن عمليق بن عاد) مكررة في ب.
(٨) بعدها في ب: في، وهي مقحمة.
(٩) في ع: وقيل.
(١٠) (بن نمرود وكنعان) ساقطة من ب.
(١١) في ع: ابزج.
(١٢) في ب: ذاب، وكذا ترد قريبا.
(١٣) مكانها في النسخ الثلاث: فلم يخط.
[ ١ / ٦٦٧ ]
وأمّا أولاد حام إذ تبلبلت الألسن فقد (١) خرجوا إلى مهبّ الدّبور والجنوب فتفرّقوا في تلك الدّيار، واستولى على المغاربة منهم الوليد بن الرّيّان بن عاد بأمر ابن (٢) عمّه شديد بن عمليق بن عاد، واستولى على المشارقة منهم غانم بن علوان الذي كان قد استولى على أولاد يافث، وقيل: كان فور ملك الهند الذي قتله إسكندر من ذرّيّته، وخرج من بابل من ولاية جم أولاد إرم (٣) بن سام بعد خروج أولاد يافث وحام، وهم سبعة إخوة: عاد وثمود وضجار وطسم وجديس (٤) وجاسم ووبار، فكان عاد يمشي أمام ذرّيّته ويرتجز فسار حتى نزل بأرض اليمن، وثمود يمشي أمام قومه ويرتجز فسار حتى نزل بالحجر بين الحجاز والشّام، وكان طسم يمشي أمام قومه ويرتجز فسار حتى نزل ببلاد عمان والبحرين، ونزل جديس بأرض اليمامة ووجّه بعض ولده إلى هجر، ونزل ضجار بتهامة والحجاز، ونزل جاسم مع ضجار وتفرّق ولده في ما بين الحرم إلى سفوان، وسار وبار إلى ما وراء رمل عالج فنزل هناك (٥) ومسخت أولاده فهؤلاء العمالقة كلّهم يسمّون الجبابرة العاديّة ينسبون إلى العمّ الأكبر.
ولمّا خرج هؤلاء (٦) تحرّكت قلوب الباقين (١١٧ و) فخرج من بابل في يوم واحد خراسان بن عاد بن سام، وفارس بن الأسور بن سام بن نوح، والروم بن اليفر بن سام، ورامين بن تارح (٧) بن سام، وهيطل بن عالم بن سام، وساروا إلى أن نزلوا ديارهم. فلمّا مات عاد باليمن استخلف عمليقا، ثمّ مات عمليق وقام بالأمر شديد بن عمليق فجنّد الجنود وملك الملوك وأرسل ابني أخيه ضحّاكا وغانما ابني (٨) علوان بن عمليق إلى بني سام ويافث، كل واحد في عشرة آلاف من الجبابرة، فقتل الضّحّاك جم الملك وأخذ شيئا من بطنه واسترطه (٩)، وأرسل شديد ابن عمّه الوليد بن الرّيّان بن عاد إلى بني حام على ما سبق، وقعد هو على سرير الملك باليمن فكان ملك الملوك، ولمّا مات هو خلفه شداد بن شديد (١٠) من تحت يد هؤلاء الملوك الثّلاثة، فقهروا العباد وخربوا البلاد وامتدّ سلطانهم ألف سنة يجبى (١١) خراج الأرض كلّه إلى
_________________
(١) في ع: وقد.
(٢) ساقطة من ب.
(٣) في ك: دارم.
(٤) ساقطة من ب.
(٥) مكررة في ع.
(٦) ساقطة من ك.
(٧) في ك: تارخ، و(ورامين بن تارح بن سام) ساقطة من ب.
(٨) في ك: بن.
(٩) في ب: واشترطه.
(١٠) (بن شديد) ساقطة من ك.
(١١) في ك: يجيء.
[ ١ / ٦٦٨ ]
شداد باليمن.
وأمر شداد مئة قهرمان تحت يد كلّ واحد منهم ألف من الأعوان ليبنوا له جنّة في بعض أفضية اليمن إلى الشّام أطيبها طينة ونسيما، فبنوا مدينة (١) عظيمة من الذّهب مفصّصة بالدّرّ والياقوت، وبنى غرفا أساطينها المها والجزع والفيروزج (٢)، وأجرى فيها من المياه العذبة، وجعل الأنهار مطليّة بالذّهب والفضّة، وجعل ترابها المسك والجاري (٣)، وصاغ من الذّهب أشجارا على حافّات الأنهار، وعلّق من أغصانها الفصوص كأنّها مثمرة بها. قيل: من حين ابتدئ له البناء إلى تمامه خمس مئة سنة. فبعث الله إليه هود بن خالد بن الخلود بن عيص بن عمليق ابن عاد يدعوه إلى العبادة والتّوحيد، فاستكبر عن الإيمان، وخرج من حضرموت متوجّها إلى جنّته لينزلها في ثلاثين ألف رجل (٤) من أهل بيته وعشيرته الأقربين واثني عشر ألف رجل من العبيد والخول، فلمّا بقي بينه وبين جنّته مسيرة يوم أرسل الله عليه وعلى من معه وعلى قهارمته (٥) وأعوانه بهذه الجنّة صيحة من السّماء فخرّوا جميعا هامدين، وغيّب تلك الجنّة عن أعين النّاس حتى دخلها عبد الله بن قلابة في زمن معاوية، كان قد خرج مع (٦) أصحابه في طلب الإبل، فضلّ (٧) الطّريق وانفرد عن أصحابه في بعض الأفضية فإذا هو بتلك المدينة، فدخلها وأخذ فيها حاجته، وخرج متوجّها إلى معاوية ليخبره، فأخفاه معاوية واستحضر كعبا وسأله عن حال مدينة على وجه الأرض من (٨) صفتها كذا وكذا، فقال كعب: نعم يا أمير المؤمنين جنّة شداد وسيدخلها رجل من العرب صفته كذا وكذا، والتفت فإذا هو بعبد الله بن قلابة، فقال: هو هذا فدخلها أو سيدخلها (٩)، فعجب معاوية من ذلك، ووجّه مع الرّجل سريّة ليدلّهم على تلك المدينة فلم يهتدوا وحيل بينها وبينهم (١٠).
_________________
(١) مكررة في ع.
(٢) المها: البلور، ينظر: غريب الحديث لابن قتيبة ٢/ ٢٥٣، والنهاية في غريب الحديث ٤/ ٣٧٧ (مها). والجزع: من الخرز اليماني فيه بياض وسواد تشبّه به الأعين، الواحدة جزعة، ينظر: العين ١/ ٢١٦، والصحاح ٢/ ١١٩٦ (جزع). والفيروزج: ضرب من الأصباغ، أو حجر يتختم به، ينظر: لسان العرب ٢/ ٣٤٥ (فرزج)، ومجمع البحرين ٣/ ٣٨١ (فرز).
(٣) في ب: والجار.
(٤) (والتوحيد. . . رجل) ساقطة من ك.
(٥) غير واضحة في ك.
(٦) في ك: من.
(٧) النسخ الثلاث: وضل.
(٨) ساقطة من ع، وبعدها: صفته، بدل (صفتها).
(٩) (من العرب. . . سيدخلها) ساقطة من ب.
(١٠) في ع: بينهم وبينها، بدل (بينها وبينهم). وينظر في قصته: معجم البلدان ١/ ١٥٥ - ١٥٧.
[ ١ / ٦٦٩ ]
وكان من قصّة الضّحّاك بالعراق أن (١) سام النّاس سوء العذاب، وأراد منهم الكفر والشّرك، فهرب منه لام بن عابر (٢)، أخو قحطان، (١١٧ ظ) حتى انتهى إلى باب المعادن بأرض الرّوم فاستوطنه، وبنى قبّة من رصاص وجعل فيه قبر نفسه وأوصى بنيه أن يدفنوه ويسدّوا (٣) الباب بالرّصاص، ففعلوا.
ولمّا أهلك الله شداد بن شديد حبس المطر وقحط النّاس في الشّرق والغرب، وتضعضع أمر الجبابرة العاديّة، وخرج أولاد يافث على غانم بن علوان، وخرج أولاد أرفخشد على الضّحّاك بن علوان، وزال سلطان عاد عن أقطار الأرض فلم يبقوا ظاهرين إلاّ في ديار اليمن على جهد وضرّ لهلاك مواشيهم وزروعهم، ومع ذلك هم متجبّرون مستكبرون (٤) عن الإيمان بهود (٥) ﵇، إلاّ أنّهم يعظّمون الحرم، فوفدوا (٦) إلى الحرم وفودا للاستسقاء، أحدهم مرثد (٧) بن سعد بن عفير، والثّاني قيل بن عنز (٨)، وقيل: قيل بن عمرو، والثّالث لقمان بن هزال، وقيل:
لقمان بن عاد، والرّابع لقيم بن هزال، والخامس جلهمة بن فلان، فمرّوا على معاوية بن بكر وهو من عاد أيضا، كان قد التجأ إلى الحرم واعتزل قومه، فأضافهم شهرا ثمّ خرجوا إلى بيت الله، فأمّا مرثد بن سعد فكان (٩) مؤمنا يكتم إيمانه، فشكا قومه ودعا عليهم بالهلاك، وأمّا لقمان (١٠) فخصّ دعوته وسأل (١١) عمر سبعة أنسر ودخل (١٢) بعض الشعاب، ووقف سائر الوفود قبالة موضع البيت فبدت لهم ثلاث سحائب بيضاء وحمراء وسوداء، ونودوا: تخيّروا واحدة منهنّ فاختاروا السّوداء، فسيقت نحو اليمن، فلمّا رآها القوم تباشروا بالغيث، فخرج منها ريح صرصر، فلمّا أحسّوا بالرّيح تنادوا وصاحوا، وكان لهم رئيس يسمّى خلّجان (١٣) فذهب مع سبعين رجلا من أشراف قومه مستقبل الرّيح، وهبّت عليهم مثل شرار النّار (١٤)،
_________________
(١) في ك: أو.
(٢) في ك: عامر.
(٣) في ك وع: وسدوا.
(٤) في ك: متكبرون.
(٥) في ب: بهدود، والدال الأولى مقحمة.
(٦) في ع: فودوا.
(٧) في ع: مريد، وكذا ترد قريبا.
(٨) في ب: عنتر.
(٩) في ع وب: كان.
(١٠) (وأما لقمان) ساقطة من ب.
(١١) في ب: وخص.
(١٢) في الأصل وع: وخلا، وفي ك: وخلى.
(١٣) في ع: جلجان.
(١٤) في ب: الناس.
[ ١ / ٦٧٠ ]
فكانت تصيب هودا والذين معه بردا وسلاما (١)، والرّيح تقلع الصّخور العظام من رؤوس الجبال فتطير بها في الهواء ثمّ ترضخهم بها فتذوب أجسادهم وعظامهم. وكان ابتداء الرّيح يوم الأربعاء، فلم يبق إلى الأربعاء (٢) الآخر غير الخلّجان، فأقبل إليه هود ﵇ آخذا (٣) بعضادتي الفج ورأسه مع قلة الجبل وقال: أيّها العاتي المتمرّد (٤) الجبّار تب إلى الله فارجع عن غيّك فإنّما هو يومك، قال: فهل ربّك محيي أصحابي إن آمنت؟ قال: لا يحييهم ولكن يبارك في الباقين، قال: أفيقيدني من ملائكته؟ قال: إنّ الله لا يقيد أهل معصيته من أهل طاعته (٥)، قال الخلجان: فلنا أسوة بمن هلك ولا أحبّ أن أظهر استكانة لربّك.
وعن ابن سلام أنّ الرّمل بالأحقاف كانت صخورا فصارت بتلك الرّيح رملا، وتلا قوله تعالى: ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ (٦)﴾ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) [الذّاريات:٤٢].
قال ابن عبّاس: أرسل الله (٧) عليهم من الرّيح مقدار خاتم، ولو أرسل أكثر لأهلك الأرض كلّها (٨)، والرّيح ريح دبور.
وخلت ديار اليمن عن الأهل إلى أن سيّر نمرود إليها قحطان بن عابر، أخا لام وفالغ ابني (٩) عابر، فتزوّج امرأة من العماليق فولدت له يعرب وجرهم وغيرهما، فعاد أخوال ولد قحطان أخوال ولد إسماعيل ﵇، وتحوّل هود ﵇ (١١٨ و) إلى حضرموت بعد هلاك قومه، ثمّ هاجر إلى مكّة وتوفّي بها ﵇، وبالأحقاف من شحر (١٠) قبر يقال:
هو قبر هود ﵇ (١١). وبقي في الأرض من عاد بقايا إلى أن حاربهم يوشع بن نون بالشّام وجرهم في الحرم، وكان فرعون منهم من أولاد الوليد بن الرّيان (١٢).
٦٨ - ﴿ناصِحٌ أَمِينٌ:﴾ أي: أهل لأن تأمنوني ولا تتّهموني (١٣)، وقيل (١٤): أمين عند الله
_________________
(١) مكانها في ب: وسل لنا.
(٢) في ك: الأربع، وبعدها في ب: الجلجان، بدل (الخلجان)، وكذا ترد فيها قريبا.
(٣) في الأصل وع وب: أخذ.
(٤) في ك: المتهمر، وهو تحريف، وبعدها (تب) ساقطة من ب.
(٥) في ك: معصيته.
(٦) (أتت عليه) ليس في ب.
(٧) ليس في ب.
(٨) ينظر: التخويف من النار ١٠١.
(٩) النسخ الأربع: ابنا، والصواب ما أثبت.
(١٠) في ك وع: شجر. والشّحر: ساحل اليمن بينها وبين عمان، ينظر: غريب الحديث للحربي ١/ ٢٨٧، والصحاح ٢/ ٦٩٤ (شحر)، ولب اللباب في تحرير الأنساب ١٥١.
(١١) (إلى حضرموت. . . السّلام) ليس في ب.
(١٢) في ب: الزياد.
(١٣) ينظر: الكشاف ٢/ ١١٧، والبحر المحيط ٤/ ٣٢٧.
(١٤) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٨٠.
[ ١ / ٦٧١ ]
في دينه، وقيل (١): أمين عندكم قبل الدّعوة.
٦٩ - (الآلاء): النعماء، واحدها (٢) ألى وإلى.
٧٠ - وقوله: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا﴾ يدلّ على أنّ الدّعوة (٣) كانت مؤخّرة إلى أن مات الآباء على الكفر وانتشأت الذّرّيّة عليه (٤).
٧١ - ﴿قَدْ وَقَعَ:﴾ «وجب» (٥).
﴿أَسْماءٍ:﴾ مسمّيات التي نحتوها (٦) ونصبوها آلهة وأربابا من عند أنفسهم (٧).
وفي الآية دلالة أنّ الاسم الحقيقيّ معنى ذوويّ وإلاّ لما تبّر (٨) الله تعالى من تسميتها بالأسماء الأعلام والحروف المصطلحة الجارية مجرى الألقاب.
٧٣ - ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا﴾ (٩): عن ابن عبّاس أنّ مهلك ثمود كان في ملك نمرود بن كنعان بن جم، بعد ما ظهر إبراهيم، وذلك بعد مهلك عاد بعد خمس مئة عام.
وقصّتهم فيما يروى أنّهم حذوا حذو عاد في التّمرّد والطّغيان والإشراك بالله، فبعث الله تعالى إليهم صالحا وهو ابن أربعين سنة، فكان يدعوهم إلى دين الله، يقف عليهم في مجالسهم ويهجم عليهم في أعيادهم، ويذكّرهم آلاء الله ونعماءه إلى أن شمط (١٠)، فلم يقبلوا منه وشكوه إلى رئيس عشيرته ليسلم لهم اغتياله أو يهاجره وينابذه ويكون (١١) معهم في معاداته فلم يفعل.
وأنّهم خرجوا ذات يوم إلى عيد لهم على سفح جبل لهم قالوا لصالح ﵇: إن أحببت أن نؤمن بك (١٢) فأخرج لنا من هذه الصّخرة الصّمّاء (١٣) ناقة كوماء ذات عرف وناصية، فاستحيا صالح أن يسأل الله تعالى ما يتمنّونه حتى جاءته عزمة من الله تعالى وأذن له في السّؤال
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٨٤، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٤٣.
(٢) ساقطة من ب. وينظر: تفسير الطبري ٨/ ٢٨١، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٤٨، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٤٩.
(٣) (الآلاء. . . الدعوة) ليس في ك.
(٤) ينظر: الكشاف ٢/ ١١٧.
(٥) الوجيز ١/ ٤٠٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٧٠، والقرطبي ٧/ ٢٣٧.
(٦) في ع: لحقوها.
(٧) ينظر: الوجيز ١/ ٤٠٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٧٠، ومجمع البيان ٤/ ٢٨٧.
(٨) في ع: تبرّأ.
(٩) ينظر في قصة صالح ﵇ وثمود: تفسير الطبري ٨/ ٢٩١ - ٣٠٠، والبغوي ٢/ ١٧٥ - ١٧٩، والبداية والنهاية ١/ ١٥٠ - ١٦٠.
(١٠) الشّمط: بياض شعر الرّأس يخالط سواده، وقد شمط، بالكسر، يشمط شمطا، لسان العرب ٧/ ٣٣٦ (شمط).
(١١) مكانها في ب: وأن يكون.
(١٢) في ك: لك.
(١٣) في ك: الصخراء.
[ ١ / ٦٧٢ ]
فسأل واستجيب له، وتزحّرت الصّخرة كما تزحر (١) النّاقة وتمخّضت كما تمخّض، وخرجت منها ناقة من أحسن ما يكون أملاها النفس، فأقبلت نحوهم حتى إذا أدنت (٢) منهم بركت ووضعت سقبا (٣) مثلها، ثمّ نهضت إلى الراعي وتبعها سقبها، فلمّا رأوا ذلك آمنوا بصالح ﵇ يومهم، وفي اليوم الثّاني أصبحوا كافرين لما عظم عليهم من ترك عادتهم وقالوا:
لا نترك آلهتنا لهذه النّاقة، فقال لهم صالح ﵇: أما إذ نكصتم على أعقابكم فإيّاكم أن تمسّوها بسوء فيأخذكم بعذاب أليم، وقسم الشّرب بينهما، قالوا: لك يا صالح ذلك (٤) علينا، ومكثت النّاقة ما شاء الله تستوعب الماء يوم شربها ثمّ ترجع وضرعها يسيل لبنا وهم يستقبلونها بالمحالب والأواني فيأخذون حاجتهم من لبنها إلى أن تعشّق قذار (٥) ومصدع صدوف وعنيزة، فأتياهما ذات يوم فقدّمتا إليهما طعاما كثيرا وخمرا عتيقا، فطلبا الماء ليمزجا الخمر به، فأتتاهما بلبن النّاقة وقالتا: لا ماء لنا اليوم فإنّه شرب النّاقة، قالا: فما لنا إن عقرناها (١١٨ ظ) لنسيغ (٦) لكم الشرب؟ قالتا: أنفسنا، فنشطا لذلك، فسوّل لهما الشّيطان والنّفس ذلك، وشربا من ذلك الخمر حتى سكرا، فخرجا إلى النّاقة واتبعهما سبعة من السّفهاء، فاستقبلوها وهي تصدر عن الماء، فبدأ قذار وضرب عرقوبها بسيف، وثنى مصدع فضرب عرقوبها الآخر، ثمّ لم يزالوا يرمونها حتى وجبت (٧) وصاحت برغاء شديد نحو سقبها فرجع السّقب إلى ضخرة مرتفعة ورغا إلى السّماء، فأقبلوا نحوه يرمونه بقسيهم حتى سقط، وتسامعت ثمود بذلك (٨) فخرج منهم فئام (٩) بأيديهم السّكاكين واقتسموا لحومها، وبلغ (١٠) ذلك صالحا (١١) ﵇، فأقبل نحوهم باكيا حزينا حيران يقول: يا قوم عقرتم ناقة الله التي أخرجها لكم آية وحجّة عليكم فتوقّعوا العذاب فقد أظلّكم، قالوا: وما علامة ذلك؟ قال (١٢): تتلوّن وجوهكم ثلاثة
_________________
(١) الزّحير والزّحار والزّحارة: إخراج الصوت أو النّفس بأنين عند عمل أو شدّة، ويقال للمرأة إذا ولدت ولدا: زحرت به وتزحّرت عنه، ينظر: لسان العرب ٤/ ٣١٩ (زحر).
(٢) في الأصل: أذنت. وأذنت النّاقة: إذا دنا نتاجها، الصحاح ٦/ ٢٣٤١ (دنا).
(٣) السّقب: الذّكر من ولد النّاقة، ينظر: غريب الحديث للحربي ٣/ ١١١٦، والصحاح ١/ ١٤٨ (سقب).
(٤) ساقطة من ك.
(٥) في ك: قدار، وكذا ترد قريبا.
(٦) في ك وع: لتسيغ، وفي ب: ليتسع.
(٧) سقطت، ينظر: القاموس المحيط ١٣٠ (وجب).
(٨) في الأصل وع وب: لذلك.
(٩) الفئام: الجماعة من النّاس، العين ٨/ ٤٠٥ (فأم)، وغريب الحديث لأبي عبيد ٤/ ٣٦٧.
(١٠) ساقطة من ب.
(١١) في الأصل وك وع: صالح.
(١٢) في الأصل وع: قالوا.
[ ١ / ٦٧٣ ]
أيّام (١) أظنّها يوم دبار، وهو [يوم] (٢) الأربعاء، ويوم مؤنس، وهو الخميس، والعروبة، وهي الجمعة، ثمّ يصبحكم (٣) العذاب يوم شيّار، وهو السّبت، فكان (٤) كما قال. وهاجر صالح إلى مكّة، وقبره بها في المسجد الحرام بين زمزم والمقام على ما يروى. ولم ينزل ديار ثمود أحد (٥) إلى اليوم فهي موحشة، وبئرها معطّلة، وفي بيوتهم المنقورة في الجبال عظام كعظام الفيلة والجمال، إذا أرادت العرب أن تجتاز تلك الدّيار رفعت الزّاد والماء، وسدّت أفواه الإبل لئلاّ ترتعي من حشيش ذلك الوادي.
﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ:﴾ (ذه): إشارة إلى المؤنّث، وهي في الأصل: ذي، فأبدلت الياء هاء ثمّ زيدت بإشباع (٦) الهاء عند الحركة.
(النّاقة): الأنثى من الإبل (٧).
٧٤ - ﴿خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ:﴾ وكانت قد استولت على النّاس كلّهم، فلمّا درجوا تفرّدت ثمود في تلك النّواحي بالعدد والشّوكة (٨).
و(السّهل): ضدّ الحزن من الأرض (٩).
و(القصر): كالحصن (١٠).
(النّحت): أخذ وجه الحجر والخشبة (١١) ونحوهما. وهذا تنبيه على تسوية سقوفها وجدرانها إن شاء الله، أو لأنّها كانت على وجه الأرض كالبيوت المبنيّة ولم تكن الأرض كالأخاديد.
٧٧ - (عقروا): قتلوا البعير (١٢).
﴿وَعَتَوْا:﴾ تمرّدوا وطغوا (١٣).
_________________
(١) مكررة في ب.
(٢) من ك.
(٣) في الأصل وع: تصيحكم.
(٤) في ب: وهو.
(٥) في ع: أحدا، وهو خطأ.
(٦) في الأصل وك وع: بالإشباع.
(٧) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٤٩.
(٨) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٥٠، والتفسير الكبير ١٤/ ١٦٣.
(٩) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٥٠، وزاد المسير ٣/ ١٥٣.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٥٠.
(١١) في ع: والحشية. وينظر: لسان العرب ٢/ ٩٧.
(١٢) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٧٤، ومجمع البيان ٤/ ٢٩٢، وزاد المسير ٣/ ١٥٣.
(١٣) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ١٦٥، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٤١.
[ ١ / ٦٧٤ ]
٧٨ - ﴿الرَّجْفَةُ:﴾ الحركة الشّديدة، وهي الزّلزلة في أرضهم والرعدة في أبدانهم عند الصّيحة (١).
و(الجثوم) للنّاس والطّير كالبروك للبعير والربوض للغنم (٢).
٧٩ - ﴿لا تُحِبُّونَ:﴾ خطاب لجنس الكفرة قاضيهم وتاليهم، أخبر عن عادتهم (٣).
٨٠ - ﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ (٤): وأرسلنا لوطا؛ لأنّ هذه الأقاصيص كلّها منسوقة على قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا﴾ [الأعراف:٥٩] (٥).
وقوم لوط ﵇ هم سدوم وأدوما وعمورا وصعورا وصابورا، يرجعون في النّسب إلى بعض أولاد حام، أو من وقع في تلك الدّيار من العمالقة إن شاء الله. وهم أجهل خلق الله وأخبث النّاس، كانوا كالأنعام بل هم أضلّ، ولهم أحكام وسير عجيبة لا تطّرد على قضيّة (٦) وحي إلهيّ ولا عقل منطقيّ ولا عادة صالحة ولا شهوة طبيعيّة، منها ما زعموا أنّ غريبا دخل مدينتهم فرماه أحدهم ببندقة فشجّه (٧)، (١١٩ و) ثمّ تعلّق به (٨) يطالبه بدرهم، قال الغريب:
رميتني فشججتني ثمّ تطالبني بدرهم، قال: نعم هذا حكم الملك، وشهد له رجال منهم، فقال الغريب: حتى أرى الملك، فجرّوه (٩) إليه، فاحتال الغريب ليحصّل ثلاث بنادق قبل أن أدخل على الملك، فلمّا أدخل عليه رماه بهنّ وشجّه، فلم يجد بدّا من (١٠) أن يعطيه ثلاثة دراهم إمضاء لحكمه، فأخذ الغريب الدّراهم الثّلاثة ودفع منها واحدا إلى خصمه، وأضمر الملك له حقدا وحاول عليه سبيلا ليقتله، فاستضافه على أجناس اللحمان، فلمّا جلس الغريب على المائدة بدأ (١١) بالسّمك، فارتفعت الأصوات بوجوب القتل عليه، وأنّ له قبل القتل حاجة مقضيّة (١٢)، فقال الغريب: حاجتي أيّها الملك أن تنادي في البلدان من شهد على غريب (١٣) بأكل السّمكة
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٣٠٢، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٥٤، وتفسير البغوي ٢/ ١٧٥.
(٢) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ٤٩، وزاد المسير ٣/ ١٥٤، والتفسير الكبير ١٤/ ١٦٦.
(٣) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ١٦٧.
(٤) بعدها في ك: وأرسلنا إذ قال لقومه، وهي مقحمة. وينظر قصة لوط ﵇ في البدء والتاريخ ٣/ ٥٦ - ٦٠.
(٥) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٥١، وإعراب القرآن ٢/ ١٣٧، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٢٩٦.
(٦) في ب: قصة.
(٧) في ك: شجه، والفاء ساقطة.
(٨) ساقطة من ع.
(٩) في ع: فجره.
(١٠) ساقطة من ب.
(١١) في ع: وبدأ.
(١٢) في ك وع: فقضيه.
(١٣) في ك: عرب.
[ ١ / ٦٧٥ ]
كانت عقوبته كذا وكذا، فنودي بذلك، ثمّ عقد الملك مجلس القضاء واستحضر هذا الرّجل ليقتله واستشهد النّاس عليه فلم يشهد عليه أحد، فخلّى سبيله.
ومن خصالهم المذمومة الملاعبة والمراودة برمي البنادق، والتّضارط في الأندية، وإبداء السّوأة، والتفل بالبزاق في الوجوه، واللّواطة، وبسبب ذلك إنّهم كانوا أبخل النّاس على ثمارهم، وكانت ثمارهم كثيرة، وقحط ما حولهم من البلدان فكانت الغرباء يأتون ديارهم ويصيبون من ثمارهم، وذلك يشقّ عليهم فيستقبلونهم بالشّتم والضّرب، والمحتاجون لا ينزجرون، فتصوّر (١) إبليس لشقيّ منهم في صورة (٢) صبيّ وضيء مشتهى، وتسوّر حائط بستانه ليأخذ شيئا من ثماره، فقصده ليضربه، فعرض عليه (٣) إبليس نفسه ووسوس إليه حتى واقعه (٤)، ثمّ دلّ الملعون أصحابه عليه، واستفاض الفاحشة فيهم وتعوّدوا ذلك (٥).
﴿ما سَبَقَكُمْ:﴾ يدلّ أنّها لم تكن قبلهم (٦)، وقيل (٧): يدلّ على مبالغتهم فيها ولا يدلّ على ابتداعهم إيّاها. ولم يبيّن الله فيها حدّا (٨).
﴿مِنْ أَحَدٍ:﴾ (من) للتّفسير وتأكيد النّفي (٩).
و﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾ لتبيين الجنس (١٠). وإنّما لم يقل: من النّاس، لتعظيم الأمر باللّفظ الأعمّ.
٨١ - ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجالَ:﴾ يدلّ على تعليق الحكم بالجنس، فإنّه لا يفيد (١١) في هذا الموضع إباحة ولا رخصة ولا شبهة.
و(الشّهوة): داعية النّفس، وأراد لما فيها من اللّذّة (١٢).
﴿مِنْ دُونِ النِّساءِ:﴾ أي (١٣): من دون أن تأتوا النّساء، أراد صرف الشّهوة عن وجهها
_________________
(١) في ك: فيصور.
(٢) في ك: صفة.
(٣) في ب: إليه، وبعدها (إبليس) ساقطة من ك.
(٤) في ع وب: أوقعه.
(٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٧٩ - ١٨٠، ومجمع البيان ٤/ ٣٠١.
(٦) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٣٠٤، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٥٢، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٥٠.
(٧) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٥٦.
(٨) في ب: أحدا. وينظر: تفسير القرطبي ٧/ ٢٤٣ - ٢٤٥، والبحر المحيط ٤/ ٣٣٦، والجواهر الحسان ٣/ ٥٣.
(٩) ينظر: الكشاف ٢/ ١٢٥، والتفسير الكبير ١٤/ ١٦٨.
(١٠) ينظر: تفسير القرطبي ٧/ ٢٤٥.
(١١) في ب: يقيد.
(١٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٥٧، ومجمع البيان ٤/ ٢٩٨.
(١٣) ساقطة من ك.
[ ١ / ٦٧٦ ]
الاقتصار (١) عليها.
﴿بَلْ أَنْتُمْ:﴾ استفهام، إنّكم صرفتم (٢) بشهوتكم إلى الرّجال دون النّساء على سبيل الإلجاء والاضطرار (٣) بل أنتم مسرفون فيه باختياركم وقدرتكم. وقيل: جواب كلامهم: نحن نريد بذلك حفظ الأموال وخفّة العيال، فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ (٤)﴾ مُسْرِفُونَ في هذه الفعلة وفي سائر الخصال (٥).
٨٢ - ﴿أَخْرِجُوهُمْ:﴾ لوطا وابنتيه زعورا وربثا، وقيل: ريّة (٦) وعروبة. وقيل: لوط وابنتاه (٧) والملائكة المرسلون. وقيل: كانوا ثلاثة عشر نفسا مع لوط وابنتيه والرابع عشر امرأته، ولذلك قالوا (١١٩ ظ) لإبراهيم: لا نهلك قرية فيها أربعة عشر مؤمنا.
﴿يَتَطَهَّرُونَ:﴾ يتجنّبون عن القاذورات، وكان ذلك عيبا عندهم (٨)، كالختان عند الهنود، والاستنجاء عند المشركين، والاتّزار (٩) في الحمّام عند أصحاب (١٠) داود الأصفهانيّ.
٨٣ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ:﴾ روي أنّ الملائكة لمّا نزلوا داره على هيئة الضّيفان مضت امرأته إلى قومها تخبرهم بهم، بخلا على الطّعام، فتسارعوا إليه، وفزع لوط ﵇، فبشّره جبريل بأنّهم مرسلون لإهلاكهم، فقال مستعجلا: وما يمنعكم إذا؟ قالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١]، وأخرج جبريل ﵇ ريشة من جناحه (١١) فاختطفت أبصارهم، فرجعوا عميا يقولون: جاءنا لوط بسحرة. ولمّا جنّ عليهم اللّيل مشى لوط ﵇ إلى رجل منهم كان يذبّ عنه ويحسن جواره فأنذره بالهلاك ودعاه ليخرج معه (١٢) فلم يلتفت إلى قوله وأصرّ على كفره، فخرج لوط وقت الصّبح مع أهله، وخرجت معه امرأته فلمّا سمعت
_________________
(١) لعل الصواب: لا الاقتصار.
(٢) في ع: صرفت.
(٣) في ب: والإضرار.
(٤) ليس في ب.
(٥) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٣٧.
(٦) في ك: ربة، وفي ع وب: زبة. وينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٨٥، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٥٨، والبحر المحيط ٤/ ٣٣٧.
(٧) النسخ الثلاث: وابنته، وبعدها: المرسلين، بدل (المرسلون).
(٨) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨.
(٩) في ب: والإنذار.
(١٠) ساقطة من ك.
(١١) في ع: جناحيه.
(١٢) في ك: منه.
[ ١ / ٦٧٧ ]
الهرة التفتت فمسخها الله حجرا (١).
﴿مِنَ الْغابِرِينَ:﴾ من الباقين في العذاب (٢).
وهاجر لوط إلى حضرة إبراهيم ﵇ فآواه وشاطره بماله، ولم يزل معه إلى أن توفّاه الله تعالى (٣).
٨٤ - ﴿وَأَمْطَرْنا:﴾ أراد الرّجم بالحجارة من سجّيل قبل (٤) أن اقتلع جبريل تلك القريات، وقيل: بعد ما اقتلعها وقلبها وجعل عاليها سافلها، وكأنّ تلك الحجارة كانت من تربة تلك الأرض نضجت في الهواء وحرارة (٥) الشّمس، أو بما شاء الله. وكان جبريل ﵇ رفعها فيما يروى إلى غاية سمعت ملائكة السّماء نبح (٦) كلابهم وصقاع (٧) ديكهم من غير أن انصبّ (٨) لهم كوز أو تزلزل بهم مكان، ثمّ قلبها من ثمّ وتبعتهم الحجارة إلى أن رسخوا في الأرض، واستولت على تلك النّاحية عيون منتنة من ماء أسود. وكلّ من كان منهم في سفر أصابه حجر فقتله (٩).
﴿فَانْظُرْ:﴾ أي: تفكّر واعتبر (١٠).
(المجرم): الذي يأتي الجريمة، وهي الجريرة (١١) والجناية.
٨٥ - ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾ (١٢): قيل: اسم شعيب بالعربيّة يثرون وبالعبريّة شعيب، وهو ابن شمعون بن عقبا (١٣) بن ثابت بن مدين (١٤) بن إبراهيم، وأمّه من أولاد لوط، وقال: هو ابن ميكيل، وأمّ ميكيل (١٥) ابنة لوط. وقيل: إنّ مدين بن إبراهيم ﵇ كان قد
_________________
(١) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٣٠٠ - ٣٠١.
(٢) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٣٣، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٥٣، والوجيز ١/ ٤٠٢.
(٣) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٧٩.
(٤) في ب: قيل.
(٥) في ع وب: حرارة.
(٦) في ب: نبيح.
(٧) صقع الدّيك يصقع: صاح، ينظر: الصحاح ٣/ ١٢٤٤ (صقع).
(٨) في ع: ينصب، وبعدها في النسخ الثلاث: كوزا، بدل (كوز).
(٩) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٣٠٠ - ٣٠١، والجواهر الحسان ٣/ ٥٣.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٦٠، ومجمع البيان ٤/ ٢٩٩، والبحر المحيط ٤/ ٣٣٨.
(١١) في ب: الجزيرة. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٦٠ - ٤٦١.
(١٢) ينظر في قصة شعيب ﵇ ومدين: الكامل في التاريخ ١/ ١١٩ - ١٢٠، والبداية والنهاية ١/ ٢١٢ - ٢٢٠.
(١٣) في ب: عقبان.
(١٤) في ب: مدية.
(١٥) النسخ الثلاث: ميليك.
[ ١ / ٦٧٨ ]
تزوّج ربثا بنت لوط، وهو وذرّيّته من ذرّيّة لوط. وعن محمّد بن إسحق أنّه شعيب بن (١) يثرون، والله أعلم.
أرسله الله (إلى مدين)، وهم بنو مديان بن إبراهيم، حذف المضاف وأقام المضاف (٢) إليه مقامه، وقيل (٣): التّقدير: إلى أهل مدين، فإنّ مدين اسم البلدة، اشتقّ اسمها من اسم مديان، كما سمّيت (٤) مصر مصرا باسم مصر بن قبط بن كنعان بن حام.
قيل (٥): أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، سمّى الله تعالى بلدهم أيكة لالتفاف شجرها (١٢٠ و) وإحداق الغياض (٦) بها، يدلّ عليه (٧) دعوته القوم في الموضعين جميعا إلى إيفاء الكيل والوزن. وقيل (٨): أصحاب مدين غير أصحاب الأيكة لكن كانت إحدى البلدتين قريبة من الأخرى، وكان قد تواطأ أهلها على بخس الكيل والوزن، ألا ترى وصفه الله (٩) تعالى بأخوّة أصحاب مدين؛ لأنّه كان من قبيلتهم، ولم يصفه بأخوّة أصحاب الأيكة؛ لأنّه لم يكن من قبيلتهم.
وقال القتبيّ: إنّ شعيبا لم يكن من ولد إبراهيم ﵇، ولكنّه من نسل رهط آمنوا بإبراهيم وهاجروا معه إلى الشّام، والله أعلم (١٠).
وأجمعوا أنّه كان عربيّا، ولم يذكروا إلى من يرجع (١١).
وكان مكفوفا، وكان من (١٢) أفصح النّاس في زمانه وأبينهم (١٣) لما يريد، وكان النّبيّ ﷺ يسمّي شعيبا ﵇ خطيب الأنبياء (١٤).
﴿جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ:﴾ أي: ما ثبت في العقول من دلائل التّوحيد وحسن الإنصاف وقبح الخيانة، أو ما وصل إليهم من سبيل التّواتر من أخبار عاد ونمرود والمؤتفكات، أو ما أكرم الله به
_________________
(١) ساقطة من ب. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٨٠، والقرطبي ٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨، والبحر المحيط ٤/ ٣٣٩.
(٢) (وأقام المضاف) ساقطة من ب. وينظر: تفسير الطبري ٨/ ٣٠٧ - ٣٠٨، والبغوي ٢/ ١٨٠.
(٣) ينظر: زاد المسير ٣/ ١٥٥، والبحر المحيط ٤/ ٣٣٨.
(٤) ساقطة من ع.
(٥) ينظر: البدء والتاريخ ٣/ ٧٦ - ٧٧، والكامل في التاريخ ١/ ١١٩، والبداية والنهاية ١/ ٢١٤.
(٦) جمع غيضة، وهي الشّجر الملتف، ينظر: النهاية في غريب الحديث ٣/ ٤٠٢، ولسان العرب ٧/ ٢٠٢ (غيض).
(٧) في ع: على.
(٨) ينظر: قصص الأنبياء ١/ ٢٨٧ - ٢٨٩.
(٩) في الأصل: لله.
(١٠) ينظر: البدء والتاريخ ٣/ ٧٥، والبداية والنهاية ١/ ٢١٣.
(١١) ينظر: البداية والنهاية ١/ ٢١٣ و٢١٤.
(١٢) ساقطة من ع.
(١٣) ساقطة من ب. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٨٠، والقرطبي ٧/ ٢٤٨، والبداية والنهاية ١/ ٢١٤.
(١٤) ينظر: نوادر الأصول ٤/ ٦٠، والمستدرك ٢/ ٦٢٠.
[ ١ / ٦٧٩ ]
شعيبا من الفصاحة المعجزة والإخبار من المشاهدات مع كونه أعمى، أو العصا التي كانت لموسى ﵇ وكان شعيب قد أعطاها إيّاه، أو شيء لم يبلغنا خبره (١).
﴿الْكَيْلَ:﴾ تقدير الشّيء بالظّروف (٢).
﴿وَالْمِيزانَ:﴾ ما تقدّر به ثقلا (٣).
﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ أموالهم وحقوقهم (٤).
﴿خَيْرٌ لَكُمْ:﴾ من الخيانة.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ أي: إنصافكم النّاس خير لكم بعد أن تؤمنوا. ويحتمل أنّهم يدّعون الإيمان ببعض الأنبياء كادّعاء أهل الكتاب.
٨٦ - وكانوا يعترضون لمن قصد شعيبا ﵇ ويخوّفونه بالقتل والأذى إن آمن به، فنهاهم عن ذلك وقال: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ،﴾ الآية (٥). وعن السدّي أنّهم كانوا يقطعون الطّريق (٦).
﴿وَتَصُدُّونَ:﴾ معطوف على ﴿(تُوعِدُونَ)﴾.
﴿فَكَثَّرَكُمْ:﴾ بالعدد والعدد (٧).
٨٧ - وتعليق الصّبر بإيمان البعض دون البعض يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّكم إن اختلفتم في أمري فانتظروا حكم الله ولا يحملنّكم ذلك على الاقتتال.
والثّاني: أنّ المؤمنين لمّا استضعفوا ورأوا بسطة الكفّار كادوا يرتدّون على أدبارهم فقال (٨):
إن كنتم آمنتم وكفر غيركم فانتظروا حكم الله في العاجلة.
والثّالث: أنّ المؤمنين منهم شكوا إليه فعزّاهم وأمرهم بالصّبر إلى أن يأتي الفرج من عند الله.
وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ و﴿خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ [آل عمران:١٥٠]، و﴿أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأعراف:١٥١]، و﴿أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] كلّه على سبيل المجاز
_________________
(١) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٣٩.
(٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٦١، والكشاف ٢/ ١٢٧، ومجمع البيان ٤/ ٣٠٢.
(٣) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٦١، ومجمع البيان ٤/ ٣٠٢.
(٤) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٨٠، والبحر المحيط ٤/ ٣٣٩.
(٥) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٨٥، وتفسير الطبري ٨/ ٣٠٩، والبغوي ٢/ ١٨١.
(٦) ينظر: تفسير الطبري ٨/ ٣٠٩ - ٣١٠، والقرطبي ٧/ ٢٤٩، والبحر المحيط ٤/ ٣٤٠.
(٧) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٥٥، والكشاف ٢/ ١٢٨، والبحر المحيط ٤/ ٣٤٢.
(٨) في ك: وقال.
[ ١ / ٦٨٠ ]
واعتبار التّسمية واللّفظ دون المعنى، تعالى الله أن يجانس شيئا (١) من خلقه علوّا كبيرا.
٨٨ - ﴿لَتَعُودُنَّ:﴾ يحتمل ثلاثة معان (٢):
أحدها: أنّ شعيبا وقومه كانوا على ملّة واحدة من الإيمان والتّوحيد، فلمّا أبدعوا بدعا نبّأ الله شعيبا وأحدث له ما شاء من أمره، وأمره بدعوة قومه كما أمر عيسى بدعوة اليهود، فلذلك دعوا شعيبا إلى العود.
والثّاني: أنّ ملّتهم كانت كفرا، ولم يكن شعيب في ملّتهم قطّ (٣) ولكن أدخلوه في حكم سائر المخاطبين من قومه المؤمنين (١٢٠ ظ) على سبيل المجاز.
والثّالث: أنّهم ادّعوا الكفر عليه وموافقته إيّاهم من قبل ظنّا منهم، أو وقاحة وبهتا، كما قالت قريش: صبأ محمّد، أي: كان على ديننا فصبأ (٤)، فقال شعيب ﵇: أتكلّفوننا العود ولو كنّا كرهين، ينبّههم على أنّ العود لا يصحّ مع الإكراه.
٨٩ - ﴿بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها (٥)﴾: يحتمل ثلاثة معان (٦):
أحدها: أنّ الإيمان والتّوحيد كان ملّتهم ولكنّ الله تعالى نسخ الإصر بالتّخفيف فقال شعيب: لو عدت إلى الإصر بعد ما عفا الله لكنت مفتريا على الله.
والثّاني: أجاب عن قومه المؤمنين وأدخل نفسه فيهم على المجاز.
والثّالث: عنى نجاة قبل الابتلاء، كقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ [آل عمران:١٠٣]، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢]، وذلك قبل أن تمسّهم النّار إلاّ أن يشاء (٧) الله، أي: حالة نسخ الشّرائع، أو حالة التقية في الأصل.
﴿بِالْحَقِّ:﴾ أي: بحكمك الحقّ (٨)، حذف الاسم وأقيم الصلة مقامه.
٩٠ - ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ:﴾ لمؤمنيهم.
٩١ - قيل (٩): أهلك الله أصحاب مدين بالرّجفة وأصحاب الأيكة بالظّلّة. وقيل (١٠):
_________________
(١) ساقطة من ك.
(٢) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ١٧٧.
(٣) في ك: فقط، والفاء مقحمة.
(٤) ساقطة من ع.
(٥) ليس في ب.
(٦) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ١٧٧.
(٧) في ك: شاء.
(٨) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٤.
(٩) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٨٢، والقرطبي ٧/ ٢٥١.
(١٠) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٧، والبحر المحيط ٤/ ٣٤٧.
[ ١ / ٦٨١ ]
البلدة واحدة جمع الله عليهم بين حرارة الظّلّة وبين الرّجفة، كما جمع على ثمود بين الرّجفة والصّيحة.
٩٢ - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا:﴾ [مبتدأ] (١) وخبره: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ (٢). ويحتمل أنّ ﴿(الَّذِينَ)﴾ بدل عن الضّمير في ﴿(فَأَصْبَحُوا)﴾ (٣).
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا:﴾ أي: لم ينزلوا (٤)، أو لم يقيموا (٥)، أو لم يعيشوا (٦)، أو لم يكونوا فيها (٧).
٩٣ - ﴿فَتَوَلّى:﴾ أعرض عن دعوتهم عند معاينتهم البأس أو عند هلاكهم، وخاطبهم (٨) بهذا الخطاب، فأسمعهم الله تعالى ذلك كما أسمع ثمود كلام صالح بعد هلاكهم، وأصحاب القليب كلام نبيّنا (٩) ﷺ. وهذا دليل على جواز عذاب القبر.
﴿فَكَيْفَ آسى:﴾ «أحزن» (١٠)، على سبيل النّفي والإنكار (١١).
٩٤ - ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ:﴾ لمّا ذكر الله تعالى بعض الأنبياء على التّفصيل ذكرهم على سبيل الإجمال ليعمّهم بالإخبار عنهم، وليزيد وعظا وعبرة.
والآية مختصّة بالذين كذّبوا الأنبياء، والحال تدلّ عليه (١٢).
﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ:﴾ أي: جعلنا البأساء والضّرّاء من دواعي التّضرّع والإذعان في الظّاهر المعقول دون المعلوم المقدور (١٣).
٩٥ - ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ [الْحَسَنَةَ] (١٤)﴾: فائدة التّبديل شيئان: أحدهما: فتنة
_________________
(١) يقتضيها السياق.
(٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٧١، والكشاف ٢/ ١٣١، والبيان في غريب إعراب القرآن ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٣) في الأصل وك وع: أصبحوا. والمراد قوله في الآية ٩١: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ. (٩١) وينظر: البيان في غريب إعراب القرآن ١/ ٣٦٨، والتبيان في إعراب القرآن ١/ ٥٨٣، والبحر المحيط ٤/ ٣٤٩.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٩، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٥٨، وتفسير البغوي ٢/ ١٨٢.
(٥) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٧٠، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٥٥، والوجيز ١/ ٤٠٣.
(٦) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٣٣، وتفسير الطبري ٩/ ٩، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٥٨.
(٧) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٤٨، وتفسير الطبري ٩/ ٩، وزاد المسير ٣/ ١٥٨.
(٨) في ك: وخطابهم.
(٩) ليس في ب. وينظر: زاد المسير ٣/ ١٥٨.
(١٠) تفسير الطبري ٩/ ٩، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٥٩، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٥٥.
(١١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٧٣، والوجيز ١/ ٤٠٣، ومجمع البيان ٤/ ٣٠٩.
(١٢) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٨٣، والقرطبي ٧/ ٢٥٢.
(١٣) في ع: والمقدور. وينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٠.
(١٤) من ك.
[ ١ / ٦٨٢ ]
الامتحان بالحالتين لئلاّ يبقى لهم عذر، والثّاني: فتنة اللبس والخذلان ليظنّ الجاهل المخذول أنّ صروف الدّهر وتقلّب الأيّام عادة لا تتضمّن (١) معنى الدّعوة والإنذار.
﴿حَتّى عَفَوْا:﴾ أي: إلى أن كثروا ونموا (٢).
٩٦ - ﴿بَرَكاتٍ:﴾ أبواب البركات (٣). والبركة: النّماء والسّعة وكثرة الخير، وأبوابها:
مصادرها التي تتولّد منها كالأمطار النّافعة والرّياح لوقتها (٤).
٩٧ - ﴿أَفَأَمِنَ:﴾ الفاء لتعقيب أمنهم الإنذار، والاستفهام على سبيل اللّوم والتّقريع (٥).
٩٨ - ﴿أَوَأَمِنَ:﴾ قيل: على الاستفهام، وقيل: على التّخيير (٦).
من أمن مكر الله كان معتقدا العجز في صفاته تعالى، ودخول فعله تحت الحظر والإباحة، أو نفى سبيله على عباده (٧) من حيث ذنبهم وتقصيرهم، وكلّ هذه الثّلاثة كفر، ولذلك (١٢١ و) توجّه الإنكار على من أمن مكر الله (٨) تعالى.
١٠٠ - ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ:﴾ هم الموجودون وقت الإنكار والإنذار (٩).
﴿وَنَطْبَعُ:﴾ كلام مستأنف (١٠)، وقيل: معطوف على قوله: ﴿أَصَبْناهُمْ﴾ (١١)، كقوله:
﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ﴾ [يونس:١١].
﴿لا يَسْمَعُونَ:﴾ الشّيء (١٢) النّافع إن شاء الله.
وإنّما قال: لا يسمعون، ولم يقل: لا يفقهون، للمبالغة في النّفي، فإنّ الإنسان ربّما يسمع
_________________
(١) في ك: لا يتضمن، وفي ع: ولا يتضمن. وينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٢ - ١٣، والوجيز ١/ ٤٠٤.
(٢) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٤٨، وتفسير غريب القرآن ١٧٠، وتلخيص البيان ٤٨.
(٣) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ١٨٥.
(٤) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٨٣، والبحر المحيط ٤/ ٣٥٠.
(٥) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٥٠، والدر المصون ٥/ ٣٩٢.
(٦) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٧٩، والمجيد ٢٦٨ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي)، والبحر المحيط ٤/ ٣٥١. والاستفهام على قراءة: (أو أمن)، وقرأ بها: عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي، والتخيير على قراءة: (أو أمن)، وقرأ بها: ابن كثير ونافع وابن عامر، ينظر: السبعة ٢٨٦ - ٢٨٧، وحجة القراءات ٢٨٩.
(٧) (على عباده) ساقطة من ب.
(٨) ليس في ب.
(٩) ساقطة من ب.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٨٣، والكشاف ٢/ ١٣٥، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٥٤.
(١١) النسخ الثلاث: أصبنا، وبعدها في ك: لقوله، بدل (كقوله). وينظر: زاد المسير ٣/ ١٦٠، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٥٤، والبحر المحيط ٤/ ٣٥٢.
(١٢) في ب: السمع.
[ ١ / ٦٨٣ ]
ولا يفقه، وأمّا أن يفقه ولا يسمع (١) فلا. ويحتمل أنّ المراد به نفي الاستمتاع (٢).
١٠١ - ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا:﴾ في الحالة الثّانية بما عدّوه كذبا في الحالة الأولى لترجّح اختيارهم الكفر على الإسلام في قلوبهم وآرائهم بخذلان الله تعالى (٣).
﴿بِما كَذَّبُوا:﴾ باء السّبب وليست بالتي يتعدّى الإيمان بها، فتقديره (٤) إذا: فما كانوا ليصيروا مؤمنين بسبب تكذيبهم أول مرة (٥).
والآية مختصّة بالمصرّين على الكفر دون الذين تداركهم الله برحمته (٦).
١٠٢ - ﴿مِنْ عَهْدٍ:﴾ من محافظة عهد (٧)، وقال ابن مسعود: من إيمان (٨).
١٠٣ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا﴾ (٩): لمّا شدّد فرعون على بني إسرائيل الأمر وكاد يفنيهم لذبحه المواليد أبى الله أن ينشأ موسى إلاّ (١٠) في حجره ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨]، وكان فرعون قد تبنّاه، فلمّا شبّ موسى ﵇ حمله حبّ إقامة القسط وإدحاض الجور وموالاة العشيرة (١١) على أن وكز القبطيّ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥]، ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا﴾ إلى قوله: ﴿لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٨] لمداومته على الجدال وملازمته الخصومة ﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما،﴾ قال الغويّ (١٢): ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص:١٩]، وشنّع عليه لجهله وحمقه، واستفاض الخبر في المدينة فجاء خربيل النّجّار، وكان من قوم فرعون إلاّ أنّه قدّرت له السّعادة فقال: ﴿يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢٠ - ٢١]،
_________________
(١) في ك وب: يفقهه ولا يسمعه، بدل (يفقه ولا يسمع). وينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٥٣.
(٢) في ب: الاستماع.
(٣) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٨٤، وزاد المسير ٣/ ١٦٠ - ١٦١.
(٤) ساقطة من ك.
(٥) في ك: أوامره، وفي ع: له وأمره، بدل (أول مرة) فيهما. وينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٥٤.
(٦) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ٥٩، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٨٥.
(٧) ينظر: إعراب القرآن ٢/ ١٤٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٨٥، وزاد المسير ٣/ ١٦١.
(٨) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ١٨٨، والبحر المحيط ٤/ ٣٥٥.
(٩) ينظر في قصة موسى ﵇: البدء والتاريخ ٣/ ٨١ - ٩٦، والكامل في التاريخ ١/ ١٣٠ - ١٥٢.
(١٠) ساقطة من ك.
(١١) في ب: العشير.
(١٢) في ب: البغوي، والباء مقحمة.
[ ١ / ٦٨٤ ]
﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (٢٢) [القصص:٢٢]، فأكرمه الله بصحبة شعيب ﵇ وبمصاهرته، وكان شعيب قد عمر بمدين مع المؤمنين من قومه إلى ذلك الزّمان بعد هلاك الكافرين من قومه، وكانت هذه القصّة قبل هلاك الكافرين، والله أعلم. ثمّ رجع من عند شعيب بعد عشر سنين، وقيل: بعد ثنتي عشرة سنة، مع أهله، واتّفقت له في الطّريق أسباب النّبوّة (١) بإذن الله تعالى، ونودي من الشّجرة ﴿إِنَّنِي (٢)﴾ أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) [طه:١٤ - ١٦]، وشاهد من عصاه ويمينه ما شاهد، وأرسل إلى فرعون بتينك (٣) الآيتين، وغفرت له خطيئته في قتل القبطيّ الكافر (٤) قبل إباحته، وألهم وأمر أن يستشفع في الرّسالة فاستشفع وأجيب إلى ذلك، وشفع بهارون ﵇، وهارون بمصر. فردّ موسى أهله إلى شعيب وتجرّد للرّسالة متوكّلا على الله مطمئنّا على وعده: ﴿أَنْتُما وَمَنِ اِتَّبَعَكُمَا (٥)﴾ الْغالِبُونَ [القصص:٣٥]. (١٢١ ظ) فلمّا انتهى إلى مصر وجد أباه قد توفّي، ووجد أمّه في الأحياء وكذلك أخاه وأخته، فنزل كهيئة الضّيف فقدّموا إليه طبيخا من خلّ وعدس بلحم، ثمّ تفرّس فيه هارون على المائدة فعرفه، وتباشروا به، وبشّر موسى أخاه بالرّسالة فقال: سمعا وطاعة، وأصبحا على باب فرعون من ساعتهما، فأذن لهما بالدّخول، وقيل: بقيا على بابه سنتين حتى انتهى أمرهما إليه واستحضرهما، وكان من قصّتهما معه ما سنذكره.
﴿بِآياتِنا:﴾ اليد والعصا وانحلال اللّسان وغير ذلك. وكانت العقدة وقعت في لسانه من جهة أنّما أخذ بلحية فرعون وهو رضيع، فهمّ فرعون بقتله متخوّفا أنّه عدوّه الذي سيهلكه، فتشفّعت امرأته وقالت: طفل لا يميز، فامتحنه فرعون بطبقين: طبق من ياقوت وطبق من جمر، فكاد موسى يلتقط ياقوتة لما جبله الله عليه من حسن الاختيار، ولو فعل ذلك لعلم فرعون علمه، فلبس الله الأمر على فرعون فضرب يد موسى إلى جمرة التقطها (٦) ووضعها في فيه على عادة الصّبيان، فانزوى طرف لسانه إلى أن حلّه الله إكراما له وآية على صدق دعواه.
_________________
(١) بعدها في ب: في الطريق، وهي مقحمة.
(٢) في الأصل وك وب: إني.
(٣) في ك: بيمينك.
(٤) ساقطة من ب.
(٥) في الأصل: اتبعك، وفي ب: تبعكما.
(٦) في ع: والتقطها.
[ ١ / ٦٨٥ ]
﴿فَظَلَمُوا بِها:﴾ أي: كفروا وكذّبوا وذهبوا بها غير المذهب فقالوا: هي سحر (١).
١٠٥ - ﴿حَقِيقٌ:﴾ «واجب» (٢)، وقيل (٣): جريء.
﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ أي: خلّ سبيلهم، وأمسك عن قتلهم واستبعادهم (٤).
١٠٦ - ﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ:﴾ إنّما قال هذا إنكارا لدعوة: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٠٥]، ولم يرد بهذا السّؤال استرشادا واستبانة (٥).
١٠٧ - ﴿ثُعْبانٌ مُبِينٌ:﴾ الحيّة اسم جنس ما ينساب على بطنه. والله شبّه الحيّة المنقلبة من عصا موسى بالثّعبان في عظم جثّتها والجانّ في سرعة انسيابها (٦). وقيل (٧): إنّ عصاه انقلبت مرّة ليلة البعث عند الشّجرة، ومرّة عند فرعون في داره، ومرّة يوم الزّينة بين يديه في عرصاته على أعين النّاس في مقابلة السّحرة (٨)، فاختلفت الأوصاف لاختلاف الأحوال.
١٠٨ - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ:﴾ كان لون موسى إلى السّمرة ما هو، وكان عليه مدرعة صوف مضربة، فأدخل يده في جيبه ثمّ أخرجها إليهم بيضاء دريّة يغلب ضوؤها ضوء الشّمس (٩).
﴿لِلنّاظِرِينَ:﴾ أي: فحيث مضى لأجل النّاظرين.
١٠٩ - ﴿قالَ الْمَلَأُ:﴾ أشراف قومه وخاصّته الذين كانوا سفراء بينه وبين العامّة، سمعوا هذه المقالة ثمّ خرجوا من عنده وقالوا للعامّة مثلها (١٠) تبليغا عنه، فالله تعالى ذكر مقالتهم ههنا ومقالته لهم في سورة الشّعراء (١١).
١١٠ - قال الملأ للعامّة تبليغا عن فرعون: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ (١٢)﴾ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ، استأمرهم لاستمالتهم ولاجتماع الكلمة لئلاّ ينكر عليه بعضهم فعله فيقع بينهم
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٦٢، والبحر المحيط ٤/ ٣٥٥.
(٢) معاني القرآن للأخفش ٢/ ٥٢٨، وتفسير الطبري ٩/ ١٨، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٦٢.
(٣) لم أقف على هذا القول، وفي مصادر التخريج: حريص، ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٨، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٦٠، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٨٨.
(٤) كذا، ولعل الصواب: واستعبادهم. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٨٥، والكشاف ٢/ ١٣٨، والتفسير الكبير ١٤/ ١٩٢.
(٥) في ب: واستنابة. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٨٩ - ٤٩٠، والبحر المحيط ٤/ ٣٥٧.
(٦) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٨٥، ومجمع البيان ٤/ ٣٢٣.
(٧) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٣٢٣.
(٨) في ب: الشجرة، وهو تصحيف.
(٩) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٨٦، والكشاف ٢/ ١٣٨، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٥٧.
(١٠) ساقطة من ع، وبعدها: عن فرعون، بدل (عنه). وينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٦٤، والبحر المحيط ٤/ ٣٥٨.
(١١) الآية ٣٤.
(١٢) في الأصل وب: يخرجاكم.
[ ١ / ٦٨٦ ]
التجادل (١) ويتمكّن بنو (٢) إسرائيل من قهرهم وإعجازهم.
١١١ - ﴿أَرْجِهْ:﴾ الإرجاء: التّأخير والإمهال (٣).
وإنّما أشاروا عليه بذلك إمّا للتّثبّت والاستبانة، وإمّا للهدنة وخوف المعاجلة، وإمّا لصرف الله إيّاهم عن هذا الجواب إلجاء كي يتمّ مقدوره في السّحرة وفيهم. (١٢٢ و)
١١٣ - ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ:﴾ قيل: إنّ فرعون كان عنده رجلان مجوسيّان ساحران من أهل نينوى، وكان قد دفع (٤) إليهما رجالا من قومه يعلّمانهم السّحر، فمهر في ذلك منهم سبعون رجلا وبلغوا النّهاية، وكان فرعون قد شحن بهم مدائنه (٥) حوالي مصر ورتّبهم فيها، وأجرى عليهم الجرايات ليكونوا ميسه وليزيّنوا أمره إلى العامّة بالتّمويهات، فحضروا عنده لمّا استحضرهم، واستشرطوه لئن غلبوه ليعطيهم الأموال، وإنّما استشرطوه بمشهد النّاس لما علموا من خبثه أنّه لا يعرف لهم حقوقهم من غير ضمان، وعن عكرمة أنّهم كانوا ثلاثة وسبعين، وعن ابن إسحق أنّهم كانوا خمسة عشر ألف رجل (٦).
١١٤ - ﴿قالَ نَعَمْ:﴾ أجابهم إلى سؤلهم (٧)، ووعد لهم التّقريب، ودفعه (٨) الإقرار لشدّة الاضطرار وخوف الفضيحة (٩).
١١٥ - ﴿إِمّا:﴾ للشّكّ والتّخيير، ولم يعقب كلاما مستقلا بنفسه بخلاف (أو) (١٠). واعلم أنّ ﴿(إِمّا)﴾ ربّما وصلت بالفعلين ب (أن) كههنا، وقوله: ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ [فِيهِمْ حُسْنًا]﴾ (١١) [الكهف:٨٦]، وربّما وصلت بالفعلين بغير (أن) كقوله: ﴿إِمّا (١٢)﴾ يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التّوبة:١٠٦]، فإن وصلت ب (أن) حلّ الفعلان محلّ المصدر وكان فيهما معنى الأمر على سبيل التّخيير، وإن وصلت (١٣) بغير (أن) كانا خبرين، والواجب من
_________________
(١) بعدها في الأصل وك وع: بالتجادل، ولعلها مقحمة.
(٢) النسخ الثلاث: بني، وهو خطأ. وينظر: مجمع البيان ٤/ ٣٢٦.
(٣) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٨٨، وغريب القرآن وتفسيره ١٤٨، وتفسير غريب القرآن ١٧٠.
(٤) في ع: وقع، وهو تحريف.
(٥) في ك: مدينه.
(٦) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٨٦ - ١٨٧، وزاد المسير ٣/ ١٦٣ - ١٦٤، والبحر المحيط ٤/ ٣٦٠.
(٧) في ع وب: سؤالهم.
(٨) في ك: ورفعه، وفي ع وب: ورفعة.
(٩) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٠٠، والبحر المحيط ٤/ ٣٦٠.
(١٠) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٨٩، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٠١، والتفسير الكبير ١٤/ ٢٠١ - ٢٠٢.
(١١) من ع.
(١٢) بعدها في ك: أن، وهي مقحمة.
(١٣) في ع: فصلت.
[ ١ / ٦٨٧ ]
الخبرين (١) أحدهما لا بعينه (٢)، وفائدة الآخر الإيهام واللبس، والتّقدير ههنا: إمّا إلقاء منك وإمّا تسليم لنا لنلقي.
وإنّما خيّروا موسى لجرأتهم ولاستواء الأمرين عندهم ولقصدهم قطع عذر موسى ﵇ من كلّ وجه (٣).
١١٦ - ﴿قالَ أَلْقُوا:﴾ سلّم لهم الابتداء ليتمكّنوا من سحرهم على طمأنينة وجرأة (٤) وعقل، فيكون إبطاله بعد إتمامه أدلّ على الحقّ وأوقع في القلوب، ولو ابتدأ موسى لما تمكّنوا من سحرهم دهشا وحيرة (٥).
﴿وَاِسْتَرْهَبُوهُمْ:﴾ «أرهبوهم» (٦) واستدعوا رهبتهم (٧).
وإنّما وصف سحرهم بالعظم؛ لأنّهم حرّكوا الحبال والعصيّ في الرّمضاء بالحيل، وشبّهوا (٨) الجماد بالحيوان بفعل أنفسهم في مقابلة الإعجاز من غير استعانة بالأرواح الخبيثة من الشّياطين مستبدّين (٩)، فكان يصغر بجنبه كلّ سحر.
١١٧ - ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ:﴾ «أي: فألقاها فإذا هي تلقف» (١٠). وإنّما قيل على لفظ الاستقبال؛ لأنّها تلقفت (١١) شيئا بعد شيء (١٢). قال الكلبيّ: عظمت عصا موسى حتى كادت تسدّ الأفق، وفتحت فاها سبعين ذراعا، وأقبلت على فرعون فطوّقت رقبته بذنبها ثمّ فتحت فاها لتبتلعه، فاستعاذ فرعون بموسى (١٣)، فصاح موسى وأخذها فإذا هي عصا كما كانت (١٤). وعن السدّي أنّ فرعون هرب منها وأحدث (١٥). وقيل: ابتلعت الصّخور العظام،
_________________
(١) في ب: الخبر.
(٢) في ك: نفسه. وينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠، وتفسير الطبري ٩/ ٢٦ - ٢٧، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٠١.
(٣) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٦٠ - ٣٦١.
(٤) في ع: وجراءة، وبعدها في ب: وعقد، بدل (وعقل).
(٥) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٦) تفسير غريب القرآن ١٧٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٨٧ والتفسير الكبير ١٤/ ٢٠٣.
(٧) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٦٦، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٦٣، والكشاف ٢/ ١٤٠.
(٨) في الأصل وع: شبهوا.
(٩) في ك: متبدين. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٠٣.
(١٠) البحر المحيط ٤/ ٣٦٣.
(١١) في ب: تلقف.
(١٢) في ك: موسى.
(١٣) النسخ الثلاث: لموسى.
(١٤) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٨٥ - ١٨٦، ومجمع البيان ٤/ ٣٢٣، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٥٨.
(١٥) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٩، ومجمع البيان ٤/ ٣٢٣، والجواهر الحسان ٣/ ٦٢.
[ ١ / ٦٨٨ ]
وكانت نار تخرج من فيها.
١١٨ - ﴿فَوَقَعَ:﴾ أي: وجب ولزم وثبت مشاهدة وعيانا (١).
١٢٠ - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ:﴾ أي: ألجئوا من غير اختيارهم، وذلك لعلمهم أنّ ما أتى به موسى ﵇ شيء إلهيّ ليس من حيلة الجنّ والإنس بانفراد ولا مشاركة، فإنّ تقليب الأعيان والإيجاد والإفناء من فعل الله تعالى، وإنّما علموا ذلك لتناهيهم في علمهم، (١٢٢ ظ) ولو كانوا مبتدئين لتوهّموا أنّه أسحر منهم، ولهذا يحمد التّناهي في كلّ علم ولو كان باطلا (٢).
ومن سنّة الله تعالى أن يجعل آيات أنبيائه أشياء تلتبس بالغالب من دعاوى أهل العصر لتكون الحجّة ألزم، فبعث موسى ﵇ في عصر التّمويهات، وعيسى ﵇ في زمن الطّبّ، ومحمّد ﷺ في عصر الفصاحة والكهانة.
١٢١ - ﴿قالُوا آمَنّا:﴾ يحتمل إلجاء كالسّجود، ويحتمل إخبارا.
١٢٣ - ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ:﴾ لمّا رجعت العصا كهيئتها رجع إلى فرعون قدرته، وعاد إلى عادته الخبيثة من الكفر والطّغيان، وأنكر على السّحرة إيمانهم بغير إذنه (٣)، يري العامّة أنّهم مسيؤون حيث لم ينظروا إذنه، ويريهم أنّهم كانوا قد واطؤوا موسى ﵇ في السّرّ من قبل، وأنّ دعوتهم واحدة (٤).
وهدّد السّحرة بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥).
١٢٤ - ثمّ أتبعه التّصريح بالوعيد فقال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ﴾ لعلّهم يخافونه (٦). وإنّما اجترأ على السّحرة لما شاهد من عجزهم، أو لأنّه علم أنّهم لا يسحرونه بعد إيمانهم، أو لأنّه كان يعلم من قبل أنّهم مموّهون.
١٢٥ - ﴿قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ:﴾ في مجادلتهم فرعون دلالة على أنّ قدرتهم رجعت إليهم فآمنوا اختيارا بعد ما سجدوا اضطرارا. وإنّما علموا أنّهم صائرون إلى الله تعالى لما ألقى الله في قلوبهم من الإلهام.
١٢٦ - ﴿وَقالَ الْمَلَأُ:﴾ الأشراف (٧) ﴿مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ:﴾ لمّا شاهدوا الآيات ورأوا
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٩، والبحر المحيط ٤/ ٣٦٤.
(٢) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٣) ساقطة من ب، وبعدها في النسخ الثلاث: العام، بدل (العامة).
(٤) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣، والبحر المحيط ٤/ ٣٦٥.
(٥) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٠٩، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٦١، والبحر المحيط ٤/ ٣٦٥.
(٦) ينظر: الكشاف ٢/ ١٤١، ومجمع البيان ٤/ ٣٣٣، والتفسير الكبير ١٤/ ٢٠٨.
(٧) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٧١.
[ ١ / ٦٨٩ ]
إيمان السّحرة وسمعوا مقالة خربيل النّجّار خافوا الانتشار من رعاياهم، فأنكروا على فرعون تركه موسى وقومه مطلقين سالمين، فقالوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ﴾ (١).
﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ:﴾ أي: ويخلعك، نصب عطفا على التفسير (٢).
وفي مصحف أبيّ (٣): (وقد تركوك وآلهتك): أصنامك التي نصبتها ليتقرّب الأقاصي بها إليك، يدلّ عليه قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ [النّازعات:٢٤] (٤). وقرأ ابن عبّاس (٥):
(وإلاهتك)، يعني: عبادتك.
فقال فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ:﴾ سنستمرّ فيهم على عادتنا قتل البنين وترك البنات (٦)، ولم يتجاسر على أكثر (٧) من ذلك لما يتخوّف من تحريك السّاكن في تغيير العادة (٨).
﴿قاهِرُونَ:﴾ متسلّطون عليهم.
١٢٨ - ﴿اِسْتَعِينُوا بِاللهِ:﴾ على الائتمار بأوامره.
﴿وَاِصْبِرُوا:﴾ على أذى فرعون وقومه (٩).
﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها [مَنْ يَشاءُ] (١٠)﴾: تنبيه منه إيّاهم على التّسليم والرّضا بالقدر.
﴿وَالْعاقِبَةُ:﴾ عاقبة الخير دون الشّرّ (١١).
﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ بشارة وحثّ على التّقوى (١٢).
١٢٩ - ﴿قالُوا أُوذِينا:﴾ عن وهب أنّ فرعون صنّف بني إسرائيل أصنافا، فأمّا ذوو (١٣)
_________________
(١) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٣٣٤، والتفسير الكبير ١٤/ ٢١٠.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٣٣، والكشاف ٢/ ١٤٢، ومجمع البيان ٤/ ٣٣٤.
(٣) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٩١، وتفسير الطبري ٩/ ٣٣، والقرطبي ٧/ ٢٦٢، وفيها: (وقد تركوك أن يعبدوك).
(٤) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٦٧، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥١٢، وتفسير البغوي ٢/ ١٨٩.
(٥) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٩١، وتفسير الطبري ٩/ ٣٥، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٦٤.
(٦) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٩١، والوجيز ١/ ٤٠٨، والكشاف ٢/ ١٤٣.
(٧) في ع: أكفر.
(٨) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥١٣، ومجمع البيان ٤/ ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٩) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٣٦، ومجمع البيان ٤/ ٣٣٥.
(١٠) من ب.
(١١) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٣٧، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥١٤.
(١٢) ينظر: الكشاف ٢/ ١٤٣.
(١٣) في ع: ذو.
[ ١ / ٦٩٠ ]
القوّة منهم فيحملون إليه السّواري (١) من الجبال، وهم يتولّون قلعها ونحتها ونقلها، وأمّا من دونهم في (٢) القوّة فينقلون إليه الحجارة والتّراب للبناء، وأمّا الضّعفة منهم فيضربون اللّبن ويطبخون الآجر، ومن لم يستطع من ذلك شيئا كانت على رأسه ضريبة يؤدّيها كلّ يوم قبل أن تغرب الشّمس، فإن غربت قبل أن يؤدّيها (٣) غلّت يداه إلى عنقه شهرا، فضجروا لذلك وضاقوا به ذرعا، وشكوا (١٢٣ و) إلى موسى، فصرّح لهم البشارة بإذن الله تعالى ليطمئنّوا إليها (٤).
﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ أرض مصر (٥)، وقيل: الأرض (٦) المقدّسة؛ لأنّ بني إسرائيل لم يرجعوا إلى مصر بعد ما هربوا من فرعون، وليس بسديد.
١٣٠ - ﴿بِالسِّنِينَ:﴾ القحوط (٧)، قال ﷺ: (اللهمّ اجعل (٨) عليهم سنين كسنين يوسف) (٩).
١٣١ - ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى:﴾ التّطيّر: التّشاؤم بالمقدر الموهوم من الشّيء (١٠).
﴿طائِرُهُمْ:﴾ حظّهم المقدّر من خير أو شرّ (١١). وكأنّه سمّي الطّائر لسرعة وجوده ومجيئه، كما يقال: طارت الكلمة، والصبح المستطير.
١٣٢ - ﴿مَهْما:﴾ حرف شرط، ولا بدّ من (١٢) أن يكون كلّه أو بعضه (١٣) اسما موصولا، وهي حرف على صيغة تلك. وقيل: أصله (١٤): (ما ما)، (ما) (١٥) الأولى للشّرط والثّانية للتّأكيد دخلت على الأولى، وقيل: حرفان: (مه) للزّجر، و(ما) للشّرط (١٦).
_________________
(١) جمع سارية، والسّارية: أسطوانة من حجارة أو آجر، ينظر: لسان العرب ١٤/ ٣٨٣ (سرا).
(٢) في ب: من.
(٣) في ب: يوفيها.
(٤) ينظر: الكشاف ٢/ ١٤٣ - ١٤٤.
(٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩٠، وزاد المسير ٣/ ١٦٧، والبحر المحيط ٤/ ٣٦٨.
(٦) في الأصل وك وع: أرض. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥١٥، والبحر المحيط ٤/ ٣٦٨.
(٧) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٩٢، والبحر المحيط ٤/ ٣٦٩، والجواهر الحسان ٣/ ٦٧.
(٨) في ب: اجعلها.
(٩) ينظر: الفتن ٣٦٦، ومسند أحمد ٢/ ٥٢١، وسنن الدارقطني ٢/ ٣٨.
(١٠) ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٤٤، وتأويل مشكل القرآن ٣٩١، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٦٨.
(١١) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٤٠، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٦٩، وتفسير البغوي ٢/ ١٩٠.
(١٢) ساقطة من ب.
(١٣) في ب: بعده.
(١٤) في ع: أصلها.
(١٥) ساقطة من ك وع.
(١٦) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٦٩، وإعراب القرآن ٢/ ١٤٦، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٢٩٩.
[ ١ / ٦٩١ ]
١٣٣ - ﴿الطُّوفانَ﴾ (١): جمع، واحدتها: طوفانة، كالرّمّان والحصبان (٢). وقيل (٣): مصدر كالرّجحان والخسران.
وقال ابن عبّاس: الطّوفان أمر من الله تعالى طاف بهم، ثمّ قرأ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القلم:١٩] (٤). وقال عطاء ومجاهد: إنّه الموت الذريع (٥). وقال وهب: هو الطّاعون، بلغة [أهل] (٦) اليمن. وعن أبي قلابة: الجدري (٧). وعن الكلبيّ: المطر الدائم من السّماء من سبت إلى سبت، لم يروا فيه شمسا ولا قمرا، ولم يقدر أحد أن يخرج إلى ضيعته، فكادت مصر تكون بحرا واحدا، فاستغاثوا إلى موسى ﵇ ووعدوا له تسريح بني إسرائيل، فدعا الله ليصرف ذلك عنهم، فصرف، وأنبتت الأرض في أثره من الزّروع والثّمار والعشب ما لم يروه (٨) قطّ، فقالوا: كان المطر خيرا لنا ولم نشعر به، فرجعوا إلى تعذيب بني إسرائيل، فابتلاهم الله بالجراد، وهو الذي ركبتاه من فوق الظّهر، يحلّ أكله من غير ذبح (٩)، فصار عليهم كالسّحاب، وأكل عامّة زروعهم وثمارهم، فاستغاثوا إلى موسى ﵇، ووعدوا له تخلية بني إسرائيل، فصرف الله الجراد عنهم بالرّيح، فرجعوا إلى إيذاء بني إسرائيل وقهرهم (١٠)، فأرسل الله (١١) عليهم القمّل، قال الكلبيّ: وإحدى الرّوايتين عن ابن عبّاس: الدّبى، وهي صغار الجراد، لا أجنحة لها (١٢)، فغشيت وجه الأرض وأكلت ما أفضلت الجراد فلم تترك في مصر عودة خضرة ولا حبّة، فاستغاثوا إلى موسى ﵇ فأهلكها (١٣) الله بالحرّ (١٤). وعن ابن عبّاس وابن جبير: القمّل: دويبة (١٥) تأكل الحنطة والحبوب يخرج (١٦) منها، قال الأمير (١٧): كأنّها
_________________
(١) ينظر في قصة الآيات المفصلات التي أصابت قوم فرعون: تفسير الطبري ٩/ ٤٦ - ٥٣.
(٢) ينظر: معاني القرآن للأخفش ٢/ ٥٣١، وتفسير الطبري ٩/ ٤٣، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٦٩.
(٣) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٤٣، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٢٩٩، وتفسير البغوي ٢/ ١٩١.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٤٢ - ٤٣، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٢٠، وتفسير البغوي ٢/ ١٩١.
(٥) ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٤٤، والطبري ٩/ ٤٢، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٦٩.
(٦) من ك. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩١، ومجمع البيان ٤/ ٣٣٩، وزاد المسير ٣/ ١٦٩.
(٧) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩١، والكشاف ٢/ ١٤٧، ومجمع البيان ٤/ ٣٣٩ - ٣٤٠.
(٨) في ب: يره، والواو ساقطة. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩١، والكشاف ٢/ ١٤٧، والتفسير الكبير ١٤/ ٢١٧.
(٩) ينظر: تفسير القرطبي ٧/ ٢٦٨ - ٢٦٩.
(١٠) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩١.
(١١) ليس في ع وب.
(١٢) ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٤٤، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٣٩٢، وتفسير الطبري ٩/ ٤٤.
(١٣) في ب: فأكلها.
(١٤) في ك وب: بالجر. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩٢.
(١٥) ساقطة من ع، وبعدها في ب: لا، وهي مقحمة.
(١٦) في ب: تخر. وينظر: تفسير الطبري ٩/ ٤٤، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٢١، وزاد المسير ٣/ ١٦٩.
(١٧) في ع: الأمهر.
[ ١ / ٦٩٢ ]
السّوس. وعن عطاء أنّها دابّة لها سنّ تأكل شعور النّساء. وقيل: هي الحلمة (١).
وقال الأحمر: واحدة القمّل قملة، وقال الفرّاء: لا واحد لها (٢).
ثمّ عادوا إلى عادتهم الخبيثة فابتلاهم الله بالضّفادع، خرجت إليهم من البحر وزاحمتهم في مجالسهم ومضاجعهم، كان الرّجل منهم (٣) يستيقظ فيجد على سريره ذراعا من الضّفادع بعضها فوق بعض، والضفدع: الذي صوته النّقيق (٤)، فشكوا إلى موسى فأمات الله الضّفادع، فقال (٥) لموسى ﵇ (٦): خلّينا بني إسرائيل فاذهب بهم حيث شئت مجرّدين ولا تذهب بأموالهم ومواشيهم، (١٢٣ ظ) قال موسى ﵇: أمرني الله أن أخرج بهم وبأموالهم ولا أخلف لهم بقرة ولا حمارا ولا فضّة ولا ذهبا، قالوا: والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل، فابتلاهم الله بإحالة مياههم دما، فكانت عيونهم وأنهارهم دما وأنهار بني إسرائيل صافية عذبة، فاستقوا من أنهار بني إسرائيل فصار الماء في أوانيهم دما، فركب فرعون إلى أنهارهم وأمر أناسا من قومه ليخوضوا في أنهار بني إسرائيل ويكرعوا في الماء فإذا الماء ينقلب في أفواههم دما، فكلف أناسا من بني إسرائيل ليسقوا أناسا من قومه بأفواههم فكان الماء إذا خرج من فم الإسرائيليّ إلى فم القبطيّ صار دما، وماتت الأبكار من كلّ شيء، فعجز فرعون وحلف بأيمانه لموسى (٧) ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ [بَنِي] إِسْرائِيلَ﴾ [الأعراف:
١٣٤]، فدعا موسى فصرف الله ذلك عنهم، فلم يزد فرعون إلاّ تمرّدا وعنادا (٨).
وكانت المهلة بين كلّ عذابين (٩) شهرين شهرين، وقيل: شهرا واحدا، وقيل: أسبوعا (١٠).
١٣٤ - ﴿عَهِدَ:﴾ العهد: الشريطة (١١).
١٣٥ - ﴿كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ:﴾ أي: على سبيل التّمهيل والإرجاء (١٢)،٧
_________________
(١) في ب: الحكمة. والحلمة: القرادة الصغيرة، وقيل: الكبيرة، والجمع: الحلم، ينظر: لسان العرب ١٢/ ١٤٦ (حلم).
(٢) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٤٥.
(٣) ساقطة من ع.
(٤) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٢١، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٧٠.
(٥) في ع: وقال.
(٦) (فأمات. . . السّلام) ليس في ب.
(٧) ليس في ع.
(٨) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩٢ - ١٩٣، والكشاف ٢/ ١٤٧ - ١٤٨.
(٩) في ك: عذاب.
(١٠) ينظر: زاد المسير ٣/ ١٧٠.
(١١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٢٣.
(١٢) (على سبيل التمهيل والإرجاء) ساقطة من ب. وينظر: الكشاف ٢/ ١٤٨، والبحر المحيط ٤/ ٣٧٤.
[ ١ / ٦٩٣ ]
[لا] (١) على سبيل العفو.
«و(النكث): نقض (٢) العهد».
١٣٦ - ﴿الْيَمِّ:﴾ البحر (٣)، وقيل: اسم لبحر إساف (٤) خاصّة.
ولمّا تمّ معلوم الله تعالى من فرعون وقومه في مجادلة موسى ﵇ أوحى [الله] (٥) إلى موسى أن أسر ﴿بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدّخان:٢٣]، وكان الميعاد ساحل البحر، وتأهّب موسى للخروج وكان لا يتّفق له ذلك، فشاور قومه فذكروا وصيّة من جهة يوسف ﵇، وهو أن يخرجوا بتابوته إذا خرجوا، فطلبوا من يدلّهم فلم يجدوا إلاّ عجوزا قبطيّة دلّتهم عليه على شريطة أن يخرج بها موسى ﵇ مع نفسه ويدخل الجنّة معها، فضمن موسى ﵇ لها ذلك، فدلّتهم على صخرة مصمّدة (٦) في قعر الوادي فاستخرجوه، ثمّ استعاروا من حليّ قوم فرعون يستدرجونهم بها، وخرجوا ليلة الأحد التّاسع من المحرّم، وكانت (٧) علامتهم لطخ الأبواب بدماء الذّبائح، من انتهى إلى باب أخيه ورأى تلك العلامة تيقّن بخروجه ولم ينتظره، فلمّا اجتمعوا بالبرية اعترضهم موسى ﵇ فكانوا ستّ مئة ألف وعشرين ألف فارس مقاتل سوى الرجالة والنّساء والمشايخ والصّبيان، وجعل موسى هارون ﵇ على مقدّمتهم وأمره بأن (٨) يقودهم إلى البحر فإنّه ميعاد جبريل ﵇، وكان هو في ساقتهم (٩) يسوق سبطا سبطا، وانتبه قوم فرعون وقت السّحر فلم يحسّوا بأصوات بني إسرائيل، فتفقّدوهم فوجدوهم قد خرجوا، فأخبروا (١٠) فرعون بذلك فأراد فرعون أن يتغافل عنهم، قالوا: كيف وقد استعاروا أموالنا وحليّنا وذهبوا بها (١١)، فحملهم ذلك على أن خرجوا في أثر بني إسرائيل غداة يوم الأحد، وقيل: غداة يوم الاثنين، والزّمان زمان الصّيف، وكان هامان على مقدّمتهم في ألف ألف فارس، فلحقوهم وقت الهاجرة
_________________
(١) يقتضيها السياق.
(٢) في ب: نقيض. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٢٣، ومجمع البيان ٤/ ٣٤٣.
(٣) ساقطة من ب. وينظر: تفسير غريب القرآن ١٧١، وتفسير الطبري ٩/ ٥٧، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٧١.
(٤) بكسر الهمزة وقد تفتح، وهو اسم البحر الذي غرق فيه فرعون وجنوده، ينظر: لسان العرب ٩/ ٦ (أسف)، ومجمع البحرين ٤/ ٥٨١ (ي م م).
(٥) من ك.
(٦) مقصودة، وبيت مصمّد، بالتشديد، أي مقصود، ينظر: الصحاح ٢/ ٤٩٩، ولسان العرب ٣/ ٢٥٨ (صمد).
(٧) بعدها في ب: من، وهي مقحمة.
(٨) في ب: أن.
(٩) السّاقة: جمع سائق، وهم الذين يسوقون جيش الغزاة ويكونون من ورائه يحفظونه، ينظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٢٤، ولسان العرب ١٠/ ١٦٧ (سوق).
(١٠) ساقطة من ب.
(١١) في ك: بذلك.
[ ١ / ٦٩٤ ]
(١٢٤ و) ﴿فَلَمّا (١)﴾ تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) وقال موسى:
﴿كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ،﴾ فأوحى الله إلى موسى ﴿أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشّعراء:٦١ - ٦٣]، قيل: وكان موسى مأمورا بأن يخاطب البحر ويكنيه بأبي خالد. قالوا:
وكان جبريل على رمكة (٢) بلقاء وفرعون (٣) على حصان، فتقدّم جبريل بين يدي فرعون والرّمكة كأنّها تستودق (٤)، فصال عليها الحصان ولم يستطع فرعون أن يمسكه حتى اقتحم البحر، ولم يلتطم، فظنّ العسكر أنّ البحر إنّما انفلق بأمر فرعون فاتّبعوه كلّهم، فلمّا خرجت بنو إسرائيل وحصل فرعون مع قومه كلّهم في البحر أتمّ الله مقدوره فيه (٥) وفيهم.
١٣٧ - ﴿الْأَرْضِ:﴾ أرض فرعون (٦)، ﴿بارَكْنا فِيها﴾ (٧): أي: بالخصب (٨)، وقيل:
الأرض (٩) المقدّسة، وقيل (١٠): كلتاهما.
و(الكلمة الحسنى): العدة الجميلة (١١). وإنّما قال: ﴿عَلى؛﴾ لأنّها نعمة (١٢).
﴿وَدَمَّرْنا:﴾ أهلكنا (١٣). وفائدة إهلاك قصورهم وعروشهم محو آثارهم ليعتبر به غيرهم لقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ (١٤) [النّمل:٥٢]، أو لأنّها كانت لا تصلح للمسلمين فهدموها ونقصوها وبنوا أبنية إسلاميّة. وكان نبيّنا ﷺ يأمر (١٥) بهدم الآطام بالمدينة (١٦).
_________________
(١) مكررة في الأصل.
(٢) الرّمكة: الفرس والبرذونة التي تتّخذ للنّسل، معرّب، ينظر: لسان العرب ١٠/ ٤٣٤ (رمك).
(٣) في ع: فرعون، والواو ساقطة.
(٤) تريد الفحل، ينظر: الصحاح ٤/ ١٥٦٣، والقاموس المحيط ٨٣٥ (ودق).
(٥) ساقطة من ب.
(٦) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ٧٢.
(٧) ليس في ك.
(٨) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٢٦، وتفسير البغوي ٢/ ١٩٤، والكشاف ٢/ ١٤٩.
(٩) النسخ الثلاث: أرض.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٢٦.
(١١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٢٦، والوجيز ١/ ٤١٠ - ٤١١.
(١٢) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٧٦.
(١٣) تفسير الطبري ٩/ ٥٩، والتبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٢٦، والوجيز ١/ ٤١١.
(١٤) (بِما ظَلَمُوا) ليس في ك.
(١٥) في ك: يأمرهم.
(١٦) الذي وجدته عكس ذلك، وهو نهي النّبيّ ﷺ عن هدمها، قال ﷺ: (لا تهدموا الآطام فإنها زينة المينة)، ينظر: شرح معاني الآثار ٤/ ١٩٤، والتمهيد ٦/ ٣١٠، وفتح الباري ٤/ ٨٣. والآطام جمع الأطم، والأطم: «حصن مبنيّ بحجارة، وقيل: هو كلّ بيت مربّع مسطّح»، لسان العرب ١٢/ ١٩ (أطم).
[ ١ / ٦٩٥ ]
١٣٨ - ﴿فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ:﴾ أي: وقعوا واطّلعوا وانتهوا إليهم. وهم قوم من العمالقة من عشيرة فرعون. وقيل: من قبط، وهم قوم فرعون (١) ورعيّته. وقيل (٢): هم قوم من بني لخم بن عديّ بن عمرو بن سبأ بن شحب بن يعرب بن قحطان، كانوا نزولا على ساحل البحر، يعبدون الأصنام، فلمّا عاينت بنو إسرائيل، وكانوا قد عاينوا قوم فرعون، نصب آلهة يتقرّبون بها إلى فرعون، توهّموا جوازه من أهل التّوحيد تقرّبا إلى الله ولم يعلموا أنّه شرك، فحملتهم محاكاة (٣) على أن قالوا لموسى ﵇: ﴿يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ.﴾
وهذه القصّة قبل إيراث الأرض.
١٣٩ - ﴿مُتَبَّرٌ:﴾ «مهلك، والتّبار: الهلاك» (٤).
﴿ما كانُوا:﴾ أي: ما هم ﴿يَعْمَلُونَ.﴾
١٤٠ - وقوله: ﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ﴾ إنكار منه عليهم وتذكير لهم (٥) نعم الله.
١٤٢ - ﴿وَواعَدْنا مُوسى:﴾ قيل: إنّ موسى ﵇ كان وعد قومه أن يرجع إليهم بعد ثلاثين، ولم يعلم أنّ الله تعالى يزيده في الميقات عشرة (٦). وقيل: إنّه كان أخبرهم بأنّه قد زيد في ميقاته الثّلاثين عشرة، لكنّهم عدّوا عشرين يوما وعشرين ليلة أربعين (٧).
وفائدة قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ نفي إيهام أن تكون التّتمّة بالعشرة من جملة الثّلاثين (٨). وكان بين الميقات وبين غرق فرعون عشرة أشهر؛ لأنّه غرق (٩) يوم عاشوراء، وكان الميقات (١٠) شهر ذي القعدة وعشرا (١١) من ذي الحجّة. و(الميقات): مفعال من الوقت (١٢).
١٤٣ - ﴿قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ:﴾ قال بعض أهل الزّيغ: سأل عن قومه حيث قالوا:
_________________
(١) (وقيل من قبط وهم قوم فرعون) ساقطة من ب.
(٢) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩٤، والكشاف ٢/ ١٥٠، وزاد المسير ٣/ ١٧٢.
(٣) لعل الصواب: المحاكاة.
(٤) غريب القرآن وتفسيره ١٥٠، وتفسير غريب القرآن ١٧٢، وزاد المسير ٣/ ١٧٢.
(٥) في ع وب: وتذكيرهم، بدل (وتذكير لهم). وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٢٩، والكشاف ٢/ ١٥٠، والتفسير الكبير ١٤/ ٢٢٤.
(٦) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٧٢، وتفسير البغوي ٢/ ١٩٥، والبحر المحيط ٤/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
(٧) ساقطة من ك. وينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٧٩.
(٨) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٣٢، وزاد المسير ٣/ ١٧٣، والتفسير الكبير ١٤/ ٢٢٦.
(٩) ساقطة من ك.
(١٠) (وبين غرق فرعون. . . الميقات) مكررة في ب.
(١١) في ع: وعشر. وينظر: تفسير الطبري ٩/ ٦٣ - ٦٤، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٧٤.
(١٢) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٧٩.
[ ١ / ٦٩٦ ]
﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النّساء:١٥٣]، وهذا فاسد؛ لأنّه قال: أرني أنظر إليك، ولم يقل: أرنا ننظر، ولا أرهم ينظرون، وإنّما قال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ لما (١) ابتلي بالصّعق (٢).
وقال بعضهم: سأل رؤية الآيات، وهذا باطل لمخالفته ظاهر الآيات وفحواها ومشاهدته الآيات (٣).
والقول الصّحيح أنّ موسى ﵇ كان عارفا ربّه (٤) متيقّنا بأنّه ﷻ مرئيّ ولكن خفي عليه أمر نفسه أنّها لا تحتمل (١٢٤ ظ) معاينة صانعها في التّركيب الدّنياويّ، فاستزلّته سكرة الاشتياق عن محافظة آداب العبوديّة حتى جاوز (٥) حدّ تقليب الوجه والتّعريض إلى النطق والتّصريح، فابتلي ب ﴿لَنْ تَرانِي﴾ وشغل بالنّظر إلى الجبل على شريطة أنّ التّركيب الدّنياويّ من الجبل إن احتمل المعاينة احتملها موسى ﵇، وأنّى للجبل ذلك، ثمّ رفع عن الجبل شيء من حجاب الآنيّة المتكوّنة، فأشرق بنور الآنيّة المتكوّنة وتلاشى لجلاله بمرأى من موسى ﵇، وهو المقصود، فصار الروح من موسى (٦) مختطفا مغلوبا كالسّراج (٧) في الشّمس ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أَفاقَ﴾ بإذن الله سبّح لله وتاب إليه عن سؤال ما لا ينال بالسّؤال (٨)، وكان أوّل المؤمنين بتقطّع الجبال لتجلّي ذي الجلال.
يروى أنّ الجبل تقطّع قطعا فصارت قطعة منهنّ هباء منثورا، وطارت أربع قطع في الهواء فوقعن (٩) بمكّة، وطارت أربع فوقعن بالمدينة (١٠).
وروي أنّ المياه كلّها عذبت تلك السّاعة، وظهرت المعادن والكنوز، وزال الشّوك عن الشّجر، وخمدت النّيران، وسقطت الأصنام.
ويروى أنّ ملائكة السّماء نزلوا من السّماء بإذن الله تعالى إليه (١١)، وكانوا يقولون له:
_________________
(١) النسخ الثلاث: ولما.
(٢) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ٢٢٩ و٢٣٠.
(٣) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ٢٢٩ و٢٣٠ - ٢٣١.
(٤) النسخ الثلاث: به، وبعدها في ك: متيقن أنه، بدل (متيقنا بأنه). وينظر في سبب مسألة موسى ربّه النّظر إليه: تفسير الطبري ٩/ ٦٦ - ٧٠، وينظر في جواز الرؤية: التفسير الكبير ١٤/ ٢٣١ - ٢٣٤.
(٥) في ع: تجاوز.
(٦) (الروح من موسى) ليس في ب.
(٧) في ب: كالسلاج، وهو تحريف.
(٨) ساقطة من ب.
(٩) في ع: فوضعن.
(١٠) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩٧ - ١٩٨، ومجمع البيان ٤/ ٣٥٣.
(١١) ساقطة من ع.
[ ١ / ٦٩٧ ]
أطلبت رؤية ربّ العزّة يا ابن النّساء الحيض (١).
وأرسل الله على الجبل الضّباب والصّواعق والظّلمات، فأرعدت فرائص موسى، وهم يقولون: اصبر لما سألت (٢) فإنّما رأيت قليلا من كثير، ثمّ كان التّجلّي بعد هذه المقدّمات (٣).
والمراد بالصّعق الموت عند قتادة (٤)، والغشي عند غيره (٥).
قيل: ورجع موسى متبرقعا ببرقع، ومكث كذلك أربعين صباحا لئلاّ يخطف نور وجهه بالأبصار (٦).
١٤٤ - ﴿اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ:﴾ أي: على أهل عصرك (٧).
﴿وَبِكَلامِي:﴾ ما أسمعه من كلامه من غير وساطة (٨) سفير.
١٤٥ - ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ:﴾ وفي الحديث أنّ الله تعالى كتب التّوراة بيده، وخلق٧ آدم بيده، وخلق جنّة الفردوس وغرس شجرة طوبى بيده، وقال لسائر المرادات: كوني، فكانت (٩).
و(الألواح)، قال الكلبيّ: كانت من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء، طولها عشرة أذرع (١٠).
وعن وهب: من صخرة صمّاء ليّنها الله تعالى لموسى ﵇، فقطعها بيده وشقّقها بأصابعه (١١). وعن الحسن: من خشبة نزلت من السّماء (١٢). وذكر الزّجّاج والفرّاء أنّها كانت لوحين، ويجوز أن يعبّر عن الاثنين بلفظ الجماعة، كقوله: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النّساء:١١] (١٣). وعن ابن جريج أنّ الله تعالى كتبها بالقلم الذي كتب به الذّكر، واستمدّ من نهر النّور (١٤).
_________________
(١) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩٨، والكشاف ٢/ ١٥٥.
(٢) في ك: طلبت.
(٣) في ع: المقات. وينظر: تفسير الطبري ٩/ ٦٨ - ٧٠، والبغوي ٢/ ١٩٦ - ١٩٧.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٧١، والبغوي ٢/ ١٩٨، وزاد المسير ٣/ ١٧٤.
(٥) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٧٢، وتفسير الطبري ٩/ ٧٠ - ٧١، والوجيز ١/ ٤١٢.
(٦) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩٨، والقرطبي ٧/ ٢٨٠.
(٧) ينظر: الكشاف ٢/ ١٥٧، والبحر المحيط ٤/ ٣٨٥.
(٨) في ب: واسطة. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٣٨، ومجمع البيان ٤/ ٣٥٤.
(٩) ينظر: العظمة ٣/ ١٠٦٦ - ١٠٦٧، وتفسير البغوي ٢/ ١٩٩، والدر المنثور ٣/ ١٢١.
(١٠) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩٩، والكشاف ٢/ ١٥٨، ومجمع البيان ٤/ ٣٥٤.
(١١) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩٩، والتفسير الكبير ١٤/ ٢٣٦، والبحر المحيط ٤/ ٣٨٦.
(١٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٣٩، والكشاف ٢/ ١٥٨، ومجمع البيان ٤/ ٣٥٤.
(١٣) ينظر قول الفراء في معاني القرآن ١/ ٣٩٤، وقول الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٧٥.
(١٤) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ١٩٩، والدر المنثور ٣/ ١٢٠ - ١٢١.
[ ١ / ٦٩٨ ]
﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ أي: علما وخبرا من كلّ شيء، إمّا مجملا وإمّا مفسّرا (١).
﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ:﴾ من الحلال والحرام، والحسن والقبيح، والمباح والمكروه (٢).
﴿بِأَحْسَنِها:﴾ بحسنها؛ لأنّ الله تعالى قد بيّن فيه الخير والشّرّ والحسن والقبيح، فالأحسن هو الحسن، وقيل: بأحسنها (٣)، أي: أحسن قصصها وسيرها، تعبّدهم الله (٤) بذلك دون ما دونه من الحسن (٥).
﴿دارَ الْفاسِقِينَ:﴾ منازل آل فرعون، وعدهم (٦) الله أن يردّهم إليها ويريهم إيّاها، وقيل:
ما أراهم الله من منازل قوم لوط وأمثالهم (١٢٥ و) ليعتبروا (٧).
١٤٦ - ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ:﴾ تقديره: تكبّروا، أي: كانوا يتكبّرون، لاقتضاء أن تكون الجريمة مقدّمة على الجرائم. يحتمل أنّ الآية منزلة على موسى ﵇، والمراد بهؤلاء السّامريّ وقارون والذين قالوا لموسى: اجعل لنا إلها. ويحتمل أنّها مبتدأة الإنزال على نبيّنا ﷺ، والمراد بهؤلاء اليهود.
١٤٨ - ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا:﴾ قيل (٨): إنّ هارون قال لقومه: معكم حليّ آل فرعون وهي لا تحلّ لكم فادفنوها في موضع من الأرض، واحتال السّامريّ حتى جعل في تلك الحفرة (٩) قالب عجل، فلمّا ألقوا الحليّ فيها وواروها بالتّراب أوقد السّامريّ عليها النّار فصارت عجلا منه شبه خوار بالطلسم. وقيل (١٠): إنّه كان رأى فرس جبريل ﵇ لا يضع حافره على موضع (١١) إلاّ اخضرّ بإذن الله تعالى، فأخذ من موقع حافره كفّا من التّراب، ويقول: ليكوننّ لهذا (١٢) شأن، وذلك بإلهام من الله، قال الله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ (٨) [الشّمس:٨]، فلمّا أخرج العجل ألقى التّراب في فيه فصار الجسد
_________________
(١) ينظر: زاد المسير ٣/ ١٧٥.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٧٧، والبغوي ٢/ ٢٠٠، وزاد المسير ٣/ ١٧٥.
(٣) بعدها في ع: بحسنها لأنّ الله تعالى قد بيّن، وهو تكرار.
(٤) (تعبدهم الله) ليس في ب.
(٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٠٠، وزاد المسير ٣/ ١٧٥ - ١٧٦، والتفسير الكبير ١٤/ ٢٣٧.
(٦) في ع وب: ووعدهم.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٧٩ - ٨٠، والبغوي ٢/ ٢٠٠، وزاد المسير ٣/ ١٧٦.
(٨) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٤٥، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٨٤، والبحر المحيط ٤/ ٣٩٠.
(٩) في ك: الحمرة، وفي ب: الحضرة، وكلاهما تحريف.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٤٥، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٨٤.
(١١) في ع: أرض.
(١٢) في ب: هذا، واللام ساقطة.
[ ١ / ٦٩٩ ]
لحما ودما ذا روح له خوار. وقيل (١): لم يحصل الخوار من حيلته، ولكنّ الله ابتلاهم به ليمدّهم في طغيانهم عقوبة لسوء اختيارهم.
وخوار البقرة كرغاء الإبل وثغاء الضّأن ويعار المعز (٢). وفي قراءة عليّ (٣): (له جؤار) بالجيم، وهو الصّوت، قال الله تعالى: ﴿إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٤].
١٤٩ - ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ:﴾ أي: ندموا (٤)، هذه لفظة موضوعة للنّدامة.
١٥٠ - (الأسف) (٥): الممتلئ غضبا. وقيل (٦): إنّ الألواح تكسّرت إلاّ سدسها.
﴿بِرَأْسِ أَخِيهِ:﴾ بلحيته، وقيل: قبض على ناصيته، وقيل: أخذ برأسه كما يأخذه (٧) المصارع.
وهذه الفعلة يحتمل أن تكون جائزة من موسى ﵇؛ لأنّه كان متبوعا وهارون تابعا وإن كانا نبيّين، ويحتمل أن تكون زلّة ولكنّ الله لم يؤاخذه بها لزوال التّمالك، ولأنّها كانت في ذاته (٨).
وفي الآية دلالة أنّ صبر الخليفة على جنايات قومه والتّغافل عنها جائز لابتغاء المصلحة كمنابذته (٩) ومضاجرته إيّاهم، ولذلك يصبر (١٠) خلفاء نبيّنا ﷺ من آل عبّاس على قبائح هذه الأمّة وافتراق (١١) أهوائها.
و(الشّماتة): سرور العدوّ بما يسوء عدوّه، والإشمات: إنالة العدوّ ذلك (١٢).
١٥١ - ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي:﴾ لأخذه برأس أخيه (١٣)، ﴿وَلِأَخِي:﴾ لما ظنّ به من التّقصير (١٤). وقيل (١٥): الاستغفار عبادة وإن لم تكن الزّلّة معلومة.
_________________
(١) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٩٠.
(٢) ينظر: زاد المسير ٣/ ١٧٧ - ١٧٨.
(٣) ينظر: الكشاف ٢/ ١٦٠، والتفسير الكبير ١٥/ ٦، والبحر المحيط ٤/ ٣٩٠.
(٤) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٩٣، وغريب القرآن وتفسيره ١٥٠، وتفسير غريب القرآن ١٧٢.
(٥) النسخ الثلاث: الأسيف، وبعدها في ك وب: غيظا، بدل (غضبا). وينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٥٠، وتفسير غريب القرآن ١٧٣، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٨٢.
(٦) وهو قول ابن عباس، ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٨٩، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٨٣، والدر المنثور ٣/ ١٢٧.
(٧) في ع وب: يأخذ. وينظر هذه الأقوال في البحر المحيط ٤/ ٣٩٣.
(٨) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٣٩٣ - ٣٩٤.
(٩) في ك وع: كمنابزته.
(١٠) في ك: يصير.
(١١) في ك: واختلاف.
(١٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٤٩، ومجمع البيان ٤/ ٣٦٣.
(١٣) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٩٤، والبغوي ٢/ ٢٠٢، والقرطبي ٧/ ٢٨٩.
(١٤) ينظر: الوجيز ١/ ٤١٤، وتفسير القرطبي ٧/ ٢٨٩.
(١٥) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٥٠، ومجمع البيان ٤/ ٣٦٥.
[ ١ / ٧٠٠ ]
﴿رَحْمَتِكَ:﴾ «جنّتك» (١).
١٥٢ - وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ،﴾ الآية، دلالة على نسخ الوعيد؛ لأنّه تعالى عفا عنهم وجعل القتل توبة لهم (٢).
١٥٣ - ﴿عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا:﴾ هي ما تاب عنها (٣) أصحاب الصّوامع وأمثالهم من التّهتّك والمجون. وقيل (٤): التّوبة والإيمان واحد، جمع بين اللّفظين للتّأكيد. وقيل: التّوبة ترك اعتقاد الكفر، والإيمان ابتداء اعتقاد (٥) الإسلام، وهما شيئان لا محالة.
١٥٤ - ﴿سَكَتَ:﴾ سكن (٦)، ومنه السّكتة، والسّكوت: الكفّ عن النّطق (٧).
﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ:﴾ أي: أعيد له ما تكسّر (٨) في لوحين. وقيل (٩): أخذ الباقي، وكانت فيه كفاية؛ لأنّ الأحكام كانت فيه، وإنّما ذهب الأخبار والأمثال والمواعظ.
﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ:﴾ لأجل (١٠) وعيده يخافون. (١٢٥ ظ)
١٥٥ - ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ:﴾ من قومه (١١).
وقيل: اختار موسى ﵇ من قومه ستّين شيخا، لم يجد من الشّيوخ المرضيّين غيرهم، فأمره الله بأن يختار من كلّ سبط شابّين، فاختار فأصبحوا شيوخا، ثمّ أراد موسى أن يخلف منهم اثنين ويذهب بالسّبعين، فتشاجروا في ذلك، فقال موسى: من قعد منكم كان له أجر من انطلق معي، فقعد يوشع بن نون وكالوب، وذهب موسى إلى الجبل، فلمّا انتهى إلى سفحه تركهم هناك، وصعد موسى الجبل، وكلّمه الله تكليما، وشاهد ما شاهد (١٢)، ثمّ رجع إليهم كالشّمس الطّالعة فقالوا (١٣): نحبّ أن نسمع كلام الله كما سمعته، فأسمعهم الله كلامه،
_________________
(١) ساقطة من ب. وينظر: الوجيز ١/ ٤١٥، ومجمع البيان ٤/ ٣٦٥.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٩٤ - ٩٥.
(٣) في ب: عن.
(٤) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٥٢.
(٥) (الكفر والإيمان ابتداء اعتقاد) ساقطة من ك.
(٦) غريب القرآن وتفسيره ١٥٠، وتفسير غريب القرآن ١٧٣، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٨٥.
(٧) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٧٩، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٨٥، ومجمع البيان ٤/ ٣٦٥.
(٨) بعدها في ك: له، وهي مقحمة. وينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ٨٥، وتفسير البغوي ٢/ ٢٠٣.
(٩) ينظر: زاد المسير ٣/ ١٨١، والبحر المحيط ٤/ ٣٩٦.
(١٠) النسخ الثلاث: لأحد. وينظر: معاني القرآن للأخفش ٢/ ٥٣٥، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٨٥ - ٨٦، والتفسير الكبير ١٥/ ١٥.
(١١) في ع: قوله. وينظر: مجاز القرآن ١/ ٢٢٩، وتفسير غريب القرآن ١٧٣، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٨٠.
(١٢) في ك: شهد.
(١٣) في ب: فقال.
[ ١ / ٧٠١ ]
فقالوا (١): نحبّ أن نرى الله جهرة كما رأيته، قال: إنّي لم أر الله جهرة، ولم تسكن قلوبهم إلى قوله فأخذتهم الرّجفة، فقال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ فإنّك قادر على ما تشاء ولك السّبيل والحجّة، ثمّ قال: ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ﴾ كما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة:٣٠] (٢)، وقال نبيّنا ﷺ: (أتعذّبهم وأنا فيهم (٣)؟ أتعذّبهم وهم يستغفرون؟) (٤).
وإنّما علم موسى ﵇ فعل السّفهاء بقوله تعالى: ﴿فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٥].
ثمّ أثنى عليه فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ (٥)﴾ فِتْنَتُكَ: أي: ما هي إلاّ ابتلاؤك وامتحانك، فإنّه لا طير إلاّ طيرك ولا إله غيرك.
﴿تُضِلُّ بِها:﴾ بالفتنة (٦) ﴿مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ:﴾ أي: بها وبغيرها.
١٥٦ - ﴿وَاُكْتُبْ:﴾ «وأوجب» (٧).
﴿هُدْنا إِلَيْكَ:﴾ «تبنا إليك» (٨)، وقال ابن عرفة: سكنّا إلى أمرك، ومنه الهوادة (٩). قيل (١٠):
ومن هذا اللّفظ اشتقاق لقب اليهود، وقيل (١١): بل اللّفظة من لقبهم.
﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ:﴾ أي: يسع كلّ شيء إن شئت.
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ:﴾ بالآلاء والنّعماء (١٢).
﴿فَسَأَكْتُبُها:﴾ أي: الحسنة في الدارين والرحمة (١٣)، أو الآخرة (١٤) نفسها للمذكورين
_________________
(١) (نحب أن نسمع. . . فقالوا) ساقطة من ك.
(٢) ينظر: التفسير الكبير ١٥/ ١٦ - ١٨، والبحر المحيط ٤/ ٣٩٧ - ٣٩٩.
(٣) (أتعذبهم وأنا فيهم) ليس في ب.
(٤) ينظر: السنن الكبرى للنسائي ١/ ١٩٥، وللبيهقي ٢/ ٢٥٢، وموارد الظمآن ١٥٧.
(٥) ليس في ب.
(٦) ساقطة من ب. وينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ٨٨.
(٧) في ع: وأواجب. وينظر: الوجيز ١/ ٤١٦، وتفسير البغوي ٢/ ٢٠٤، وزاد المسير ٣/ ١٨٣.
(٨) (تبنا إليك) ساقطة من ب. وينظر: اللغات في القرآن ٢٥، وتفسير مجاهد ١/ ٢٤٧، وغريب القرآن وتفسيره ١٥١.
(٩) ينظر: لسان العرب ٣/ ٤٤٠ (هود).
(١٠) في ك: وقيل. وينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٠٧، ولسان العرب ٣/ ٤٣٩ (هود).
(١١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٥٧ - ٥٥٨.
(١٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٥٨.
(١٣) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٠٠.
(١٤) في ب: والآخرة، بدل (أو الآخرة).
[ ١ / ٧٠٢ ]
خالصة يوم القيامة.
﴿بِآياتِنا:﴾ كلّها.
١٥٧ - ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ:﴾ يحتمل أنّها نزلت على موسى ﵇، ويحتمل أنّها نزلت على نبيّنا ﷺ مستأنفة ليقطع دعاوى (١) اليهود والنّصارى عن الإيمان بالآيات.
وإنّما وصف بالأمّيّ لأنّه لم يكن يتلو قبله من كتاب ولا يخطّه بيمينه، ولأنّه كان من أمّ القرى، ولأنّه لم يكن من (٢) نسل أهل الكتاب (٣).
﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ:﴾ دليل أنّ اسم الشّيء لا يغاير.
و(الإصر) (٤): ما كلّفهم الله من الأحكام الثّقيلة.
﴿وَالْأَغْلالَ:﴾ ما لزمهم من الضيق والحرج (٥) عقوبة لجرائمهم لقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ﴾ [النّساء:١٦٠].
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ:﴾ أمثال ورقة وبحيرا الرّاهب، والذين ﴿آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ:﴾ أمثال عبد الله بن سلام والقسّيسين والرّهبان، والذين اتّبعوا ﴿النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ:﴾ أمثال كعب الأحبار إلى يوم القيامة.
١٥٩ - ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ:﴾ أمّة منقرضة (٦) في سالف الزّمان، تقديره:
ومن الأمّة أمّة (٧) يهدون بالحقّ، قال (٨): ﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ [الأعراف:
١٦٨]، ثمّ قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف:١٦٩]. وقيل: الأمّة الهادية قوم استقاموا على شرائع التّوراة قبل نسخها بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ﴾ (١٢٦ و) ﴿دِينًا﴾ [آل عمران:٨٥]. وقيل: المراد بها عبد الله بن سلام وأصحابه ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٧]. وقيل: المراد بها قوم وقعوا بأرض وراء الصّين رآهم نبيّنا ﷺ ليلة المعراج ودعاهم إلى الإسلام وتحويل السّبت إلى الجمعة على سنّة الإسلام، فأجابوه وآمنوا به.
_________________
(١) في ك: دوي.
(٢) في ب: كان، بدل (لم يكن من).
(٣) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٤/ ٥٥٩، وتفسير البغوي ٢/ ٢٠٥، والقرطبي ٧/ ٢٩٨ - ٢٩٩.
(٤) في ع: والأمر. وينظر: تفسير غريب القرآن ١٧٣، وتفسير الطبري ٩/ ١١٥، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٩٠.
(٥) في ب: والخروج. وينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٨١، وتفسير البغوي ٢/ ٢٠٦، والكشاف ٢/ ١٦٦.
(٦) في ك: متفرقة.
(٧) ساقطة من ب.
(٨) في ك: وقال.
[ ١ / ٧٠٣ ]
وقيل: هؤلاء القوم على شريعة التّوراة بعد، وهم معذورون؛ لأنّهم لم يروا نبيّنا ﷺ ولم يسمعوا القرآن ولم يبلغهم خبر الإسلام على سبيل التّواتر والاستفاضة، فإنّ جهة الوصول إليهم جهة واحدة وهي واد من رمل جار يخسف بمن يجتازه إلاّ يوم السّبت، ولا يستنكر أن يكونوا قد غيّروا وبدّلوا في أيّامنا، وكانوا (١) كما وصفهم الله تعالى حالة نزول الآية: ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ:﴾ أي: يهدون من يصل إليهم من كفّار نواحيهم ويهدون صبيانهم بالقول الحقّ والأمر الحقّ (٢).
﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ:﴾ في ما بينهم.
١٦٠ - ﴿فَانْبَجَسَتْ:﴾ «انفجرت» (٣).
١٦٣ - ﴿وَسْئَلْهُمْ:﴾ وفائدة السّؤال التّقرير (٤).
﴿عَنِ الْقَرْيَةِ:﴾ عمّا أصاب أهلها إذ (٥) اعتدوا في أمر السّبت.
﴿حِيتانُهُمْ:﴾ جمع حوت، كغيلان جمع غول، والحوت: السّمكة (٦).
﴿شُرَّعًا:﴾ قال أبو عبيدة معمر (٧): شوارع في الماء: بادية، قال اللّيث: حيتان شروع: رافعة رؤوسها (٨).
﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ:﴾ «لا يفعلون السّبت» (٩)، والسّبت مصدر (١٠).
﴿كَذلِكَ:﴾ يحتمل معنيين: التّشبيه بالإتيان، أي: لا تأتيهم شرّعا، والثّاني: أن يبتدئ، أي (١١): كما أخبرناك ﴿نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١٢).
١٦٤ - ﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ (١٣)﴾ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ: قيل: الأمّة السّائلة المبالغون في الأمر
_________________
(١) ساقطة من ب.
(٢) ينظر في هذه الأقوال: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٦، وتفسير البغوي ٢/ ٢٠٦، والقرطبي ٧/ ٣٠٢.
(٣) غريب القرآن وتفسيره ١٥١، وتفسير غريب القرآن ١٧٣، والعمدة في غريب القرآن ١٣٨.
(٤) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٨٤، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٩٢، والوجيز ١/ ٤١٨.
(٥) النسخ الثلاث: إذا.
(٦) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٨٤، ومجمع البيان ٤/ ٣٨٠.
(٧) ينظر: مجاز القرآن ١/ ٢٣١.
(٨) ينظر: العين ١/ ٢٥٤ (شرع).
(٩) معاني القرآن للفراء ١/ ٣٩٨، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٢، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٠٥.
(١٠) الكشاف ٢/ ١٧١.
(١١) ساقطة من ع.
(١٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٨٥، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٢.
(١٣) ليس في ب.
[ ١ / ٧٠٤ ]
بالمعروف والنّهي عن المنكر، قالوا هذه المقالة بمسمع من المعتدين لتأكيد الزّجر. وقيل: هم المداهنون. وقيل: هم المعتدون أنفسهم، سألوا على وجه الاستهزاء (١).
١٦٦ - ﴿فَلَمّا عَتَوْا:﴾ الآية كالبدل عن الآية الأولى (٢).
﴿قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ:﴾ كالبيان للعذاب البئيس (٣).
١٦٧ - ﴿تَأَذَّنَ﴾ وآذن بمعنى، كتوعّد وأوعد (٤). وعن الزّجّاج: معناه: تألّى (٥) ربك.
و(المبعوثون): هم المسلّطون عليهم من كافر ومسلم (٦). وفي فحوى الآية بشارة لنا بالاستيلاء على الدّجّال (٧) وأتباعه، ودلالة على بقاء بقيّة من هؤلاء الأرجاس إلى انتهاء الدّنيا مقهورين مسخّرين.
١٦٨ - ﴿وَقَطَّعْناهُمْ:﴾ فرّقناهم (٨) في أيّام بختنصر وبعده.
﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ:﴾ «الوصف» (٩).
﴿يَرْجِعُونَ:﴾ يتوبون (١٠).
١٦٩ - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ نزلت في يهود عصر الوحي ومن يجانسهم (١١). وقيل:
نزلت في الجائرين (١٢) من فقهاء الأمّة وقضاتها.
(الخلف) بسكون اللام: العقب السوء (١٣).
﴿وَرِثُوا الْكِتابَ:﴾ أي: وجدوه عن آبائهم ومقدّميهم (١٤).
_________________
(١) ينظر في هذه الأقوال: تفسير الطبري ٩/ ١٢٥ - ١٣١.
(٢) يريد الآية ١٦٥: فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. (١٦٥). وذكر الزمخشري أنها تكرير لها، ينظر: الكشاف ٢/ ١٧٣.
(٣) ينظر: الكشاف ٢/ ١٧٣، والبحر المحيط ٤/ ٤١١.
(٤) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٠٩.
(٥) في ب: يأتي. وتألّى: حلف وأقسم. وينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٨٧.
(٦) ينظر: الكشاف ٢/ ١٧٣، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٠٩.
(٧) في ك: الرجال.
(٨) تفسير غريب القرآن ١٧٤، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٩٨، والوجيز ١/ ٤١٩.
(٩) الكشاف ٢/ ١٧٣.
(١٠) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢١٠، وزاد المسير ٣/ ١٩٠، والبحر المحيط ٤/ ٤١٣.
(١١) ينظر: زاد المسير ٣/ ١٩٠.
(١٢) في ب: الجبارين.
(١٣) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ٩٩.
(١٤) في ب: مقدميهم، والواو ساقطة. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢١٠.
[ ١ / ٧٠٥ ]
﴿يَأْخُذُونَ:﴾ على إظهار ما في الكتاب وكتمانه منافع هذا الزمان ﴿الْأَدْنى﴾ رشوة (١).
﴿سَيُغْفَرُ:﴾ أي: يغفر لنا أخذ هذه الرشوة الواحدة، وهم مصرّون وفي عزمهم أنّه إن ﴿يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ،﴾ وهذا القول منهم كفر وافتراء على الله تعالى وتألّ عليه؛ لأنّ الله تعالى لم يعد ولم يوجب لمصرّ (٢) على الصّغيرة مغفرة فكيف لمصرّ على الكبيرة (٣).
﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ:﴾ قيل: مستأنف، والواو لعطف جملة على جملة (٤)، (١٢٦ ظ) كقوله:
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦)﴾ [الضّحى:٦]، أي: وجدك يتيما وضالا وعائلا (٥) فآوى وهدى وأغنى.
١٧٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ:﴾ عطف على ﴿(الَّذِينَ)﴾ في الآية المتقدّمة، ويجوز أن يكون مبتدأ، وخبره: نوفّيهم أجورهم، مضمرا بدليل المظهر (٦)، وقيل: خبره: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ﴾ على اعتبار أنّ ﴿(الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ)﴾ و﴿الْمُصْلِحِينَ﴾ شيء واحد (٧).
١٧١ - ﴿نَتَقْنَا:﴾ النّتق: رفع المظل على ما تحته (٨)، في حديث علي: البيت المعمور نتاق الكعبة من فوقها (٩)، ومنه نتق السّقاء وهو أن يرفعه فينفضه (١٠)، ومنه المرأة النّاتق وهي كثيرة الولد (١١)؛ لأنّها كالمظلة على أولادها، وفي الحديث: (عليكم بالأبكار فإنّهنّ أطيب أفواها وأنتق أرحاما) (١٢).
١٧٢ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ:﴾ عن أبي العالية (١٣) عن أبيّ بن كعب قال: جمعهم يومئذ جميعا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة، فجعلهم أزواجا (١٤) في صورهم، ثمّ استنطقهم وأخذ عليهم
_________________
(١) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢١٠.
(٢) في ب: بمصر، وكذا ترد قريبا.
(٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٨٨، وتفسير البغوي ٢/ ٢١٠.
(٤) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٣٨٨، وزاد المسير ٣/ ١٩١.
(٥) ليس في ك.
(٦) في نسخ التحقيق: المضمر، والسياق يقتضي ما أثبت.
(٧) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٣٨٧، والتبيان في إعراب القرآن ١/ ٦٠٢، والبحر المحيط ٤/ ٤١٦.
(٨) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢١١.
(٩) ينظر: نوادر الأصول ٤/ ١٨٩.
(١٠) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٧٤، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٠١.
(١١) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ١٠١، ومجمع البيان ٤/ ٣٨٨ - ٣٨٩، ولسان العرب ١٠/ ٣٥٢ (نتق).
(١٢) سنن ابن ماجه ١/ ٥٩٨، والآحاد والمثاني ٤/ ٥، ومصباح الزجاجة ٢/ ٩٨.
(١٣) (عن أبي العالية) ساقطة من ك.
(١٤) كذا في النسخ الأربع، ولعل الصواب: أرواحا.
[ ١ / ٧٠٦ ]
العهد والميثاق ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ قال: فإنّي أشهد عليكم السّموات السّبع والأرضين السّبع وأشهد عليكم أباكم آدم ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ لم نعلم بهذا، اعلموا أنّه لا إله غيري ولا ربّ غيري فلا تشركوا بي شيئا فإنّي سأرسل إليكم رسلي يذكّرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، قالوا: ﴿شَهِدْنا:﴾ بأنّك إلهنا وربّنا (١) لا ربّ لنا غيرك ولا إله لنا غيرك، فأقرّوا له (٢) يومئذ بالطّاعة.
ورفع عليهم أباهم آدم فنظر إليهم فرأى الغنيّ والفقير وحسن الصّورة ودون ذلك، فقال:
ربّ لو سوّيت بين عبادك، فقال: إنّي أحببت أن أشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السّرج عليهم النّور وخصّوا بميثاق آخر في الرّسالة والنّبوّة وهو الذي يقول الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآية [الأحزاب:٧]، وهو الذي يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الرّوم:٣٠]، وفي ذلك قال: ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ (٥٦) [النّجم:٥٦]، أي: أخذ عليه الميثاق مع النّذر الأولى (٣)، وفي ذلك: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف:١٠٢]، وفي ذلك قال: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يونس:٧٤]، فكان في علمه يوم أمروا به من يكذّب ومن يصدّق به.
قال: فكان روح عيسى ﵇ من تلك الأرواح التي أخذ الله عليها العهد والميثاق من زمان آدم ﵇، فأرسل [الله] (٤) ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيّا فحملته، أي: فحملت الذي خاطبها (٥) وهو روح عيسى ﵇، دخل في فيها (٦).
وروي في إخراج الذّرّيّة من صلب آدم ﵇ أمثال الذّرّ روايات كثيرة عن ابن عبّاس، وإلى هذا القول ذهب أكثر أهل السّنّة، قالوا: أخرج ذلك اليوم أولاد صلبه من صلبه، وأولاد أولاده من أولاده، وأولاد أولادهم من أولادهم، وكذلك إلى انقطاع النّسل، وكانوا أقلّ وأصغر وأخفى من الذّرّ لا محالة، فإنّ الذّرّ مركّب من أجزاء كثيرة فلا شكّ أنّهم كانوا أصغر وأخفى حين كانوا كمنا إلاّ أنّ الله تعالى أنماهم بعد (١٢٧ و) الإخراج كما شاء فجعلهم أرواحا كما قال أبيّ، وأمثال الذّرّ كما قال ابن عبّاس، فأسمعهم وبصّرهم وأنطقهم بمشهد أبيهم آدم
_________________
(١) في ك: ومولانا.
(٢) ساقطة من ب. وينظر: زاد المسير ٣/ ١٩٣، والدر المنثور ٣/ ١٤٢.
(٣) (وفي ذلك قال. . . مع النذر الأولى) ليس في ع.
(٤) من ك.
(٥) في ب: خاطبته.
(٦) ينظر: الدر المنثور ٣/ ١٤٢.
[ ١ / ٧٠٧ ]
﵇ ليشهد عليهم (١). قال: وفائدة ذلك أحد أشياء أربعة: إمّا تطييب قلب آدم ﵇ وتسليته بشبه عذر من النّاكثين، وإمّا تذكّر الأنبياء والصّدّيقين ذلك الميثاق في مدّة أعمارهم، كالمستيقظ يذكّر ما رأى فيذكره بعينه وصورته، أو تذكير (٢) غيرهم كالسّكران يفعل شيئا في سكره ثمّ يتخيّله فيتفكّر فيه، وليس يبعد أن يكون توهّم الناسخ (٣) من جري هذا الميثاق، وإمّا ما (٤) تذكره من هبة آدم ﵇ من (٥) داود ﵇ سنين من عمره ويجوز (٦) ذلك، وإمّا معنى لم يطلعنا الله عليه (٧). وقيل: المراد بالإخراج إخراج المواليد في كلّ عصر وقرن، والميثاق الإلهام في قلوب ذوي العقول قبل (٨) اختيارهم الكفر أو الكتاب السّماويّ والأخبار المتواترة. والمأخوذ به ما هو موافق لظاهر الكتاب وعليه الجمهور (٩).
﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ:﴾ بدل ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ (١٠)، وهو عطف البيان.
﴿وَأَشْهَدَهُمْ:﴾ «أي: أشهد بعضهم على بعض» (١١).
﴿شَهِدْنا:﴾ من كلامهم (١٢).
[﴿أَنْ تَقُولُوا:﴾] (١٣) تقديره: لأن لا تقولوا، أي: لردّ قولهم هذا وللنفي اتجاهه من أيّ وجه.
١٧٣ - ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا:﴾ لّما كان أخذ هذا الميثاق ممّا يذكره الأنبياء والصّدّيقون (١٤) ويتحيله الشّهداء والصّالحون ويعترف به العوامّ والمقلّدون مع ما نبّه الله عليه كافّة النّاس في القرآن المعجز لم تصحّ دعوى المنكرين بأنّهم (١٥) كانوا مجيبين من جهة آبائهم الأوّلين (١٦).
_________________
(١) (ليشهد عليهم) ساقطة من ع، وبعدها في ك: قالوا، بدل (قال).
(٢) في ع: تذكر، وفي ب: يذكر.
(٣) كذا في نسخ التحقيق، ولعل الصواب: التناسخ.
(٤) ساقطة من ك، وبعدها في ع: نذكره، بدل (تذكره).
(٥) لعلها مقحمة.
(٦) في ب: ونحو.
(٧) في ك: عليها.
(٨) في ك: قيل.
(٩) ينظر في هذه الأقوال: تفسير الطبري ٩/ ١٤٨ - ١٥٩، والدر المنثور ٣/ ١٤٢ - ١٤٥.
(١٠) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٩٠، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٣٠٦، والتفسير الكبير ١٥/ ٤٧.
(١١) تفسير البغوي ٢/ ٢١٢، وزاد المسير ٣/ ١٩٣.
(١٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٣٠، وتفسير البغوي ٢/ ٢١٢.
(١٣) من المصحف، ويقتضيها السياق. وينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ١٠٣، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٧ و٢٨.
(١٤) بعدها في ب: والشهداء.
(١٥) في ب: كأنهم، وهو تحريف.
(١٦) ينظر: الوجيز ١/ ٤٢١، وتفسير البغوي ٢/ ٢١٣، وزاد المسير ٣/ ١٩٤.
[ ١ / ٧٠٨ ]
١٧٥ - ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا:﴾ نزلت في بلعام بن باعور، كان في مدينة الجبّارين، وكان من ذرّيّة لوط ﵇، وكان يعرف اسم الله الأعظم فدعا به على بني إسرائيل فحبسوا في التّيه أربعين سنة، فدعا موسى ﵇ بإذن الله تعالى بنزع (١) الاسم الأعظم عنه. ويروى أنّه كان في زمن يوشع ﵇، لمّا حاصر (٢) يوشع هذه المدينة طلب بالق من بلعام أن يدعو عليهم، وكان يعرفه أنّه مجاب الدّعوة، فلم يفعل بلعام وقال: هؤلاء أولياء (٣) ربّي لا أدعو عليهم، فرشا بالق امرأته بأموال كثيرة ولؤلؤ وحليّ فاستزلّته امرأته، فركب أتانا له وخرج إلى صومعته ليدعو على بني إسرائيل فلم تسر تحته (٤) الأتان، فنزل عنها وتوجّه إلى صومعته (٥) راجلا، فاستقبله ملك من الملائكة وأخذ عليه الطّريق، فخرّ ساجدا ودعا الله تعالى ليخليه، فانكشف عنه الملك، فلمّا انتهى إلى الصّومعة وتهيّأ للدّعاء نساه الله ذلك الاسم، وصار كافرا بعزمه على الدّعاء لنصرة الكافرين على المؤمنين، فلمّا نسي الاسم غضب وسخط على ربّه، ورجع إلى (٦) بالق وعلّمه حيلة وهي أن يسرّح إلى بني إسرائيل جواري حسانا ليزنوا بهنّ فيخذلهم الله تعالى (٧).
وعن مجاهد والمعتمر بن سليمان عن أبيه أنّ بلعام كان نبيّا (٨)، وهذا (٩) محمول على أنّه كان نبيّا عند نفسه، أو عند النّاس، أو يشبه الأنبياء لاطّلاعه على شيء من الغيب على سبيل التّبع والاتفاق كالشّهداء (١٢٧ ظ) لا على سبيل التّخصيص والاجتباء كالأنبياء.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب أنّ الآية نزلت في أميّة بن [أبي] (١٠) الصلت، كان قد قرأ الكتب ووجد فيها نبيّا يبعث من العرب، فطمع أن يكون هو ذلك، وكان مع ذك فاجرا خبيثا يقول بلسانه غير ما يفعله بأركانه، فلمّا بعث نبيّنا ﷺ كذّب به حسدا ولم يؤمن ومات كافرا، وفيه قال (١١) ﷺ: (هو رجل آمن بلسانه وكفر قلبه (١٢».
_________________
(١) في الأصل وع وب: بإنزاع، وبعدها: (الأعظم) ليس في ك.
(٢) في ب: حصر.
(٣) ساقطة من ب.
(٤) في ب: تحت، والهاء ساقطة.
(٥) (ليدعو. . . صومعته) ساقطة من ك.
(٦) في ب: على.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٦٦ - ١٦٩، والبغوي ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٨) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٦٤ - ١٦٥، والقرطبي ٧/ ٣٢٠.
(٩) في ك: وهو.
(١٠) من مصادر التخريج، ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٦٢ - ١٦٣، والبغوي ٢/ ٢١٤ - ٢١٥، والقرطبي ٧/ ٣٢٠.
(١١) في ك: وقال، والواو مقحمة.
(١٢) في ب: بقلبه. وفي المصادر: آمن شعره، ينظر: التمهيد ٤/ ٧، وتفسير البغوي ٢/ ٢١٥، وفيض القدير ١/ ٥٩.
[ ١ / ٧٠٩ ]
وقيل: نزلت في راهب بن (١) صيفيّ، كان يلبس المسوح وتنسّك في الجاهليّة، ثمّ عادى نبيّنا ﷺ وذهب إلى قيصر مستمدّا، فأهلكه الله تعالى في الطّريق.
وقيل (٢): نزلت على وجه المثل في كلّ يهوديّ ونصرانيّ.
﴿فَأَتْبَعَهُ:﴾ لحقه (٣)، يقال: ما زلت أتبعه حتى اتبعته، وقال الفرّاء: تبعه وأتبعه بمعنى، كلحقه وألحقه (٤).
١٧٦ - ﴿لَرَفَعْناهُ بِها (٥)﴾: أي: لشرفناه بالآيات وعصمناه عن صفة الإخلاد إلى الأرض واتّباع الهوى (٦).
﴿وَلكِنَّهُ:﴾ ولكن لم نشأ عصمته ف ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ:﴾ والإخلاد إلى الأرض هو لزوم المكان والتثبط والتقاعد (٧).
و﴿الْكَلْبِ:﴾ سباع.
و(اللهث): إخراج اللّسان (٨). إذا أخرج الكلب لسانه من حرّ أو عطش لم يمسكه بزجر ولا تخلية، كذلك المنسلخ من الآيات لم ينزجر عن كفره بإنذار ولا تخلية (٩).
و(الحمل على الشّيء): قصده على وجه الطّرد، وكأنّه أخذ من (١٠) حمل السّلاح عليه.
١٧٧ - ﴿ساءَ:﴾ بئس، و﴿الْقَوْمُ:﴾ مرتفع، و﴿مَثَلًا:﴾ نصب على التّفسير (١١).
١٧٨ - ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ:﴾ الهداية: التّوفيق للاهتداء، و(الإضلال): الخذلان (١٢).
واتّصالها بما قبلها من حيث ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف:١٧٦].
١٧٩ - ﴿ذَرَأْنا:﴾ أي: شئنا بذرئهم مصيرهم.
_________________
(١) في ك وع: من. وهو أبو عامر بن صيفي الراهب، ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٦٣، ومجمع البيان ٤/ ٣٩٥، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٢٠.
(٢) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ١٠٥، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٣١، وتفسير البغوي ٢/ ٢١٥.
(٣) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٧٤.
(٤) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٣٩٤، ولسان العرب ٨/ ٢٨ (تبع).
(٥) ليس في ك، وبعدها في الأصل وك وب: تشرفناه، بدل (لشرفناه).
(٦) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ١٠٦، وتفسير البغوي ٢/ ٢١٥ - ٢١٦.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٧٠ - ١٧١، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٩١.
(٨) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤١٧.
(٩) ينظر: تأويل مشكل القرآن ٣٦٩، وتفسير الطبري ٩/ ١٧٢ - ١٧٣، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٣٤.
(١٠) (أخذ من) مكررة في ب.
(١١) ينظر: مشكل إعراب القرآن ١/ ٣٠٦، ومجمع البيان ٤/ ٣٩٤، والتبيان في إعراب القرآن ١/ ٦٠٤.
(١٢) ينظر: التفسير الكبير ١٥/ ٥٩.
[ ١ / ٧١٠ ]
واللام لام الغرض، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها،﴾ الآية [مريم:٧١]، وقوله ﷺ:
(ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) (١)، يدلّ عليه أنّ الله تعالى كان عند ذرء الشّقيّ عالما بمصيره لا محالة فلو لم يشأ مصيره لما ذرأه، ألا ترى أنّ الحكيم لا يغشى النّساء إذا لم يرد النّسل، ولم يتمتّع بالشّهوات إذا لم يرد السّمن.
وقوله: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥٦) [الذّاريات:٥٦] ليس بمناقض لهذه الآية؛ لأنّ العبادة ليست بمضادّة ﴿لِجَهَنَّمَ،﴾ ولاحتماله أوجها سبعة: أحدها: التّسخير لقوله: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،﴾ الآية [الرّعد:١٥]، والثّاني: إظهار الخضوع لا القيام بالأوامر، والثّالث: العبوديّة وهي الكينونة لا العبادة، والرّابع: حالة الطّفولة قد خلقوا على الفطرة، والخامس: الاقتضاء والاستحقاق كقول الوالدة لولدها: ما ولدتك إلاّ لتكبر فتحسن إليّ، والسّادس: العموم بمعنى الخصوص فيصرف إلى أهل السّعادة، والسّابع:
كون اللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ لام العاقبة والمآل وذلك عند معاينة البأس. فلو كان يحتمل معنى واحدا لا يصحّ دعوى التّناقض، كيف وقد احتمل الأوجه.
١٨٠ - ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث ذكر الكفّار وهم ملحدون (٢).
(الأسماء): التّسميات التي يكلّم (٣) الله بها. و(الحسنى): (١٢٨ و) تأنيث الأحسن (٤).
﴿الَّذِينَ (٥)﴾ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ: الذين اشتقّوا لأصنامهم أسماء من أسماء الله ﷿، كاللاّت من الله، والعزّى من العزيز (٦)، والذين أنكروا إطلاق تسميتين على مسمّى واحد فقالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ [الفرقان:٦٠]. ويدخل في جملة هؤلاء الذين قالوا: أسماء الله مخلوقة، والذين أطلقوا على الله اسم الجسم (٧)، والذين فرّقوا بين الأسماء المشتقّة من صفات (٨) الذّات وبين الأسماء المشتقّة من صفات الفعل.
١٨١ - ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ:﴾ هم أهل السّنّة والجماعة. وتفسير السّنّة أن يسلكوا
_________________
(١) سنن أبي داود ٤/ ٣١٩، والسنن الكبرى للنسائي ٦/ ٦، والعلل المتناهية ٢/ ٨٣٧.
(٢) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٢٦.
(٣) في ب: تكلم. وينظر: تفسير القرطبي ٧/ ٣٢٦.
(٤) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢١٧، وزاد المسير ٣/ ١٩٨، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٢٧.
(٥) ليس في ك.
(٦) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٧٨، والوجيز ١/ ٤٢٣، والكشاف ٢/ ١٨١.
(٧) في ب: الجنس.
(٨) في ب: صفة.
[ ١ / ٧١١ ]
طريق السّلف في كراهة الكلام والجدال في الدّين، والتّعسّف (١) في تأويل متشابهات كلام ربّ العالمين وحديث رسوله خاتم النّبيّين، وأن (٢) يجتهدوا في الفروع بالبحث (٣) عن النّاسخ والمنسوخ، والظّاهر القريب والخفيّ البعيد، وأن يميزوا الصّحيح من السّقيم، والمتواتر من الآحاد، والمتعارف المعتاد بين النّاس من النّادر والشّادّ، وأن يتحرّوا الأشبه فالأشبه، ويجتنبوا إهمال الحوادث كما يجتنبون مخالفة الأصول الشّرعيّة وتفسير الجماعة، والالتجاء (٤) إلى الكلمة السّواء عند اقتتال المقتتلين.
وهذه (٥) الآية حجّة في صحّة الإجماع (٦)؛ لأنّ الله تعالى زكّاهم وعدلهم في أحكامهم.
١٨٢ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ أنكروها سرّا وجهرا، أو أنكروها سرّا مع الإقرار بها جهرا، وأنكروا ظاهرها المعروف أو تفسيرها المجمع عليه أو سرّها المكتوم لتعسّف في التّأويل من غير حجّة ودليل.
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ:﴾ قال الخليل (٧): «سنطوي عمرهم في اغترار منهم»، وقال الضّحّاك:
كلّما جدّدوا (٨) معصية جدّدنا لهم نعمة، وقال القتبيّ: هو أن يدنيهم (٩) من بأسه قليلا قليلا.
واستدراج الشّيء: تحصيله على المهلة والتّدريج (١٠).
١٨٣ - ﴿كَيْدِي:﴾ مكري (١١)، ﴿مَتِينٌ:﴾ قويّ شديد وثيق (١٢).
١٨٤ - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا:﴾ قيل: صعد النّبيّ ﷺ ذات ليلة (١٣) الصّفا فلم يزل يدعو قريشا فخذا فخذا حتى أصبح، فقال أناس منهم: أصبح الرّجل مجنونا، فأنزل الله (١٤).
والمراد بالاستفهام أحد شيئين: إمّا الحثّ والإغراء، وإمّا التّقرير والإثبات، أي: تفكّروا
_________________
(١) مكررة في الأصل وع.
(٢) النسخ الثلاث: فأن.
(٣) ساقطة من ك.
(٤) في الأصل وع وب: الالتجاء، والواو ساقطة.
(٥) مكانها في ب: وفي هذه.
(٦) في ب: الاجتماع.
(٧) زاد المسير ٣/ ٢٠٠، والبحر المحيط ٤/ ٤٢٨.
(٨) في الأصل وب: جردوا، وبعدها في ب: جردنا، بدل (جددنا). وقول الضحاك في تفسير البغوي ٢/ ٢١٨، ومجمع البيان ٤/ ٤٠٢، وزاد المسير ٣/ ٢٠٠.
(٩) في ك: يدنيه. وقول القتبي في زاد المسير ٢/ ٢٠٠، والبحر المحيط ٤/ ٤٢٨.
(١٠) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢١٨.
(١١) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٨١، ومجمل اللغة ٤/ ٢٠٧، والوجيز ١/ ٤٢٣.
(١٢) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٥٤، وتفسير غريب القرآن ١٧٥، وتلخيص البيان ٥٢.
(١٣) بعدها في ك: إلى، وهي مقحمة.
(١٤) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٨٢، والبغوي ٢/ ٢١٩، والكشاف ٢/ ١٨٢.
[ ١ / ٧١٢ ]
وعلموا ثمّ أنكروا وجحدوا (١).
﴿بِصاحِبِهِمْ﴾ (٢): الصّاحب: الذي بينك وبينه شأن من خلاف ووفاق.
و﴿ما﴾ (٣): للنّفي، و﴿مِنْ:﴾ لتأكيد النّفي.
و(الجنّة): «الجنون» (٤)، ككلّة البصر وكلوله.
١٨٥ - ﴿يَنْظُرُوا:﴾ نظر القلب إن شاء الله ولذلك عمّ المخلوقات كلّها بقوله: ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ.﴾
﴿وَأَنْ عَسى:﴾ في محلّ النّصب معطوفا على قوله (٥): ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ،﴾ أو محلّ الخفض معطوفا على قوله (٦): ﴿مَلَكُوتِ السَّماواتِ.﴾
وفائدة النّظر في المخلوقات الاستدلال بها على صانعها (٧).
﴿بَعْدَهُ:﴾ بعد الحديث، أو بعد تمام الأجل (٨).
١٨٧ - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ:﴾ لا يتولى مخلوق إلى علم (٩) أوانها حقيقة، إنّ واحدا من المخلوقين لو توصّل (١٠) إليه من جهة الوحي أو الأمارات المتقدّمة وتعيّنت له السّاعة بكميّة الأيّام والسّاعات والدّقائق لتنكّرت بكميّة الأعداد والأنفاس والأصوات (١٢٨ ظ) واللّحظات والخطرات، كيف وهي ممكنة في كلّ لحظة غير واجبة (١١).
﴿أَيّانَ:﴾ سؤال عن الوقت، يليها الاسم تارة والفعل أخرى، وهي مركّبة من أيّ أوان (١٢).
_________________
(١) ينظر: المجيد ٣٢٧ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي)، والبحر المحيط ٤/ ٤٢٩.
(٢) في الأصل وع وب: لصاحبهم، وهو خطأ.
(٣) في ب: ومن، وهو خطأ. وينظر: التبيان في إعراب القرآن ١/ ٦٠٥، والدر المصون ٥/ ٥٢٥.
(٤) غريب القرآن وتفسيره ١٥٤، وتفسير غريب القرآن ١٧٥.
(٥) في الآية السابقة.
(٦) (ما بصاحبهم من جنة. . . قوله) ليس في ب. وينظر: إعراب القرآن ٢/ ١٦٥، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٣٠٦، والتبيان في إعراب القرآن ١/ ٦٠٥.
(٧) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٩٢، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٤٤، وزاد المسير ٣/ ٢٠١.
(٨) ينظر: تفسير القرطبي ٧/ ٣٣٤، والبحر المحيط ٤/ ٤٣١.
(٩) (مخلوق إلى علم) ساقطة من ب.
(١٠) في ب: تصل.
(١١) في الأصل وب: أواجبة، والهمزة مقحمة.
(١٢) في ك وب: وأن. وينظر: المجيد ٣٢٩ - ٣٣٠ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي)، والبحر المحيط ٤/ ٤١٨، والدر المصون ٥/ ٥٢٩ - ٥٣٠.
[ ١ / ٧١٣ ]
﴿مُرْساها:﴾ مواضع إرسائها (١). والإرساء: الثّبوت والقيام (٢).
﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها:﴾ لا يظهرها لوقتها (٣) غيره.
﴿ثَقُلَتْ:﴾ أي: عظم واستصعب وقوعها (٤)، أو علمها على أهل السّموات والأرض (٥).
وفائدة الكتمان استواء الأوّلين والآخرين في الإنذار بالسّاعة وعظم شأن المباغتة والمفاجأة (٦).
﴿حَفِيٌّ:﴾ مبالغ في البرّ أو السّؤال، يقال: استحفى السّؤال، وأحفى في السّؤال (٧)، قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ [محمّد:٣٧].
﴿لا يَعْلَمُونَ:﴾ أنّ علمها خاصّة لا يجلّيها لوقتها إلاّ هو، فيظنّون أنّهم يقفون عليها بالبحث عنها (٨).
١٨٨ - ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث نفي علم السّاعة (٩).
عن ابن عبّاس أنّ قريشا قالت لرسول الله: ألا يخبرك ربّك بالسّعر لنشتري الطّعام في الرخص وبالخصب (١٠) والجدب لننتقل من الجدب إلى الخصب (١١) قبل أن تجدب الأرض، فأنزل الله الآية (١٢).
﴿مِنَ الْخَيْرِ:﴾ من حوائج النّفس (١٣)، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٨) [العاديات:٨].
﴿السُّوءُ:﴾ ما يسوء النّفس من المصائب الدّنياويّة (١٤).
_________________
(١) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٣١.
(٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٩٣، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١١٠، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٤٧.
(٣) (لا يظهرها لوقتها) ساقطة من ك وب. وينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٥٥، وتفسير غريب القرآن ١٧٥، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٩٣.
(٤) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٩٣، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٤٧، وزاد المسير ٣/ ٢٠٢.
(٥) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٩٩، وتفسير غريب القرآن ١٧٥، وتفسير الطبري ٩/ ١٨٥.
(٦) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٣٢.
(٧) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤، والتفسير الكبير ١٥/ ٨١ - ٨٢، والبحر المحيط ٤/ ٤٣٢.
(٨) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٨٩، والبحر المحيط ٤/ ٤٣٣.
(٩) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٣٣.
(١٠) في الأصل وب: بالخصب، والباء ساقطة.
(١١) النسخ الأربع: الخصب إلى الجدب، بدل (الجدب إلى الخصب)، والسياق يقتضي ما أثبت.
(١٢) ينظر: الوجيز ١/ ٤٢٥، وتفسير البغوي ٢/ ٢٢٠، وزاد المسير ٣/ ٢٠٣.
(١٣) ينظر: التفسير الكبير ١٥/ ٨٤.
(١٤) ينظر: زاد المسير ٣/ ٢٠٤.
[ ١ / ٧١٤ ]
١٨٩
و١٩٠ - ظاهر قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ ينبئ أنّه (١) آدم ﵇، و﴿زَوْجَها:﴾ حوّاء (٢)، هكذا ذكر الكلبيّ وغيره، قالوا: لمّا حبلت حوّاء جاءها إبليس متصوّرا بصورة مجهولة متسمّيّا بالحارث، وأوهمها أنّها تلد بهيمة، أو تلد من فيها أو منخريها، أو تلد ولدا لا يعيش، فذكرت ذلك لآدم فأشفقا من ذلك، و﴿دَعَوَا اللهَ﴾ ﷾، وزعم إبليس أنّه عبد صالح مجاب الدّعوة، ومنّاهما أنّهما إن سمّيا الولد باسمه ووهباه منه دعا الله لهما (٣)، فشرطا له ذلك، وولدت حوّاء غلاما صالحا فسمّياه عبد الحارث (٤) كما يقول الصّديق للصّديق: ولدي هذا عبدك، على وجه الإكرام، ولم يعلما مراد إبليس من ذلك ولا عرفاه، فأعظم الله تعالى شأن تلك التّسمية، وأعظم الإنكار عليهما لمكان (٥) نبوّة آدم ﵇ ورفعة رتبته، ولعلمه ﷾ بإبليس وبما يريد من تأسيس قاعدة الشّرك والإفك.
وليس يبعد (٦) هذه الزّلّة والأكل من الشّجرة في حالة واحدة بغرور واحد لما يروى (٧) أنّ قابيل ولد في الجنّة، ويدلّ عليه ضمير الجمع في قوله: ﴿اِهْبِطُوا﴾ [البقرة:٣٦]، والولادة تتصوّر في الجنّة كما يتصوّر (٨) خلق حوّاء فيها من ضلع آدم.
وقيل (٩): قوله: ﴿صالِحًا﴾ يرجع إلى الجنس، و﴿جَعَلا:﴾ يرجع إلى التّوأمين فإنّ حوّاء كانت تلد في كلّ بطن توأمين ذكرا وأنثى، فهما اللذان (١٠) جعلا له شركاء لا آدم (١١) وحوّاء.
وقيل (١٢): ﴿(جَعَلا)﴾ يرجع إلى جنس الذّكر وجنس الأنثى من جملة الأولاد والذّرّيّة لقوله تعالى: ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ.﴾
وقيل (١٣): الإشراك فعل الذّرّيّة وإنّما أسند إلى الأبوين مجازا.
_________________
(١) ساقطة من ك، وفي ع: أن، والهاء ساقطة.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٩٠ - ١٩١، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١١٣، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٥٢.
(٣) النسخ الثلاث: بهما.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٩٣، والحجة في القراءات السبع ١٦٨، وتفسير البغوي ٢/ ٢٢١.
(٥) في ع: بمكان.
(٦) في ب: بتعد.
(٧) في ب: يرى، والواو ساقطة.
(٨) في الأصل وك وب: تصور.
(٩) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٥٣ - ٥٤، ومجمع البيان ٤/ ٤٠٩، وزاد المسير ٣/ ٢٠٦.
(١٠) في ب: للذين.
(١١) في ك: كآدم، وفي ع وب: لآدم، بدل (لا آدم).
(١٢) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ١١٦، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٥٢ - ٥٣، ومجمع البيان ٤/ ٤٠٩.
(١٣) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٢١.
[ ١ / ٧١٥ ]
وقيل (١): (النّفس الواحدة) غير آدم من (٢) الآباء فإنّهم آحاد إلى نوح ﵇، و(الزّوج) غير حوّاء من الأمّهات لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها﴾ [الرّوم:٢١].
وقيل (٣): الخطاب متوجّه إلى العرب من أولاد عدنان خاصّة، وإنّ (٤) المراد بالنّفس واحد من آبائهم.
﴿تَغَشّاها:﴾ غشيها.
﴿حَمْلًا خَفِيفًا:﴾ أي: النّطفة (٥).
﴿فَمَرَّتْ بِهِ:﴾ أي: قامت وقعدت من غير مشقّة (٦).
﴿أَثْقَلَتْ:﴾ صارت ثقيلة بالحمل (٧).
﴿صالِحًا:﴾ بشرا سويّا، أو بشرا يولد من موضع الولادة، أو ولدا يعيش (٨).
﴿شُرَكاءَ:﴾ مصدر (٩) يراد به الاسم. والمراد من الجمع الوحدان (١٠) كقوله: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران:٣٩].
١٩١ - ﴿ما:﴾ يرجع إلى الجماد من الأصنام (١١).
﴿وَهُمْ:﴾ راجع إلى الذين (١٢) صوّر على مثالهم من طواغيت الإنس والجنّ، أو إلى الأصنام على ما يعتقدون فيها من الحياة والعقل (١٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٩٧، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١١٧.
(٢) في ك: ومن، والواو مقحمة.
(٣) ينظر: زاد المسير ٣/ ٢٠٦، والتفسير الكبير ١٥/ ٨٧.
(٤) في ك: فإن.
(٥) بعدها في ك: به، وهي مقحمة. وينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٠٠، وتفسير الطبري ٩/ ١٩١، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٩٥.
(٦) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٠٠، وتفسير الطبري ٩/ ١٩١، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٩٥.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٩٢، والبغوي ٢/ ٢٢٠ - ٢٢١، وزاد المسير ٣/ ٢٠٤.
(٨) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٩٢ - ١٩٣.
(٩) ينظر: الحجة في القراءات السبع ١٦٨، وزاد المسير ٣/ ٢٠٥. وهذا على قراءة من قرأ: (شركا)، وهي قراءة نافع وأبي بكر عن عاصم، ينظر: السبعة ٢٩٩، وحجة القراءات ٣٠٤.
(١٠) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ١٩٨، والبغوي ٢/ ٢٢١، وزاد المسير ٣/ ٢٠٥. وهذا على قراءة باقي السبعة: (شركاء).
(١١) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٤١١، والبحر المحيط ٤/ ٤٣٨.
(١٢) بعدها في ب: هم، وهي مقحمة.
(١٣) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٤١١، وزاد المسير ٣/ ٢٠٦.
[ ١ / ٧١٦ ]
١٩٣ - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى:﴾ الآية غاية في نفي الخير عن هذه المعبودات من حيث إنّ اتّباع الهوى عند الدّعاء مقدور لعابديها غير مقدور لها فهي أوضع رتبة من عابديها (١).
و(الصّامت): ضدّ النّاطق.
١٩٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ:﴾ سادتهم المعبودون من جملة الملائكة والأنبياء والطّواغيت، وإنّ المماثلة بالعبوديّة. ويحتمل أنّهم الأصنام (٢).
﴿عِبادٌ أَمْثالُكُمْ:﴾ أي: كعباد.
﴿فَادْعُوهُمْ:﴾ التّحدّي (٣) بدعاء مستجاب، وأنّى لهم من جهة معبوديهم، فإنّ استجابة الدّعاء قضاء الحاجة أو الجزاء عليه (٤)، ولا يقدر عليها إلاّ الله.
١٩٥ - ﴿يَبْطِشُونَ:﴾ البطش: الأخذ (٥).
والمراد بهذه الأشياء نفي الأفعال دون الأعضاء، كما تقول لضعيف: ألك بدن يحتمل هذا الثقل؟ أو معدة تحتمل هذا الطّعام (٦).
وهذه الآية غاية في نفي الخير عنهم أيضا من حيث إنّهم أوضع من عابديهم (٧). فإن كانت الآيات في الأصنام المنحوتة والمنصوبة فبعضها على اعتبار كونها جمادا وبعضها على اعتبار اعتقاد المشركين أو على سبيل التّشبيه، وإن كانت بعضها في الأصنام وبعضها في الملائكة والأنبياء والطّواغيت فذلك اعتبار أوهام المخاطبين وعقولهم كأنّ بعضهم لا يعرف إلاّ ما يشاهد وبعضهم متوهّم وراء المشاهدات أزواجا (٨) وأنفسا، فعمّهم بالإنكار بهذه الآيات بعضها في بعض.
١٩٦ - ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي:﴾ فأمر رسول الله ﷺ أن يقول هذا القول (٩).
١٩٨ - ﴿وَتَراهُمْ:﴾ خطاب للنّبيّ ﷺ (١٠). والضّمير عائد إلى الأصنام (١١)، وقيل (١٢): إلى المخاطبين.
_________________
(١) (غير مقدور لها. . . عابديها) مكررة في ب.
(٢) في ك: الأمثال. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٢٢، والبحر المحيط ٤/ ٤٣٩.
(٣) في ك وع: المتحدي، وفي ب: المستحدي.
(٤) في ب: عليها.
(٥) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٤١٣، والبحر المحيط ٤/ ٤٣٥.
(٦) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٤١.
(٧) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٢٣، وزاد المسير ٣/ ٢٠٧، والتفسير الكبير ١٥/ ٩٢ - ٩٣.
(٨) في ب: أرواحا.
(٩) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٠٢، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٦٠، ومجمع البيان ٤/ ٤١٣.
(١٠) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٠٢، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٦٢، وتفسير البغوي ٢/ ٢٢٣.
(١١) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٠١، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١١٨، وتفسير البغوي ٢/ ٢٢٣.
(١٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٦٢، وتفسير البغوي ٢/ ٢٢٣، وزاد المسير ٣/ ٢٠٨.
[ ١ / ٧١٧ ]
١٩٩ - ﴿الْعَفْوَ:﴾ الصّفح والمتاركة، وذلك قبل آية السّيف (١)، أو بعد ما يظهرون من أنفسهم الإيمان، أو خاصّة في الذّراري والنّسوان. وعن (٢) ابن عبّاس العفو: الزّكاة (٣).
و(العرف): المعروف كلّه (٤). وقيل (٥): إنّه كلمة الإخلاص، وكذلك قوله (٦): ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ (١) [المرسلات:١] هم (٧) الأنبياء الذين أرسلوا بكلمة لا إله إلاّ الله.
٢٠٠ - (النّزغ): الهمز (٨) والوسوسة والأذى والإغراء (٩).
٢٠١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا:﴾ مبتدأ، وجملة ﴿إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ﴾ خبره.
﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ:﴾ لمفاجأة الإبصار حالة التّذكير (١٠).
و(التّذكير:) ذكر الله (١١).
و(الإبصار): إبصار الخير والشّرّ على سبيل التّمييز بعد إمدادهم (١٢).
٢٠٢ - ﴿لا يُقْصِرُونَ:﴾ ولا يكفون (١٣) بأنفسهم أيضا عن الغيّ (١٤).
٢٠٣ - ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ:﴾ كانت قريش إذا سكت رسول الله ﷺ أيّاما ﴿قالُوا لَوْلا اِجْتَبَيْتَها﴾ ألفاظا حسنة فتقوّلتها، يطالبون بالآيات على ظنّ أنّه ربّما انقطع، فأنزل الله (١٥).
٢٠٤ - ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ:﴾ عن أبي هريرة وابن المسيب أنّها نزلت في الصّلاة (١٦).
وعن مجاهد أنّ النّبيّ ﷺ كان يقرأ في الصّلاة (١٧) (١٢٩ ظ) فسمع قراءة فتى من الأنصار، فأنزل
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٠٥ - ٢٠٦، والبغوي ٢/ ٢٢٤، وزاد المسير ٢/ ٢٠٩.
(٢) في ك: عن.
(٣) ينظر: زاد المسير ٣/ ٢٠٨، والبحر المحيط ٤/ ٤٤٤.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٠٧، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٦٢، وتفسير البغوي ٢/ ٢٢٤.
(٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٢٤، والقرطبي ٧/ ٣٤٦.
(٦) ساقطة من ب.
(٧) في ب: فهم، وبعدها (الذين) ساقطة منها.
(٨) في ك: الهمزة.
(٩) ينظر: مجمع البيان ٤/ ٤١٤، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٤٨، والبحر المحيط ٤/ ٤٣٥.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٦٥، والتفسير الكبير ١٥/ ١٠٠.
(١١) ينظر: زاد المسير ٣/ ٢٠٩، والبحر المحيط ٤/ ٤٤٦.
(١٢) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢١١.
(١٣) في ع وب: يكفرون.
(١٤) ينظر: تلخيص البيان ٥٢ - ٥٣، ومجمع البيان ٤/ ٤١٧.
(١٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٢٥، والبحر المحيط ٤/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
(١٦) ينظر: سنن الدارقطني ١/ ٣٢٦، والسنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١٥٥، والتمهيد ١١/ ٣٠.
(١٧) (وعن مجاهد. . . الصلاة) ليس في ب.
[ ١ / ٧١٨ ]
[الله] (١). وعن أبي هريرة عنه ﷺ أنّه قال: (إنّما جعل الإمام إماما ليؤتمّ به). . . الخبر (٢). وعن جابر مرفوعا: (من كان له إمام (٣) فقراءة الإمام له قراءة) (٤). وعن مجاهد أنّها نزلت في الخطبة (٥). ويجوز أنّها نزلت فيهما (٦).
و(الإنصات): سكوت في استماع (٧).
٢٠٥ - ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ:﴾ أي: راقب بالقلب (٨).
﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ:﴾ إبانة بالتّسبيح والتّهليل، أو القراءة في الصّلاة (٩).
﴿وَالْآصالِ:﴾ جمع أصيل، وهو ما بين العصر إلى المغرب (١٠).
٢٠٦ - ﴿[إِنَّ] (١١)﴾ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ: هم الذين علمهم (١٢) به علم المشاهدة من غير اجتهاد وكسب، وهم الملائكة والأنبياء والصّدّيقون والشّهداء.
والفائدة عن الإخبار عن (١٣) حالهم هو التّطميع لمن اقتدى بهم أن يلحقهم في رتبتهم بإذن الله تعالى (١٤).
_________________
(١) من ع. وينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٥٦، والطبري ٩/ ٢١٦، والسنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١٥٥.
(٢) ينظر: صحيح البخاري ١/ ١٤٩، ومسلم ١/ ٣٠٨، وابن حبان ٥/ ٤٦٠.
(٣) (من كان له إمام) مكررة في ب.
(٤) سنن الدارقطني ١/ ٣٢٣، والقراءة خلف الإمام ١٥٢، والفردوس بمأثور الخطاب ٣/ ٥١٣.
(٥) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١٥٥، والتمهيد ١١/ ٣٠، وتلخيص الحبير ٢/ ٥٧.
(٦) النسخ الثلاث: فيها. وينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٤٧، وتفسير الطبري ٩/ ٢١٩ - ٢٢٠، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٢٢.
(٧) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٦٨، والتفسير الكبير ١٥/ ١٠٢، وشرح سنن ابن ماجه ٦١.
(٨) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٤٩.
(٩) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٢٦، وزاد المسير ٣/ ٢١٢.
(١٠) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٢٢، والعمدة في غريب القرآن ١٤١، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٦٨ - ٦٩.
(١١) من ع.
(١٢) بعدها في ك: الله.
(١٣) في ع: وعن، وبعدها: وهو، بدل (هو)، والواو في الموضعين مقحمة.
(١٤) ينظر: التفسير الكبير ١٥/ ١١٠.
[ ١ / ٧١٩ ]