مدنيّة، نزلت بعد سورة البقرة بالمدينة (١). وعن ابن عبّاس وقتادة: إلاّ سبع آيات نزلن بمكّة، [أولها] (٢) قوله: ﴿وَإِذْ (٣)﴾ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:٣٠]. وقيل (٤): نزلت آية واحدة بمكّة، وهي قوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ [الأنفال:٦٤]. وهي ستّ وسبعون آية حجازي بصري (٥).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
١ - ﴿يَسْئَلُونَكَ [عَنِ الْأَنْفالِ] (٦)﴾: نزلت في غزوة بدر في شهر رمضان سنة اثنتين (٧).
وسبب غزوة بدر أنّ عيرا لقريش (٨) قدم من الشّام، فيهم أبو سفيان وعمرو بن العاص، فأراد النّبيّ ﷺ أن يخرج إليهم فيغير عليهم، فخرج وهو يريد العير، والله يريد النّفير، فكان ما أراد الله، وذلك (٩) أنّ أبا سفيان سمع بخروج النّبيّ ﷺ فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاريّ إلى مكّة مستنجدا مستنفرا، وكانت عاتكة بنت عبد المطّلب قد رأت في المنام قبل مقدم ضمضم أنّ رجلا أقدم على بعير له فوقف بالأبطح وقال: انفروا يا آل غدر (١٠) إلى مصارعكم في ثلاث، ثمّ صعد أبا قبيس وصرخ ثلاثا، ثمّ أخذ صخرة وأرسلها من رأس الجبل فأقبلت تهوي حتى إذا كانت في أسفله ارفضّت فما بقيت دار من دور قريش إلاّ دخل فيها (١١) بعضها، فقصّت عاتكة رؤياها على أخيها العبّاس بن عبد المطّلب، وكانا يكتمان إيمانهما، فقصّ عبّاس على الوليد بن عتبة، وكان صديقا له، فذكرها الوليد لأبيه فتحدّث (١٢) بها، ففشا الحديث في ما بين النّاس، قال (١٣) عبّاس: غدوت إلى الكعبة لأطوف بها فإذا أبو جهل في نفر من قريش يتحدّثون عن (١٤)
_________________
(١) في ك وع: بمدينة. وينظر: الكشاف ٢/ ١٩٣.
(٢) يقتضيها السياق. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٧١، ومجمع البيان ٤/ ٤٢٢، وزاد المسير ٣/ ٢١٤.
(٣) في ع: أو، وهو خطأ.
(٤) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٥٢.
(٥) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٧١، ومجمع البيان ٤/ ٤٢٢.
(٦) من ع.
(٧) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ١٢٧.
(٨) في ك: عير قريش، بدل (عيرا لقريش).
(٩) مكررة في ب.
(١٠) في ع: عدراء.
(١١) في ب: دخلها، بدل (دخل فيها).
(١٢) في الأصل وع: ويتحدث، وفي ب: وتحدث.
(١٣) بعدها في ب: ابن، وهي مقحمة.
(١٤) في ب: في.
[ ١ / ٧٢٠ ]
رؤيا عاتكة، ثمّ التفت إليّ فقال: يا أبا الفضل متى حدثت فيكم هذه النّبيّة، أما رضيتم يا بني عبد المطّلب أن تنبّأت رجالكم حتى تنبّأت نساؤكم، سنتربّص بكم هذه الثّلاث فإن كان حقّا فسيكون وإلاّ كتبنا عليكم كتابا أنّكم أكذب أهل (١) بيت في العرب، فلمّا كان يوم الثّالث جاءهم ضمضم بن عمرو ووقف بعيره بالأبطح وقد حوّل رحله وشقّ قميصه وأجدع بعيره يقول: يا معشر قريش اللّطيمة اللّطيمة، أموالكم أموالكم مع أبي سفيان قد عرض [لها] (٢) محمّد وأصحابه، ولّما سمع العبّاس هذا (١٣٠ و) شمت بهم، وطلب أبا جهل فوجده في المسجد فتبعه وناداه: كيف رؤيا عاتكة يا مصفرّا إسته؟ قال (٣) أبو جهل: دعنا عن (٤) هذا يا أبا الفضل وتأهّب للنّفير، ولم يجد عبّاس من الخروج معهم بدّا إلى أن كان ما كان على ما سبق في آل عمران (٥).
واختلفوا في الأنفال ههنا، قيل (٦): إنّها الغنائم كلّها. وعن الحسن أنّها ما كان نفّلهم رسول الله ﷺ بقوله (٧): (من قتل قتيلا فله سلبه)، فتسارع الشّبّان وبقي المشايخ تحت الرّايات محدقين برسول الله، فلمّا فرغوا من القتال قالت الشّبّان: هذه الأموال يتنفل (٨) لنا رسول الله، وقالت المشايخ: نخن كنّا ردءا لكم (٩) فأشركونا فيها، وقال سعد بن معاذ: يا رسول الله إن (١٠) دفعت المال إلى من نفّلتهم لم يبق لسائر النّاس شيء، فانتزع الله الأمر (١١) من أيديهم وردّه إلى رسوله ليستأنف فيه حكما على ما يرى فيه من المصلحة (١٢). وعن عطاء عن (١٣) ابن عبّاس:
المراد بالأنفال ما شذّ عن الغنائم من عبد أو دابّة (١٤). والآية منسوخة على الأقوال الثّلاثة بقوله: ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ،﴾ الآية [الأنفال:٤١] (١٥).
_________________
(١) ساقطة من ك.
(٢) يقتضيها السياق.
(٣) في ع: وقال.
(٤) ساقطة من ب.
(٥) في تفسير الآية ١٢٣. وينظر الخبر في السيرة النبوية ٢/ ٤٤٠ - ٤٤٢، وتاريخ الطبري ٢/ ١٣٦ - ١٣٧، والمستدرك ٣/ ١٩ - ٢٠.
(٦) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٢٤ - ٢٢٥، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٢٩، والبحر المحيط ٤/ ٤٥٣.
(٧) في ع: لقوله. والحديث في مسند الشافعي ٢٢٣، وصحيح البخاري ٣/ ١١٤٤، ومسلم ٣/ ١٣٧٠ - ١٣٧١.
(٨) في ع: تتنفل، وفي ب: بتنفل.
(٩) في ع: رداءكم، بدل (ردءا لكم).
(١٠) ساقطة من ب، وبعدها: الأموال، بدل (المال).
(١١) ساقطة من ب.
(١٢) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٢٨ - ٢٣٠، والبغوي ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
(١٣) ساقطة من ك.
(١٤) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٢٥، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٥٢، وتفسير البغوي ٢/ ٢٢٨.
(١٥) ينظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٥١، وللمقري ٩٢، ولابن حزم ٣٩.
[ ١ / ٧٢١ ]
وقيل (١): الآية نزلت في الخمس يحكم فيه الإمام باجتهاده، وقيل (٢): هي كلّ الغنائم قبل الإحراز، والآية غير منسوخة (٣) على هذين.
النّفل في اللّغة: الزّيادة من الخير (٤)، قال (٥): [من الرّمل]
إنّ تقوى ربّنا خير نفل وبإذن الله ريثي (٦) وعجل
والسّؤال عن كيفيّة القسمة وكمّيّتها (٧). وفي مصحف عبد الله وأبيّ (٨): (يسألونك الأنفال)، أي: يطلبونها منك، وقد منهم (٩) الأمران جميعا.
﴿ذاتَ بَيْنِكُمْ (١٠)﴾: حالتهم التي تجمعهم (١١).
٢ - ﴿وَجِلَتْ:﴾ خافت وفزعت (١٢)، وهذه الحالة (١٣) هي الأولى، وأمّا الحالة الثّانية فالاطمئنان (١٤) والاستئناس، قال الله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ [مِنْهُ] (١٥)﴾ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ [الزّمر:٢٣] (١٦).
﴿زادَتْهُمْ إِيمانًا:﴾ على الإيمان المعهود من وجهين: أحدهما: الأسباب والأدلّة، والثّاني:
الإيمان الحادث بالنّازل الحادث (١٧).
٤ - ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا:﴾ ردّ على (١٨) الذين يشكّون في إيمانهم.
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٢٧، وزاد المسير ٣/ ٢١٥، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٦٢.
(٢) ينظر: زاد المسير ٣/ ٢١٦.
(٣) (على الأقوال الثلاثة. . . غير منسوخة) ليس في ب. وينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٥٢، ونواسخ القرآن ١٦٤ - ١٦٥.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٢٧، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٧٢، وتفسير البغوي ٢/ ٢٢٨.
(٥) لبيد، ديوانه ١٣٩.
(٦) في الأصل: ربثي، وفي ب: بثي.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٢٨، ومجمع البيان ٤/ ٤٢٤.
(٨) ينظر: المحتسب ١/ ٢٧٢، وزاد المسير ٣/ ٢١٥.
(٩) كذا في النسخ الأربع، ولعل الصواب: يفهم.
(١٠) في الأصل وك وب: بينهم.
(١١) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٣٥، والبغوي ٢/ ٢٢٩، والقرطبي ٧/ ٣٦٤.
(١٢) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٥٧، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٠٠، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٧٦.
(١٣) في ع: الحكمة.
(١٤) غير واضحة في ب.
(١٥) من المصحف.
(١٦) ينظر: التفسير الكبير ١٥/ ١١٨، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
(١٧) ينظر: التفسير الكبير ١٥/ ١١٨ - ١١٩.
(١٨) النسخ الثلاث: وعلى، بدل (رد على). وينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٢٩، وزاد المسير ٣/ ٢١٧.
[ ١ / ٧٢٢ ]
(حقّا): نصب على التّأكيد (١).
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ:﴾ هو الحظّ الجميل المحمود، يعني في الآخرة إن شاء الله (٢).
٥ - ﴿كَما:﴾ التّشبيه لكون الأفعال لله، أي: هي لله (٣) كما كان إخراجك من بيتك إلى الله وإن كرهه فريق من المؤمنين. وقيل: التّشبيه لسؤالهم عن الأنفال واختلافهم فيها، أي:
جادلوك فيها كما كرهوا الخروج فجادلوك فيه أوّل مرّة (٤).
وإنّما كان السّبب في ذلك أنّ النّبيّ ﷺ كان قد خرج إلى العير، ووعدهم الله في الطّريق أحد شيئين: إمّا الظّفر بأموال العير الذي خرج قاصدا إليها، وإمّا النّصر على العدوّ (٥) عند الالتقاء، وكان الظّفر بأموال العير (٦) أقرب وأسهل على ما قدّروه، وأحبّ (٧) إليهم من لقاء العدوّ؛ لأنّهم لم يكونوا تأهّبوا للقتال كلّ التّأهّب، فلمّا سمعوا أنّ أبا سفيان أخذ طريقا آخر وأنّهم ملاقو العدوّ لا محالة كرهوا ذلك وقالوا لرسول الله: أخرجتنا قاصدين إلى العير ولم تخبرنا بلقاء العدوّ حتما، وخافوا على أنفسهم خوفا طبيعيّا، (١٣٠ ظ) وإن كانوا معتقدين بأنّ (٨) الله منجز وعده ومسلطهم بإحدى الطّائفتين لا محالة، لذكر الله تعالى حالتهم تلك على وجه الملامة ليتكلّفوا مخالفة الطّبيعة في المسارعة إلى أمره ورسوله.
﴿بِالْحَقِّ:﴾ أي: بالأمر الحقّ، أو بالوعد الحقّ.
٦ - ﴿فِي الْحَقِّ:﴾ شأن (٩) الجهاد.
﴿بَعْدَ ما تَبَيَّنَ:﴾ أي: بعد ما ظهر أنّه أمر الله، أو من بعد ما ظهر (١٠) أمر الله، أو من بعد ما ظهر (١١) أنّه لهم لا عليهم، وإنّما كان ظهر ذلك لهم بوعد الله.
﴿كَأَنَّما يُساقُونَ:﴾ تشبيه لحالة خوفهم، أي: يخبتون عن الموهوم كأنّهم يحشرون، أي (١٢): يشاهدون فيه الهلاك والموت لا محالة.
_________________
(١) ينظر: الكشاف ٢/ ١٩٦، والتفسير الكبير ١٥/ ١٢١، والمجيد ٣٤٩ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي).
(٢) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٣٠.
(٣) ليس في ب.
(٤) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٧٨، والتفسير الكبير ١٥/ ١٢٥.
(٥) (على العدو) ساقطة من ع.
(٦) (الذي خرج. . . العير) ساقطة من ب.
(٧) النسخ الثلاث: وأحبهم، وبعدها في ك وع: إليه بدل (إليهم).
(٨) في ع: بإذن.
(٩) في ع: بيان. وينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٥٨، والطبري ٩/ ٢٤٤، والقرطبي ٧/ ٣٦٩.
(١٠) بعدها في الأصل وع: أنه، وهي مقحمة.
(١١) (أمر الله أو من بعد ما ظهر) ليس في ب.
(١٢) في الأصل وك: إلى.
[ ١ / ٧٢٣ ]
٧ - ﴿وَإِذْ﴾ (١): عطفت على جملة، محله نصب بوقوع الذّكر المقدّر عليه (٢).
قيل: إنّ النّبيّ ﷺ [لمّا] (٣) كان ببعض الطّريق بعث عديّ بن أبي الزّغباء عينا (٤) على العير.
ونزل جبريل ﵇ مخبرا بنفر قريش ومبشّرا بالاستيلاء على إحدى الطّائفتين: إمّا العير وإمّا النّفير، فأشاروا عليه بالعير، فأعاد كلامه فأشاروا عليه بالعير وقالوا: إنّما أخرجتنا للعير وليست معنا أهبة القتال، فأعاد عليهم كلامه فأشاروا عليه بالعير حتى قام سعد بن عبادة فقال:
يا رسول الله انظر (٥) أمرك وامض فو الله لو سرت إلى عدن ما تخلّف عنك رجل من الأنصار، ففرح النّبيّ ﷺ حتى عرف السّرور في وجهه. وقال المقداد بن الأسود الكنديّ: إنّا لا نقول كما قال بنو إسرائيل: اذهب ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ [فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ]﴾ (٦) [المائدة:٢٤]، ولكنّا نقول: امض لأمر ربّك فإنّا بين يديك مقاتلون ما دامت عين منّا تطرف (٧).
﴿أَنَّها لَكُمْ:﴾ بدل عن ﴿إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ﴾ (٨).
﴿الشَّوْكَةِ:﴾ البأس والشّدّة وحدّة [السّلاح] (٩)، فذات الشّوكة ههنا النّفير وغير ذات الشّوكة العير لتغنموا من غير قتال، وأراد الله أن يسلّطهم على ذات الشّوكة ليقطع دابر الكافرين (١٠).
روي أنّهم (١١) لّما ظفروا بالعدوّ وفرغوا من القتال والأنفال طمعوا في العير، قالوا:
يا رسول الله عليك بالعير، فقال عبّاس وهو أسير مشدود: لا ينبغي لك يا رسول الله، قال:
ولم (١٢)؟ قال: لأنّ الله وعدك إحدى الطّائفتين وقد أنجز (١٣). وهذا دليل على إيمان عبّاس وعقله وفطنته قبل ظهور إسلامه.
٨ - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ:﴾ إحقاق الحقّ إثبات في المشاهدة لما ثبت في العقل. وإبطال الباطل
_________________
(١) في ك وع: وإن.
(٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٠١، والبيان في غريب إعراب القرآن ١/ ٣٨٣.
(٣) من ع وب.
(٤) في ع وب: عليا. وينظر: الطبقات الكبرى ٢/ ١٢، وتاريخ خليفة بن خياط ٦٣، والبدء والتاريخ ٤/ ١٨٦.
(٥) في الأصل وع وب: لنظر.
(٦) من ب.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٤٥ - ٢٤٧، والبغوي ٢/ ٢٣٢، والقرطبي ٧/ ٣٧٤.
(٨) ينظر: معاني القرآن للأخفش ٢/ ٥٤١، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٠٢، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٨٠.
(٩) يقتضيها السياق، وينظر: مفردات ألفاظ القرآن ٤٧٠، ولسان العرب ١٠/ ٤٥٤، ومجمع البحرين ٢/ ٥٦٠ (شوك).
(١٠) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٣٢، والتفسير الكبير ١٥/ ١٢٨.
(١١) في ب: أنه.
(١٢) في ك: لم.
(١٣) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٥٥، وتفسير البغوي ٢/ ٢٣٦، والقرطبي ٧/ ٣٧٦.
[ ١ / ٧٢٤ ]
إزهاق (١) في المشاهدة لما زهق في العقل.
٩ - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ:﴾ الاستغاثة: طلب الغوث، وهو عون الملهوف (٢).
والرّدافة (٣) أن تتبع الشّيء الشّيء، قال: ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النّمل:٧٢]، واللام مقحمة (٤). «والتّرادف: التّتابع» (٥).
١١ - ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ:﴾ قيل: إنّ الله تعالى ألقى عليهم النّوم والأمن ليلتئذ حتى احتلم بعضهم ثمّ أصبحوا على غير ماء، فوسوس (٦) لهم الشّيطان بأنّهم لو كانوا على الحقّ لوجدوا ماء ليتطهّروا (٧) به لصلاتهم، فأرسل الله عليهم مطرا حتى اغتسلوا وشربوا، وكان الموضع تسوخ فيه الأقدام لكثرة الرّمل فاشتدّ بذلك الوشي (٨) أيضا فثبتت عليه أقدامهم (٩).
والرّبط على القلب هو عقده (١٠) بالصّبر الحائل بينه وبين الجزع والوجل والهلع والفشل (١١).
﴿بِهِ:﴾ راجع إلى الماء، أو إلى الرّبط (١٢). (١٣١ و)
و﴿الْأَقْدامَ:﴾ جمع قدم، وهو من الرّجل كالكفّ من اليد (١٣).
١٢ - ﴿فَثَبِّتُوا:﴾ تثبيت الملائكة المؤمنين إنّما كان على سبيل التّشجيع دون القتال (١٤).
وقيل (١٥): تثبيتهم إيّاهم مشاركتهم في القتال تشريفا لهم، ولو شاء الله لأهلكهم بملك واحد منهم.
﴿فَوْقَ الْأَعْناقِ:﴾ ما فوق الأعناق وهو الرّأس (١٦). وقيل: (فوق) زيادة وصلة مثل
_________________
(١) مكررة في ك.
(٢) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٣٣، والقرطبي ٧/ ٣٧٠، والبحر المحيط ٤/ ٤٥٩.
(٣) في الأصل وك وب: والرادفة. وينظر: لسان العرب ٩/ ١١٦ (ردف).
(٤) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٠١، والتبيان في إعراب القرآن ٢/ ١٠١٣، والمجيد ١٨٦ (تحقيق: د. شنشول فريج عسكر).
(٥) مفردات ألفاظ القرآن ٣٤٩ (ردف).
(٦) في ب: فسوس، والواو الأولى ساقطة، وبعدها في ك: لهما، بدل (لهم).
(٧) النسخ الثلاث: يتطهروا، واللام ساقطة.
(٨) في ع: الشيء، ولعل الصواب: الطّشّ. والطّشّ: المطر الضّعيف وهو فوق الرّذاذ، لسان العرب ٦/ ٣١١ (طشش).
(٩) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٥٥، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤، وتفسير البغوي ٢/ ٢٣٤.
(١٠) النسخ الثلاث: عقدها.
(١١) ينظر: زاد المسير ٣/ ٢٢٣، والبحر المحيط ٤/ ٤٦٣.
(١٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٠٤، وإعراب القرآن ٢/ ١٧٩، وزاد المسير ٣/ ٢٢٣.
(١٣) ينظر: لسان العرب ١٢/ ٤٧٠ (قدم).
(١٤) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٠٥، وتفسير الطبري ٩/ ٢٦١ - ٢٦٢، والقرطبي ٧/ ٣٧٨.
(١٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٣٤.
(١٦) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٠٥، وتفسير الطبري ٩/ ٢٦٢ - ٢٦٣، والكشاف ٢/ ٢٠٤.
[ ١ / ٧٢٥ ]
(على) (١)، تقول: ضربت الشّيء، وضربت عليه بمعنى. و(العنق): الرّقبة، وهو المتوسّط بين الرّأس والذّفرى (٢).
﴿بَنانٍ:﴾ (٣) أطراف من الأيدي والأرجل (٤)، واحدتها: بنانة (٥).
فإن كان الأمر للمؤمنين فالمراد ضربهم بالسّيوف والمقارع، والمراد ببيان هذه المواضع إباحة (٦) القتل من كلّ وجه، وإن كان الأمر للملائكة فالمراد بالضّرب ضربهم بما شاء الله من سلاح أو جناح على سبيل القتل (٧) والتسويم أو الرّدّ والطّرد (٨).
١٣ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى الإمداد والإرداف، أو الأمر بالقتل (٩).
١٤ - ﴿ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ:﴾ خطاب متوجّه إلى الكفّار من جهة الله تعالى أو من جهة الملائكة عند معاينة البأس، تقديره: ذلكم جزاؤكم فذوقوه، أو ذوقوا ذلكم فذوقوه (١٠).
﴿وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ:﴾ معطوف على ﴿شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١١).
١٥ - ﴿زَحْفًا:﴾ الزّحف: التّقرّب إلى الشّيء قليلا قليلا، وأكثر استعماله في ما له أرجل كثيرة، وهو مصدر ههنا أقيم مقام الاسم، أي: زاحفين (١٢).
١٦ - ﴿مُتَحَرِّفًا:﴾ مائلا، نصب على الحال (١٣)، وتقديره: ومن يولّهم يومئذ دبره على أيّ حال كان إلاّ متحرّفا لقتال (١٤).
و(التّحيّز) والانحياز: التّنحّي (١٥)، وفيه معنى النّقيض.
_________________
(١) ساقطة من ب. وينظر: إعراب القرآن ٢/ ١٨٠، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٣١٢، وتفسير البغوي ٢/ ٢٣٥.
(٢) في ك: والذفير، وفي ع: والرفير، وفي ب: والزفير. والذّفرى: عظم في أعلى العنق من الإنسان عن يمين النقرة وشمالها، لسان العرب ٤/ ٣٠٧ (ذفر).
(٣) ليس في ب.
(٤) في ب: والأرض.
(٥) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٥٧، وتفسير الطبري ٩/ ٢٦٣، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/؟؟؟ ٤٠.
(٦) ساقطة من ب.
(٧) (من كل وجه. . . على سبيل القتل) ساقطة من ع.
(٨) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٣٥.
(٩) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٦٤، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٨٨ - ٨٩، والكشاف؟؟؟.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٨٩، والتبيان في إعراب القرآن ٢/ ٦١٩، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٧٩.
(١١) في الآية السابقة.
(١٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٩١، وتفسير البغوي ٢/ ٢٣٦.
(١٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٠٦، وإعراب القرآن ٢/ ١٨١، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٣١٣.
(١٤) في ع: متى فالقتال، بدل (متحرفا لقتال). وينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٠٦، ومجمع البيان ٤/ ٤٤٤.
(١٥) ينظر: التفسير الكبير ١٥/ ١٣٧، والبحر المحيط ٤/ ٤٦٨.
[ ١ / ٧٢٦ ]
﴿إِلى فِئَةٍ:﴾ قال ابن عبّاس (١): إنّها الكتيبة العظمى في المعركة، وعن أبي سعيد الخدريّ أنّهم لو تحيّزوا إلى فئة في دار الإسلام لم يكونوا منهزمين (٢). قال ابن عمر: خرجت سريّة، وأنا فيهم، ففرّوا، فلمّا رجعوا إلى المدينة استحيوا من النّاس، فسألوا رسول الله: أنحن الفرارون؟ قال: بل أنتم العكّارون وأنا فئتكم (٣). «قال ثعلب: العكّارون: العطّافون» (٤).
ثمّ يحتمل أنّ الآية مجمل لا يمكن العمل بظاهرها، وتفسيره: ﴿مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ﴾ [الأنفال:٦٥]، ويحتمل أنّها كانت عامّة يمكن العمل بظاهرها (٥) عند الإتيان على النّفس ثمّ خصّصها قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ [الأنفال:٦٥]، ثمّ نسخت تلك الآية بقوله:
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال:٦٦] (٦).
١٧ - ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ:﴾ نفي هذه الأفعال عن فاعلها وإسنادها إلى الله من جهة وقوعها يومئذ معجزة إلهيّة خارجة عن طوق البشر والرسم الموضوع المعهود (٧).
روي أنّ النّبيّ ﷺ أخذ كفّا من حصى الوادي يوم بدر ورمى به في وجوه القوم وقال:
شاهت الوجوه (٨). وروى الزهريّ عن ابن المسيب أنّه ﷺ رمى يوم أحد أبيّ بن خلف (٩). وعن عبد الرّحمن ابن جبير أنّه ﷺ دعا بقوس في محاربة اليهود فرمى عليها بسهم إلى الحصن فأصاب كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه فقتله (١٠).
﴿وَلِيُبْلِيَ:﴾ معطوف على مضمر، تقديره: ليهلكهم (١١) وليبلي المؤمنين.
١٨
و١٩ - ﴿ذلِكُمْ:﴾ الذي سمعتم حقّ أو صدق واعلموا أنّ الله (١٢). ويجوز أن يكون (ذلكم) في محلّ النّصب بإضمار اعلموا (١٣). (١٣١ ظ)
_________________
(١) لم أقف على قوله.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٦٧، والبغوي ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
(٣) ينظر: سنن سعيد بن منصور ٥/ ٢٠١، والأدب المفرد ٣٣٨، وسنن الترمذي ٤/ ٢١٥.
(٤) ساقطة من ب. وقول ثعلب في تفسير القرطبي ٧/ ٣٨٣، والبحر المحيط ٤/ ٤٧٠.
(٥) في ع وب: بظاهره.
(٦) ينظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٥٩ - ٤٦٣، ونواسخ القرآن ١٦٥ - ١٦٦.
(٧) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٧٢.
(٨) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٠٦، والمعجم الكبير ٣/ ٢٠٣، ومجمع الزوائد ٦/ ٨٤.
(٩) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧، وتفسير الطبري ٩/ ٢٧٢، وزاد المسير ٣/ ٢٢٦.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٩٣، وزاد المسير ٣/ ٢٢٦، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٨٥.
(١١) في ك: ليهلككم، وهو خطأ.
(١٢) ينظر: زاد المسير ٣/ ٢٢٧.
(١٣) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٧٣.
[ ١ / ٧٢٧ ]
الإيهان والتّوهين: إحداث الوهن والضّعف (١). كان المشركون (٢) عند خروجهم إلى بدر تعلّقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهمّ انصر أحبّ الفئتين إليك (٣). وكان أبو جهل يقول يوم بدر (٤): اللهمّ أقطعنا للرّحم وأفسدنا للجماعة فأحنه (٥) اليوم، فنزلت (٦) ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ الآية.
٢٠ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر مجادلتهم في الخروج (٧).
والواو في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ للحال (٨)، أي: لا تتولّوا عنه سامعين دعاءه إيّاكم وأمّا (٩) من لم يسمع فهو معذور (١٠).
٢١ - ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ:﴾ نزلت في بني عبد الدّار بن قصيّ، لم يسلم منهم إلاّ اثنان، وكان أكثرهم منافقين (١١). وقيل (١٢): نزلت في الذين قالوا: ﴿قَدْ (١٣)﴾ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال:٣١]، أو (١٤) أنّهم لم يسمعوا سمع (١٥) الانتفاع والاعتبار.
٢٢ - ﴿شَرَّ الدَّوَابِّ:﴾ «النّاس» (١٦) بدليل قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:٥٥]، جمعهم جمع العقلاء.
﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ:﴾ الذين لا يستمعون إلى الحقّ ولا ينطقون بالحقّ (١٧).
_________________
(١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٩٤، وتفسير البغوي ٢/ ٢٣٨.
(٢) في ب: كالمشركون، بدل (كان المشركون)، وهو خطأ.
(٣) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٣٩، والكشاف ٢/ ٢٠٨، وزاد المسير ٣/ ٢٢٨.
(٤) (يوم بدر) ليس في ب.
(٥) أي: فأهلكه، الكشاف ٢/ ٢٠٨، والبحر المحيط ٤/ ٤٧٣. والحين: الهلاك، لسان العرب ١٣/ ١٣٦ (حين).
(٦) ساقطة من ك. وينظر: مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٣٥٥، وتفسير الطبري ٩/ ٢٧٤.
(٧) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٧٤.
(٨) ينظر: مشكل إعراب القرآن ١/ ٣١٤، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٨٧ - ٣٨٨، والبحر المحيط ٤/ ٤٧٤.
(٩) في ع: ولها.
(١٠) في ع: موزون.
(١١) ينظر: زاد المسير ٣/ ٢٢٩، والبحر المحيط ٤/ ٤٧٤.
(١٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٠٨، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٩٨، والبحر المحيط ٤/ ٤٧٤.
(١٣) ليس في ك.
(١٤) النسخ الثلاث: آخر.
(١٥) في ع: سمعوا.
(١٦) تفسير غريب القرآن ١٧٨.
(١٧) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ١٤٣، وتفسير البغوي ٢/ ٢٤٠.
[ ١ / ٧٢٨ ]
والمراد ب ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ المخاذيل عن العمل بقضيّة العقل (١).
٢٣ - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ (٢)﴾ فِيهِمْ خَيْرًا: يدلّ على تفاوت طبائع السّعداء والأشقياء (٣)، وأنّ السّعيد مجبول على خير طبيعيّ متقدّم على الخير الكسبيّ، مظهر عند التّوفيق للكسب، ثمّ يثمر الاستقامة، وأنّ الشّقيّ غير مجبول عليه فلا (٤) يستقيم وإن وفّق للاستماع والاعتبار.
٢٤ - ﴿لِما يُحْيِيكُمْ:﴾ إحياء القلوب للتّفكّر والاعتبار بروح الإلهام والقرآن، وإحياء الشّهداء للثّواب قبل يوم البعث (٥).
و(الحائل): الحاجز (٦). وقوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ،﴾ أي: يملك قلبه فيقلّبه كيف يشاء، إن شاء جعله مشرقا بنور الغيب، وإن شاء جعله ميتا (٧) محجوبا.
٢٥ - ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً:﴾ عامّة، ما يعمّ الفاسق والمداهن عن ابن عبّاس (٨)، وللعصبية (٩) عن غيره.
﴿لا تُصِيبَنَّ:﴾ كالصّفة للفتنة (١٠).
وإنّما دخلت النّون المشدّدة بإضمار قسم (١١)، يقيم القسم وجوابه مقام الصّفة.
٢٦ - ﴿إِذْ أَنْتُمْ:﴾ عدد ﴿قَلِيلٌ﴾ (١٢)، أو شيء قليل، ولو وصف آحاد الجماعة بالقلّة لقال: إذ أنتم قليلون.
﴿النّاسُ:﴾ كفّار قريش، عن عكرمة وقتادة والكلبيّ، وقيل: فارس والرّوم (١٣).
﴿فَآواكُمْ:﴾ أراد تبوئة المدينة مراغما ومهاجرا لهم (١٤).
_________________
(١) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٤٠.
(٢) بعدها في ب: أن، وهي مقحمة.
(٣) في الأصل وب: أو الأشقياء.
(٤) ساقطة من ب.
(٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٤٠ - ٢٤١، ومجمع البيان ٤/ ٤٥١، وزاد المسير ٣/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٦) ينظر: لسان العرب ١١/ ١٨٧ (حول).
(٧) ساقطة من ك. وينظر: تلخيص البيان ٥٤ - ٥٥، والوجيز ١/ ٤٣٦، ومجمع البيان ٤/ ٤٥٢.
(٨) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٤١، ومجمع البيان ٤/ ٤٥٣، والبحر المحيط ٤/ ٤٧٧.
(٩) في ك: والعصبة، وفي ع وب: والعصبية.
(١٠) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٧٨.
(١١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٠٣، والتبيان في إعراب القرآن ٢/ ٦٢١، والبحر المحيط ٤/ ٤٧٨.
(١٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٠٤، وتفسير البغوي ٢/ ٢٤٢، ومجمع البيان ٤/ ٤٥٤.
(١٣) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٩٠، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٠٥، وتفسير البغوي ٢/ ٢٤٢.
(١٤) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٠٧، وتفسير البغوي ٢/ ٢٤٢، وزاد المسير ٣/ ٢٣٣.
[ ١ / ٧٢٩ ]
٢٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا:﴾ نزلت في الغلول (١).
وقيل: في أبي لبابة (٢) بن عبد المنذر حيث استشاره بنو قريظة في النّزول عن الحصن على حكم رسول الله فقال لهم بلسانه: انزلوا، وأشار بيده إلى الحلق، أي: إن نزلتم على حكمه ذبحكم (٣)، وإنّما حمله على ذلك مال له (٤) كان عندهم في الحصن فخاف عليه النّهب إن فتحوا الحصن، قال أبو لبانة: ما برحت قدماي حتى علمت أنّي خنت الله ورسوله. قيل: ولم يأكل أبو لبانة طعاما ولا شرابا سبعة أيّام، وخرّ مغشيّا عليه حتى بيّن الله (٥) توبته.
٢٨ - فائدة ذكر الأموال والأولاد التّنبيه على أنّها من دواعي الخيانة (٦).
٢٩ - ﴿فُرْقانًا:﴾ مخرجا في الدّنيا والآخرة، عن ابن عبّاس ومجاهد والضّحّاك (٧).
٣٠ - ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ:﴾ اجتمعت جبابرة قريش (١٣٢ و) في دار النّدوة يدبّرون في أمر رسول الله، ودخل معهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ نجديّ، ثمّ قالوا فيما بينهم: إنّ محمّدا ليس يزداد بمرّ (٨) الأيّام إلاّ اشتهارا وعظم شأن وإنّا نخشى أن نقاسي منه أكثر ممّا قاسينا إلى (٩) اليوم، فما الحيلة في تطفية ناره وتجلية غباره؟ فقال عمرو بن هشام: أرى أن تأخذوه وتحبسوه في بيت وتسدّوا عليه الباب وتخلّوا كوّة تطرحون إليه منها قوتا يعيش به إلى أن يموت، فقال إبليس لعنه الله: بئس الرّأي ما رأيت فإنّ أقاربه يتعصّبون له إذا ويستنقذونه (١٠)، قالوا جميعا: صدق الشّيخ النّجديّ، ثمّ قال أبو البختريّ بن هشام: أمّا أنا فأرى أن تحملوه على بعير وتخرجوه من أرضكم يذهب حيث يشاء، قال: بئس الرّأي ما رأيت كأنّي به (١١) إذا وقد كرّ (١٢) عليكم بعسكر لجب (١٣) لينتقم منكم، قالوا جميعا: صدق الشّيخ النّجديّ، ثمّ قال الفاسق أبو جهل لعنه الله:
لكنّي أرى أن يجتمع من كلّ بطن ورهط واحد ومعه سيفه ثمّ نمشي جميعا ونضربه ضربة رجل
_________________
(١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٠٥، وتفسير القرطبي ٧/ ٣٩٥.
(٢) في ع وب: أمامة.
(٣) في ك وع: وبحكمه، وفي ب: وتحكمه.
(٤) في ك: ماله، بدل (مال له).
(٥) ليس في ك. وينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٩٢، والبغوي ٢/ ٢٤٢، والكشاف ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٦) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٤٣، ومجمع البيان ٤/ ٤٥٦، والتفسير الكبير ١٥/ ١٥٢.
(٧) ينظر: اللغات في القرآن ٢٦، وتفسير مجاهد ١/ ٢٦١، والطبري ٩/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٨) في ب: مر، والباء ساقطة.
(٩) في ب: أي.
(١٠) في ك: ويستنقذوه.
(١١) ساقطة من ك.
(١٢) في ب: كثر، وبعدها في ك: بكم، بدل (عليكم).
(١٣) في ب: لحرب.
[ ١ / ٧٣٠ ]
واحد، [ثمّ] (١) وديناه إلى عشيرته، ولا يقدرون على المطالبة بالقود فإنّهم لا يقاومون قريشا بأجمعهم، قال إبليس: صدق هذا الشّابّ والرّأي ما رآه، وأثنى عليه. فتفرّقوا على ذلك، وهبط جبريل ﵇ يخبر رسول الله ﷺ ويأذن له في الهجرة، فلمّا كان ليلة الاغتيال وثب عن (٢) فراشه وخلّف عليّا مكانه، وخرج من باب بيته وإذا هم وقوف مجتمعون، فصرف الله أبصارهم عنه حتى أخذ التّراب وحثا على رؤوسهم، ثمّ انطلق إلى أبي بكر فصحبه أبو بكر في الهجرة، وكانا قد دبّرا في ذلك من قبل فوفّقهما الله تعالى لذلك، فنزلت الآية بذكر الله نعمته وإن كان هو ذاكرا ليزداد شكرا وليعتبر به المعتبرون (٣).
٣١ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا:﴾ نزلت في المشركين الذين تحدّاهم رسول الله ﷺ بمثل (٤) سورة من القرآن عامّة. وفي النضر بن الحارث بن كلدة، كان يتجر إلى الرّوم وفارس ويسمع أقاصيص رستم وإسفنديار فقال (٥): قد سمعنا القرآن ولو شئنا لقلنا مثله (٦). وقد كذب الملعون وادّعى ما لا يقدر عليه وأصحابه، ولو قدروا لقالوا شيئا مع طول المحاورة والمجاورة وكثرة التّحدّي، فإنّ ذلك لو قدروا عليه لكان أيسر في ردّ النّبيّ ﷺ وأهون وأوجد (٧) وأمكن من القتال وبذل الأموال ومصادفة الرّجال، ألا ترى أنّ طليحة الأسديّ ومسيلمة الكذّاب كيف تكلّفا وتوخّيا المقابلة (٨) بما افتضحا به حتى قال أبو بكر الصّدّيق لطليحة وأصحاب مسيلمة:
ويحكم هذا الكلام لم يخرج من إلّ (٩)، فاعترفوا له بالاغترار والخسران والإدبار.
٣٢ - ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ:﴾ نزلت في النضر بن الحارث أيضا وأصحابه، فلم يمطر بالحجارة ولكن قتل صبرا يوم بدر، فذاق العذاب الأليم (١٠). قال أبو عبيدة (١١): يقال في (١٣٢ ظ) العذاب: أمطر، وفي الرّحمة: مطر.
٣٣ - ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ:﴾ كأنّهم لمّا دعوا بهذا الدّعاء ولم يمطروا ولم ينزل بهم
_________________
(١) يقتضيها السياق.
(٢) في ك: على.
(٣) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٠٨ - ٤٠٩، وتفسير الطبري ٩/ ٣٠٠ - ٣٠١، والبغوي ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٤) في الأصل: مثل، والباء ساقطة.
(٥) في ع: وقال.
(٦) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٣٠٥ - ٣٠٦، والبغوي ٢/ ٢٤٥، وزاد المسير ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
(٧) في الأصل وع: وأوحد، وفي ب: وأوحل.
(٨) في ب: المقاتلة.
(٩) ينظر: غريب الحديث لابن سلام ٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠، وإعجاز القرآن ٢٨١، وتفسير القرطبي ٢/ ٣٨. والإلّ: الربوبية، ينظر: غريب الحديث لابن قتيبة ١/ ٢٢٩، والفائق ٣/ ٣٢٥، والنهاية في غريب الحديث ١/ ٦٣.
(١٠) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٣٠٦ - ٣٠٧، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ١١١، وتفسير البغوي ٢/ ٢٤٥.
(١١) ينظر: تفسير القرطبي ٧/ ٣٩٨.
[ ١ / ٧٣١ ]
عذاب ازدادوا جراءة واتهام رسول الله ﷺ، وكان المؤمنون تعجّبوا بتأخير العذاب بعد دعائهم هذا فبيّن الله تعالى وجه تأخير العذاب عنهم فإنّ الله تعالى لم يعذّب قوما قطّ حتى خرج نبيّهم من بينهم، كانت هذه سنّته في الأمم الخالية (١).
﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ:﴾ فهم الذين سبق علم الله فيهم أنّهم سيؤمنون ويستغفرون، هكذا عن ابن عبّاس في بعض الرّوايات (٢). وقال قتادة والسدّي وابن زيد: إنّه على وجه التّرغيب لهم في الإيمان والاستغفار (٣).
٣٤ - ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ:﴾ الآية في إثبات العذاب وتحقيق نزوله بهم عند ارتفاع المعنيين.
(ما لهم): أي: أيش لهم من الحجّة والعذر، ﴿(أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ (٤)﴾ [اللهُ] (٥»: أن لا يعذّبهم بالاستئصال لتلك الحجّة أو لذلك العذر، فأخبر (٦) عن موجب العذاب فقال (٧): ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ،﴾ أي: يصدّون المؤمنين عن الحجّ والعمرة غضبا (٨) من غير أن يكون إليهم (٩) ولاية المسجد الحرام عند الله تعالى وفي حكمه.
ثمّ أخبر عن أولياء المسجد (١٠) الحرام فقال: ما أولياؤه ﴿إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ (١١).
٣٥ - ﴿مُكاءً:﴾ صفيرا (١٢)، ﴿وَتَصْدِيَةً:﴾ تصفيقا وتوليد الصّدى (١٣)، والصّدى هو الصّوت المنعكس (١٤). كانت قريش تصفّر وتصفّق وتعتقد أنّها صلاة ودعاء (١٥)، وذلك من
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ١٥٠ - ١٥١، وزاد المسير ٣/ ٢٣٧.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٣١٣، والبغوي ٢/ ٢٤٦، والتفسير الكبير ١٥/ ١٥٨.
(٣) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٣١١ - ٣١٢، ومجمع البيان ٤/ ٤٦١، وزاد المسير ٣/ ٢٣٨.
(٤) (أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ) ليس في ك.
(٥) من ب.
(٦) النسخ الثلاث: فما خبر.
(٧) ساقطة من ك.
(٨) في ك: غصبا، وفي ع: عضيا.
(٩) في ك: لهم.
(١٠) ليس في ب.
(١١) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٣١٥، وزاد المسير ٣/ ٢٣٩.
(١٢) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٥٨، وتفسير غريب القرآن ١٧٩، والعمدة في غريب القرآن ١٤٣.
(١٣) في ك: الصوى، وفي ع: الصرى، وبعدها في ع: والصد، بدل (والصدى). وينظر: اللغات في القرآن ٢٧، وغريب القرآن وتفسيره ١٥٨، وتفسير غريب القرآن ١٧٩.
(١٤) ينظر: لسان العرب ١٤/ ٤٥٤ (صدي).
(١٥) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١١٧، ومجمع البيان ٤/ ٤٦٣.
[ ١ / ٧٣٢ ]
وساوس (١) الشّيطان لهم ليصدّهم عن التّسبيح والتّهليل، قال حسّان (٢): [من الوافر]
إذا قام الملائكة اتّبعتم صلاتكم التّصفّر والمكاء
فأنكر الله تعالى ذلك عليهم، وأخبر (٣) بقبح فعلهم وسوء رأيهم.
﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ:﴾ خطاب لهم بلغهم يوم بدر (٤).
٣٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ:﴾ نزلت في المطعمين يوم بدر، عن الضّحّاك (٥). وفي أبي سفيان حين استأجر ألفي رجل من الأحابيش من كنانة واستجاش من سائر العرب يوم أحد، عن قتادة ومجاهد وغيرهما (٦).
٣٧ - ﴿لِيَمِيزَ اللهُ:﴾ لام المفعول الثّاني، يحشرون إلى جهنّم لهذا (٧).
﴿الْخَبِيثَ:﴾ جنس الكفّار، ﴿مِنَ الطَّيِّبِ:﴾ جنس المؤمنين (٨).
﴿أُولئِكَ:﴾ إشارة إلى الخبيث (٩).
﴿فَيَرْكُمَهُ:﴾ يضع بعضه على بعض (١٠)، ومنه السّحاب المركوم (١١).
٣٨ - ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ (١٢): الانتهاء عن العداوة، ولا يصحّ ذلك إلاّ بالإسلام (١٣).
﴿سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ:﴾ يوم بدر، يهدّدهم [الله] (١٤) بمثله.
٣٩ - ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ:﴾ كفر إن أجرينا على مشركي العرب، ومحاربة
_________________
(١) في ع: وسواس، وبعدها: (لهم) ساقطة من ع.
(٢) لم أقف عليه في شرح ديوانه. وعزي الشطر الثاني إليه في لسان العرب ١٥/ ٢٨٩، وتاج العروس ١/ ٣٤٦ (مكا)، وروايته فيهما: صلاتهم التّصدّي والمكاء. ويروى له في الدر المنثور ٣/ ١٨٣، وروايته: نقوم إلى الصّلاة إذا دعينا وهمّتك التّصدّي والمكاء.
(٣) في ك: وأنكر.
(٤) ينظر: الكشاف ٢/ ٢١٨، ومجمع البيان ٤/ ٤٦٣، والبحر المحيط ٤/ ٤٨٦.
(٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٤٧، ومجمع البيان ٤/ ٤٦٤، وزاد المسير ٣/ ٢٤١.
(٦) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٣٢٢، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ١١٨، وزاد المسير ٣/ ٢٤١.
(٧) ينظر: الكشاف ٢/ ٢١٩، والتفسير الكبير ١٥/ ١٦١، والمجيد ٣٧٠ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي).
(٨) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٣٢٥، والبغوي ٢/ ٢٤٨، والقرطبي ٧/ ٤٠١.
(٩) ينظر: الكشاف ٢/ ٢١٩، والتفسير الكبير ١٥/ ١٦١.
(١٠) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٥٨، وتفسير غريب القرآن ١٧٩، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٥٣.
(١١) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٤٨.
(١٢) في ب: انتهوا، وهو خطأ.
(١٣) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٥٨، وتفسير غريب القرآن ١٧٩، والكشاف ٢/ ٢١٩.
(١٤) من ك. وينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٦٣، والطبري ٩/ ٣٢٦ - ٣٢٧، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٥٤.
[ ١ / ٧٣٣ ]
الكفّار إن (١) أجرينا على العموم؛ لأنّ القتال ممتدّ إلى أن يستسلم أهل الشّرق والغرب أجمعون (٢) أو تنتهي أيّام الدّنيا.
﴿الدِّينُ:﴾ التّديّن.
﴿كُلُّهُ:﴾ للتّأكيد (٣).
﴿لِلّهِ:﴾ لوجه الله خالصا (٤).
٤٠ - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عن الإسلام والاستسلام (٥).
﴿أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ:﴾ يواليكم وينصركم (٦) عليهم.
٤١ - ﴿وَاِعْلَمُوا:﴾ أي: اعتقدوا.
وهو تكليف وليس بمجرّد إعلام ولذلك علّقه بشرط الإيمان (٧).
﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ تفسير لقوله: (ما غنمتم)، كقوله: ﴿وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الشّورى:١٠]. وقوله ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ:﴾ يدلّ على قوله: ﴿أَنَّما غَنِمْتُمْ.﴾
وروى سفيان الثّوريّ (١٣٣ و) عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب عن قوله (٨): ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ،﴾ قال: هذا مفتاح كلام، لله (٩) الدنيا والآخرة (١٠).
وسهم رسول الله كان ينفق مقدارا على عياله ويصرف الباقي إلى حوائج المسلمين، وقد نقل عنه من طريق الاستفاضة قال: ما لي في ما أفاء الله عليكم إلاّ الخمس والخمس مردود فيكم. ثمّ سقط سهمه بوفاته؛ لأنّ خلفاءه جعلوا لأنفسهم رزقا دارّا في بيت المال فاستغنوا عن هذا السّهم. ولو رأى الإمام أن يفرز هذا السّهم ويجعله في بيت المال عدّة للمسلمين لكان في سعة إن شاء الله (١١).
_________________
(١) النسخ الأربع: وإن، والواو مقحمة.
(٢) في ك: أجمعوا.
(٣) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٨٩.
(٤) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٤٨.
(٥) ينظر: تفسير الطبري ٩/ ٢٣٠، والبغوي ٢/ ٢٤٨، وزاد المسير ٣/ ٢٤٣.
(٦) في الأصل وع: وينصرونكم. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٢١، والكشاف ٢/ ٢٢٠.
(٧) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٥٨، وتفسير غريب القرآن ١٧٩.
(٨) (عن قوله) ساقطة من ك.
(٩) في ك وع: الله.
(١٠) ينظر: مصنف عبد الرزاق ٥/ ٢٣٨، ومصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٥٠١، والمستدرك ٢/ ١٤٠.
(١١) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٩ - ١٢، والبغوي ٢/ ٢٤٩، وزاد المسير ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
[ ١ / ٧٣٤ ]
وليس في الآية ما يدلّ على أنّ ذوي القربى سوى القائمين؛ لأنّ الخطاب متوجّه إليهم كما في (١) قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]، وفي قوله: ﴿قُلْ (٢)﴾ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [البقرة:٢١٥]، وقوله: ﴿وَاُعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى﴾ [النّساء:٣٦]، لكنّ الدّلالة قد قامت على أنّهم فقراء بني هاشم، كان ﷺ يعطيهم من الخمس مقدار الحاجة يقول لهم: أليس في خمس الفيء ما يغنيكم عن غسالة أيدي النّاس (٣).
ثمّ عندنا استحقاقه بالفقر بعد موت النّبيّ ﷺ، وعند الشّافعيّ بمجرّد القرابة (٤). واستحقاق اليتامى بالفقر بالإجماع، والمساكين عامّ في الهاشميّين وغيرهم، وكذلك ابن السّبيل.
وفائدة تخصيص ذوي القربى التّنبيه على أنّهم في هذا المال (٥) بخلاف ما هم في الزكوات (٦) والصّدقات، أو تشريفهم على غيرهم (٧) كما في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب:٧]، وقوله: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ [البقرة:٩٨] (٨).
وتخصيص اليتامى أن لا يوكلوا إلى (٩) أقاربهم الأغنياء لحقّ الحضانة، أو التّنبيه على تفقد المحتاجين.
٤٢ - ﴿إِذْ أَنْتُمْ:﴾ بدل عن قوله: ﴿يَوْمَ اِلْتَقَى،﴾ وذلك بدل عن قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ (١٠).
﴿بِالْعُدْوَةِ:﴾ جانب الوادي (١١)، قال النّابغة (١٢): [من البسيط]
في عدوتين أقام القوم بينهما والقوم من (١٣) بين محروم ومحتوم
﴿الدُّنْيا:﴾ تأنيث الأدنى، و﴿الْقُصْوى:﴾ تأنيث الأقصى، أي: الأبعد (١٤).
_________________
(١) ساقطة من ب.
(٢) ليس في ع.
(٣) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٨ - ٩، والقرطبي ٨/ ١٠ - ١٢.
(٤) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٥٠، والكشاف ٢/ ٢٢١، وزاد المسير ٣/ ٢٤٥.
(٥) في ع: المحال، وفي ب: المثال، والحاء والثاء مقحمتان.
(٦) في ع: الزكاة.
(٧) في ع: تشريفا على قولهم، بدل (تشريفهم على غيرهم).
(٨) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤١٦، والبحر المحيط ٤/ ٤٩٣.
(٩) ساقطة من ب.
(١٠) في الآية السابقة. وينظر: التبيان في إعراب القرآن ٢/ ٦٢٤، والمجيد ٣٧٤ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي).
(١١) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤١١، وغريب القرآن وتفسيره ١٥٨، وتفسير غريب القرآن ١٧٩.
(١٢) لم أقف عليه في ديوانه.
(١٣) ساقطة من ع، وفي ك: ما.
(١٤) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٢٣، والتفسير الكبير ١٥/ ١٦٧، وتفسير القرطبي ٨/ ٢١.
[ ١ / ٧٣٥ ]
﴿وَالرَّكْبُ:﴾ العير في أسفل منكم بالسّاحل (١). ويحتمل أنّ الرّكب جماعة من ركبان إحدى الطّائفتين اللّتين التقتا.
﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ:﴾ لكراهتهم لقاء العدوّ ومجادلتهم في ذلك، أو لرفع التقادير التدابير على ما شاهدوه ونجربه.
﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا:﴾ ليمضي وليتمّ شأنا (٢) كان مقدورا محقّقا مثبتا في اللّوح.
﴿لِيَهْلِكَ:﴾ ليموت من مات بعد استبانة ويعيش من عاش بعد استبانة (٣)، وذلك تتمّة وعد الله تعالى بهلاك قريش في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ [الفرقان:٧٧]، وقال ﷺ:
(والله لقد جئتكم بالذّبح) (٤). وقيل (٥): ليكفر من كفر بعد اتّضاح قيام الحجّة عليه ويؤمن من آمن بعد اتّضاح قيام الحجّة له، فإنّ الحجّة وإن كانت قائمة فلا شكّ أنّها ازدادت يوم بدر بما ظهرت (٦) يومئذ وشاهد كثير من الطّائفتين الملائكة يومئذ.
٤٣ - ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ:﴾ بدل ممّا تقدّم في محلّ النّصب (٧).
والظّاهر أنّه ﷺ رأى رؤيا في المنام (٨). وعلم الرّؤيا علم (٩) على طريق المثل والإشارة والانعكاس ولذلك يجوز التّفاوت فيه، ومعناه: قلّة شوكتهم، (١٣٣ ظ) أو قلّة بقائهم في الدّنيا.
وقال الحسن البصريّ: رآهم النّبيّ ﷺ قليلا في اليقظة، والمراد بالمنام العين (١٠).
﴿سَلَّمَ:﴾ أي: رزق السّلامة (١١).
٤٥ - ﴿فَاثْبُتُوا:﴾ أراد به المصابرة وترك الانهزام، أو الوقوف (١٢) والتّكبير عند أوّل وهلة (١٣). أمّا الوقوف فلاجتماع الرّأي، والتّكبير فللاستنصار وتوهين الكفّار.
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤١١، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤١٧، والوجيز ١/ ٤٤١.
(٢) في ب: شيئا. وينظر: مجمع البيان ٤/ ٤٧٣.
(٣) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٧، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٦٠، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٢.
(٤) ينظر: مسند البزار ٦/ ٤٥٨، وصحيح ابن حبان ١٤/ ٥٢٦، ومجمع الزوائد ٦/ ١٥.
(٥) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ١٥٩ - ١٦٠، وتفسير البغوي ٢/ ٢٥٢.
(٦) في الأصل وك: طهرت.
(٧) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٢٤، والمجيد ٣٧٧ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي).
(٨) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤١٩، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٦٠.
(٩) (الرؤيا علم) ساقطة من ب.
(١٠) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤١٩، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٦٠ - ١٦١، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٢٩.
(١١) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٢٥.
(١٢) في ب: والوقوف، بدل (أو الوقوف).
(١٣) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٩٨ - ٤٩٩.
[ ١ / ٧٣٦ ]
٤٦ - ﴿وَلا تَنازَعُوا:﴾ في القتال، وهو أن يخالفوا الإمام عند (١) التّعبئة فيتقدّموا ويتأخّروا بغير إذنه، وأن يتزاحموا أو يتجادلوا فيتخاذلوا (٢).
﴿رِيحُكُمْ:﴾ «ريح النّصر» (٣)، قال (٤) ﷺ: (نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور) (٥).
وقيل: الرّيح (٦) تزايد الأنفاس في الصّدر عند الغضب بطول الاهتمام، واحتباسها قليلا في الصّدر (٧)، وذلك يزيد في قوّة الأعضاء، فإذا تنازعوا استوفوها في جهة التّنازع ولم يبق للمطاعنة والمسايفة منها شيء.
٤٧ - ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا:﴾ قيل: إنّ قريشا لمّا بلغهم سلامة العير [قال] (٨) بعضهم: ارجعوا فقد كفيتم، وقال أبو جهل وأمثاله: بل (٩) ننتهي إلى بدر فنطعم الطّعام ونسقي الخمور وتعزف على رؤوسنا القينات لنفتخر به إلى آخر الأبد، فقلب الله عليهم أحوالهم (١٠) وأطعم لحومهم (١١) السّباع والنّسور والدّيدان، وسقاهم مكان كؤوس الخمور كؤوس المنايا وناحت عليهم النّوائح مكان القينات وأبدلهم من الفخر الخزي والعار وعذاب النّار إلى أبد الآباد. ونهى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم في البطر والرّياء؛ لأنّ البطر هو الطّغيان يحمل النّفس على تمنّي المحال والقصد لما لا ينال حتى تقتحم الخسران والوبال، ورياء النّاس (١٢) يحمل النّفس (١٣) على ترك ما يعنيها من الأصلح الأوفق الأوجب والاشتغال بما لا يعنيها (١٤).
٤٨ - ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ:﴾ قيل: أراد سراقة بن مالك بن جعشم، كانت قريش
_________________
(١) ساقطة من ع، وبعدها في ب: الفتنة، بدل (التعبئة).
(٢) ساقطة من ب.
(٣) التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٣٢، وتفسير البغوي ٢/ ٢٥٣.
(٤) في ب: وقال.
(٥) صحيح البخاري ١/ ٣٥٠، ومسلم ٢/ ٦١٧، وابن حبان ١٤/ ٣٣١.
(٦) في ب: ريح.
(٧) بعدها في ب: بطول الاهتمام، وهي مقحمة.
(٨) من ع وب.
(٩) ساقطة من ع.
(١٠) في ع: أموالهم.
(١١) في ب: وأطعمهم لحوض، بدل (وأطعم لحومهم).
(١٢) في ب: النفس، وهو سهو.
(١٣) بعدها في ب: عليها، وهي مقحمة.
(١٤) (من الأصلح. . . لا يعنيها) ساقطة من ب. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٥٤، والكشاف ٢/ ٢٢٧، وزاد المسير ٣/ ٢٤٩.
[ ١ / ٧٣٧ ]
حين خرجت تخاف من كنانة وبني بكر، وكان سراقة شاعرا مكينا في كنانة (١)، فعرض لهم في الطّريق وقال: إنّي جار لكم (٢) من كنانة وإنّهم سيتبعونكم وينصرونكم، ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ﴾ (٣) شاهد سراقة [الملائكة] (٤) وتولّى مدبرا، وكان قد شاهد مثله حين عرض للنّبيّ (٥) ﷺ وأبي بكر الصّدّيق حين خرجا من مكّة وهاجرا إلى المدينة، وقال له الحارث [بن] (٦) هشام:
أفرارا من غير قتال؟ فقال: ﴿إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ﴾ (٧).
وأكثر المفسّرين على أنّ الشّيطان هو إبليس لعنه الله تزوى لهم في صورة سراقة بن مالك، أرسل إلى قريش: إنّكم تقولون خذلنا سراقة وانهزم عن النّاس وإنّي والله ما شعرت (٨) بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم (٩).
و(الجار): المجاور في الحقيقة، إلاّ أنّه صار اسما للخفير والمجير؛ لأنّ الجيران كانوا يخفرون ويجيرون (١٠).
﴿نَكَصَ:﴾ رجع وانقلب (١١).
و(العقب): مؤخّر القدم (١٢).
٤٩ - ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ:﴾ المعتقدون خلاف الإسلام (١٣).
﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ شكّ وتردّد، من جملة (١٤) المنافقين. كانوا يستهزئون بالمؤمنين ويقولون: اغترّ هؤلاء بدينهم فيظنّون أنّه حقّ سينصرون به (١٥).
_________________
(١) في ك وب: الكنانة، وفي ع: الكفاية.
(٢) النسخ الثلاث: لك، وبعدها: (من) ساقطة من ك.
(٣) في ع: الجماعة، وفي ب: الجمعان.
(٤) يقتضيها السياق.
(٥) في ك: النبي.
(٦) من ب.
(٧) (فقال إني أرى ما لا ترون) مكررة في ب.
(٨) (ما شعرت) ساقطة من ب.
(٩) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٥ - ٢٦، والبغوي ٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥، والكشاف ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٣٤ - ١٣٥.
(١١) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٥٩، وتفسير غريب القرآن ١٧٩، والإتقان ١/ ١٣٥.
(١٢) ينظر: لسان العرب ١/ ٦١١ (عقب).
(١٣) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٣٦، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٧.
(١٤) في ك: جهة. وينظر: الكشاف ٢/ ٢٢٨.
(١٥) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٢٨، والبحر المحيط ٤/ ٥٠١.
[ ١ / ٧٣٨ ]
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ:﴾ كلام مستأنف. (١٣٤ و)
٥٠ - وجواب (١) (لو) محذوف.
و﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ أعوان ملك الموت (٢).
والضّرب على الوجوه لزجر المتقدّم، وعلى الأدبار لطرد المتأخّر، كأنّهم يسوقونهم سوق الخيل ويمنعونهم عن الانتشار. ويحتمل (٣) أنّ الضّرب على الوجوه للتّعذيب لا بمعنى آخر، والضّرب على الأدبار للسّوق والحشر.
٥١ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أو إلى تعقيب (٤) المؤاخذة وترك المعاجلة.
٥٣ - ﴿لَمْ يَكُ:﴾ لم يكن. وإنّما اختصّ الكون بالإخبار لاقتضائه الآنيّة العامّة.
وإنّما سقطت النّون؛ لأنّها تشبه (٥) حروف المدّ واللّين في خفائها فجاز سقوطها بالجزم (٦).
والمراد ب (النّعمة) سوى نعمة التّوفيق والشّكر. وقيل: نعمة التّوفيق داخلة فيه؛ لأنّ الله لا يخذل ولا يمنع التّوفيق إلاّ مع سوء الاختيار، لا يتقدّم هذا على ذلك ولا ذاك على هذا.
﴿ما بِأَنْفُسِهِمْ:﴾ على أنفسهم من الشّكر، فتغييرهم الشّكر (٧) تبديله بالكفر. وقيل:
(ما بأنفسهم): عند أنفسهم من النّعمة، وتغييرهم إيّاها تسبّبهم (٨) لزوالها.
و(التّغيير): تبديل الكيفيّة في الحقيقة إلاّ أنّه يستعمل في تبديل الأعيان (٩) مجازا كما يقال:
انقلب التّرح فرحا والبكاء ضحكا.
٥٤ - وإنّما كرّر التّشبيه بدأب آل فرعون للحثّ على الاعتبار. وإنّما عيّن فرعون وإهلاكه (١٠) بالغرق؛ لأنّه أشدّ استفاضة من أخبار عاد وثمود والذين من قبلهم.
٥٥ - ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء لتعقيب امتناعهم في الحالة الثّانية كفرهم في الحالة الأولى (١١).
_________________
(١) ساقطة من ب، وبعدها في ك: أو، بدل (لو). وينظر: إعراب القرآن ٢/ ١٩٠، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٣٧، والكشاف ٢/ ٢٢٩.
(٢) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٥٠٢.
(٣) بعدها في ك: على، وهي مقحمة.
(٤) في ب: التعقيب.
(٥) في ب: لا تشبه، بدل (لأنها تشبه).
(٦) ينظر: التفسير الكبير ١٥/ ١٨٠.
(٧) (فتغييرهم الشكر) ساقطة من ب. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٥٦.
(٨) في ع: تسبيبهم.
(٩) في ع: الأحيان.
(١٠) في ع: وأهلكه.
(١١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٤٢.
[ ١ / ٧٣٩ ]
٥٦ - ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ:﴾ نزلت في بني قريظة، نقضوا العهد مرّة بعد أخرى (١).
و(الذين) بدل عن (الذين) في الآية الأولى (٢)، وهو إبدال البعض من الكلّ (٣).
٥٧ - ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ:﴾ التّشريد: التّفريق والتّنكيل (٤).
٥٨ - ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ:﴾ الخوف: العلم أو غلبة الظّنّ (٥).
﴿خِيانَةً:﴾ مكر المعاهدين (٦).
﴿فَانْبِذْ:﴾ العهد ﴿إِلَيْهِمْ﴾ جهرا (٧).
﴿عَلى سَواءٍ:﴾ حال، كقوله: ﴿وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النّساء:١٠٣]، تقديره: كائنا، أو كائنين على سواء في العداوة (٨).
٥٩ - ﴿لا يُعْجِزُونَ:﴾ للإعجاز معنيان: أحدهما: أن تفعل فعلا يعجز عنه غيرك، والثّاني: أن تصير إلى حال تعجز (٩) غيرك عن الاستيلاء عليك (١٠).
٦٠ - ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ (١١)﴾ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ: عامّ في كلّ ما يتقوّى به على الأعداء من سلاح وكراع (١٢). عن (١٣) عقبة بن عامر قال: قرأ رسول الله ﷺ:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ:﴾ الرّمي (١٤) لهو المؤمن في الخلاء وقوّته عند اللّقاء، قال: ومات عقبة فأوصى بتسعين قوسا مع (١٥) كلّ قوس قرنها وسهامها في
_________________
(١) ينظر: الوجيز ١/ ٤٤٥، وتفسير البغوي ٢/ ٢٥٧، وزاد المسير ٣/ ٢٥٣.
(٢) وهو قوله في الآية السابقة: الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
(٣) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٣٠، والتفسير الكبير ١٥/ ١٨٢، والتبيان في إعراب القرآن ٢/ ٦٢٨.
(٤) ينظر: اللغات في القرآن ٢٧، وتفسير غريب القرآن ١٨٠، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٦٤.
(٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٥٧، وزاد المسير ٣/ ٢٥٣، والبحر المحيط ٤/ ٥٠٥.
(٦) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ١٦٥.
(٧) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤١٤، وإعراب القرآن ٢/ ١٩٢، وزاد المسير ٣/ ٢٥٤.
(٨) ينظر: المجيد ٣٨٢ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي)، والبحر المحيط ٤/ ٥٠٥.
(٩) في ع وب: يعجز.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٤٧.
(١١) بعدها في الأصل وع: به، وهي مقحمة.
(١٢) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٣٢، ومجمع البيان ٤/ ٤٨٧، وزاد المسير ٣/ ٢٥٥.
(١٣) في ع: وعن.
(١٤) ساقطة من ع.
(١٥) ساقطة من ك وع.
[ ١ / ٧٤٠ ]
سبيل الله، قال: قرنها سيف، فقال (١): قرن الرّجل إذا تقلّد سيفه وتنكّب قوسه (٢).
وعن عقبة قال: إنّ الله تعالى ليدخل الجنّة (٣) بالسّهم الواحد ثلاثة: صانعه الذي يحتسب بصنعته الخير والرّامي به والممدّ (٤) به. قال: وقال ﷺ: اركبوا (٥) واركبوا وأن ترموا خير من أن تركبوا وكلّ شيء يلهو به الرّجل باطل (٦) إلاّ رمي الرّجل بقوسه وتأديبه (٧) فرسه وملاعبته امرأته فإنّهنّ من الحقّ (٨).
وعن عروة البارقيّ قال: قال ﷺ: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم) (٩).
والمراد بعدوّ الله (١٠) وعدوّهم قوم واحد وهم الكفّار، (١٣٤ ظ) كما في قوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ﴾ [الممتحنة:١] (١١). وقيل: عدوّ الله الكفّار، وعدوّنا أهل البغي من المؤمنين.
﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ:﴾ الجنّ، عن ابن عبّاس (١٢). وقيل (١٣): سوى بني قريظة والمعروفين من الأعداء.
٦١ - ﴿لِلسَّلْمِ:﴾ إلى السّلم (١٤).
﴿فَاجْنَحْ لَها:﴾ ضمير المسالمة (١٥) أو الفعلة أو الخصلة (١٦).
_________________
(١) لعلها: يقال.
(٢) (وتنكب قوسه) ساقطة من ب. وينظر: لسان العرب ١٣/ ٣٣٩ (قرن).
(٣) ساقطة من ك.
(٤) النسخ الثلاث: المهدى. وينظر: سن ابن ماجه ٢/ ٩٤٠، وتفسير البغوي ٢/ ٢٥٩.
(٥) في المصادر: ارموا، وهو الصواب.
(٦) في ع: باطلا.
(٧) النسخ الثلاث: وتأدبه.
(٨) ينظر: سنن ابن ماجه ٢/ ٩٤٠، والسنن الكبرى للبيهقي ١٠/ ١٣ و١٤.
(٩) صحيح البخاري ٣/ ١٠٤٨، ومسلم ٣/ ١٤٩٣، والسنن الكبرى للنسائي ٣/ ٣٩. وعروة البارقي ابن الجعد، ويقال: ابن أبي الجعد، صحابي، روى عنه الشعبي وغيره، ولي قضاء الكوفة، ينظر: الطبقات الكبرى ٦/ ٣٤، ومعجم الصحابة ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥، وتاريخ مدينة دمشق ٤٠/ ٢١٥.
(١٠) ليس في ك.
(١١) ينظر: زاد المسير ٣/ ٢٥٥، وتفسير القرطبي ٨/ ٣٨، والبحر المحيط ٤/ ٥٠٨.
(١٢) ينظر: الآحاد والمثاني ٥/ ١٥٨، والمعجم الكبير ١٧/ ١٨٩، ومجمع الزوائد ٧/ ٢٧.
(١٣) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٤١ - ٤٢، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٦٧، وتفسير البغوي ٢/ ٢٥٩.
(١٤) ينظر: زاد المسير ٣/ ٢٥٦، والتبيان في إعراب القرآن ٢/ ٦٣٠.
(١٥) في ك: للمسالمة.
(١٦) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤١٦، والتفسير الكبير ١٥/ ١٨٧.
[ ١ / ٧٤١ ]
والآية غير منسوخة، وقيام الدّلالة على امتناع مشركي (١) العرب لا يدلّ على أنّ الآية منسوخة في حقّ غيرهم (٢).
٦٢ - ﴿أَيَّدَكَ:﴾ «قوّاك» (٣).
﴿بِنَصْرِهِ:﴾ ما قدّر الله من التّأييد بغير سبب، ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ:﴾ ما قدّره من التّأييد بسببهم (٤).
٦٣ - ﴿وَأَلَّفَ:﴾ والتّأليف: الجمع بين شيئين بتوفيق الطّبيعة دون القهر (٥).
والمراد به ما ألّف الله به قلوب أوليائه من معرفته والموالاة في ذاته (٦) من غير رحم ولا عصبة ولا جوار ولا (٧) صحبة ولا اصطلاح (٨) زمان، فهم كنفس واحدة تجسّدت من جوهر طيّب ثمّ نطقت بروح الوحي معصومة من الفتن والبغضاء وأمراض الأهواء (٩).
وقيل (١٠): أراد التّأليف بين الأوس والخزرج من بعد ما كانت بينهم عداوة قديمة.
٦٤ - ﴿وَمَنِ اِتَّبَعَكَ:﴾ في محلّ الخفض عطفا على الضّمير في ﴿حَسْبُكَ،﴾ وقيل:
الكاف في (حسبك) في محلّ النّصب، وقيل: إنّه في محلّ الرّفع عطفا على اسم الله (١١).
وتأويله (١٢): حسبك (١٣) تأييد الله بلا سبب وتأييد من اتّبعك من المؤمنين.
٦٥ - ثمّ تعبّد الله المؤمنين بمصابرة عشرة أمثالهم ووعد لهم النّصر عليها، ثمّ نسخ هذا بالمصابرة لمثليهم (١٤). ولم يبلغنا أنّهم عملوا بهذا المنسوخ وغلبوا على هذه الشّريطة قبل نسخ الوجوب، وأمّا بعد نسخ الوجوب (١٥) فقد بلغنا ذلك وأعظم منه (١٦).
_________________
(١) بعدها في ك: أهل، وهي مقحمة.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٤٥، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٥٠، ونواسخ القرآن ١٦٧.
(٣) معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٢٣، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٦٧، والوجيز ١/ ٤٤٧.
(٤) ينظر: التفسير الكبير ١٥/ ١٨٨ - ١٨٩.
(٥) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٥١.
(٦) في ب: ذات، والهاء ساقطة.
(٧) (لا) ساقطة من ع وب.
(٨) في الأصل وع: اسطلاح.
(٩) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤، والتفسير الكبير ١٥/ ١٨٩، والبحر المحيط ٤/ ٥١٠.
(١٠) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤١٧، وتفسير البغوي ٢/ ٢٦٠، والكشاف ٢/ ٢٣٤.
(١١) ينظر: التبيان في إعراب القرآن ٢/ ٦٣١، والمجيد ٣٨٧ - ٣٨٨ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي)، والبحر المحيط ٤/ ٥١٠ - ٥١١.
(١٢) ساقطة من ب.
(١٣) (وقيل: الكاف. . . وتأويله: حسبك) ساقطة من ك.
(١٤) في الأصل وك: بمثليهم. وينظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٧٠، وللمقري ٩٤ - ٩٥، ونواسخ القرآن ١٦٨ - ١٦٩.
(١٥) (وأما بعد نسخ الوجوب) ساقطة من ب.
(١٦) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٥١١.
[ ١ / ٧٤٢ ]
﴿حَرِّضِ:﴾ التّحريض: الحثّ (١) والإغراء.
وإنّما لم يقتصر على عدد واحد لئلاّ يتوهّم أنّ الحكم أو الوعد مختصّ بالقليل دون الكثير أو الكثير دون القليل، وليشترك (٢) فيه الحاذق والجاهل (٣).
٦٧ - ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ:﴾ إخبار عن ما مضى من شأن الأنبياء نزل (٤) على سبيل الإنكار والعتاب، أي: ما جاز لنبيّ قطّ.
﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى:﴾ يفتدون منه (٥).
﴿حَتّى يُثْخِنَ:﴾ إلى أن يثخن القتل في أعدائه (٦). ويحتمل إلى أن يتمكّن في الأرض التقتيل (٧). وقد كان النّبيّ ﷺ منّ على أساراه وأنعم عليهم بقبول الفداء قبل أن يثخن في أعدائه القتل، وكان ذلك بمشاورة بعض الصّحابة، فعاتبه الله على ذلك، وأخبر عن غرض أصحابه في قبول الفداء (٨).
٦٨ - ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ:﴾ أن لا يعذّب أهل بدر، عن مجاهد والحسن وقتادة (٩).
وقيل: أن (١٠) يرزق الإسلام بعض الأسارى. وقيل: أن لا يؤاخذ النّاس بالأوامر الشّرعيّة السّماعيّة قبل السّماع (١١). وقيل: أن تكون (١٢) الغنائم حلالا لأمّة محمّد ﷺ (١٣)، وذلك أنّ الكتاب السّابق ما تقدّم على هذه الحادثة من الآيات النّازلة من قوله: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ (٤) [النّجم:٣ - ٤]، وقوله: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ﴾
_________________
(١) في ع: ليحث، وفي ب: للحث. وينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٢٣، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٦٨ - ١٦٩، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٥٣.
(٢) في ك: وليشرك، وفي ب: ليشترك.
(٣) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٣٥، والبحر المحيط ٤/ ٥١١.
(٤) ساقطة من ب.
(٥) (يفتدون منه) ساقطة من ك.
(٦) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ١٧٠، وزاد المسير ٣/ ٢٥٩.
(٧) في الأصل وك وب: الثقيل، ولعل الكلمة مقحمة. وينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٢٥، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٧٠.
(٨) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٥٦ - ٥٧، والبغوي ٢/ ٢٦١ - ٢٦٢، والقرطبي ٨/ ٤٥ - ٤٦.
(٩) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٦١، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٧١، وتفسير البغوي ٢/ ٢٦٢.
(١٠) بعدها في ب: لا، وهي مقحمة.
(١١) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٦١ - ٦٢، والبغوي ٢/ ٢٦٢، وزاد المسير ٣/ ٢٥٩.
(١٢) في الأصل وع: يكون.
(١٣) ينظر: تفسير سفيان الثوري ١٢١ - ١٢٢، وتفسير القرآن ٢/ ٢٦٢، وتفسير غريب القرآن ١٨٠.
[ ١ / ٧٤٣ ]
﴿فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ [فَانْتَهُوا]﴾ (١) [الحشر:٧]، وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال:١]، فالنّبيّ ﷺ غير مخطئ مراد الله وما فيه المصلحة وما سيأذن الله (٢) له فيه ويجعله (١٣٥ و) شريعة له (٣)، ولكنّه عجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليه وحيه، وكان (٤) أصحابه غير مخطئين في طاعته ولكنّهم لم ينتظروا الوحي وعجلوا بالإشارة عليه. ويحتمل أنّ الكتاب السّابق قضاء الله وحكمه أن يغفر لنبيّه ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.
٦٩ - الغنم: الاستفادة وإصابة (٥) الخير.
٧٠ - والخير المعلوم: الإيمان، والخير الموعود: الثّواب، وهو على سبيل التّفضيل على المأخوذ.
وقال العبّاس عمّ النّبيّ ﷺ: أبدلني الله مكان عشرين أوقية من الذّهب (٦) عشرين عبدا كلّهم يضرب بمال كثير وأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم، وأعطاني زمزم (٧) وما أحبّ أنّ لي بها جميع أموال بكّة، وأنا أنتظر المغفرة من ربّي ﷿، هذا الذي أخلفه في نفسه وأمّا الذي أخلف على ولده فلا يحصيه إلاّ الله ﷿ (٨).
٧١ - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا:﴾ نزلت في الذين عاهدوا النّبيّ ﷺ أن لا يعودوا حربا عليه إن أطلقهم وردّهم إلى مأمنهم (٩).
﴿فَأَمْكَنَ:﴾ مكّنك ﴿مِنْهُمْ﴾ وسلّطك عليهم.
٧٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ كان ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار على أن يرث بعضهم بعضا، وقطع الموالاة بينهم وبين (١٠) القاعدين من الهجرة المقيمين في دار الحرب إلاّ (١١) على سبيل النّصرة في الدّين على غير المعاهدين بقضيّة هذه الآية، وفائدته ترغيبهم في الهجرة
_________________
(١) من ع وب.
(٢) ليس في ع، وبعدها: (له) ساقطة من ك.
(٣) ساقطة من ع.
(٤) النسخ الثلاث: وكانوا.
(٥) في ك: إصابة، والواو ساقطة.
(٦) ساقطة من ك.
(٧) ساقطة من ك.
(٨) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٦٣، والكشاف ٢/ ٢٣٨، ومجمع البيان ٤/ ٤٩٦.
(٩) في ع: ما نهاهم. وينظر: التفسير الكبير ١٥/ ٢٠٦.
(١٠) في ع: ومن.
(١١) ساقطة من ب.
[ ١ / ٧٤٤ ]
وزجرهم (١) عن الإقامة في دار الحرب، ثمّ نسخت بقوله: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥] (٢).
ويحتمل أن تكون هذه الآية في الذين ليس لهم ذوو أرحام (٣) من المؤمنين، فلا تكون منسوخة.
٧٣ - وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ الآية دليل أنّ الكفر كلّه ملّة واحدة (٤).
﴿تَفْعَلُوهُ:﴾ يعني النّصر الواجب المأمور به (٥).
٧٤ - وحكم الموالاة وقطعها أبهم الله تعالى حكم المقيمين في دار الحرب بتخصيص المهاجرين وحكم الممتنعين عن النّصرة بتخصيص الأنصار، لترغيبهم (٦) بذلك في الهجرة والنّصرة.
٧٥ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ:﴾ ألحق الله (٧) المهاجرين الآخرين بالمهاجرين (٨) الأوّلين.
فمن المهاجرين الآخرين عبّاس وابنا أخيه عقيل بن عبد المطّلب (٩) ونوفل بن الحارث.
وقد روي عنه ﷺ أنّه قال لعبّاس: ختم الله بك الهجرة كما ختم بي النّبوّة (١٠)، فقوله:
(لا هجرة بعد الفتح) (١١) على فتح (١٢) بدر على هذه الرّواية. ويحتمل أنّ هجرة بني هاشم ختمت بفتح بدر وهجرة سائر النّاس ختمت بفتح مكّة.
وكما ألحق المهاجرين الآخرين بالأوّلين جعل أولي (١٣) الأرحام أولى بالميراث والموالاة من أصحاب العقود (١٤) والمؤاخاة بعد ارتفاع الهجرة المندوب (١٥) إليها، والله أعلم.
_________________
(١) في ب: زجره.
(٢) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٦٢، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٧٤ - ٤٧٥، ونواسخ القرآن ١٧٠ - ١٧١.
(٣) في ك وع: ذو الأرحام، بدل (ذوو أرحام).
(٤) ينظر: التفسير الكبير ١٥/ ٢١١.
(٥) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤١٩، وتفسير الطبري ١٠/ ٧٣، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٧٤.
(٦) في ك: ترغيبهم، وفي ع: عنهم، وفي ب: الأنصارية عنهم، بدل (الأنصار ترغيبهم).
(٧) ليس في ع.
(٨) ساقطة من ب، وبعدها: (فمن) ساقطة منها أيضا. وينظر: الكشاف ٢/ ٢٤٠.
(٩) كذا في نسخ التحقيق، والصواب أنه عقيل بن أبي طالب.
(١٠) ينظر: مسند أبي يعلى ٥/ ٥٥، والمعجم الكبير ٦/ ١٥٤، ومجمع الزوائد ٩/ ٢٦٨ - ٢٦٩.
(١١) صحيح البخاري ٣/ ١٠٢٥، ومسلم ٣/ ١٤٨٨، وسنن الترمذي ٤/ ١٤٨.
(١٢) في ب: ختم، وهو خطأ.
(١٣) ساقطة من ب.
(١٤) في الأصل وع: القعود، وفي ب: القود.
(١٥) في ع: والمندوب، والواو مقحمة.
[ ١ / ٧٤٥ ]