«مدنيّة كلّها» (١). وعن مجاهد أنّها آخر ما نزلت (٢). وعن عطاء عن ابن عبّاس: سور القرآن مئة وثلاث عشرة، فكأنّه عدّ الأنفال والتّوبة سورة واحدة. وقال (٣) ابن عبّاس: قلت لعثمان:
ما لكم عمدتم إلى الأنفال (٤) وهي من (٥) المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم (٦) بينهما ولم تكتبوا سطر: بسم الله الرّحمن الرّحيم، قال (٧): لأنّ سورة التّوبة آخر القرآن نزولا (١٣٥ ظ) وقصّتها تشبه بقصّة سورة الأنفال، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبيّن لنا حكمها فقرنّا بينهما ولم نكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم (٨)، وكذلك روى القاضي أبو عاصم عن أبيّ بن كعب (٩). وهي مئة وثلاثون آية في غير عدد الكوفة (١٠).
١ - ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ:﴾ إنّ الله كان (١١) قد أنزل على نبيّه ﷺ في أوّل ما أنزل بالمدينة قوله:
﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال:٥٨]، فكانت ذمم (١٢) النّبيّ ﷺ منعقدة على هذه الشّريطة، فلمّا فتح الله مكّة وانسلخ شهر رمضان ودخل أشهر الحجّ الأكبر وكثر من القبائل مكرها وغدرها ونكثها أمر الله تعالى نبيّه (١٣) أن ينبذ إليهم عهودهم ويعلمهم ذلك ليكونوا على سواء، وأمرهم أن يردّوا العهود الزّائدة على أربعة أشهر إلى أربعة أشهر، وبرفع (١٤) العهود النّاقصة إلى أربعة أشهر أوّلها غرّة شوّال، وقيل: أوّلها يوم الحجّ الأكبر وذلك اليوم العاشر من ذي القعدة، وكان الموسم انتقل إلى ذلك الوقت بنسيء الكفّار، وآخرها انسلاخ الأشهر الأربعة المحرّمة بالذّمّة والعهد، وقيل: انسلاخ الأشهر الحرم (١٥) انسلاخ رجب،
_________________
(١) مجمع البيان ٥/ ٥، والبحر المحيط ٥/ ٦.
(٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٦٧، ومجمع البيان ٥/ ٥.
(٣) في ك: وعن.
(٤) (والتوبة سورة. . . إلى الأنفال) ساقطة من ع.
(٥) ساقطة من ك.
(٦) في ك: فقريتم، وبعدها: (بينهما) ساقطة منها. والمئين: ذوات مئة آية، والمثاني: ما كان أقل من المئين، ينظر: عون المعبود ٢/ ٣٥١.
(٧) ساقطة من ك.
(٨) ينظر: المستدرك ٢/ ٢٤١ و٣٦٠، والأحاديث المختارة ١/ ٤٩٤ - ٤٩٥، وموارد الظمآن ١٢٥.
(٩) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٢٧، وزاد المسير ٣/ ٢٦٥.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٦٧، ومجمع البيان ٥/ ٥.
(١١) ساقطة من ك.
(١٢) في ب: ذم، والميم الثانية ساقطة.
(١٣) ليس في ك.
(١٤) في ع وب: ويرفع.
(١٥) في ك: الحرام.
[ ١ / ٧٤٦ ]
كان قد بقي من مدّة بني ضمرة وهم من كنانة تسعة أشهر أوّلها غرّة ذي القعدة، فأمر الله نبيّه أن يتمّ إليهم عهدهم إلى مدّتهم، وقيل: فإذا انسلخ الأشهر الحرم في قوم (١) لم يكن لهم ذمّة فأجلهم رسول الله بخمسين يوما أوّلها يوم الحجّ الأكبر، وليس هذا بسديد؛ لأنّ من الحجّ الأكبر إلى انسلاخ المحرّم ثمانين يوما على (٢) التّخمين. وكان ﷺ قد بعث أبا بكر إماما للنّاس في الحجّ ونزل (٣) جبريل ﵇ وأمر النّبيّ ﷺ أن يبعث رجلا من أهل بيته بثلاث عشرة آية من أوّل هذه السّورة إلى الموقف والمنحر ليقرأ على النّاس، فبعث عليّا فقرأها عليهم، قالوا: برئنا منك ومن ابن عمّك وبرئتما منّا إلاّ من الضّرب والطّعن، ثمّ ندموا وأقاموا على العهد المذكور إلى أن دخلوا في الإسلام أفواجا (٤).
(براءة): خبر ابتداء محذوف، تقديره: هذه براءة، كقوله (٥): ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها﴾ [النّور:١] (٦). وقيل: (براءة): مبتدأ، ﴿إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ خبره (٧)، وكذلك (سورة)، (أنزلناها): خبره (٨).
وإنّما أسندت المعاهدة إلى المؤمنين؛ لأنّ أمر رسول الله ﷺ وأمر المؤمنين واحد (٩).
٢ - ﴿فَسِيحُوا:﴾ تمهيل. والسّياحة هو الضّرب في الأرض (١٠).
٣ - ﴿وَأَذانٌ:﴾ إعلام (١١).
﴿الْحَجِّ الْأَكْبَرِ:﴾ من الحجّة المعروفة ذات الوقوف، والحجّة الصّغرى هي العمرة.
وقيل: (الأكبر): صفة اليوم، وهو يوم عرفة فإنّ الوقوف فيه. وقيل: هو يوم النّحر لاشتماله على الرّمي والنّحر والحلق وطواف الزّيارة، ثمّ غلب هذا الحجّ على حجّة أبي بكر سنة تسع وحجّة النّبيّ ﷺ وسمّيت بحجّة الوداع (١٢).
_________________
(١) في ع: قوله.
(٢) في ب: إلى.
(٣) في ع وب: فنزل، وبعدها: (جبريل) ليس في ب.
(٤) ينظر في هذه الأقوال: تفسير الطبري ١٠/ ٧٧ - ٨٧، والبغوي ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٨، وزاد المسير ٣/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٥) النسخ الثلاث: قوله.
(٦) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٢٠، وتفسير الطبري ١٠/ ٧٦، والبيان في غريب إعراب القرآن ١/ ٣٩٣.
(٧) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٢٨، وإعراب القرآن ٢/ ٢٠١، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٣٢٢.
(٨) ينظر: مجاز القرآن ٢/ ٦٣، والمجيد ٣٤ (تحقيق: د. شنشول فريج عسكر).
(٩) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٧٦، والقرطبي ٨/ ٦٣.
(١٠) ينظر: مجمع البيان ٥/ ٧، والتفسير الكبير ١٥/ ٢١٩.
(١١) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٦١، وتفسير غريب القرآن ١٨٢، وتفسير الطبري ١٠/ ٨٧ - ٨٨.
(١٢) ينظر في هذه الأقوال: تفسير القرآن ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧، وتفسير الطبري ١٠/ ٨٨ - ٩٩، والبغوي ٢/ ٢٦٨.
[ ١ / ٧٤٧ ]
٤ - ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ المؤمنين الذين يتمّون ويتّقون نقضه من غير سبب موجب للنّقض (١).
٥ - ﴿اِنْسَلَخَ:﴾ انكشف، فالأشهر ملابسة (٢) إيّانا فإذا مضت فكأنّها انسلخت عنّا (٣).
والمراد بالقعود الاعتراض، كقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦].
(١٣٦ و).
﴿مَرْصَدٍ:﴾ الطّريق الذي لا بدّ منه (٤).
﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ:﴾ يعني بترك (٥) الاعتراض. والتّخلية أن تجعل الشّيء فارغا خاليا (٦).
لمّا أمر الله برفع ذمم مشركي العرب [أراد] (٧) أن يضع بين المسلمين وبينهم أسباب الرّسالة لئلاّ تتقطّع السّبل (٨) فيتعذّر التّبليغ.
٦ - ﴿اِسْتَجارَكَ:﴾ أي: طلب منك الجوار والإجارة (٩).
﴿مَأْمَنَهُ:﴾ دار الحرب (١٠).
٧ - ﴿كَيْفَ:﴾ للتّعجّب (١١)، وأسباب التّعجّب بعدها. والاستثناء عارض [بين التّعجّب] (١٢) وأسبابه، فهؤلاء المستثنون من تقدّم ذكرهم، وقيل: قوم من بني بكر من كنانة، وقيل: هم بنو خزيمة (١٣). ولمّا طال العارض بين التّعجّب وأسبابه أعاد التّعجّب، وقريب منه قوله: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ إلى أن قال: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا [كَفَرُوا]﴾ (١٤) [البقرة:٨٩]، وقوله: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ [مِيثاقَهُمْ]﴾ (١٥) إلى قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ [النّساء:١٥٥ - ١٦٠]، وقوله:
_________________
(١) ينظر: مجمع البيان ٥/ ١٣، والدر المنثور ٣/ ٢١٢.
(٢) في ب: الملابسة.
(٣) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٧٣، ومجمع البيان ٥/ ١٣، والتفسير الكبير ١٥/ ٢٢٤.
(٤) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٢١، وتفسير غريب القرآن ١٨٣، وتفسير البغوي ٢/ ٢٦٩.
(٥) في الأصل وع وب: لترك. وينظر: الكشاف ٢/ ٢٤٨، والبحر المحيط ٥/ ١٣.
(٦) ينظر: لسان العرب ١٤/ ٢٣٧ (خلا).
(٧) يقتضيها السياق.
(٨) في ع: السبيل.
(٩) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٣١، وتفسير القرطبي ٨/ ٧٥.
(١٠) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٧٠.
(١١) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٢٣، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٧٦، وتفسير البغوي ٢/ ٢٧٠.
(١٢) يقتضيها السياق.
(١٣) ينظر في هذه الأقوال: تفسير الطبري ١٠/ ١٠٥ - ١٠٧، والبغوي ٢/ ٢٧٠، ومجمع البيان ٥/ ١٨.
(١٤) من ب.
(١٥) من ع.
[ ١ / ٧٤٨ ]
﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (٨٣) إلى قوله: ﴿مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٦].
٨ - ﴿إِلًاّ:﴾ الإلّ: «القرابة» (١)، قال حسّان (٢): [من الوافر]
لعمرك إنّ إلّك من قريش كإلّ السّقب من رأل النّعام
والإلّ: العهد والذّمّة (٣)، قال (٤): [من البسيط]
كأنّه لم يكن بيني وبينكم إلّ ولا خلّة ترعى ولا ذمم
والإلّ: اسم الله وربوبيّته (٥)، قال أبو بكر الصّدّيق: ويحكم إنّ هذا لم يخرج من إلّ (٦).
٩ - ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا:﴾ الرّياسة والعصبيّة والخمر والزّنا والقمار (٧).
١٠ - ﴿لا يَرْقُبُونَ:﴾ الخبر الأوّل (٨) خبر عن نيّاتهم معلّق بشرط القدرة، وهذا الخبر خبر عمّا هم يفعلون في الحال. وقيل: الخبران (٩) واحد والتّكرار للتّأكيد.
١٢ - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ:﴾ نزلت في أبي سفيان بن حرب والحارث بن هاشم وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل، أعانوا حلفاءهم من بني الدّئل بن (١٠) بكر على خزاعة حلفاء نبيّنا ﷺ، فقدم على رسول الله عمرو بن سالم وبديل بن ورقاء (١١) المدينة مستنجدين، وكان بديل يرتجز (١٢):
لا همّ إنّي ناشد محمّدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا (١٣)
كنت (١٤) لنا ولدا وكنت والدا
_________________
(١) اللغات في القرآن ٢٧، وغريب القرآن وتفسيره ١٦١، وتفسير غريب القرآن ١٨٣.
(٢) شرح ديوانه ٤٦٥. والرّأل: ولد النّعام، لسان العرب ١١/ ٢٦١ (رأل).
(٣) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٦١، وتفسير غريب القرآن ١٨٣، واتفاق المباني وافتراق المعاني ٢٣١.
(٤) عزي إلى طريح بن إسماعيل الثّقفيّ في الأغاني ٤/ ٣٠٥، وتاريخ مدينة دمشق ٢٤/ ٤٧٣، وروايته: نسب، بدل (ذمم).
(٥) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٨٣، وتفسير الطبري ١٠/ ١٠٨، والقرطبي ٨/ ٧٩.
(٦) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٧٨، وتفسير البغوي ٢/ ٢٧١، واتفاق المباني وافتراق المعاني ٢٣٢.
(٧) ينظر: إعراب القرآن ٢/ ٢٠٤، والكشاف ٢/ ٢٥٠.
(٨) ساقطة من ب.
(٩) في ب: الخبر.
(١٠) في ب: من. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٧١، والدر المنثور ٣/ ٢١٤.
(١١) في ب: روقاء.
(١٢) ينظر: السيرة النبوية ٤/ ٨٥٤ - ٨٥٥، والمنمق ٨٩ - ٩٠، والاكتفاء ٢/ ٢١٥ - ٢١٦، وعزي الرّجز فيها جميعا إلى عمرو بن سالم.
(١٣) النسخ الثلاث: الأبلدا.
(١٤) في ع وب: كتب، وكذا ترد قريبا.
[ ١ / ٧٤٩ ]
ثمّت أسلمنا (١) ولم ننزع يدا
أبيض مثل البدر ينهو صعدا إنّ قريشا أخلفوك (٢)
الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
فقال رسول الله: لا نصرني الله إن لم أنصركم، ثمّ أمر النّاس (٣) أن يتجهّزوا إلى مكّة (٤).
وكان أبو سفيان يومئذ عند هرقل بالشّام، فكتبت قريش إليه بالخبر، فلمّا قرأ الكتاب استأذن هرقل في الرّجوع وقال: إنّ محمّدا كان عاهدنا سنين وهو يريد النكث، قال هرقل: ولم ذلك؟ قال: لأنّا أعنّا حلفاءنا على حلفائه، قال: هو معذور فإنّكم إذا قاتلتم حلفاءه فقد (٥) قاتلتموه.
وانصرف أبو سفيان من الشّام يريد الإصلاح حتى دخل المدينة على فاطمة بنت النّبيّ ﷺ وطلب منها الإجارة فلم تفعل، وطلب من الحسن والحسين فلم يفعلا، ثمّ خرج إلى أبي بكر فردّه، وإلى عمر فردّه وقال: والله لنضربنّ إستك يا أبا سفيان، فقال: ما أسفهك يا ابن الخطّاب، ثمّ خرج إلى عليّ ﵁ وطلب منه الإجارة، فقال عليّ: يا أبا سفيان أتظنّ برسول الله أنّه يردّ أمرك اخرج إلى النّاس واضرب (١٣٦ ظ) إحدى يديك على الأخرى وقل: أجرت بين النّاس، فقال أبو سفيان: أهو كما تقول؟ قال عليّ: سترى (٦) ما يكون، فخرج أبو سفيان فضرب إحدى يديه على الأخرى وقال: أجرت بين النّاس، ورجع إلى مكّة وقال: أجرت بين النّاس، قالوا: كيف؟ فأخبرهم بالقصّة، قالوا: لم تفعل شيئا وإنّما استهزأ بك عليّ (٧).
ثمّ سار رسول الله ﷺ في جيوشه إلى مكّة، ولم يلق أحدا مقبلا ولا مدبرا إلاّ حبسه لئلاّ يخبر أهل مكّة بمسيره (٨) إليهم، فخرج أبو سفيان متحسّسا (٩) أخبارهم فلقيه العبّاس في جوف اللّيل وأجاره وأردفه خلفه على بغلة رسول الله ﷺ حتى (١٠) أدخله عليه (١١) ﷺ، وأحسّ به عمر فسابقه إلى النّبيّ ﷺ فسبقه وحال بينه وبين أبي (١٢) سفيان، ثمّ ردّه رسول الله ﷺ إلى مكّة، فلمّا
_________________
(١) في ب: إسلامنا، وبعدها: ينزع، بدل (ننزع).
(٢) في ب: خلفوك.
(٣) في الأصل وك وب: أموالنا، بدل (أمر الناس).
(٤) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ٨٧.
(٥) في ع: قد.
(٦) مكررة في ب.
(٧) ينظر: السيرة النبوية ٤/ ٨٥٥ - ٨٥٧.
(٨) في ع: بسيره.
(٩) في ب: متجسسا.
(١٠) في ك: على.
(١١) بعدها في ب: رسول الله، وهي مقحمة.
(١٢) في ك: أبا، وهو خطأ.
[ ١ / ٧٥٠ ]
كان ببعض الطّريق أمر عبّاسا ليتبعه فيحبسه على الطّريق ليمرّ به كتائب العسكر، فلمّا لحقه العبّاس خافه أبو سفيان على نفسه وقال: أغدرا يا بني هاشم، قال: كلاّ ولكن أبصر كتائبنا (١)، وكان كلّما مرّ عليه كتيبة قال: أفي هؤلاء محمّد؟ وكان عبّاس يقول: لا هؤلاء بنو فلان وهؤلاء بنو فلان حتى مرّ رسول الله ﷺ كالبدر المنير تحت المغفر في ثلاثة آلاف فارس من الأنصار متكفرين بالسّلاح. وأسلم أبو سفيان، فقال عبّاس: يا رسول الله إنّ أبا سفيان رجل (٢) يحبّ الصيّت فاجعل له شيئا يفتخر به، قال رسول الله ﷺ: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
وانصرف أبو سفيان إلى مكّة ونادى: من دخل داري فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند وأخذت بسباله (٣) وقالت: اقتلوا هذا الخبيث، فضربوه ضربا شديدا (٤).
وكان خالد بن الوليد على الميمنة فاستقبله جمع من المشركين وعليهم حماس (٥) بن قيس ومقيس بن ضبابة وعكرمة بن أبي جهل فقاتلهم خالد حتى هزمهم، وكان رسول الله ﷺ قد نهاه عن ذلك، فلمّا (٦) علم بذلك قال: عسى أن يكون خيرا. وروى ابن (٧) إسحق أنّهم قتلوا من المسلمين كرز بن جابر وحنش بن خالد، وأصيب من مزينة سلمة بن الميلاء، وأصيب من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر، ثمّ هزموا (٨).
وقوله ﷺ: (إنّي أعوذ من صنيع خالد) لم يكن في هذا اليوم وإنّما كان من (٩) قبله.
وجمع رسول الله ﷺ الأنصار حواليه يوم فتح مكّة ثمّ أمرهم بأن (١٠) يحضروا أوباش قريش، قال أبو هريرة: وما كنّا إلا قادرين على قتل (١١) من نشاء أن نقتله، فجاء أبو سفيان وقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد هذا اليوم، فقال رسول الله ﷺ: من أغلق بابه على نفسه فهو آمن (١٢)، واستثنى أربعة من المشركين وأمر بقتلهم (١٣).
وأجارت أمّ هانئ رجلين من مخزوم، فأراد أخوها عليّ بن أبي طالب أن
_________________
(١) في ب: كاهنا، وهو خطأ.
(٢) ساقطة من ك.
(٣) أي: بمقدّم لحيته، ينظر: لسان العرب ١١/ ٣٢١ - ٣٢٢ (سبل).
(٤) ينظر: السيرة النبوية ٤/ ٨٥٩ - ٨٦٤.
(٥) في ب: أحماس.
(٦) في ع: فلم.
(٧) في ك: أبو.
(٨) ينظر: السيرة النبوية ٤/ ٨٦٥ - ٨٦٧.
(٩) ساقطة من ك. وينظر: الديات ٥٠، والسنن الكبرى للنسائي ٣/ ٤٧٤، وصحيح ابن حبان ١١/ ٥٣.
(١٠) في ك: أن.
(١١) في ك وب: قتله، والهاء مقحمة.
(١٢) ينظر: صحيح مسلم ٤/ ١٤٠٧، وصحيح ابن حبان ١١/ ٧٤ - ٧٥.
(١٣) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٤٠٢، وشرح معاني الآثار ٣/ ٣١٤.
[ ١ / ٧٥١ ]
يقتلهما (١)، فجاءت إلى رسول الله ﷺ تشكوه والنّبيّ ﷺ يصلّي صلاة (١٣٧ و) الضّحى، وذلك قبل أن دخل مكّة، فقال: أجرنا من أجرت (٢).
وعن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: يا أبا هريرة اهتف بالأنصار، فنادى: يا معشر الأنصار أجيبوا رسول الله ﷺ، فجاؤوا كأنّما كانوا على ميعاد، ثمّ قال: اسلكوا هذا الطّريق ولا يشرفن أحد عليكم إلا أنمتموه، أي: قتلتموه (٣).
وسار رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد، وما قتل ذلك اليوم إلاّ أربعة، ودخل صناديد قريش الكعبة يظنّون أنّ السّيف لا يرفع عنهم، فأخذ رسول الله ﷺ بعضادتي الباب وقال:
ما تظنّون؟ فقالوا (٤): نقول: أخ وابن عم حليم رحيم، فقال رسول الله (٥) ﷺ: إنّي أقول كما قال يوسف ﵇: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ [الْيَوْمَ] (٦)﴾، الآية [يوسف:٩٢]، فخرجوا من الكعبة كأنّما نشروا من القبر، ودخلوا في الإسلام (٧).
قالت عائشة: ما من بلدة إلاّ فتحت بالسّيف إلاّ المدينة فإنّها فتحت بلا إله إلاّ الله (٨).
وقوله: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ﴾ [الفتح:٢٢] في شأن أسد وغطفان، وقيل: في الحديبية (٩). وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح:٢٤] كان المشركون (١٠) بعثوا أربعين رجلا، وقيل: اثنا عشر لاغتيال أصحاب (١١) رسول الله ﷺ عام الحديبية فأظهرهم الله عليهم فأخذوهم وجاؤوا بهم إلى النّبيّ ﷺ فأطلقهم (١٢).
قد دلّ كتاب الله وتواترت الرّوايات وأجمع أصحاب السّير أنّ مكّة فتحت عنوة ثمّ منّ عليهم النّبيّ ﷺ وأطلقهم ولم يقسم أموالهم فسمّوا طلقاء (١٣)، فمن قال: فتحت صلحا (١٤)، فقد
_________________
(١) في ك وع: يقتلها.
(٢) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٥١٠، ومسند أبي عوانة ٤/ ٢٩١ - ٢٩٢، وشرح معاني الآثار ٣/ ٣٢٣.
(٣) ينظر: سنن الدارقطني ٣/ ٥٩، والمستدرك ٢/ ٦٢، والسنن الكبرى للبيهقي ٩/ ١١٨.
(٤) في ك وع: فقال، وبعدها في ك: يقول، بدل (نقول).
(٥) (رسول الله) ليست في ك وب.
(٦) من ع.
(٧) ينظر: شرح معاني الآثار ٣/ ٣٢٥، والسنن الكبرى للبيهقي ٩/ ١١٨.
(٨) وهو حديث مروي عن عائشة ﵂ في الضعفاء الكبير ٤/ ٥٨، والمجروحين ٢/ ٢٨٩، والكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ١٧١، وفيها جميعا أن المدينة فتحت بالقرآن.
(٩) ينظر: تفسير القرطبي ١٦/ ٢٨٠.
(١٠) في ك: كانوا المشركين، بدل (كان المشركون).
(١١) ساقطة من ع.
(١٢) ينظر: صحيح مسلم ٣/ ١٤٤٢، وأخبار مكة ٥/ ٩٠، والسنن الكبرى للبيهقي ٦/ ٣١٨ - ٣١٩.
(١٣) وهذا قول أبي حنيفة ومالك والأوزاعي، ينظر: شرح معاني الآثار ٣/ ٣١١، والبحر الرائق ٢/ ٢٦٠، وحاشية رد المحتار ٢/ ١٧٦.
(١٤) وهو قول الشافعي وأحمد، ينظر: الأم ٧/ ٣٦٢، وفتح الباري ٨/ ١٢، وعون المعبود ٥/ ٣٤٦.
[ ١ / ٧٥٢ ]
خالف الكتاب والسّنّة وخرق الإجماع.
١٤ - ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ:﴾ الشّفاء: إزاحة الأذى من مرض أو غضب أو حزن (١).
وكان شفاء المؤمنين حين صعد بلال على سطح الكعبة ورفع صوت الأذان، قال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي لم يبق أسيدا (٢) إلى هذا اليوم (٣)، وقال الحارث [بن] (٤) هشام: إن كنت لأبغض أن ينهق عليها (٥) ابن أبي رباح، وقال سهيل بن عمرو: دعوه إنّ لها (٦) ربّا إن شاء أن ينصرها نصرها، وقالت جويرية بنت أبي جهل حين سمعت اسم رسول الله في الأذان: والله لقد رفع ذكرك، ولّما (٧) سمعت قوله: قد قامت الصّلاة قالت: أمّا القيام فسأقوم ولكنّي لا أحبّ قاتل أخيه أبدا. والمؤمنون يسمعون منهم أحاديثهم هذه ويضحكون عليهم.
١٦ - ﴿وَلِيجَةً:﴾ هو الذي يلج عليك وتلج عليه على كلّ حال ولا يكتم عنه سرّه (٨).
١٧ - ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ:﴾ نزلت في الرّدّ على المشركين حين افتخروا بعمارة المسجد الحرام وسقي الحجيج (٩). وإنّما نزلت هذه السّورة في آخر ما نزلت في المدينة في أيّام فتح مكّة، وتوفّي [رسول] (١٠) الله قبل أن يبيّن موضعها، فالظّاهر أنّ المفتخرين أبو سفيان والحارث بن هشام وعكرمة ابن أبي جهل وسهيل بن عمرو (١١) وخالد بن أسيد.
(ما كان): أي: لم يكن معتدّا به ولم يصحّ ولم يقع موقعه فعلهم ذلك (١٢).
و(العمارة): ضدّ التّخريب.
(شهادتهم على أنفسهم بالكفر): (١٣٧ ظ) جهرهم به وإن لم يعدّوه كفرا (١٣).
١٨ - وإنّما تصحّ (١٤) العمارة ممّن آمن بالله.
١٩ - ﴿أَجَعَلْتُمْ:﴾ فضيلة، ﴿سِقايَةَ الْحاجِّ﴾ كفضيلة من ﴿آمَنَ بِاللهِ.﴾ قال الحسن
_________________
(١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ١٨٥.
(٢) في الأصل وك: أسيد.
(٣) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٣٩٩.
(٤) من ب.
(٥) بعدها في ك وع: ايا، وهي مقحمة.
(٦) في ع: ودعره بن ايا، بدل (دعوه إن لها).
(٧) في ك: وأما.
(٨) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١١٩، وتلخيص البيان ٥٨، وتفسير البغوي ٢/ ٢٧٣.
(٩) ينظر: الوجيز ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧، وتفسير البغوي ٢/ ٢٧٣، والكشاف ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(١٠) يقتضيها السياق.
(١١) (بن عمرو) ساقطة من ب.
(١٢) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤، والكشاف ٢/ ٢٥٣، والبحر المحيط ٥/ ٢٠.
(١٣) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٧٤، والكشاف ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤، والتفسير الكبير ١٦/ ٨.
(١٤) في الأصل وك وع: صح.
[ ١ / ٧٥٣ ]
البصريّ: لّما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: لا تدعوها فإنّ لكم فيها أجرا (١). فلولا أنّ الآيات نزلت في فتح مكّة ولكنّ رسول الله ولّى السّقاية عمّه عبّاسا وأولاده بعد الفتح، ورآهم (٢) يوم الفتح وقال: انزحوا ولولا أن يزاحمكم النّاس لنزحت معكم (٣)، وأذن في البيتوتة بمكّة لأجل السّقاية ليالي منى، فصار عبّاس جامعا بين السّقاية وبين الهجرة والجهاد، وفاز بكلتي الفضيلتين، ثمّ نال فضيلة الاستسقاء على منبر رسول الله في أيّام عمر، مع ما خصّه الله تعالى من عمومة نبيّه ﷺ وولاية مواليه وذرّيّته وأبوّة خلفائه من غير منازع ولا مدافع، فلله الحمد.
٢٠ - ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً:﴾ شرفا، أو ثواب الدّنيا ليصحّ التّفضيل على الكفّار، وإن حمل على درجات الآخرة كان التّفضيل على سبيل التّوسع (٤) والمجاز.
٢١ - ﴿نَعِيمٌ:﴾ رفع لقوله: ﴿لَهُمْ،﴾ فيحسن (٥) الوقوف على (جنّات). ويجوز أن يكون متعلّقا ب (جنّات)، فيوقف على (لهم).
٢٣ - ﴿اِسْتَحَبُّوا:﴾ اختاروا وارتضوا (٦).
٢٤ - ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ:﴾ قرابتكم (٧).
﴿كَسادَها:﴾ أراد ضدّ الرّواج.
﴿بِأَمْرِهِ:﴾ بفتح مكّة، عن مجاهد (٨). ويحتمل أنّها نزلت بعد فتح مكّة، والأمر الموعود فتح تبوك، أو تخريب مسجد ضرار، أو صدّ المشركين عن المسجد الحرام، أو الموت الذي لا بدّ منه.
٢٥ - ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ [اللهُ] (٩)﴾: لمّا فرغ رسول الله من فتح مكّة وكسر الأصنام ورجع إليه خالد وسائر السّرايا قصد إلى حنين، وحنين واد بين مكّة والطّائف، فقصد إلى حنين يغزو العرب [الذين] (١٠) كانوا تجمّعوا لقتاله، ثلاثين ألفا (١١) من هوازن وثقيف وهلال وجشم
_________________
(١) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٦٩، وتفسير الطبري ١٠/ ١٢٣ - ١٢٤، والتفسير الكبير ١٦/ ١١.
(٢) في ب: وأولاده، وبعدها: (يوم الفتح) ساقطة منها.
(٣) ساقطة من ب.
(٤) في ب: التوسيع.
(٥) في ب: ويحسن، وبعدها في ع وب: الوقف، بدل (الوقوف).
(٦) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٢٦، والوجيز ١/ ٤٥٨، وتفسير البغوي ٢/ ٢٧٧.
(٧) ساقطة من ك وب. وينظر: مجمع البيان ٥/ ٣٠، وزاد المسير ٣/ ٢٨١.
(٨) ينظر: تفسيره ١/ ٢٧٥.
(٩) من ك وب. وينظر في قصة غزوة حنين: تفسير البغوي ٢/ ٢٧٧ - ٢٨٠، والقرطبي ٨/ ٩٦ - ١٠٠.
(١٠) يقتضيها السياق.
(١١) في الأصل وك وب: ألف.
[ ١ / ٧٥٤ ]
يقودهم مالك بن عوف النّصري (١)، وكان حمل مع نفسه دريد بن الصمة الجشميّ ليستعين برأيه، وكان دريد معروفا بالبأس والنّجدة وأصالة الرّأي، وكان قد بلغ مئة وعشرين سنة وذهب بصره، وحمله مالك مع نفسه، وكلّف النّاس على (٢) حمل البيوت والأثقال إلى المعركة، فلمّا نزلوا ببعض المنازل سمع دريد جلبة وأصواتا مختلفة فسأل مالكا (٣) عنها، فقال: هذه أصوات الصّبيان والنّساء يختلف النّاس على حمل بيوتهم إلى المعركة ليقاتلوا فيها ويحموها عن النّهب والسّلب، قال دريد: بئس الرّأي ما رأيت يا مالك فإنّ هؤلاء يزيدون المقاتلين شغلا وخوفا وفشلا وجبنا، فلم يلتفت مالك إلى قول دريد، حتى إذا كان يوم اللّقاء جاء بأجفان سيوف النّاس إلى دريد وهو في الخيمة، وقال دريد: ما هذه؟ قال: هذه أجفان السّيوف أخذتها لأكسرها إذا اشتدّ الأمر، قال دريد (٤): ولماذا تكسرها؟ قال: ليعلموا أنّه لا سبيل إلى غمدها وإلى الانهزام، فضحك دريد وقال: يا مالك إنّك راعي الغنم فشأنك به ودع أمر القتال، (١٣٨ و) أترى [إلى] (٥) هؤلاء القوم لئن انهزموا ليمنعنهم (٦) كسر أجفان سيوفهم فيصبرون على القتل لمكانها.
وإنّ النّبيّ ﷺ لّما خرج من مكّة استعار (٧) من صفوان بن أميّة مئة درع، وكان صفوان مؤجلا إلى أربعة أشهر ليسلم، ولم يسلم بعد، فخرج مع النّبيّ ﷺ لمكان دروعه. وكان (٨) النّبيّ ﷺ في عشرة آلاف فارس، وأمر أبا سفيان فخرج في ألفي فارس من طلقاء مكّة، فكانوا اثني عشر ألفا، فلمّا اقتربوا إلى العدوّ صعد (٩) عبّاس على بعض التّلول واطّلع على عسكر المسلمين وأعجبته الكثرة ونادى: يا رسول الله لن نغلب اليوم عن قلّة، فقال رسول الله: مه يا عمّ ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، فلم تمض عليهم ساعة حتى التقت الفئتان، وكان رسول الله ﷺ يومئذ (١٠) راكبا بغلته الشّهباء، وكان العبّاس آخذا (١١)
_________________
(١) في ك وع: النضري، وفي ب: النضروي.
(٢) في ك: إلى.
(٣) النسخ الأربع: مالك، والصواب ما أثبت.
(٤) بعدها في ك: قال، وهي مقحمة.
(٥) من ب.
(٦) في ك: ليمنعهم.
(٧) في ب: استعان، وهو تحريف.
(٨) بعدها في ب: مع، وهي مقحمة.
(٩) في ع: وصعد، والواو مقحمة.
(١٠) ساقطة من ك، وبعدها في الأصل وع وب: بغلة، بدل (بغلته).
(١١) النسخ الثلاث: آخذ، وكذا ترد قريبا.
[ ١ / ٧٥٥ ]
بلجامها وسفيان بن الحارث (١) بن عبد المطّلب آخذا بثغرها، وعليّ يقاتل بين يدي رسول الله، فأمر مالك بن عوف جموعه أن يحملوا على المسلمين حملة واحدة لم يقم لها المسلمون وانكشفوا عن رسول الله (٢)، وكان كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ.﴾ وإنّما ابتلوا (٣) لكلمة عبّاس وإعجابه بالكثرة، وكما كان عبّاس أعجب بالكثرة كان كثير من النّاس أعجبوا بها، فلم يبق مع رسول الله ﷺ إلاّ عبّاس وعليّ والفضل (٤) بن عبّاس وسفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وربيعة بن الحارث وأيمن بن عبيدة وأسامة بن زيد ورجل آخر، وفي ذلك يقول ابن (٥) عبّاس: [من الطويل]
نصرنا رسول الله في الحرب سبعة وقد فرّ من قد فرّ منهم فأقشعوا
وثامننا لاقى الحمام بسيفه بما مسّه في الله لا يتوجّع
وفرح أبو سفيان بن حرب ومن معه من طلقاء مكّة فشمتوا بالمسلمين، وقال أبو سفيان:
اليوم بطل السّحر، فقال (٦) له صفوان بن أميّة وهو كافر: فضّ الله فاك لأن يربّنا رجل من قريش خير من أن يربّنا رجل من هوازن. ثمّ أمر رسول الله ﷺ عمّه عبّاسا لينادي بالأنصار، وكان جهوريّ الصّوت، فقال: يا أصحاب بيعة العقبة ويا أصحاب بيعة الشّجرة ويا أصحاب سورة البقرة، فعرفوا صوته ورجعوا إلى رسول الله ﷺ (٧). ونزل رسول الله ﷺ عن بغلته وسلّ سيفه وباشر الحرب بنفسه، وكان يقول: (أنا النّبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب)، فأنزل الله سكينته عليه وعليهم وأنزل جنودا لم تروها، وهزم الكفّار بعد أن قتلوا منهم مقتلة عظيمة حتى أنّ الرّجل الواحد من المسلمين قد تولّى قتل ثلاثين، أربعين، خمسين نفسا من الكفّار. والتجأ مالك بن عوف إلى الطّائف مذعورا مدحورا في نفر يسير من الأشقياء، وغنم المسلمون أموالهم ونساءهم وذراريهم، وبلغ عدد السّبي ستّة آلاف رأس. وعثر رجل من الأنصار على دريد بن الصمة يريد قتله، قال دريد: ومن أنت؟ فتعرّف له الرّجل، قال (٨) دريد: أما إنّي قد أنعمت على (٩) (١٣٨ ظ) أمّهاتك وفككت من الرّقّ ثلاثا من جدّاتك قبل أن خلقت، وسمّاهنّ له،
_________________
(١) (بن الحارث) ساقطة من ك.
(٢) (عن رسول الله) ليس في ب.
(٣) في الأصل وع وب: ابتلوه.
(٤) في ب: والفضلين.
(٥) لعلها مقحمة؛ لأن الشعر نسب إلى العباس بن عبد المطلب في الجليس الصالح ١/ ٣٩٧، ومجمع البيان ٥/ ٣٤ - ٣٥، وتفسير القرطبي ٨/ ٩٨. وأقشع القوم: تفرّقوا، لسان العرب ٨/ ٢٧٤ (قشع).
(٦) في ب: وقال.
(٧) (ويا أصحاب سورة البقرة. . . ﷺ) ليس في ب.
(٨) في ع: قيل.
(٩) في ب: منعت، بدل (أنعمت على)، وبعدها: وملكت، بدل (وفككت).
[ ١ / ٧٥٦ ]
فضرب الرّجل بسيفه ضربة في عنقه فلم يخدشه خدشة فكأنّما ضرب على صمدة (١)، فقال دريد: بئس شيء سلحته أمّك خذ سيفك من وراء المحمل واضربني به ولا تضرب على العظم ولا على الجلد المنزى ولكن اتبع اللّحم، ففعل الرّجل كما علّمه دريد فاحتزّ رأسه. وأعطى رسول الله أبا سفيان وأصحابه من هذه الغنيمة أموالا كثيرة يؤلّف قلوبهم بذكر الله، واستوحش الأنصار بذلك، ثمّ رضوا بحكم الله ورسوله، فقال لهم رسول الله ﷺ: أما ترضون أن يرجع النّاس إلى ديارهم بالأموال وترجعون إلى دياركم بنبيّ الله فاستهلوا بالرّضا والحمد لله.
﴿مَواطِنَ:﴾ جمع موطن، وهو موضع القرار والسّكون (٢).
و(الرّحب): «السّعة» (٣). وقوله: ﴿بِما رَحُبَتْ،﴾ أي: ضاقت برحبها ومع رحبها (٤)، وذلك من شدّة الخوف وانسداد سبيل الهزيمة بالدهش واستقبال العدوّ من (٥) كلّ وجه.
٢٧ - وقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ﴾ يحتمل أنّها عامّة، ويحتمل أنّها في الذين أتوا رسول الله مستسلمين يفدون الأسارى فمنّ عليهم رسول الله ﷺ (٦).
٢٨ - ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ:﴾ الحال تدلّ [على] (٧) أنّهم مشركو العرب؛ لأنّهم كانوا يقربون المسجد الحرام ويختلفون إليه بالحجّ والعمرة دون سائر النّاس، وإن (٨) اعتبرنا بالغالب من إطلاق الكتاب والسّنّة دلّ [على] (٩) ذلك أيضا (١٠).
وهم عبدة الأوثان دون سائر الكفّار (١١)؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحجّ:١٧]، وقال ﷺ: (من أسلم من أهل الكتاب كان أجره مرّتين وله ما لنا وعليه ما علينا ومن أسلم من المشركين كان له ما لنا وعليه ما علينا) (١٢). وإن اعتبرنا الشّأن والنّزول دلّ ذلك أيضا، قال أبو هريرة: كنت
_________________
(١) في ب: صمة. والصّمدة والصّمدة: «صخرة راسية في الأرض مستوية بمتن الأرض وربّما ارتفعت شيئا قليلا»، لسان العرب ٣/ ٢٥٩ (صمد).
(٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٣٩، ولسان العرب ١٣/ ٤٥١ (وطن).
(٣) تفسير القرطبي ٨/ ١٠١، ولسان العرب ١/ ٤١٣ (رحب).
(٤) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٦٠، وتفسير القرطبي ٨/ ١٠١.
(٥) في ب: ومن، والواو مقحمة.
(٦) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٦٠، وتفسير القرطبي ٨/ ١٠٢، والبحر المحيط ٥/ ٢٧ - ٢٨.
(٧) من ع.
(٨) في ب: وإنما.
(٩) من ك.
(١٠) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٧٩.
(١١) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ١٠٥، وهو قول أبي حنيفة.
(١٢) ينظر: مسند الروياني ٢/ ٢٨٩، والمعجم الكبير ٨/ ١٩٠، ومجمع الزوائد ١/ ٩٣.
[ ١ / ٧٥٧ ]
مع عليّ بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ فنادى بأربع: أنّه لا يدخل الجنّة إلاّ نفس مسلمة ولا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريانا ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى أربعة أشهر (١). وهكذا روى مقسم عن ابن عبّاس في حديث طويل (٢).
ودلّته (٣) الدّلائل أن عرفة، في حرمة قربان المشركين، كالمسجد الحرام، وعرفة ليست من الحرم فهي كسائر مساجد الإسلام (٤).
ودلّ كتاب الله أنّ المستجير مستثنى من جملة المشركين، ويجوز له أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ في المسجد الحرام حتى يسمع كلام الله ثمّ يعود إلى مأمنه. أبو الزّبير عن جابر في هذه الآية ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ﴾ إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الجزية (٥).
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية قال: قال المؤمنون (٦): كنّا نصيب من متاجر المشركين، فوعدهم الله أن يغنيهم (٧) من فضله عوضا لهم (٨)، قال الطحاوي (٩): العوض هي الجزية المذكورة بعد هذه (١٠)، وقال الفرّاء (١١): العوض هو خصب تبالة وجرش (١٢) أسلموا وحملوا طعامهم إلى مكّة.
(النّجس): شيء مستقذر (١٣)، وإذا (١٣٩ و) قرنت به الرّجس كسر النّون، قيل: رجس نجس (١٤).
_________________
(١) ينظر: مسند إسحق بن راهويه ١/ ٤٤٧، وسنن الدارمي ١/ ٣٩٣ و٢/ ٣٠٩، والمستدرك ٢/ ٣٦١.
(٢) ينظر: سنن الترمذي ٥/ ٢٧٥، والمعجم الكبير ١١/ ٤٠٠، والمستدرك ٣/ ٥٣.
(٣) لعل الهاء مقحمة.
(٤) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٧٩.
(٥) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢، وتفسير الطبري ١٠/ ١٣٩، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٩٥.
(٦) ساقطة من ك.
(٧) بعدها في الأصل وب: الله.
(٨) ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٧٦.
(٩) أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزديّ، صاحب (شرح معاني الآثار)، كان على مذهب الشافعي فانتقل إلى مذهب أبي حنيفة رحمهما الله، ت ٣٢١ هـ، ينظر: الأنساب ١/ ١٢٠ وينظر، ومعجم البلدان ٤/ ٢٢، والبداية والنهاية ١١/ ١٩٨.
(١٠) بعدها في ب: الجزية، وهي مقحمة. وعزي هذا القول إلى قتادة والضحاك في تفسير الطبري ١٠/ ١٣٨ - ١٤٠، والبغوي ٢/ ٢٨٢، وزاد المسير ٣/ ٢٨٤.
(١١) ينظر: معاني القرآن ١/ ٤٣١.
(١٢) تبالة: موضع ببلاد اليمن، وجرش: مدينة عظيمة باليمن، ينظر: معجم البلدان ٢/ ٩ و١٢٦.
(١٣) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٨٤.
(١٤) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣٠، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٤١، وتفسير البغوي ٢/ ٢٨١.
[ ١ / ٧٥٨ ]
﴿عَيْلَةً:﴾ فقرا (١). ووجه تعليق الموعود بالمشيئة تصوّر موت كثير منهم (٢) قبل إنجاز الوعد وتصوّر فقر كثير منهم مع وجود الشّرط وهو خوف العيلة بسائر أسباب الفقر، وكلّ ذلك بتقدير الله.
٢٩ - ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ:﴾ عامّة في قتال أهل الكفر (٣)، وتقديرها: والذين لا يحرّمون، والذين لا يدينون. وقد خرج من (٤) عمومها النّساء والذّرّيّة والمشايخ غير ذي الرّأي والعميان والزّمنى (٥) والأساقفة والرّهابين الذين وقع الأمن من جهتهم. قال عليّ: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيشا من المسلمين (٦) قال: انطلقوا بسم الله في سبيل الله، إلى أن قال: ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا شيخا كبيرا (٧). وعن ابن عبّاس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال:
اغزوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصّوامع (٨). وكذا أوصى أبو بكر الصّدّيق إلى يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حين (٩) بعثهم إلى الشّام (١٠).
ويحتمل أنّ الآية خاصّة في المقاتلين دون من وقع الأمن من جهتهم (١١)، وإلى هذا أشار ﷺ حين رأى امرأة مقتولة (١٢).
و(الجزية): اسم المقضيّ عن الرّقاب (١٣). والظّاهر أن يكفّ عن قتالهم (١٤).
﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ:﴾ نقدا، إلاّ أنّ الدّلالة قامت على وجوب الكفّ بالالتزام على شرط اليسار.
﴿عَنْ يَدٍ:﴾ عن نعمة منكم عليهم وذمّة منكم لهم (١٥). وقيل (١٦): عن قهر. وقيل (١٧): عن
_________________
(١) معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣١، وغريب القرآن وتفسيره ١٦٢، وتفسير غريب القرآن ١٨٤.
(٢) ساقطة من ب.
(٣) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ١٠٩ - ١١٠.
(٤) في ع وب: عن.
(٥) في ك وع: والزمن.
(٦) في ك: المشركين، وهو خطأ.
(٧) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٩٠، وتلخيص الحبير ٤/ ١٠٣.
(٨) ينظر: مسند أبي يعلى ٤/ ٤٢٢، والمعجم الكبير ١١/ ٢٢٤، ومجمع الزوائد ٥/ ٣١٦.
(٩) ساقطة من ب.
(١٠) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٨٥، وتحفة الأحوذي ٥/ ١٥٩.
(١١) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٨٩ - ٢٩٠، وزاد المسير ٣/ ٢٨٦، وتفسير القرطبي ٨/ ١١٢.
(١٢) ينظر: الموطأ ٢/ ٤٤٧، وصحيح البخاري ٣/ ١٠٩٨، ومسلم ٣/ ١٣٦٤.
(١٣) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٤١، والبغوي ٢/ ٢٨٢.
(١٤) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ١١٢ - ١١٣.
(١٥) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٤٢، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٩٨ - ١٩٩، وتلخيص البيان ٥٩.
(١٦) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٤٢، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ١٩٩، وتفسير البغوي ٢/ ٢٨٢.
(١٧) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٩٢، وتفسير البغوي ٢/ ٢٨٢، والكشاف ٢/ ٢٦٢.
[ ١ / ٧٥٩ ]
نقد، كقوله في حديث الرّبا: (يدا بيد).
ومقدار الجزية ما روي عن عمر أنّه بعث حذيفة بن (١) اليمان وعثمان بن حنيف إلى السّواد حتى وضعا عليهم الجزية، فصنّفا (٢) النّاس ثلاثة أصناف (٣)، ووضعا على الأغنياء ثمانية وأربعين درهما، وعلى الأوساط المعتملين أربعة وعشرين (٤)، وعلى الفقراء المكتسبين اثني عشر درهما، ولم يوجبا على النّساء والصّبيان والفقراء الذين لا يقدرون على الكسب شيئا (٥).
ودلّت الآية على سقوط الجزية بالموت والإسلام لفوات القتال (٦).
وفي الآية جواز أخذ الجزية عن (٧) أهل الكتاب، وليس فيها نفي جوازه عن غيرهم، وقد صحّ عنه ﷺ جواز أخذها عن عبدة الأوثان من العجم وعن مجوس هجر وهم عبدة النّيران (٨).
٣٠ - ﴿عُزَيْرٌ:﴾ بن سويا، من أولاد فنحس بن عازور بن هارون بن عمران.
وكان عزير يوم سبى بختنصر بني إسرائيل ابن ستّ سنين معه أمّه، ثمّ ماتت أمّه وتكفّله دانيال ﵇ وعلّمه الكتابة قصدا من التّوراة، وهما دعوا كيرش الملك ملك فارس إلى توحيد الله ودينه وعمارة بيت المقدس وردّ خزائنه وأهله إليه، ثمّ توفّي دانيال وهو ابن مئة وثلاثين سنة فخلفه عزير وهو ابن ثلاث وتسعين سنة فصار قاضي القضاة وحكم الحكماء.
وقد ذهب أكثر التّوراة عن اليهود ولم يبق منها نسخة إلاّ نسخة الصّابئين باليمن، ونسخة مدفونة ببيت المقدس بحث عنها المسيح ﵇ (١٣٩ ظ) فكتبها لهم عزير بإذن الله تعالى وإلهامه بخمسة أقلام، وكان (٩) يستمدّ بقلم من تلك الأقلام فيكتب (١٠) به ما شاء الله فإذا انقطع المداد كسر القلم ورمى به وأخذ قلما آخر، فانتهت التّوراة بانتهاء هذه الأقلام الخمسة، وكان ذلك آية من آيات الله تعالى معجزة لعزير ﵇. فلمّا فرغ من الكتابة مرض من يومه فختم على التّوراة وسلّمها إلى رجل صالح يسمى زكريّا وأوصى إليه إملاء التّوراة إلى بني إسرائيل، وتوفّي عزير وتوفّي بعده بيومين هذا الرّجل الصّالح، وصارت التّوراة عند ينجايل بن
_________________
(١) ساقطة من ع.
(٢) في ك وع: فصنعا.
(٣) في ع: أنصاف.
(٤) في ب: وعشرون، وهو خطأ.
(٥) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٩٠، والكشاف ٢/ ٢٦٣، وشرح الزرقاني ٢/ ١٨٧، وهو قول الحنفية.
(٦) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٩٥، والتفسير الكبير ١٦/ ٣٢، وتفسير القرطبي ٨/ ١١٣ - ١١٤، وهو قول الحنفية أيضا.
(٧) في ك: على.
(٨) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٨٣ - ٢٨٦، وتفسير البغوي ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣، والقرطبي ٨/ ١١٠ - ١١١.
(٩) في ب: ولكن.
(١٠) في ب: فكتب، والياء ساقطة.
[ ١ / ٧٦٠ ]
نيبا وكان رجلا خّميرا شرّيبا، فرفع الختم وحرّف الكلم عن مواضعه، ثمّ ردّ الختم كما كان حتى رفع الختم ثانيا بمشهد من بني إسرائيل وأملاها بالتّبديل والتّحريف ولبس الأمر عليهم.
قال ابن عبّاس: كان عزير يصلّي فبينا (١) هو كذلك إذ نزل نور ودخل جوفه وعاد إليه ما ذهب من التّوراة فأدّن في قومه وقال: قد ردّ الله عليّ التّوراة، فجعل يعلّمهم، فقابلوا ما أخذوا عنه بما وجدوه في التّابوت فوجدوه مثله، فقالوا (٢): ما أوتي عزير هذه إلاّ أنّه ابن الله (٣). وعن الكلبيّ أنّه مات (٤) مئة سنة ثمّ أحياه الله تعالى فجاء إلى بني إسرائيل بالتّوراة فلم يصدّقوه حتى أخبرهم عن أبيه عن جدّه أنّ نسخة من التّوراة مدفونة في موضع كذا وكذا، فانطلقوا إليه وبحثوا عنها، فلم يجدوه غادر منها حرفا، فعند ذلك وقعت لهم الشّبهة وقالوا: إنّه ابن الله (٥).
وإنّما أسند هذه المقالة إلى جماعة من اليهود على طريق المجاز كما تقول: قالت الرّوافض:
عليّ إله، وقالت الخوارج: تعذب الأطفال، وإنّما قالت الإسماعيليّة من الرّوافض والأزارقة من الخوارج فقط (٦).
﴿يُضاهِؤُنَ:﴾ يشابهون ويماثلون (٧).
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ:﴾ هم الذين ادّعوا حلول الباري ﷾ في أجسام تربيّة، منهم جمّ الملك والذين عبدوه ونمرود وفرعون والهنود وبنو المليح الذين زعموا أنّ الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك (٨).
٣١ - ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا:﴾ وهو تركهم كتاب الله بتأويلاتهم وإعراضهم عن القرآن وسائر الآيات المعجزة الإلهيّة إلى اعتقادهم الباطل في المسيح ﵇.
٣٢ - إطفاء نور الله: تمنّيهم إبطال القرآن والإيمان بتأويلاتهم وأكاذيبهم (٩).
﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ:﴾ أي: ولا يريد (١٠) الله لنوره إلاّ إتمامه وإن كره الكافرون ذلك، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
_________________
(١) في ك: فبينما.
(٢) في الأصل وك وع: فقال.
(٣) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٤٣، والبغوي ٢/ ٢٨٤، وزاد المسير ٣/ ٢٨٨.
(٤) (أنه مات) مكررة في ب، وبعدها: بن، وهي مقحمة.
(٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٨٤، وزاد المسير ٣/ ٢٨٨.
(٦) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٠٥، ومجمع البيان ٥/ ٤٢ - ٤٣.
(٧) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٦٢، وتفسير غريب القرآن ١٨٤، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٠٠.
(٨) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٠٥، وزاد المسير ٣/ ٢٨٩، وتفسير القرطبي ٨/ ١١٨.
(٩) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٠٧ و٢٠٨، وتفسير البغوي ٢/ ٢٨٦، والبحر المحيط ٥/ ٣٤.
(١٠) في الأصل وع وب: يزيد.
[ ١ / ٧٦١ ]
٣٣ - ﴿بِالْهُدى:﴾ الأصل، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ:﴾ الفرع إن شاء الله. ويحتمل (بالهدى):
الفرقان، وب (دين الحقّ): الإسلام (١). وقيل: هما واحد واختلاف اللّفظين [للتّأكيد] (٢).
﴿لِيُظْهِرَهُ:﴾ لينصر أهله على أهل الأديان كلّها وليجعله أبين وأوضح من سائر الأديان، وقد كان (٣) كذا بحمد الله.
٣٤ - وإنّما أخبر عن حال الأحبار والرّهبان ليبيّن أنّهم ليسوا معصومين كالأنبياء فيجوز (٤) تصديقهم وتقليدهم (١٤٠ و) من غير مطالبة بالدّليل.
و﴿(الْأُكُلِ)﴾: الأخذ (٥) والإمساك، ولذلك ابتدأ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ:﴾ وهم المرادون بهذه الصّفة المشروطة.
و(الكنز) (٦): كلّ مال مدّخر لا ينفق، والاكتناز: الاجتماع (٧).
والهاء في ﴿يُنْفِقُونَها﴾ عائدة إلى الأموال والكنوز (٨)، وقيل (٩): إلى الذّهب، وقيل (١٠): إلى الفضّة وحدها على [ما] (١١) قدّمنا.
وجواب الشّرط ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ (١٢).
٣٥ - ﴿يَوْمَ:﴾ نصب على الظّرف، والعامل (العذاب) لا (البشارة) (١٣).
﴿يُحْمى:﴾ يولد الحرارة. يحتمل أن يحمى (١٤) الذّهب على الفضّة في نار جهنّم، ويحتمل يحمى شيء من الحطب والفحم على كنوزهم في نار جهنّم حتى يصير نارا.
و(الكيّ): إمساس (١٥) البشرة شيئا حاميا حتى (١٦) تحترق.
_________________
(١) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ١٢١.
(٢) يقتضيها السياق.
(٣) (وقد كان) مكررة في الأصل وع، وبعدها: (كذا) مكررة في ب. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٠٩.
(٤) في ع وب: ويجوز.
(٥) النسخ الثلاث: والأخذ. وينظر: زاد المسير ٣/ ٢٩١، والتفسير الكبير ١٦/ ٤٢.
(٦) في ب: وأكثر.
(٧) ينظر: مجمع البيان ٥/ ٤٦، والتفسير الكبير ١٦/ ٤٤، والبحر المحيط ٥/ ٣٧.
(٨) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣٤، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٤٥، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢١١.
(٩) ينظر: مشكل إعراب القرآن ١/ ٣٢٨، ومجمع البيان ٥/ ٤٦، والبيان في غريب إعراب القرآن ١/ ٣٩٨.
(١٠) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٤٥، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٣٢٨، وتفسير البغوي ٢/ ٢٨٨.
(١١) من ع.
(١٢) ينظر: المجيد ٤١١ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي)، والبحر المحيط ٥/ ٣٨، والدر المصون ٦/ ٤١.
(١٣) ينظر: إعراب القرآن ٢/ ٢١٢، والتبيان في إعراب القرآن ٢/ ٦٤٢، وتفسير القرطبي ٨/ ١٢٩.
(١٤) (أن يحمى) ساقطة من ب.
(١٥) النسخ الثلاث: أساس.
(١٦) في ك وع: لينا ثوبه. وينظر: البحر المحيط ٥/ ٣٧.
[ ١ / ٧٦٢ ]
و(الجبهة): ما فوق الأنف (١)، وكيّها أقبح وأبلغ في العلامة (٢). وكيّ الجنوب والظّهور يمنع راحة الاضطجاع (٣).
﴿هذا:﴾ أي: يقال لهم: هذا (٤) ﴿ما كَنَزْتُمْ.﴾
٣٦ - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث الإنكار على الأحبار (٥) والرّهبان وذكر صدّهم عن سبيل الله، فمن جملة صدّهم عن سبيل الله (٦) أنّهم وجدوا الزّمان المشتمل على الشّهور الاثني عشر قاصرا عن الاشتمال على (٧) الفصول الأربعة، نقلوا عن (٨) مواضعها بعد ما كانت معلّقة بالقمر، أمّا اليهود فجعلوا السّنة المجبورة ثلاثة عشر شهرا وكرّروا السّنة التّاسعة عشرة جامعة لكسوره المجتمعة من الشّرعيّات وسمّوا الشّهر الزّائد آذار (٩)، فكان لهم في السّنة المجبورة آذاران (١٠)، والسريانيّون جعلوا لها تشرين الأوّل زائدا بيوم والكانون الأوّل زائدا والكانون الآخر زائدا، وجعلوا شباط ثمانية وعشرين في ثلاث سنين وتسعة (١١) وعشرين يوما في السّنة الرّابعة فاستدركوا بهذا الحساب أوقات زرعهم وتجارتهم وضربهم في الأرض، وأبطلوا مناسكهم وأعيادهم ومواسم دينهم فضلّوا وأضلّوا بتركهم مصالح معادهم لمصالح (١٢) معاشهم، فأنكر الله ذلك عليهم وأخبر أنّ الشّهور في كتاب الله اثنا عشر شهرا يوم خلق السّموات والأرض ودوّر الأفلاك وسيّر الشّمس والقمر والنّجوم في بروجها، فتبيّن أنّ الشّهور معلّقة بالقمر لا محالة، وإلى هذا ذهبت العانانية من اليهود فاتّخذوا رؤوس شهورهم بالأهلّة وعدّوا ثلاثين إذا لم يروا الهلال، واتّخذ (١٣) المغاربة من اليهود رؤوس شهورهم من ليلة القدر.
﴿مِنْها:﴾ من جملة الشّهور الاثني عشر (١٤).
_________________
(١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢١٣، والبحر المحيط ٥/ ٣٤.
(٢) ينظر: مجمع البيان ٥/ ٤٨، وتفسير القرطبي ٨/ ١٢٩، والبحر المحيط ٥/ ٣٩.
(٣) ينظر: مجمع البيان ٥/ ٤٨.
(٤) ساقطة من ب. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢١٣، وتفسير البغوي ٢/ ٢٨٩، والقرطبي ٨/ ١٣١.
(٥) (على الأحبار) ساقطة من ب.
(٦) (فمن جملة. . . الله) ليس في ب.
(٧) في ب: عن.
(٨) مكررة في ع.
(٩) في ع: آذا، والراء ساقطة.
(١٠) في ك: آذارون.
(١١) النسخ الثلاث: وتسعا.
(١٢) (معادهم لمصالح) ساقطة من ب.
(١٣) في ك: واتخذوا.
(١٤) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٦١، والبغوي ٢/ ٢٨٩.
[ ١ / ٧٦٣ ]
﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ:﴾ محرّمة، وهي ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب، ثلاثة سرد وواحد فرد (١). وتحريمها تحريم القتال فيها على وجه الابتداء، وكان هذا الحكم فيها (٢) بين العرب وفي ابتداء الإسلام، وهو اليوم منسوخ ولا يعرف له ناسخ (٣). وقيل (٤): تحريمها تشريفها وتعظيمها ليكون الثّواب فيهنّ أعظم وكذلك العقاب.
﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ:﴾ في هذه الأشهر الأربعة (٥)، ويجوز تخصيص النّهي مع كونه عامّا كقوله في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ،﴾ الآية [الحجّ:٢٥]. (١٤٠ ظ)
وفائدة تعظيم الذّنب في الزّمان والمكان كفائدة تفضيل العمل فيها، كما أنّه يجوز أن يكون حالا للمأمورين (٦) ثمّ يسقط الفرض عن القاعدين بكفاية المجاهدين. ويجوز أن يكون حالا للمشركين، ثمّ تخصّص (٧) هذا العموم في آية الجزية.
٣٧ - ﴿لِيُواطِؤُا:﴾ ليوافقوا ويماثلوا (٨)، وأصله أن تطأ سيرة غيرك. والهمز وترك الهمز لغتان (٩).
محمّد بن مروان عن الكلبيّ عن أبي (١٠) صالح عن ابن عبّاس قال: كان النّاسئ رجلا من كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة بن عوف، وكان يكون على النّاس بالموسم فإذا همّ النّاس للصدر وفرغوا عن حجّهم قام فخطب النّاس وقال: يا أيّها النّاس أنا الذي لا أعاب ولا أجاب (١١) ولا مردّ لما قضيت، فيقول له (١٢) المشركون: لبّيك ربّنا، ثمّ يسألونه أن ينسئهم شهرا يغيرون فيه، فإن قال: إنّ صفر العام حرام (١٣). حلّوا الأوتار ونزعوا الأزجّة والقطب (١٤)، وإن قال:
_________________
(١) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٨٥، وتفسير الطبري ١٠/ ١٦١، والبغوي ٢/ ٢٨٩.
(٢) في ك وب: فيما.
(٣) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٩٠.
(٤) ينظر: البحر المحيط ٥/ ٤١.
(٥) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣٥، وتفسير الطبري ١٠/ ١٦٥، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٤٦.
(٦) في ك: للمأسورين، وبعدها في الأصل وع وب: تسقط، بدل (يسقط).
(٧) في ك وب: تخصيص.
(٨) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٦٤، وتفسير غريب القرآن ١٨٦، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٤٧.
(٩) لعله يريد: النّسيء، إذ قرئ في الشّوادّ: (النّسي) بالياء من غير همز، ينظر: مجمع البيان ٥/ ٥٢، وقرئ أيضا: (النّسيّ) بتشديد الياء من غير همز، ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٩٠، وفتح القدير ٢/ ٣٥٩.
(١٠) في ك: ابن.
(١١) في ك: أجار.
(١٢) ساقطة من ك، وبعدها في ع: إليك، بدل (لبيك).
(١٣) ساقطة من ب.
(١٤) الأزجّة: جمع زجّ، وهي حديدة تركّب في أسفل الرمح وتركز به الرّمح في الأرض، والقطب: نصل السّهم، ينظر: لسان العرب ٢/ ٢٨٥ (زجج) و١/ ٦٨٢ (قطب).
[ ١ / ٧٦٤ ]
حلال عقدوا الأوتار وشدّوا الأزجّة والقطب وخرجوا فأغاروا على النّاس، قال محمّد: فقلت للكلبيّ: إذا كانوا يحلّونه عاما ويحرّمونه فكيف كان النّاس لا يأخذون حذرهم في نوبة الحلال، قال: إنّما يفعلون ذلك في السّنين وهم أغرّ ما كانوا، فكان التّحريم والتّحليل في هذين الشّهرين المحرّم وصفر، وإنّما فعل ذلك بهم لأنّهم كانوا يصيبون على ظهور الدّوابّ من الغارة وكانت معيشتهم منها، فشقّ عليهم توالي الأشهر الحرم (١).
محمّد بن إسحق عن الكلبيّ قال: أوّل من أنسأ الشّهر من مضر مالك بن كنانة، وذلك أنّه (٢) نكح إلى معاوية بن ثور الكنديّ، وكانت النساءة في كندة وهم ملوك ربيعة ومضر وأرداف المقاول، فورثها مالك بن كنانة منهم، ثمّ نسأ ثعلبة بن مالك بن الحارث، ثمّ نسأ بعده سريد (٣) بن القلمّس، ثمّ كانت النساءة في بني فقيم من بني ثعلبة وكان آخر من نسأ منهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن آمنة بن عبد بن فقيم، قال: وكانوا يسمّون المحرّم صفر الأوّل، فيقولون (٤):
صفران وشهرا ربيع وجماديان ورجب وشعبان وشهر رمضان وذو القعدة وذو الحجّة، فكان النّاسئ ينسئ سنة ويترك سنة ليحلّوا الحرام ويحرّموا الحلال، فإذا قال: نسأت من هذه السّنة صفرا طرحوه ولم يعتدّوا به وقالوا لصفر (٥) وشهر ربيع الأوّل صفران، ولشهر ربيع الآخر وجمادى الأولى شهرا ربيع، ولجمادى الآخر ورجب جماديان، على هذا التّرتيب، ثمّ يمسك عن الإنساء في السّنة الثّانية ويقول: يا أيّها النّاس لا تحلّوا حرماتكم وعظّموا شعائركم وقد أحللت دماء المحلين طيّئ وخثعم في الأشهر الحرم، وإنّما يحلّ دماء هاتين القبيلتين لاستحلالهما الأشهر الحرم ومخالفتهما سائر العرب في اعتقاد تحريم هذه الأشهر، ثمّ ينسأ في السّنة الثّانية صفر الأوّل عنده، وهو صفر الثّاني في الحساب (٦) المستقيم، فيقول لشهري (٧) ربيع صفران، ولجماديين شهرا ربيع، ولرجب وشعبان جماديان، (١٤١ و) على هذا التّرتيب، حتى يستدير الحجّ في كلّ أربع وعشرين سنة إلى الشّهر الذي ابتدأ منه (٨).
وكان الحجّ سنة الفتح، وهي (٩) سنة ثمان، قد انتهى إلى ذي القعدة، فلم يأمر رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد، وحجّ أبو بكر سنة تسع، وحجّ رسول الله ﷺ سنة عشر فوقف بعرفة وقال:
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣٦ - ٤٣٧، وتفسير البغوي ٢/ ٢٩١.
(٢) ساقطة من ك.
(٣) في الأصل وع وب: سرير.
(٤) في الأصل وك وب: فيقول.
(٥) في الأصل وع وب: الصفر.
(٦) في ب: الحسام، وهو تحريف.
(٧) النسخ الأربع: لشهرا، والصواب ما أثبت.
(٨) ينظر في هذه الروايات: تفسير الطبري ١٠/ ١٦٨ - ١٧١، والبغوي ٢/ ٢٩١.
(٩) ساقطة من ب.
[ ١ / ٧٦٥ ]
يا أيّها النّاس إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق السّموات والأرض فلا شهر ينسئ ولا عدّة تخطئ وإنّ الحجّ في ذي الحجّة (١).
وعن مجاهد وغيره قال: كانوا يحجّون في كلّ شهر عامين فإذا مضت الثلاث عشرة (٢) سنة استقبلوا العدّة، وكانت حجّة (٣) أبي بكر سنة تسع في ذي القعدة، وكذلك كانوا قد حجّوا في ثمان، ثمّ استقبل النّبيّ ﷺ ذا الحجّة فذلك قوله: (إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق السّموات والأرض) (٤).
٣٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ:﴾ نزلت في شأن غزوة تبوك، استنفرهم رسول الله ﷺ حالة العسرة والجدب، والزّمان زمان قيظ، والشقة (٥) بعيدة، والعدو الرّوم، فتثاقل المؤمنون، وتكاسل المنافقون، وتخوّفوا مثل يوم مؤتة الذي قتل فيه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، فخرج رسول الله ﷺ في خلاصة المؤمنين واثقا بالله متوكّلا عليه حتى انتهى إلى تبوك فلم يجد من يقابله، وخرج إليه رئيس البلد مستسلما والتزم الجزية، وكذلك التزم الجزية أهل جرباء (٦) وأدرح، وأرسل رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى دومة الجندل (٧) فصادف صاحبها متصيّدا مع نفر يسير، وهو أكيدر بن عبد الملك الكنديّ، من أبناء الملوك، فأخذه وجاء به إلى رسول الله ﷺ فمنّ عليه وأطلقه بعد أن التزم الجزية. ثمّ رجع (٨) رسول الله ﷺ على رغم المنافقين إلى المدينة سالما غانما مظفّرا بفضل من الله ورحمته.
﴿مِنَ الْآخِرَةِ:﴾ أي: بدلا منها وعوضا (٩).
﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ في قياس الآخرة ومقابلتها (١٠).
وكان ﷺ قد استخلف على المدينة في هذه الغزوة عليّ بن أبي طالب. عن مصعب بن سعد عن أبيه أنّ النّبيّ ﷺ قد خلف عليّا (١١) في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله أتخلفني في النّساء
_________________
(١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢١٧، وتفسير البغوي ٢/ ٢٩٠.
(٢) النسخ الثلاث: الثلاثة عشر، بدل (الثلاث عشرة).
(٣) في ك: عدة.
(٤) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦، وتفسير الطبري ١٠/ ١٧٠، والقرطبي ٨/ ١٣٧.
(٥) النسخ الأربع: والشدة، والصواب ما أثبت. وينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٦) في ك وع: حرباء، وهو تصحيف. وجرباء وأذرح: قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال، ينظر: معجم البلدان ١/ ١٢٩، ولسان العرب ٢/ ٤٤١ (ذرح).
(٧) حصن وقرى بين الشّام والمدينة المنوّرة، ينظر: معجم البلدان ٢/ ٤٨٧.
(٨) ساقطة من ع.
(٩) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٧٢ - ١٧٣، والكشاف ٢/ ٢٧١، وتفسير القرطبي ٨/ ١٤١.
(١٠) ينظر: فتح القدير ٢/ ٣٦١.
(١١) ليس في ب.
[ ١ / ٧٦٦ ]
والصّبيان؟ فقال رسول الله ﷺ: أما ترضى أن تكون منّي (١) بمنزلة هارون من موسى ﵉ غير أنّه لا نبيّ بعدي. أخرجه مسلم والبخاريّ وأبو عيسى (٢).
٣٩ - ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ (٣)﴾: قال ابن عبّاس: نزلت في حيّ من أحياء العرب، قعدوا عن الخروج مع رسول الله، فأمسك الله عنهم المطر وابتلاهم بالجدب، فذلك العذاب الأليم (٤).
والمراد بالإبدال اليمن، وقيل: أبناء فارس وسائر الغزاة إلى اليوم (٥).
روي أنّ عليّا خطب يوما، فأتاه الأشعث وهو يخطب على المنبر فقال: غلبتنا عليك هذه الحمراء، يعني الموالي، فقال عليّ: من يعذرني من هذه الضياطرة يتخلّف أحدهم يتقلّب على حشاياه (٦)، إن طردتهم إنّي إذا لمن الظّالمين، والله (١٤١ ظ) لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول:
ليضربنكم (٧) على الدّين كما ضربتموهم عليه بدءا (٨).
عن ابن شهاب قال: قدمت على عبد الملك بن مروان قال: من أين قدمت يا زهريّ؟ قلت:
مكّة، قال: من خلفت يسود أهلها؟ قال: قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: أمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي (٩)، قال: وبم سادهم؟ قلت: بالدّيانة والرّواية، قال: إنّ أهل الدّيانة والرّواية لينبغي أن يسودوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال (١٠): وبم سادهم؟ قلت: بما ساد عطاء، قال: إنّه لينبغي، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن حبيب، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال (١١): ومن يسود أهل الشّام؟ قلت: مكحول، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: عبد نوبيّ أعتقته امرأة من هذيل، قال: فمن [يسود] (١٢) أهل الجزيرة؟ قلت: ابن مهران، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي (١٣)، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضّحّاك بن مزاحم،
_________________
(١) ليس في ب.
(٢) ينظر: صحيح البخاري ٤/ ١٦٠٢، ومسلم ٤/ ١٨٧٠ و١٨٧١، وسنن الترمذي ٥/ ٦٣٨.
(٣) ليس في ك.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٧٤، والبغوي ٢/ ٢٩٢، وزاد المسير ٣/ ٢٩٧.
(٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٩٢، والكشاف ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢، ومجمع البيان ٥/ ٥٦.
(٦) في ك: حاشاياه.
(٧) في ك: لينصرنكم.
(٨) ينظر: مسند أبي يعلى ١/ ٣٢٢، وأمالي المحاملي ٢٠٠، والأحاديث المختارة ٢/ ١٣٢. والضّياطرة جمع ضيطر، وهو الرّجل الضّخم الذي لا غناء عنده، ينظر: الفائق في غريب الحديث ١/ ٣١٩.
(٩) (قلت من الموالي) ساقطة من ب.
(١٠) في ك: قلت.
(١١) في ك: قلت.
(١٢) يقتضيها السياق.
(١٣) (قلت من الموالي) ساقطة من ب، وبعدها: (قال) ساقطة من ك.
[ ١ / ٧٦٧ ]
قال: من العرب أم (١) من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: ويلك من يسود أهل الكوفة؟ قلت:
إبراهيم النخعيّ، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهريّ فرّجت عليّ، والله ليسودنّ الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال الزهريّ:
قلت: يا أمير المؤمنين إنّما هو أمر الله ودينه من حفظه ساد ومن ضيّعه سقط (٢).
٤٠ - ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ:﴾ نزلت في تذكيرهم نصرة الله (٣) نبيّه ﷺ وصاحبه أبا بكر الصّدّيق حين خرجا من مكّة (٤).
و﴿الْغارِ:﴾ الشّقّ الكبير في الجبل (٥).
﴿إِنَّ اللهَ مَعَنا:﴾ في الموالاة والحفظ (٦).
﴿سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ:﴾ يحتمل في النّبيّ ﷺ (٧)، ويحتمل في أبي بكر (٨). ويحتمل فيهما لكن كنى عن أحدهما على سبيل الاقتصار كقوله: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التّوبة:٦٢] (٩).
وتأييده بالخير (١٠) ويومئذ بإنزال الملائكة ليصرف عنهما (١١)، وقيل (١٢): أراد تأييده يوم بدر ويوم حنين.
وأراد بالكلمة الدّين والدّعوة (١٣).
وخرج (١٤) إلى طلبهما سراقة بن مالك بن جعشم. . . القصّة (١٥).
_________________
(١) ساقطة من ك.
(٢) ينظر: معرفة علوم الحديث ١٩٨ - ١٩٩، وتحفة الأحوذي ١/ ٦٢ - ٦٣ و٨/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٣) ليس في ع.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٧٦ - ١٧٧.
(٥) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٧٥، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٢١، وزاد المسير ٣/ ٢٩٨.
(٦) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ١٤٦، وفتح القدير ٢/ ٣٦٢.
(٧) (يحتمل في النبي ﷺ) ليس في ب.
(٨) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٨٦، وتفسير الطبري ١٠/ ١٧٧، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٤٩.
(٩) ينظر: زاد المسير ٣/ ٢٩٩ وعزاه إلى ابن الأنباري.
(١٠) في ب: بالخبر.
(١١) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٨٦، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٤٩، وتفسير البغوي ٢/ ٢٩٦.
(١٢) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٩٦، والكشاف ٢/ ٢٧٢، وزاد المسير ٢/ ٢٩٩.
(١٣) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٧٢.
(١٤) النسخ الثلاث: يخرج.
(١٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
[ ١ / ٧٦٨ ]
وقصّة مرض النّبيّ ﷺ وقيل: مروا أبا بكر ليصلّي بالنّاس إلى أن بايعوا أبا (١) بكر.
عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله (٢) قال: لمّا كان اليوم الذي قبض فيه أبو بكر الصّدّيق فسجّوه بثوب ارتجّت المدينة بالبكاء وأبلس النّاس كيوم قبض فيه النّبيّ ﷺ، وجاء عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه مسرعا مسترجعا باكيا وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النّبوّة من أمّة محمّد ﷺ، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر ﵁ مسجّى فقال: رحمك الله [يا] (٣) أبا بكر، كنت إلف رسول الله ﷺ وأنسه ومستراحه وثقته وموضع سرّه، (١٤٢ و) كنت أوّل القوم إسلاما وأخلصهم إيمانا وأشدّهم يقينا وأخوفهم قلبا وأعظمهم غناء في دين الله وأحوطهم على رسوله (٤) وأحدبهم على الإسلام وأيمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة من رسول الله وأشبههم به هديا وخلقا وسمتا ورحمة وفضلا وأشرفهم منزلة وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيرا، صدّقت رسوله (٥) حين كذّبه النّاس فسمّاك الله في تنزيله صدّيقا فقال ﷿: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزّمر:٣٣]، جاء بالصّدق بمحمّد وصدّق به (٦) أبو بكر [الصّدّيق] (٧)، وآسيته حين بخلوا، وكنت معه عند المكاره وحين عنه قعدوا، وصحبته في الشّدّة وأكرم صحبة ﴿ثانِيَ اِثْنَيْنِ،﴾ وصاحبه في الغار، والمنزّل عليه السّكينة، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وأمّته، فأحسنت الخلافة حين ارتدّ النّاس فقمت في دين الله قياما لم يقم به خليفة نبيّ قطّ، فنهضت حين وهن أصحابك، وبرزت (٨) حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله ﷺ إذ همّوا، كنت خليفته حقّا لم تنازع ولم تصدّع برغم المنافقين وكبت الكافرين وكره الحاسدين وصغر الفاسقين وغيظ الباغين، فقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا (٩)، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، واتّبعوك فهدوا، كنت أخفضهم صوتا وأعلاهم فوتا وأقلّهم كلاما وأصوبهم منطقا وأطولهم صمتا
_________________
(١) في ك: أبي، و(أبا بكر) ليست في ب. وينظر: صحيح البخاري ١/ ٢٤٠، ومسلم ١/ ٣١٣، وابن خزيمة ٣/ ٥٣.
(٢) (صاحب رسول الله) ليس في ك، وبعدها في ع: ثم، وهي مقحمة.
(٣) من ك.
(٤) مكانها في ك: رسول الله.
(٥) مكانها في ك: رسول الله.
(٦) (جاء بالصدق بمحمد وصدق به) ليس في ب.
(٧) من ك.
(٨) في ب: ويرزق.
(٩) في ك وع: تنفنفوا، وفي ب: تنفقوا. «والتّعتعة في الكلام: أن يعيا بكلامه ويتردّد من حصر أو عيّ»، لسان العرب ٨/ ٣٥ (تعع).
[ ١ / ٧٦٩ ]
وأبلغهم قولا وأكبرهم رأيا وأشجعهم قلبا (١) وأشدّهم يقينا وأحسنهم عملا وأعرفهم بالأمور، كنت والله للدّين يعسوبا أوّلا حين تفرّق عنه (٢) النّاس وآخرا حين فشلوا، كنت للمؤمنين أبا رحيما حين صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا ووعيت ما أهملوا وحفظت ما أضاعوا وأدركت بعلمك ما جهلوا وشمّرت إذ خنعوا وعلوت إذ هلعوا وصبرت إذ جزعوا فأدركت أوتار ما طلبوا، وراجعوا رشدهم (٣) برأيك فظفروا، ونالوا (٤) بك ما لم يحتسبوا، كنت على الكافرين عذابا صبّا وللمؤمنين رحمة وأنسا وللمؤمنين غيثا وخصبا (٥)، فطرت والله بغنائها وفزت (٦) بحبائها، وذهبت بفضائلها (٧)، وأدركت سوابقها، لم تفلل حجّتك (٨) ولم تضعف بصيرتك ولم يزغ قلبك ولم تجبن نفسك، كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف ولا تزلزله القواصف، كنت كما قال رسول (٩) الله ﷺ: ضعيفا في بدنك قويّا في أمر الله، متواضعا في نفسك عظيما عند الله، جليلا في الأرض كبيرا عند المؤمنين، لم يكن لأحد فيك ولا لقائل فيك مغمز ولا لأحد فيك مطمع ولا لمخلوق عندك هوادة، الضّعيف الذّليل عندك (١٠) قويّ عزيز حتى تأخذ له بحقّه والقويّ العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحقّ، القريب (١٤٢ ظ) والبعيد (١١) عندك سواء، أقرب النّاس إليك أطوعهم لله وأتقاهم (١٢) له، شأنك الحقّ والصّدق والرّفق، قولك حكم وختم (١٣) أمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم، فأقلعت وقت نهج السّبيل وسهل العسير، وأطفئت النّيران واعتدل الدّين فقوي الإيمان وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، فجلّيت (١٤) عنهم فأبصروا فسبقت والله سبقا بعيدا وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا مبينا، فجللت عن (١٥) البكاء وعظمت رزيّتك في السّماء وهدّت مصيبتك الأنام، فإنّا لله
_________________
(١) (وأشجعهم قلبا) ساقطة من ب.
(٢) في ب: عنهم.
(٣) في ك: وشدهم، وفي ع: وسدهم.
(٤) في ب: وقالوا، وبعدها: (بك) ساقطة من ك.
(٥) في ب: وغصبا، وهو تحريف.
(٦) في ك وع: وجزت.
(٧) في ع: لفضائلها.
(٨) في ب: حجتها.
(٩) ليس في ب.
(١٠) (هوادة. . . عندك) ساقطة من ب.
(١١) في الأصل وع وب: البعيد، والواو ساقطة.
(١٢) في ع: وأبقاهم.
(١٣) النسخ الثلاث: وحتم، وبعدها في ك وب: وحرم، بدل (وحزم).
(١٤) في الأصل وع: فخليت.
(١٥) النسخ الثلاث: عني.
[ ١ / ٧٧٠ ]
وإنّا إليه راجعون، رضينا عن الله ﷿ قضاءه وأسلمنا لأمره، والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدا، كنت للدّين عزّا وحوزا وكهفا وحرزا، وللمؤمنين فئة وحصنا وغيثا وأنسا وعلى المنافقين غلظة وكظما وغيظا، فألحقك الله بنبيّنا (١) ونبيّك ﷺ ولا حرمنا أجرك ولا أضلّنا بعدك، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. قال: وسكت النّاس حتى انقضى كلامه، ثمّ بكى وبكوا حتى علت أصواتهم، وقالوا: صدقت يا ختن رسول الله (٢).
٤١ - ﴿اِنْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا:﴾ خفافا: أهل اليسار، وثقالا: المعسرين، عن ابن عبّاس (٣). وقال مقاتل وطاووس عن ابن عبّاس: نشاطا وغير نشاط (٤). وقال ابن زيد: الثّقال:
أصحاب الضيعة، والخفاف: غيرهم (٥). وقيل: العزاب والمتأهلون (٦). وعن عطيّة العوفيّ:
الرّكبان والمشاة (٧). وعن مرّة الهمدانيّ: الأصحّاء والمرضى (٨). وعن الحسن البصريّ: الشّبّان والشّيوخ (٩). وعن الحسن أيضا: المتفرّغون والمشاغيل (١٠). وعن الزهريّ أنّ سعيد بن المسيب خرج إلى العدوّ وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل (١١): ليس عليك حرج فإنّك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفر الخفيف والثّقيل وإن لم يمكنّي (١٢) الحرب فكثّرت السّواد وحفظت المتاع (١٣).
وهذه الآية منسوخة بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى﴾ [التّوبة:٩١] عند بعض النّاس (١٤)، وغير منسوخة عند الأكثرين (١٥).
٤٢ - ﴿لَوْ كانَ:﴾ ما تدعوهم (١٦).
_________________
(١) في ب: نبينا.
(٢) ينظر: نوادر الأصول ٣/ ١٤٢ - ١٤٤، والأحاديث المختارة ٢/ ١٢ - ١٤.
(٣) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣٩، وتفسير البغوي ٢/ ٢٩٦، ومجمع البيان ٥/ ٥٩.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٧٩ - ١٨٠، والبغوي ٢/ ٢٩٦، والقرطبي ٨/ ١٥٠.
(٥) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٨٠، والبغوي ٢/ ٢٩٦، والقرطبي ٨/ ١٥٠.
(٦) المتأهلون، والواو ساقطة. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٩٦، ومجمع البيان ٥/ ٥٩، وزاد المسير ٣/ ٣٠٠.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٨٠، والبغوي ٢/ ٢٩٦، ومجمع البيان ٥/ ٥٩.
(٨) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٩٦، وزاد المسير ٣/ ٣٠٠، والبحر المحيط ٥/ ٤٦.
(٩) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٧٨ - ١٧٩، والبغوي ٢/ ٢٩٦، والقرطبي ٨/ ١٥٠.
(١٠) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٧٩، والبغوي ٢/ ٢٩٦، والقرطبي ٨/ ١٥٠.
(١١) في ك: فقال.
(١٢) النسخ الثلاث: يمكنني.
(١٣) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧، والتفسير الكبير ١٦/ ٧٠، وتفسير القرطبي ٨/ ١٥١.
(١٤) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٩٧، ونواسخ القرآن ١٧٦، وقلائد المرجان ١١٨.
(١٥) ينظر: نواسخ القرآن ١٣٢، والتفسير الكبير ١٦/ ٧٠، وتفسير القرطبي ٨/ ١٥٠.
(١٦) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٢٥، وزاد المسير ٣/ ٣٠١.
[ ١ / ٧٧١ ]
﴿عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا:﴾ مقتصدا دون البعيد فوق القريب (١).
﴿الشُّقَّةُ:﴾ النّاحية، عن ابن عرفة، جمعه: شقق.
قال الفرّاء (٢): ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ:﴾ يعلمهم كاذبين، العلم واقع على ذواتهم (٣) وأخبارهم جملة، يدلّ عليه كسرة الهمزة من قوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ ودخول اللام في الخبر، ولو كان العلم واقعا على مجرّد فعلهم لكانت مفتوحة ولما دخلت اللام في الخبر. روي أنّ الحجّاج بن يوسف أخطأ في العاديات فقرأ: أنّ ربّهم، بفتح الهمزة، فلمّا علم أنّه أخطأ استدرك بإسقاط اللام فقال: يومئذ خبير (٤).
٤٣ - ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ:﴾ إنّما قدّم العفو لتلطيف العتاب كقولك: رحمك الله لم فعلت، وعافاك الله لم فعلت (٥). كان النّبيّ ﷺ أذن في التّخلّف للمعتذرين إليه على الفور من غير تثبّت وتمييز بين الصّادقين والكاذبين معتبرا بالظّاهر من أحوالهم، وكان ذلك له جائزا لقوله: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النّور:٦٢] إلاّ أنّه سلك سبيل الرّخصة وترك الاحتياط فأنكر الله ذلك عليه وبيّن له أنّه لو فعل غير ذلك لكان أحسن وأحوط (٦).
٤٤ - الاستئذان (١٤٣ و) المنفيّ عن المؤمنين استئذانهم لئلاّ يجاهدوا وكراهة أن يجاهدوا (٧). والاستئذان المختصّ بالمؤمنين في سورة النّور (٨) توقّفهم للإذن وتركهم الانسلال والانتشار للحوائج من غير إذن الرّسول ﷺ (٩).
٤٥ - وفي قوله: ﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ﴾ دليل على أنّ الإيمان لا يصحّ من غير معرفة الله سبحانه؛ لأنّ للرّيب مدخلا وللشّبهة موضعا في الإيمان ما لم يتّصل (١٠) بمعرفة الله تعالى.
٤٦ - وإنّما كره انبعاثهم لأنّ انبعاثهم لو وحد لكان معصية ولم يكن طاعة لقوله (١١):
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالًا،﴾ فهذه الكراهة ككراهة الصّلاة بغير طهارة، كره
_________________
(١) في ك: البعيد. وينظر: الكشاف ٢/ ٢٧٣، ومجمع البيان ٥/ ٦٠.
(٢) لم أقف عليه في معاني القرآن.
(٣) في ب: ذاتهم.
(٤) ينظر: تفسير القرطبي ٢٠/ ١٦٣، وقرأ بها أبو السّمّال، ينظر: المجيد ٤٤١ (تحقيق: د. ناهدة الكبيسي)، والبحر المحيط ٨/ ٥٠٢.
(٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٩٧، وفتح القدير ٢/ ٣٦٥.
(٦) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٨٣ - ١٨٤، والبغوي ٢/ ٢٩٧.
(٧) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٢٧ - ٢٢٨، وفتح القدير ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
(٨) الآية ٦٢.
(٩) ينظر: تفسير البغوي ٣/ ٣٥٩، وفتح القدير ٤/ ٥٩ - ٦٠، وعون المعبود ٧/ ٣٢٥.
(١٠) (دليل على. . . يتصل) ساقطة من ك.
(١١) في الآية التي بعدها. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٢٩، ومجمع البيان ٥/ ٦٣.
[ ١ / ٧٧٢ ]
فعلها من (١) وجه وتركها من وجه.
و(التّثبيط): التّعويق، وقيل: التّثقيل، وفلان ثبط (٢)، أي: ثقيل (٣).
والقول لهم: ﴿اُقْعُدُوا﴾ هو إذن النّبيّ ﷺ (٤). ويحتمل قول بعضهم لبعض (٥). ويحتمل أنّه أمر تكوين وتقدير من الله تعالى (٦).
﴿الْقاعِدِينَ:﴾ النّساء والصّبيان وأصحاب الأعذار (٧).
٤٧ - إيضاع (٨) الإبل: حملها على الإسراع في السّير (٩)، والمراد به إسراع المنافقين في المشي بالنّميمة بين (١٠) المؤمنين وبالأراجيف المكروهة (١١).
وفي قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ دليل أنّ بعض المنافقين أو بعض من كان يخالطهم ويعاشرهم كان قد خرج مع النّبيّ ﷺ (١٢).
٤٨ - ابتغاؤهم ﴿الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ:﴾ رجوع ابن أبيّ بن سلول يوم أحد بثلث النّاس، وإرجافهم في المدينة بالأراجيف المكروهة، وإغراؤهم بين المؤمنين (١٣).
٤٩ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي:﴾ نزلت في جد (١٤) بن قيس، قال له النّبيّ ﷺ: هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟ فقال: ائذن لي يا رسول الله ولا تفتنّي، أي: لا تؤثمني (١٥)، فإنّي رجل كلف بالنّساء مستهتر (١٦) بهنّ فإذا رأيت بنات [بني] (١٧) الأصفر لم أصبر عنهنّ (١٨).
_________________
(١) بعدها في ع: غير، وهي مقحمة.
(٢) في ب: ثبطه.
(٣) ينظر: لسان العرب ٧/ ٢٦٧ (ثبط)، والبحر المحيط ٥/ ٣٧.
(٤) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٣٠، والكشاف ٢/ ٢٧٦، ومجمع البيان ٥/ ٦٣.
(٥) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠، وتفسير البغوي ٢/ ٢٩٨، ومجمع البيان ٥/ ٦٣.
(٦) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٩٨، والكشاف ٢/ ٢٧٥، وزاد المسير ٣/ ٣٠٣.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٨٦، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٣٠، وتفسير البغوي ٢/ ٢٩٨.
(٨) ساقطة من ب.
(٩) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٦٤، وتفسير غريب القرآن ١٨٧، وتفسير الطبري ١٠/ ١٨٦.
(١٠) في الأصل وك وب: من.
(١١) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٣١، وتفسير البغوي ٢/ ٢٩٨، وفتح القدير ٢/ ٣٦٦.
(١٢) ينظر: البحر المحيط ٥/ ٥٠ و٥١.
(١٣) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٢٩٨، والكشاف ٢/ ٢٧٧، والبحر المحيط ٥/ ٥١ - ٥٢.
(١٤) في ك: حر، وفي ع وب: جر.
(١٥) في ب: ولا تؤثمني، بدل (أي: لا تؤثمني).
(١٦) في ب: مشتهر.
(١٧) من ع.
(١٨) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٤٠، والوجيز ١/ ٤٦٧، وتفسير البغوي ٢/ ٢٩٩.
[ ١ / ٧٧٣ ]
وبنو الأصفر هم الرّوم ينسبون إلى حبشي ملكهم واستولد نساءهم (١).
٥٠ - ﴿أَخَذْنا أَمْرَنا:﴾ شأننا من الحزم والاحتياط (٢).
٥١ - ﴿ما كَتَبَ اللهُ:﴾ هو أن يرزقهم إحدى الحسنيين: إمّا النّصرة والغنيمة وإمّا التّمحيص والشّهادة في كلّ جهاد لا محالة (٣).
٥٢ - ﴿بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ:﴾ من عند الله: ما يرسل عليهم في الدّنيا من الشّدائد ليجعلهم نكالا ثمّ يسوقهم إلى عذاب النّار. وما يصيبهم الله بأيدينا: الحدّ والتّعزير في الجنايات، والحبس في التّهم، والقتل على ظهور الكفر منهم (٤).
﴿فَتَرَبَّصُوا:﴾ تهديد (٥).
٥٣ - ﴿قُلْ أَنْفِقُوا:﴾ قال ابن عبّاس: نزلت في جدّ بن قيس حيث قال: ائذن لي ولا تفتنّي وهذا مالي خذ منه ما شئت فإنّي أعينك به (٦).
وقوله: (قل أنفقوا) في معنى الشّرط (٧)، كقوله: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التّوبة:٨٠]، وقال أبو الدّرداء: وجدت [النّاس] (٨) اخبر تقله، وفي المثل: عش رجبا (٩)؟؟؟ عجبا.
ويجوز أنّه إنّما لا تقبل نفقاتهم طوعا؛ لأنّ النّفقة لا تكون قربة إلاّ مع بقاء التّكليف وقد زال عنهم تكليف الإنفاق في الغزو مع رسول الله ﷺ.
ويحتمل أنّهم لو كانوا ينفقون لكانوا يريدون بذلك غير وجه الله (١٠).
٥٤ - ﴿وَما مَنَعَهُمْ:﴾ يجوز أن يكون المنع فعل الله، والمستثنى في محلّ الخفض بإضمار حرف التّعليل، أي: (١١) وما منعهم الله عن مساواة غيرهم في قبول الصّدقات إلاّ أنّهم كفروا
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٤٠، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٣٢ - ٢٣٣، وتفسير القرطبي ٨/ ١٥٨.
(٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٥٢، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢١٧، وتفسير البغوي ٢/ ٢٩٩.
(٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٥٢، والكشاف ٢/ ٢٧٨، وزاد المسير ٣/ ٣٠٥.
(٤) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٧٨، والبحر المحيط ٥/ ٥٣، وفتح القدير ٢/ ٣٦٩.
(٥) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٣٥، ومجمع البيان ٥/ ٦٧، وتفسير القرطبي ٨/ ١٦٠.
(٦) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٩٦، والبغوي ٢/ ٣٠٠، والكشاف ٢/ ٢٨٠.
(٧) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٤١، وتفسير الطبري ١٠/ ١٩٥ - ١٩٦، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٥٣.
(٨) من مصادر التخريج، والمعنى: وجدت الناس، أي: علمتهم، مقولا فيهم هذا القول: أي: ما منهم أحد إلا وهو مسخوط الفعل عند الخبرة فإذا خبرته أبغضته و؟؟؟ في تقله للسكت، ينظر: فصل المقال ٣٩١، والفائق في غريب الحديث ٣/ ٢٢٣، وفيض القدير ١/ ٢٦٧.
(٩) في ع: عجبا. والمثل في جمهرة الأمثال ٢/ ٥٣، ومجمع الأمثال ٢/ ١٦.
(١٠) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧، ومجمع البيان ٥/ ٦٩.
(١١) بعدها في الأصل وك: وما منع، وهي مقحمة.
[ ١ / ٧٧٤ ]
بالله (١). ويجوز أن يكون المنع فعل شيء مجهول، والمستثنى في محلّ الرّفع، أي: ما منعهم شيء عن مساواة غيرهم في قبول الصّدقات إلاّ كفرهم (٢).
﴿وَلا يَأْتُونَ:﴾ (١٤٣ ظ) ﴿وَلا يُنْفِقُونَ:﴾ يحتمل بمعنى الماضي، ويحتمل على ظاهره.
٥٥ - تعذيبهم بأموالهم ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ تشديد خوفهم على فوتها وتعظيم فوتها على قلوبهم فيمسكونها ويكتمونها ويتباغون عليها ويتحاسدون فيها ولا يزالون في اهتمام وعناء، وإنّما يجمعون لوارث يبغضهم ويبغضونه. وتعذيبهم بأولادهم: ما يصابون فيهم ويرون منهم من المكروه ما لا يرون (٣) من الأعداء (٤).
وقال ابن عبّاس: في الآية تقديم وتأخير، فلا تعجبك أموالهم وأولادهم في الحياة الدّنيا (٥).
﴿وَتَزْهَقَ:﴾ تلاشى وتبطل (٦).
٥٦ - ﴿يَفْرَقُونَ:﴾ الفرق: الخوف والخشية (٧). وفيه دليل أنّ من تحقّق خوفه من غير الله لم يكن مؤمنا، وفي الحديث: لا يجتمع البخل والجبن في قلب مؤمن ولا تجتمع الشّجاعة والسّخاوة في قلب منافق (٨).
٥٧ - ﴿مَلْجَأً:﴾ مفرّا وملاذا (٩).
﴿أَوْ مَغاراتٍ:﴾ كلّ ما يغور الإنسان (١٠) فيه وهو أن يستتر، يقال: غارت الشّمس، أي:
غابت، ومنه الغور والغار (١١).
﴿أَوْ مُدَّخَلًا:﴾ مدخلا (١٢)، أصله: مدتخلا على وزن (مفتعل) (١٣).
_________________
(١) ينظر: إعراب القرآن ٢/ ٢٢١، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٢٧، والبحر المحيط ٥/ ٥٥.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٩٦، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٥٣، وإعراب القرآن ٢/ ٢٢١.
(٣) (منهم من المكروه ما لا يرون) ساقطة من ب.
(٤) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١، ومجمع البيان ٥/ ٦٩ - ٧٠، والتفسير الكبير ١٦/ ٩٣.
(٥) ساقطة من ب. وينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٩٦ - ١٩٧، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٣٨، وزاد المسير ٣/ ٣٠٧. وقاله أيضا الفراء في معاني القرآن ١/ ٤٤٢، والنحاس في معاني القرآن الكريم ٣/ ٢١٨ وزعم أنه قول أكثر أهل العربية.
(٦) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٣٩.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ١٩٨، والوجيز ١/ ٤٦٨، والتفسير الكبير ١٦/ ٩٦.
(٨) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وروي أنه (لا يجتمع الشّحّ والإيمان في قلب عبد أبدا)، و(خصلتان لا تجتمعان في قلب مؤمن البخل وسوء الخلق)، ينظر: الأدب المفرد ١٠٦، وتعظيم قدر الصلاة ١/ ٤٤٥، وشعب الإيمان ٧/ ٤٢٣.
(٩) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٠١.
(١٠) في ك: الآن.
(١١) ساقطة من ب. وينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٥٤، وزاد المسير ٣/ ٣٠٨.
(١٢) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٦٥، وتفسير غريب القرآن ١٨٨.
(١٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٥٥، وإعراب القرآن ٢/ ٢٢٢، ومجمع البيان ٥/ ٧٠.
[ ١ / ٧٧٥ ]
وفي قراءة ابن مسعود: (متدخّلا) (١).
﴿يَجْمَحُونَ:﴾ يميلون، عن ابن عرفة (٢). ويسرعون، عن الأزهري (٣).
٥٨ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ:﴾ كان المنافقون ينسبون رسول الله ﷺ في قسم الصّدقات إلى الميل ووضعها في غير موضعها، فإن أعطاهم أمسكوا عن العيب وإن لم يعطهم سخطوا، فأنزل الله الآية (٤). و(اللّمز): العيب (٥).
٥٩ - وجواب قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ مضمر، وتقديره: لكان خيرا لهم (٦).
وفضل الله: الغنائم والصّدقات وسائر أبواب الرّزق، ندب إلى مثله قول عليّ ﵁ (٧): [من المتقارب]
رضيت بما قسم الله لي وفوّضت أمري إلى خالقي
لقد أحسن الله فيما مضى كذلك يحسن فيما بقي
٦٠ - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الصّدقات، فبيّن الله أنّ أهل الصّدقات هؤلاء دون المنافقين الذين يلمزون رسول الله في الصّدقات.
وفيه دلالة أنّ حقّ الأخذ إلى الإمام بدليل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التّوبة:١٠٣] (٨)، ويجوز أن يكون مستحق الأخذ غير مستحق العين كما في الجزية وأموال اليتيم.
(الفقراء): المحتاجون (٩).
﴿وَالْمَساكِينِ:﴾ أهل الترحم والرّأفة، وهم أسوأ حالا من الفقراء عندنا (١٠).
﴿وَالْعامِلِينَ:﴾ الذين يلون جمع الصّدقات وأخذها بإذن الإمام لهم، عماله في
_________________
(١) عزيت إلى أبيّ في إعراب القرآن ٢/ ٢٢٢، ومختصر في شواذ القراءات ٥٣، والكشاف ٢/ ٢٨١، ومعناه: دخول بعد دخول، ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ١٦٥، وعزي إلى أبيّ أيضا أنه قرأ: (مندخلا) بالنون، ينظر: معاني القرآن للأخفش ٢/ ٥٥٥، وهذه الأخيرة عزيت إلى ابن مسعود في زاد المسير ٣/ ٣٠٨.
(٢) لم أقف على قوله.
(٣) وسبقه الفراء في معاني القرآن ١/ ٤٤٣، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ١٨٨.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٠٠ - ٢٠٢، والبغوي ٢/ ٣٠١ - ٣٠٢، والكشاف ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢.
(٥) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٦٥، وتفسير غريب القرآن ١٨٨، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٥٥.
(٦) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٤٣، وتفسير البغوي ٢/ ٣٠٢، والكشاف ٢/ ٢٨٢.
(٧) ينظر: مصباح الشريعة ١٧٥، ونفح الطيب ٢/ ٩٥٠، وبحار الأنوار ٦٨/ ١٤٨.
(٨) ينظر: التفسير الكبير ١٦/ ١١٤.
(٩) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٠٣، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٢٠، وتفسير البغوي ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
(١٠) يريد: عند الحنفية. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٠٣، والقرطبي ٨/ ١٦٨ - ١٦٩، وفتح القدير ٢/ ٣٧٢.
[ ١ / ٧٧٦ ]
الصّدقات (١). وهي مكروهة للهاشميّين (٢).
﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ:﴾ أبو سفيان بن حرب، ومعاوية بن أبي سفيان ثمّ حسن إسلامه، وحكيم ابن حرام (٣) ثمّ حسن إسلامه، والحارث بن هشام ثمّ حسن إسلامه، وسهيل بن عمرو ثمّ حسن إسلامه، وحكيم خويطب بن عبد العزّى ثمّ حسن إسلامه، وصفوان بن أميّة والعلاف (٤) بن حارثة الثّقفيّ وعيينة ابن حصن والأقرع بن حابس ومالك بن عوف النصري، والعبّاس بن مرداس السلميّ ثمّ حسن إسلامه، وقيس بن مخرمة ثمّ حسن إسلامه، وجبير بن مطعم ثمّ حسن إسلامه (٥). كان رسول الله ﷺ (١٤٤ و) يرفع إليهم شيئا من الصّدقات ليقطع به شرورهم عن المسلمين، فكان يعود نفع ذلك إلى الفقراء والمساكين، ثمّ انقطع ذلك فلم يعطهم عمر وعثمان وعليّ شيئا (٦).
وسأل بعضهم عمر، فقال: إنّا لا نعطي على الإسلام شيئا من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وإنّما قال ذلك بعد عزّ الإسلام وضعف الشّرّ ووقع الأمن من جهة هؤلاء (٧). ولكنّ أبا بكر الصّدّيق دفع إلى عديّ بن حاتم من صدقة قومه ثلاثين بعيرا، ولا نعلم أنه من سهم المؤلّفة قلوبهم ليؤلّف قلوب أقربائه، أم من سهم العاملين؛ لأنّه كان حقها، أم من سهم ابن السّبيل؛ لأنّه أمره بأن يلحق بخالد بن الوليد فلحق (٨) به في زهاء ألف فارس (٩).
﴿وَفِي الرِّقابِ:﴾ المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدّون به الكتابة (١٠)، ويدخل فيهم من أعتق شقصه (١١) واستسعى في الباقي، وقال ﷺ: من أعان مكاتبا في رقبته أو غارما في عسرته أو مجاهدا في سبيل الله أظلّه الله يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه (١٢).
﴿وَالْغارِمِينَ:﴾ الذين عليهم الدّين ولا يجدون القضاء (١٣). والغرم: اللّزوم والضّمان (١٤).
_________________
(١) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٨٨، وتفسير الطبري ١٠/ ٢٠٦ - ٢٠٧، والبغوي ٢/ ٣٠٣.
(٢) ينظر: التفسير الكبير ١٦/ ١١٠، والبحر المحيط ٥/ ٦٠، وهو قول أبي حنيفة.
(٣) في ب: حزام.
(٤) في ك: والعلاب.
(٥) (وقيس. . . إسلامه) ساقطة من ب. وينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢، وتفسير البغوي ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤.
(٦) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٠٤، والقرطبي ٨/ ١٧٨ - ١٨١.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
(٨) في ك: يلحق، وهو تحريف.
(٩) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٠٤، والتفسير الكبير ١٦/ ١١١.
(١٠) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٠٩ - ٢١٠، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٥٦، وتفسير البغوي ٢/ ٣٠٤.
(١١) الشقص والشقيص: النصيب في العين المشتركة من كلّ شيء، ينظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٩٠.
(١٢) (وفي الرقاب. . . ظله) ليس في ك. وينظر: الجهاد ١/ ٣٠٣ و٣٠٤، والسنن الكبرى للبيهقي ١٠/ ٣٢٠.
(١٣) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٨٩، وتفسير البغوي ٢/ ٣٠٤، وزاد المسير ٣/ ٣١٠.
(١٤) ينظر: لسان العرب ١٢/ ٤٣٦ (غرم).
[ ١ / ٧٧٧ ]
﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ الجهاد، يدفع إلى فقراء المجاهدين (١).
﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ:﴾ المسافر المنقطع عن ماله (٢).
والإسلام شرط في هؤلاء (٣) لقوله ﷺ: (وأردّها في فقرائكم) (٤).
سعيد بن جبير عن عليّ عن ابن عبّاس: إذا آتى الرّجل الصّدقة صنفا من هذه الأصناف الثّمانية أجزأه (٥). وروي مثل ذلك عن عمر وسعد بن أبي وقّاص وحذيفة، وتابعهم عليه سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز وأبو (٦) العالية.
٦١ - ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ:﴾ كان المنافقون يطعنون الدّين ويتكلّمون بالكفر ويعيبون (٧) رسول الله ﷺ، ويقولون: إن بلغه قولنا اعتذرنا إليه وحلفنا عنده، فسيقبل عذرنا فإنّما هو أذن سامعة (٨). وإنّما يوصف بهذا من كان سريع الاستماع سريع التّصديق من غير تحقيق. والمتكلّم بهذه الكلمة جلاس بن سويد أو الحلاس بن سويد (٩).
فبيّن الله أنّه ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ وصلاح ورحمة يؤمن بما يخبره الله ويشهد للمؤمنين بالصّدق، وليس أذن شرّ وفساد ليصدّق المنافقين في أعذارهم الكاذبة (١٠).
٦٢ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ:﴾ نزلت في جماعة من المنافقين، كانوا قعودا وفيهم غلام من الأنصار، وقيل: زيد بن أرقم، وقيل: عامر بن قيس، فقال بعض المنافقين: إن كان ما يقوله محمّد حقّا فأنا شرّ من حمار، فقال له المؤمن: والله إنّ ما يقوله محمّد لحقّ وإنّكم لشرّ من حمير، فخاصمهم وخاصموه، ثمّ رافعهم إلى رسول الله ﷺ وأخبره بمقالتهم، وأنكروا وحلفوا، فاستحيى المؤمن من ذلك وقال: اللهمّ لا تفرق بيننا حتى تفرق الصّادق من الكاذب، فأنزل (١١). قيل: واعترف الجلاس فاستغفر له (١٢) النّبيّ ﷺ فأخلص (١٣) وحسن إسلامه.
_________________
(١) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٠٤، وزاد المسير ٣/ ٣١٠، وتفسير القرطبي ٨/ ١٨٦، وهو قول الحنفية.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢١٢، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧، وتفسير البغوي ٢/ ٣٠٥.
(٣) ينظر: التفسير الكبير ١٦/ ١١٥.
(٤) التمهيد ٤/ ١٠١، والمغني ٢/ ٣٤٢، وسبل السّلام ٢/ ١٤٠ و١٤٥.
(٥) ينظر: المدونة الكبرى ٢/ ٢٩٦، وتفسير الطبري ١٠/ ٢١٤، وتلخيص الحبير ٣/ ١١٢.
(٦) النسخ الأربع: وأبي، والصواب ما أثبت. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٠٥، والقرطبي ٨/ ١٦٨، والبحر المحيط ٥/ ٥٨.
(٧) في ب: ويعنون.
(٨) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٥٧.
(٩) (أو الحلاس بن سويد) ساقطة من ب. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٠٦، ومجمع البيان ٥/ ٧٨، وزاد المسير ٣/ ٣١٢.
(١٠) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٥٧، وتفسير البغوي ٢/ ٣٠٦.
(١١) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٠٦.
(١٢) في ب: لهم.
(١٣) في ك وب: فخلص.
[ ١ / ٧٧٨ ]
وإرضاء الله لفظ مجاز وحقيقته إتيان ما يرضاه الله من الفعل (١)، والتغير حاصل في مبتغي الرّضا دون الله.
﴿يُرْضُوهُ﴾ (٢): عائد إلى الله. وقيل: (١٤٤ ظ) إلى رسوله، وهذا لكراهة الجمع بين اسم الله واسم من دونه في كتابة واحدة، ولهذا قال ﷺ لمن قال (٣): ومن يعصهما فقد غوى: (بئس الخطيب أنت) (٤).
٦٣ - ﴿يُحادِدِ:﴾ يشاقق ويجانب (٥).
٦٤
و٦٥ - ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ:﴾ نزلت في جدّ بن قيس ووديعة بن حرام والجهين بن حميد، كانوا يسيرون فيما بين (٦) العسكر بين يدي رسول الله ﷺ في غزوة تبوك يتحدّثون ويتضاحكون، وكان من كلامهم: يطمع هذا الرّجل أن يستولي على قصور الشّام وحصونها، فنزل، وقال ﷺ لعمّار بن ياسر: أدركهم قبل أن يحترقوا وسلهم (٧) عمّا هم فيه، فسيقولون لك:
إنّا ﴿كُنّا (٨)﴾ نَخُوضُ في حديث العسكر ﴿وَنَلْعَبُ،﴾ فأدركهم عمّار فسألهم فقالوا: إنّا كنّا نخوض في حديث العسكر ونلعب، فقال: احترقتم حرقكم الله. فجاؤوا إلى النّبيّ ﷺ معتذرين، وقال الجهين بن حميد: أنا ما تكلّمت بشيء ولكن كنت أضحك معهما، فمنّاه رسول الله ﷺ الجميل ووعد له التّوبة. وقيل: إنّهم كانوا أربعة نفر، والذي لم يكن يتكلّم هو المختبى، وقيل:
المخشى بن حمار (٩).
وكيفيّة حذرهم عن نزول السّورة أنّهم يظنّون أنّ هذه السّورة من جهة النّبيّ ﷺ يتقوّلها من جهة نفسه فيهم وفي أمثالهم، فكانوا يكتمون عنه كفرهم لئلاّ ينزل من جهته (١٠) الرّفيعة شيء في شأنهم الوضيع.
_________________
(١) ينظر: زاد المسير ٣/ ٣١٣.
(٢) النسخ الثلاث: يرضونه، والنون مقحمة. وينظر في عود الضمير: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٤٥، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٣٣١ - ٣٣٢، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٣) (لمن قال) ساقطة من ك.
(٤) صحيح مسلم ٢/ ٥٩٤، والسنن الكبرى للنسائي ٣/ ٣٢٢، وللبيهقي ١/ ٨٦.
(٥) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٥٨، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٣٠، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٤٩.
(٦) ساقطة من ب.
(٧) في ك: واسألهم، وفي ع: واسلهم.
(٨) (إنا كنا) ليس في ب.
(٩) أكثر المصادر أنه مخشي بن حمير، ينظر: تاريخ الطبري ٢/ ٣٧١ - ٣٧٢، ومجمع البيان ٥/ ٨٣، وتفسير نور الثقلين ٢/ ٢٣٩، وهناك أقوال أخرى في تفسير القرطبي ٨/ ١٩٩، وبحار الأنوار ١/ ٢٢٢.
(١٠) في ع وب: جهة.
[ ١ / ٧٧٩ ]
ويحتمل أنّه خبر بمعنى الأمر، أي: فليحذر المنافقون (١).
٦٦ - ﴿طائِفَةٍ:﴾ اسم يقع على الواحد والجماعة (٢).
﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ:﴾ هو الذي لم يكن يتكلّم واعترف بذنبه وقال: استغفر لي يا رسول الله. والطّائفة المحتوم على عذابها سائر الركب (٣).
٦٧ - ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ:﴾ قال قتادة: كانوا يسمّون هذه السّورة الفاضحة؛ لأنّها فضحت المنافقين لم تزل تنزل فيها: ومنهم ومنهم، حتى لم تترك (٤) منافقا إلاّ نبّهت عليه (٥).
وعن قتادة أيضا: كنّا نسمّي هذه السّورة المثيرة؛ لأنّها أثارت مثالب المنافقين ومخازيهم (٦). وعن الحسن: كانوا يسمّونها الحفّارة؛ لأنّها حفرت فاستخرجت ما في قلوب المنافقين (٧). وعن عطاء أنّ سبعين رجلا من المنافقين أنزل الله أسماءهم، ثمّ نسخ تلك الأسماء رحمة منه على خلقه فإنّ أولادهم وعشائرهم (٨) كانوا مسلمين (٩).
وقيل: لمّا رجع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أعرض له في الطّريق اثنا عشر نفسا من المنافقين في ليلة ظلماء متنكّرين يريدون الفتك برسول الله ﷺ، وكان عمّار بن ياسر يقود راحلة رسول الله ﷺ وحذيفة يسوقها (١٠)، فقال ﷺ لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم، فضربها حتى نحّاهم وطردهم خائبين، ثمّ قال رسول الله ﷺ: من عرفت من القوم؟ قال: لم (١١) أعرف أحدا غير أنّي عرفت جمل فلان، فسمّاهم له رسول الله ﷺ حتى عدّهم أحاد أحاد، قال: وفيهم نزل (١٢) قوله: ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ [التّوبة:٧٤]، فقال حذيفة: ألا نبعث (١٣) إليهم يا رسول الله من يقتلهم، قال ﷺ: أكره أن تقول العرب: لمّا ظفر محمّد بالعدوّ أقبل (١٤) على
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٥٩، وزاد المسير ٣/ ٣١٤، والتفسير الكبير ١٦/ ١٢٠.
(٢) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٤٥، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٦٠، وزاد المسير ٣/ ٣١٦.
(٣) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٠٨، والتفسير الكبير ١٦/ ١٢٥.
(٤) في ع: تنزل.
(٥) روي مثله عن ابن عباس في سنن سعيد بن منصور ٥/ ٢٣٢، وصحيح البخاري ٤/ ١٨٥٢، ومسلم ٤/ ٢٣٢٢.
(٦) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٠٧.
(٧) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ١٩٦.
(٨) في ب: وعشيرتهم.
(٩) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٠٧، والقرطبي ٨/ ١٩٦.
(١٠) في ك: يقودها.
(١١) ساقطة من ب.
(١٢) في الأصل وع وب: نزلت.
(١٣) في ب: تبعث.
(١٤) في ب: قبل.
[ ١ / ٧٨٠ ]
أصحابه يقتلهم ولكنّ الله تعالى يكفيناهم بالدّبيلة، قيل: يا رسول الله وما الدّبيلة؟ (١٤٥ و) قال: شهاب من جهنّم يرسل على نياط فؤاد أحدهم (١) حتى تزهق نفسه (٢).
وعن المقبريّ (٣) عن أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ سمّى (٤) لحذيفة المنافقين وقال: إيّاك أن تخبر بأحد منهم حتى آذن لك في ذلك، وتوفّي رسول الله ﷺ قبل أن يأذن له، فمكث بذلك (٥) حذيفة حتى سأله عمر في خلافته فقال: أنشدك الله هل أنا في من سمّى لك رسول الله ﷺ؟ فقال: لا والله وو الله لا أبرّئ أحدا بعدك (٦). وإنّما سأل عمر لأجل الطّاعنين والمتّهمين إيّاه بالجور والميل، ولم يكن آمنا من التّخلّق ببعض أخلاقهم، وإنّما قال حذيفة: والله لا أبرّئ، لالتزام وصيّة النّبيّ ﷺ أن لا يخبر به، أو خوفه لإعجاب من يبرّئه، أو سمّاهم [على] (٧) وجه التّنبيه على النّعت دون التّعيين، وقلّ (٨) ما تجد عاريا عن تلك النّعوت جملة.
﴿نَسُوا اللهَ:﴾ تركوا ذكره ومراقبته، ﴿فَنَسِيَهُمْ:﴾ خذلهم ولم يذكرهم بالرّحمة والخير (٩).
٦٨ - ﴿وَعَدَ اللهُ:﴾ أوعد الله (١٠).
٦٩ - ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ التّشبيه للوعيد عند الزّجّاج (١١)، ولأفعالهم عند الفرّاء (١٢). ويحتمل اللعن والعذاب المقيم، ويحتمل لكون بعضهم من بعض، ويحتمل النّسيان والفسوق.
والاستمتاع بالخلاق هو الاستمتاع بالرّزق على غير الوجه المباح المأذون في الشّريعة كاستخراج الخمر من العنب ولبس الدّيباج والذّهب وإمساك النّرد والشطرنج للّعب واتّخاذ المعازف واتّخاذ القينات وإخصاء الغلمان ونحوها.
_________________
(١) في ب: فؤادهم أخذ، بدل (فؤاد أحدهم).
(٢) ينظر: المعجم الأوسط ٨/ ١٠٢، وتفسير البغوي ٢/ ٣٠٧، ومجمع الزوائد ١/ ١٠٩.
(٣) في ك وع: المقيري، وفي ب: المقتري، وكلاهما تصحيف. وأبو سعيد المقبري اسمه كيسان، كان منزله عند المقابر فقالوا: المقبري، تابعي، ثقة كثير الحديث، ت ١٠٠ هـ، ينظر: الطبقات الكبرى ٥/ ٨٥ - ٨٦، وطبقات ابن خياط ٢٤٨، ومعرفة الثقات ٢/ ٤٠٥.
(٤) ساقطة من ك.
(٥) ساقطة من ب، وبعدها: (حذيفة) ساقطة من ك.
(٦) ينظر: البحر المحيط ٥/ ٨٢.
(٧) يقتضيها السياق.
(٨) في ب: وقيل، والياء مقحمة.
(٩) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ٢٣١، وتفسير البغوي ٢/ ٣٠٩، والتفسير الكبير ١٦/ ١٢٦.
(١٠) ليس في ك. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٥٤.
(١١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٦٠.
(١٢) ينظر: معاني القرآن ١/ ٤٤٦.
[ ١ / ٧٨١ ]
﴿كَالَّذِي خاضُوا:﴾ «أي: كخوضهم الذي خاضوا» (١).
٧٠ - ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ:﴾ استفهام على سبيل التّقرير والإثبات، وحثّ على اعتبار الآيات (٢).
﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ:﴾ قريات (٣) لوط، سمّيت بهذا لانقلابها ظهرا على بطن (٤)، وقيل (٥):
لإفك أهلها.
٧١ - ﴿سَيَرْحَمُهُمُ:﴾ أي: سينيلهم ما أراد لهم من الخير في سابق علمه ومشيئته (٦).
٧٢ - ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جمع بين صفة المنافقين (٧) وما وعد لهم في معادهم وصفة المؤمنين وما وعد لهم في معادهم على سبيل الإطباق للجمع بين الوعد والوعيد والبشارة والإنذار (٨).
﴿عَدْنٍ:﴾ خلود وإقامة (٩)، تقول: عدنت بأرض كذا وكذا أعدن وأعدن عدونا وعدنا، ومنه المعدن (١٠). وسأل ابن عبّاس كعبا عن العدن فقال: هي الكروم والأعناب بالعبرانيّة (١١).
وعن عطاء أنّه نهر جنّاته على حافّتيه (١٢). وعن الأعمش: وسط الجنّة (١٣). وعن الكلبيّ: أعلى درجة في الجنّة (١٤).
﴿وَرِضْوانٌ:﴾ رفع بالابتداء، وخبره ﴿أَكْبَرُ﴾ (١٥). ثمّ هو يحتمل معنيين:
أحدهما: الجنّة من عنده ووعده خير من النّار والعذاب المقيم.
والثّاني: رضاؤه (١٦) عنهم أكبر من وعده لهم؛ لأنّ الرّضا يوجب أمن العاقبة ودوام العافية، والجنّة لا توجب ذلك فإنّ آدم وحوّاء أخرجا منها على سبيل التّأديب والتّعذيب، وأخرج منها
_________________
(١) (أي كخوضهم الذي خاضوا) ساقطة من ب. والقول للفراء في معاني القرآن ١/ ٤٤٦، وينظر: الكشاف ٢/ ٢٨٨.
(٢) ينظر: التفسير الكبير ١٦/ ١٣٠، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٠٢، وفتح القدير ٢/ ٣٨٠.
(٣) في ب: قوتات، وهو تحريف.
(٤) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٨٣، وغريب القرآن وتفسيره ١٦٥، وتفسير غريب القرآن ١٩٠.
(٥) لم أقف على هذا القول.
(٦) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٥٨.
(٧) ساقطة من ع.
(٨) ينظر: البحر المحيط ٥/ ٧١.
(٩) ينظر: مجمع البيان ٥/ ٨٨.
(١٠) ينظر: زاد المسير ٣/ ٣١٨، والتفسير الكبير ١٦/ ١٣٣.
(١١) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٣٠، والبحر المحيط ٥/ ٧١.
(١٢) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٣٢، والبغوي ٢/ ٣١٠، والبحر المحيط ٥/ ٧٢.
(١٣) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٣١.
(١٤) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣١٠، والقرطبي ٨/ ٢٠٤.
(١٥) ينظر: إعراب القرآن ٢/ ٢٢٨، ومجمع البيان ٥/ ٨٨، والبحر المحيط ٥/ ٧٢.
(١٦) في ب: رضاه.
[ ١ / ٧٨٢ ]
الطّاووس والحيّة على سبيل المسخ، وأخرج إبليس على سبيل الطّرد واللّعن وكان من الصّاغرين. وفي الحديث أنّ الله تعالى يقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربّنا وقد بيّضت وجوهنا ويسّرت لنا الحساب وأنقذتنا (١٤٥ ظ) من النّار وأجزتنا على الصّراط وأدخلتنا الجنّة، فيقول الله ﷾: إنّ لكم عندي أفضل من ذلك، فيقولون: وما ذلك يا ربّنا؟ فيقول الله تعالى: رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا (١).
٧٣ - ومجاهدة المنافقين هو التّعنيف في الملامة والإنذار والتّعزير والحبس ما لم يظهروا أمرهم، فإذا ظهر أمرهم فالسّيف، ومن علم منهم أنّه يتوب بلسانه تقيّة لم تقبل توبته (٢).
و(الغلظة): ضدّ الرّقّة (٣). ولا تصلح المجاهدة بغير غلظة كما لا تصلح المسالمة بغير رفق.
٧٤ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا:﴾ هو قول الجلاس بن سويد: إن كان ما يقوله محمّد حقّا فنحن شرّ (٤) من حمير. وقيل: قولهم: لئن رجعنا إلى المدينة لنعقدنّ (٥) على رأس ابن أبيّ تاجا (٦). وقيل: قولهم: ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ (٧).
و﴿كَلِمَةَ الْكُفْرِ:﴾ كلّ كلمة تخالف مقتضى الإسلام.
وفي الآية دلالة أنّ الإيمان والإسلام واحد.
وهمّهم (٨) ﴿بِما لَمْ يَنالُوا:﴾ قصدهم الفتك (٩).
﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ:﴾ في إغناء الله إيّاهم بالغنائم الإسلاميّة تحت الرّاية النّبويّة حتى صاروا أهل كنوز وصهيل بعد أن كانوا أهل زرع ونخيل، فلمّا أغناهم الله بيمن رسوله قابلوه بالعيب والطّعن والمكر وبطروا وكفروا نعمة الله فذكر الله حالهم ذلك (١٠). وسئل الحسين بن الفضل عن قولهم: اتّق شرّ من أحسنت إليه، هل يوجد في القرآن؟ فقال: نعم وذلك قوله: ﴿وَما نَقَمُوا (١١)﴾ إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ (١٢).
_________________
(١) ينظر: صحيح البخاري ٥/ ٢٣٩٨، ومسلم ٤/ ٢١٧٦، وابن حبان ١٦/ ٤٧٠.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٣٣ - ٢٣٥، وزاد المسير ٣/ ٣١٩، والتفسير الكبير ١٦/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٣) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ٢٠٥، وفتح القدير ٢/ ٣٨٢.
(٤) ساقطة من ب. وينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٣٥ - ٢٣٦، والبغوي ٢/ ٣١١، والكشاف ٢/ ٢٩١.
(٥) النسخ الثلاث: لنقعدن.
(٦) ينظر: الوجيز ١/ ٤٧٣، وتفسير البغوي ٢/ ٣١٢، والكشاف ٢/ ٢٩٢.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٣٧، والبغوي ٢/ ٣١٢، والتفسير الكبير ١٦/ ١٣٦.
(٨) في ع: وهموا.
(٩) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٦١، وتفسير البغوي ٢/ ٣١٢، والكشاف ٢/ ٢٩١.
(١٠) ينظر: الوجيز ١/ ٤٧٣، والكشاف ٢/ ٢٩٢، والتفسير الكبير ١٦/ ١٣٧.
(١١) بعدها في ك: منهم، وهي مقحمة.
(١٢) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ٢٠٨.
[ ١ / ٧٨٣ ]
﴿فَإِنْ يَتُوبُوا:﴾ تطميع لهم في التّوبة، قيل: لمّا سمع الجلاس هذه الآية قام وتاب إلى الله ورسوله، فاستغفر له رسول الله ﷺ (١).
٧٥ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ:﴾ جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاريّ إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، قال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه، قال: ثمّ رجع إليه فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني (٢) مالا، فقال: ويحك يا ثعلبة أما ترضى (٣) أن تكون مثل رسول الله ﷺ والله لو سألت الله (٤) أن يسيل عليّ الجبال ذهبا لسالت، ثمّ رجع وقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني (٥) مالا والله لئن آتاني الله مالا لأوتينّ كلّ ذي حقّ حقّه، فقال رسول الله ﷺ: اللهمّ ارزق ثعلبة مالا، فاتّخذ (٦) غنما فنمت حتى ضاق بها أزقّة المدينة، فتنحّى بها، فكان يشهد الصّلوات مع رسول الله ﷺ، ثمّ خرج إليها، ثمّ نمت حتى تعذرت عليها مراعي المدينة، فتنحّى بها، وكان يشهد الجمع مع رسول الله ﷺ، ثمّ خرج إليها، ثمّ نمت فاشتغل بها وترك الجمع والجماعات (٧)، وجعل يتلقّى الرّكبان فقال: ما وراءكم من الخبر وما كان من أمر النّاس، فأنزل الله على رسوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التّوبة:١٠٣]، قال: واستعمل رسول الله ﷺ على الصّدقات رجلين رجلا من الأنصار ورجلا من بني سليم، (١٤٦ و) وكتب لهما (٨) الصّدقة وأسبابهما، وأمرهما أن يصدّقا النّاس وأن يمرّا بثعلبة فيأخذا من صدقة (٩) ماله، ففعلا حتى دفعا إلى ثعلبة، فقال: صدّقا النّاس فإذا فرغتما فمرّا بي، ففعلا، فقال ثعلبة: ما أرى هذه إلاّ أخيّة الجزية انطلقا حتى ألقى رسول الله ﷺ، فأنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾ فركب رجل من الأنصار، ابن عمّ ثعلبة، راحلة حتى أتى ثعلبة فقال: ويحك يا ثعلبة هلكت فأنزل الله فيك من القرآن كذا، فأقبل ثعلبة قد وضع على رأسه التّراب وهو يبكي ويقول: يا رسول الله، فلم يقبل (١٠) منه رسول الله ﷺ صدقته حتى قبض رسول الله ﷺ، ثمّ أتى أبا (١١) بكر فقال: يا أبا
_________________
(١) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣١١ - ٣١٢، والكشاف ٢/ ٢٩١، والتفسير الكبير ١٦/ ١٣٦ و١٣٧.
(٢) بعدها في الأصل وب: الله.
(٣) في ب: ألم ترض، بدل (أما ترضى).
(٤) ليس في ع.
(٥) بعدها في الأصل وع وب: الله.
(٦) النسخ الثلاث: فاتخذت، والتاء مقحمة.
(٧) في ك: والجماعة.
(٨) في ب: لهم.
(٩) في ع: صدقات.
(١٠) في ب: يقبض.
(١١) في ك: أبي، و(أبا) ساقطة من ب.
[ ١ / ٧٨٤ ]
بكر قد عرفت موضعي من قومي ومكانتي من رسول الله ﷺ فاقبل صدقتي، فأبى أن يقبل منه، ثمّ أتى عمر فأبى أن يقبل منه (١)، ثمّ أتى عثمان فأبى أن يقبل منه، ثمّ مات ثعلبة في خلافة عثمان ﵁ (٢).
وترك قتل ثعلبة مع ظهور نفاقه وقوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (٦١) [الأحزاب:٦١] إمّا لكراهة تنفير قلوب [المسلمين] (٣) ووقوع الفتنة فيما بينهم كما روينا في حديث حذيفة حيث أرادوا الفتك به، وإمّا لأنّه لم يصرّح باسم (٤) ثعلبة ولم يعيّنه (٥) وهو لم يصرّ [على] (٦) صريح كفر بل كان يعتذر ويتضرّع.
وينبغي للمسلم الرّضا بالقسمة وترك الاختيار والتّسليم لله والوفاء بالعهود، فإنّ ثعلبة لو رضي باليسير من الرّزق وترك مطالبة رسول الله ﷺ بما يتمنّاه لما (٧) شغل عن الجمع والجماعات، ولو سلّم لله أمره ولم يسمّ الزّكاة أخيّة الجزية لما أعقبه الله في قلبه نفاقا، ولو وفى بعهده لما افتضح في الدّنيا والآخرة.
وفي الآية دلالة أنّ النّذر فيما قبل الملك يصحّ بالإضافة وأنّ النّذر بالقرب (٨) يلزم الإنسان ويجب الوفاء به إمّا بإتيان الملفوظ به بعينه وإمّا إتيان المعبّر عنه بالألفاظ المعدولة عن ظاهرها مثل قوله: عليّ أن أذبح ولدي، أو عليّ أن أصرف بثوبي حطيم الكعبة، أو ثوبي في رتاج الكعبة، أو قال الشّيخ الكبير (٩): لله عليّ أن أصوم، أو لله عليّ (١٠) أن أتصدّق بمالي (١١).
وأما (١٢) النّذر في [غير] (١٣) المباح والمعصية فكفّارته كفّارة يمين. وقوله: عليّ عهد الله، وبرئت من عهد الله، يمين.
وفي الآية دلالة أنّ دفع صدقة الأموال الظّاهرة إلى الإمام، ولولا اشتهار ذلك بين الصّحابة لكان ثعلبة يدفعها إلى الفقراء ويريح نفسه من مذلّة الرّدّ.
_________________
(١) (ثم أتى عمر. . . منه) ساقطة من ك وب.
(٢) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٤١ - ٢٤٢، والبغوي ٢/ ٣١٢ - ٣١٣، والكشاف ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٣) يقتضيها السياق.
(٤) في ب: بإثم.
(٥) في الأصل وك وب: يعنيه.
(٦) يقتضيها السياق، وبعدها في النسخ الثلاث: تصريح، بدل (صريح)، والتاء مقحمة.
(٧) في ع: ولما.
(٨) كذا في نسخ التحقيق، ولعل الصواب: بالقلب.
(٩) ساقطة من ب.
(١٠) (أن أصوم أو لله علي) ليس في ب.
(١١) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ٢١١ - ٢١٢، وهو قول أبي حنيفة.
(١٢) مكانها في النسخ الثلاث: ولا.
(١٣) يقتضيها السياق.
[ ١ / ٧٨٥ ]
وفيه دلالة أنّه كان يعرض على النّبيّ ﷺ والخلفاء من بعده رياء وسمعة وقصدا لإزالة العار لا لوجه الله تعالى؛ لأنّ النّفاق الكامن (١) في القلب يضادّ ابتغاء مرضاة الله.
٧٨ - ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ:﴾ قول ثعلبة: هذه أخيّة الجزية (٢).
٧٩ - ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ:﴾ قيل: إنّ عبد الرّحمن بن عوف كان عنده ثمانية آلاف دينار، فأمسك أربعة آلاف فجاء إلى رسول الله ﷺ بأربعة آلاف وقال: أقرضتها ربّي ﷿ وأمسكت مثلها لنفسي وعيالي، فقال له (٣) ﷺ: بارك الله لك (١٤٦ ظ) فيما أعطيت وفيما أمسكت. وكان عند أبي عقيل الأنصاريّ صاعان من تمر فجاء إلى رسول الله ﷺ بصاع وأمسك لنفسه صاعا، فقال المنافقون: أمّا عبد الرّحمن فأنفق على وجه الرّياء وأمّا عقيل فأنفق طمعا في الزّيادة والله غنّي عن صدقته، فأنزل (٤).
﴿إِلاّ جُهْدَهُمْ:﴾ إلاّ مقدار وسعهم وطاقتهم (٥).
٨٠ - ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ:﴾ ابن عبّاس عن عمر بن الخطّاب قال: لمّا مات ابن أبيّ [بن] (٦) سلول دعي إليه رسول الله ﷺ ليصلّي عليه، فلمّا قام رسول الله ﷺ وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلّي عليه وقد قال يوم كذا: كذا وكذا، أعدّد عليه قوله، فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: أخّر عنّي يا عمر، فلمّا أكثرت قال: إنّي خيّرت فاخترت ولو أعلم أنّي لو زدت على السّبعين غفر له لزدت عليها، قال: فصلّى عليه (٧).
وكذلك روى نافع عن ابن عمر (٨) والشّعبيّ عن جابر بن عبد الله (٩).
والتّخيير قوله (١٠): ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.﴾
وصلاته عليه محمول على الاستغفار والدّعاء دون صلاة الجنازة لما روى (١١) نافع عن ابن عمر أنّ النّبيّ ﷺ أعطاه قميصه فكفّن به، ثمّ حضره ليصلّي عليه فجذبه عمر وقال: أتصلّي
_________________
(١) في ع: الكائن.
(٢) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٩٣، والبحر المحيط ٥/ ٧٦.
(٣) ساقطة من ع.
(٤) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤، وتفسير الطبري ١٠/ ٢٤٧ - ٢٥٢، والبغوي ٢/ ٣١٤ - ٣١٥.
(٥) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٩٠، وتفسير البغوي ٢/ ٣١٥.
(٦) من ب.
(٧) النسخ الثلاث: عليها. وينظر: سنن الترمذي ٥/ ٢٧٩، ومسند البزار ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩، والسنن الكبرى للنسائي ٦/ ٣٥٧.
(٨) ينظر: صحيح البخاري ١/ ٤٢٧، وسنن ابن ماجه ١/ ٤٨٧، والنسائي ٤/ ٣٦.
(٩) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٥٣ - ٢٥٥.
(١٠) في ب: كذلك.
(١١) بعدها في ع: عن.
[ ١ / ٧٨٦ ]
عليه وقد نهاك الله، فقال: أنا بين خيرتين، فنزل قوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التّوبة:٨٤] (١). وقول عمر: أتصلّي عليه وقد نهاك الله تعالى، تأويل منه لقوله: ﴿لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.﴾ وقوله ﷺ: أنا بين خيرتين، ردّ منه على عمر تأويله.
والدّليل على أنّ قوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ [ماتَ]﴾ (٢) نزل في هذه الحادثة بعد قول عمر قبل صلاة رسول الله ﷺ ما روى أبو الزّبير عن جابر أنّ؟؟؟ أبيّ بن (٣) سلول لمّا هلك جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله إنّك لم تشهده، ولم يزل يعتريه حتى أتاه وقد أدخل حفرته، فقال: يا رسول الله أفلا قبل أن يدخلوه حفرته، فاستخرج فتفل عليه رسول الله ﷺ من قرنه إلى قدمه وألبسه قميصه (٤)، دلّ أنّه لم يصلّ عليه صلاة الجنازة، ولكنّه كان مخيّرا بين الاستغفار وتركه لاستمالة عشائرهم وأولادهم.
والمقصود من لفظة السّبعين هي المبالغة دون العدد؛ لأنّها مأخوذة من السبع التي هي نهاية كثير (٥) من الأعداد منها: عدد آيات فاتحة الكتاب، والسّور الطّوال، والمثاني، وعدد الثّابتين مع رسول الله ﷺ يوم حنين، وعدد السّموات والأرض والأنجم السّيّارة والأقاليم والأبحر والأيّام والألوان وأعضاء السّجود وطبقات النّار وليالي عاد وسني يوسف ﵇ والسّنبلات والبقرات وأشواط الطّواف وأشواط السّعي، وأركان الصّلاة وهي: الافتتاح والقيام والقراءة (٦) والرّكوع والسّجود والتّشهّد والخروج، وأجناس أموال الزّكاة وهي: الذّهب والفضّة والإبل والبقر والغنم والخيل وما أخرجت الأرض، (١٤٧ و) وأجناس الحيوان كالطّائر والقافز (٧) والماشي والزّاحف والعائم (٨) والمنساب والمختلج، والجهات المستقيمة مع الحيثيّة.
وممّا أخذ من السّبع للمبالغة قوله: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١]، وقوله: ﴿ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ [الحاقّة:٣٢]، وقول النّبيّ ﷺ:
الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة (٩)، وسمّي السّبع سبعا؛ لأنّ قوّته مضاعفة، وفي الحديث أنّ
_________________
(١) ينظر: صحيح ابن حبان ٧/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
(٢) من ك.
(٣) (أبي بن) ساقطة من ب.
(٤) ينظر: مصنف عبد الرزاق ٦/ ٤٠.
(٥) النسخ الثلاث: كثيرة. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣١٥، ومجمع البيان ٥/ ٩٦ - ٩٧، وزاد المسير ٣/ ٣٢٤.
(٦) ساقطة من ب.
(٧) في ب: والعاقر.
(٨) في ب: والقائم.
(٩) ينظر: صحيح البخاري ٦/ ٢٧٢٤، ومسلم ١/ ١١٧، وابن خزيمة ٣/ ١٩٧.
[ ١ / ٧٨٧ ]
المنافق يأكل في سبعة أمعاء (١)، وفي الحديث أنّ صاحب اليمين يقول لصاحب الشّمال: أمسك، فيمسك سبع ساعات من النّهار فإن تاب لم يكتب عليه (٢)، وفي الحديث: سألت الشّفاعة لأمّتي فقال: لك (٣) سبعون ألفا يدخلون الجنّة بغير حساب ولا عذاب، فقلت: ربّ زدني، فقال: مع كلّ ألف سبعون ألفا (٤)، فقلت: ربّ زدني، فقال: لك هذا فحثا (٥) بين يديه وعن يمينه وعن شماله (٦)، وفي الحديث أنّ سائلا قال: كم أعفو عن الخادم في اليوم؟ فقال: سبعين مرّة (٧)، وفي الحديث أنّ الكافر يهوي في النّار سبعين خريفا (٨). وقيل: خصّت السّبعة بالمبالغة؛ لأنّ كمّيّتها مشتملة على ثلاثة من أوتار العدد وثلاثة من الأشفاع.
٨١ - ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ:﴾ قيل: كان رسول الله ﷺ برز بعسكره (٩) إلى ثنيّة الوداع حين خرج إلى غزوة تبوك، ونزل ابن أبيّ بن سلول أسفل من الثّنيّة مع المنافقين، فلمّا ارتحل رسول الله ﷺ تخلّف ابن أبيّ مع بضع وثمانين رجلا، فأنزل الله الآية (١٠).
و(المقعد): القعود، مصدر، كالمطعم والمشرب والملبس (١١).
﴿خِلافَ:﴾ مخالفة، مفعول له (١٢).
﴿فِي الْحَرِّ:﴾ في أوان الحرّ (١٣)، وهو القيظ. «والحرّ: ضدّ البرد» (١٤).
وقوله: ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ كالشّرط لحصول الخبر في علمهم، وتقديره: أعلمهم أنّ نار جهنّم أشدّ حرّا (١٥) لو كانوا يفقهون، قريب منه: ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢].
_________________
(١) ينظر: صحيح البخاري ٥/ ٢٠٦١، والمعجم الكبير ٧/ ٢٣٠، ومجمع الزوائد ٥/ ٣٣.
(٢) ينظر: الزهد لهناد ٢/ ٤٦٢، وشعب الإيمان ٥/ ٣٩٠.
(٣) ساقطة من ك.
(٤) (فقلت رب زدني. . . ألفا) مكررة في ب.
(٥) في ك وع: بحثا، وهو تحريف.
(٦) ينظر: مسند ابن الجعد ٤١٧، ومصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٣١٨، والزهد لهناد ١/ ١٣٥ - ١٣٦.
(٧) ينظر: سنن أبي داود ٤/ ٣٤١، والترمذي ٤/ ٣٣٦، ومسند الشاميين ١/ ١٥٣.
(٨) ينظر: الترغيب والترهيب ٤/ ٢٥٢، والتخويف من النار ٨٤، وموارد الظمآن ٦٤٩.
(٩) في الأصل وك وب: معسكره.
(١٠) ينظر: البحر المحيط ٥/ ٨٠ و٨١.
(١١) ينظر: المجيد ٤٣٩ (تحقيق: د. إبراهيم الدليمي)، والبحر المحيط ٥/ ٨٠، والدر المصون ٦/ ٩٠.
(١٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٦٣، والكشاف ٢/ ٢٩٦، والتبيان في إعراب القرآن ٢/ ٦٥٣.
(١٣) في ع: الحب.
(١٤) لسان العرب ٤/ ١٧٧ (حرر).
(١٥) بعدها في النسخ الثلاث: يعلمون، ولعلها مقحمة.
[ ١ / ٧٨٨ ]
٨٢ - ﴿فَلْيَضْحَكُوا،﴾ ﴿وَلْيَبْكُوا:﴾ أمر كينونة وإلجاء لا أمر شرع وتعبّد بدلالة ذكر الجزاء (١).
وضحك الشّيء غاية ظهور جماله عند وجود مراده أو مسرّته أو شهوته أو حاجته الطّبيعيّة، يقال: ضحك الفجر إذا طلع، وضحك السّحاب إذا برق، وضحك الشّيب (٢) إذا تبيّن، وضحكت الشّمس إذا ازداد ضوؤها، وضحكت الأرض إذا اكتست بالأنوار، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣)﴾ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) [عبس:٣٨ - ٣٩]. والبكاء ضدّ الضّحك، قال الله تعالى:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ (٤٣) [النّجم:٤٣]، وقوله: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدّخان:٢٩] (٤).
٨٣ - ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ:﴾ نزلت في غزوة تبوك قبل رجوع رسول الله ﷺ إلى المدينة (٥).
وإنّما قال: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ لمعنيين: أحدهما: الزّجر والمعاقبة، والثّاني: أنّه (٦) لم يخرج بعد ذلك إلى غزوة حتى قبضه الله تعالى.
وقوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح:١٦] مختلف فيه، قيل: دعاهم إلى الخروج مع عليّ بن أبي طالب في غزوة طيّئ، فخرج عليّ بهم وأغار على طيّئ وسبى ابنة حاتم الطّائيّ أخت عديّ فمنّ عليها (١٤٧ ظ) وأطلقها فتبعت أخاها وأخبرته بالقصّة ولم تزل به حتى حملته على (٧) أن وفد على النّبيّ ﷺ، فلمّا رآه قام بين يديه إكراما له، ولم يكن يقوم بين يدي أحد من المشركين، ثمّ خرج إليه من المسجد وأخذ بيده فذهب إلى الحجرة، فلمّا كان ببعض الطّريق استقبلته امرأة ترفع إليه حاجتها فجلس لها رسول الله ﷺ حتى سمع قصّتها وقضى حاجتها، ثمّ قام وانطلق مع عديّ إلى البيت، فاستدلّ عديّ بتواضعه على أنّه نبيّ وليس بملك جبّار، ثمّ عرض عليه النّبيّ ﷺ الإسلام فأسلم. وقيل: دعاهم إلى الخروج مع أسامة بن زيد إلى اليمن فتوفّي قبل خروجه وسرّحه أبو بكر مع القوم بعد ما تردّدوا في أمرهم وترفّعوا أن يكونوا تحت راية أسامة وسرّح مع عمر بن الخطّاب وخرج لمشايعته راجلا. وقيل: دعا أبو بكر إلى قتال طليحة بن خويلد الأسديّ ومسيلمة الكذّاب بعد وفاة رسول الله ﷺ (٨)، وهذا أصحّ؛
_________________
(١) ساقطة من ب.
(٢) في ب: الشيء.
(٣) ليس في ك.
(٤) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٧٠.
(٥) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٥٩.
(٦) ساقطة من ك.
(٧) في ب: حتى.
(٨) ينظر: تفسير البغوي ٤/ ١٩٢، والقرطبي ١٦/ ٢٧٢، والنسفي ٤/ ١٥٥.
[ ١ / ٧٨٩ ]
لأنّه لو كان دعوة رسول الله ﷺ لقال: سأدعوكم.
﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ:﴾ أي: أوّل مرّة لما بعدها (١). وقيل: أراد بأوّل مرّة كراهتهم الخروج في غزوة بدر. وقيل (٢): أراد تخلّفهم عن الحديبية قبل (٣) غزوة خيبر وفتح الطّائف، وهذا أقرب.
﴿الْخالِفِينَ:﴾ المتخلّفين (٤)، قال موسى ﵇ (٥) لأخيه هارون: ﴿اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف:١٤٢]، وقال الله تعالى: ﴿مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزّخرف:٦٠].
٨٤ - ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا:﴾ نزلت في شأن ابن أبيّ بن (٦) سلول، روي أنّه لمّا مرض مرضه الذي مات فيه دعا رسول الله ﷺ فحضر رسول الله ﷺ وقال: أما نهيتكم عن موالاة اليهود؟ قال: لم يوالهم سعد بن معاذ فمه (٧)، ثمّ قال: إنما دعوتك لتستغفر لي ولم أدعك لتؤنّبني (٨)، ثمّ سأله أن يعطيه قميصه الذي يلي جسده ليكفّن (٩) فيه فأعطاه قميصه، فقيل: يا رسول الله أتعطي قميصك منافقا؟ قال (١٠): إنّ قميصي لن يغني عنه من الله شيئا وإنّي أؤمّل أن يدخل في الإسلام بهذا السّبب خلق كثير، فكان كما قال، أخلص وأحسن الإسلام يومئذ ألف من الخزرج (١١).
﴿أَبَدًا:﴾ نصب على الظّرف (١٢).
و(القبر): الشّقّ في الأرض يدفن فيه الميّت (١٣).
والنّهي عن القيام على القبور؛ لأنّه فعل الأولياء والأحباب وأصحاب المصيبة والتّفجّع.
٨٥ - ﴿وَلا تُعْجِبْكَ:﴾ خطابه، والمراد به كلّ واحد من أمّته (١٤).
٨٦ - ﴿أَنْ آمِنُوا:﴾ ترجمة وبيان للسّورة.
_________________
(١) ينظر: زاد المسير ٣/ ٣٢٥، والبحر المحيط ٥/ ٨٢.
(٢) في ب: وقال.
(٣) في الأصل: قيل.
(٤) ينظر: العمدة في غريب القرآن ١٤٩، وتفسير البيضاوي ٣/ ١٦٣، وروح المعاني ١٠/ ٣؟؟؟.
(٥) في ك: وسلم.
(٦) ساقطة من ب.
(٧) ساقطة من ب، ولعلها مقحمة.
(٨) في ع وب: لتؤتيني.
(٩) في ب: ليكفنه.
(١٠) في ك: فقال.
(١١) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٦٢، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٦٣، والكشاف ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩.
(١٢) ينظر: التبيان في إعراب القرآن ٢/ ٦٥٣.
(١٣) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٧٢.
(١٤) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٧٣، ومجمع البيان ٥/ ١٠٠.
[ ١ / ٧٩٠ ]
٨٧ - و﴿الْخَوالِفِ:﴾ النّساء الفواسد، يقال (١): نبيذ خالف، أي: فاسد (٢).
٩٠ - ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ:﴾ أصحاب الأعذار الصّحيحة، عن (٣) مجاهد. وأصحاب الأعذار الكاذبة، عن قتادة (٤). وقد جاء الفريقان ليأذن لهم (٥) في القعود، ولا تنافي بين القولين.
﴿الْأَعْرابِ:﴾ أصحاب المواشي الذين ينزلون البوادي (٦). مجاهد عن ابن عمر، وعكرمة عن ابن عبّاس قال: أشار على نمرود بإحراق إبراهيم رجل من الأعراب، فقيل لابن عبّاس:
ولهم أعراب؟ قال: نعم، والأكراد أعراب فارس.
والمراد بالأعراب ههنا الذين ينزلون حوالي المدينة من أسد وغطفان وغيرهما (٧). (١٤٨ و)
﴿الَّذِينَ (٨)﴾ كَذَبُوا اللهَ: أي: أظهروا لله (٩) ورسوله غير ما يعلمه الله من ضمائرهم.
٩١ - فلمّا تواترت الآيات في المتخلّفين تخوّف منها أصحاب الأعذار الصّادقة فأنزل الله فيهم: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ (١٠).
﴿إِذا نَصَحُوا:﴾ أخلصوا العمل عن (١١) الغشّ.
﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ:﴾ النّاصحين ﴿مِنْ سَبِيلٍ:﴾ في لومهم على تخلّفهم (١٢).
٩٢ - ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ:﴾ نزلت في سبعة نفر (١٣) من الأنصار وسابعهم عبد الله بن معقل [بن يسار] (١٤) الأنصاريّ، كانوا فقراء. وقيل (١٥): نزلت في أبي
_________________
(١) في ع: فقال.
(٢) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ٢٤١.
(٣) النسخ الأربع: وعن، والواو مقحمة. وينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٦٨، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٧٨، والبحر المحيط ٥/ ٨٦.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٦٧، والكشاف ٢/ ٣٠٠، والبحر المحيط ٥/ ٨٦.
(٥) ساقطة من ك.
(٦) ينظر: لسان العرب ١/ ٥٨٦ (عرب).
(٧) ينظر: التفسير الكبير ١٦/ ١٥٨، والبحر المحيط ٥/ ٨٦ - ٨٧.
(٨) النسخ الأربع: بما، والتصويب من المصحف.
(٩) في ك وع: الله.
(١٠) ينظر: التفسير الكبير ١٦/ ١٥٩ - ١٦٠.
(١١) في ك: على. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٧٨ - ٢٧٩، ومجمع البيان ٥/ ١٠٥، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٢٧.
(١٢) ينظر: تفسير الطبري ١٠/ ٢٦٨.
(١٣) ساقطة من ب.
(١٤) من ب، وبعدها: (كانوا) ساقطة منها. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٨٠، وتفسير البغوي ٢/ ٣١٩، ومجمع البيان ٥/ ١٠٤.
(١٥) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٨٠، والكشاف ٢/ ٣٠١، وزاد المسير ٣/ ٣٣٠.
[ ١ / ٧٩١ ]
موسى الأشعريّ. وقيل (١): في ابن أمّ مكتوم وأصحابه.
﴿قُلْتَ:﴾ أي: قلت لهم، وهو صفة (الذين)، و(إذا ما أتوك): ظرف له، وتقديره:
ولا على الذين قلت لهم (٢): ﴿لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ إذا ما (٣) أتوك لتحملهم.
﴿تَوَلَّوْا:﴾ فتولّوا، وإنّما حسن إسقاط الفاء لحسن الوقوف على ما قبله.
﴿حَزَنًا:﴾ أي: من حزن، أو حزنوا حزنا، وقيل: تقديره: حازنين (٤).
﴿أَلاّ يَجِدُوا:﴾ بيان لسبب الحزن. ونصب (يجدوا) ب (أن) (٥).
٩٤ - ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ:﴾ لن نصدّقكم في أعذاركم (٦).
﴿نَبَّأَنَا:﴾ خبّرنا بأشياء ﴿مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾ (٧).
﴿وَسَيَرَى اللهُ:﴾ في المستقبل من التّوبة والإصرار (٨).
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ بعد ما عميت عليكم الأنباء.
٩٥ - والمراد بالإعراض الإعراض (٩) عن مباحثتهم ومجادلتهم. وإنّما أمروا بالإعراض لتسكين الفتنة التي يبغونها (١٠) بخلابتهم في الجدال.
٩٦ - ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ:﴾ نزلت في جدّ بن قيس ومعتب [بن] (١١) قشير. والظّاهر أنّها في شأن الأعراب.
٩٧ - ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا:﴾ لغلظ (١٢) أكبادهم وقساوة قلوبهم (١٣)، وهم الفدّادون
_________________
(١) المصادر التي بين يدي مجمعة على أن هذا القول في الآية التي قبلها، ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣١٩، ومجمع البيان ٥/ ١٠٤، وزاد المسير ٣/ ٣٢٩.
(٢) (وهو صفة. . . لهم) ليس في ب.
(٣) ساقطة من ك.
(٤) ينظر: الدر المصون ٦/ ١٠١.
(٥) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٤٨، وإعراب القرآن ٢/ ٢٣١، ومجمع البيان ٥/ ١٠٤.
(٦) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٣، والبغوي ٢/ ٣٢٠، والتفسير الكبير ١٦/ ١٦٣.
(٧) ينظر: مجمع البيان ٥/ ١٠٦.
(٨) في الأصل وك: والإضرار. وينظر: تفسير الطبري ١١/ ٣، والبغوي ٢/ ٣٢٠، ومجمع البيان ٥/ ١٠٦.
(٩) ساقطة من ب.
(١٠) في ك: يبتغونها.
(١١) يقتضيها السياق. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٢٠، والكشاف ٢/ ٣٠٢، ومجمع البيان ٥/ ١٠٦.
(١٢) في ك: أغلاظ، وفي ع وب: أغلظ.
(١٣) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ٢٣١.
[ ١ / ٧٩٢ ]
الذين نعتهم رسول الله ﷺ بالجفاء والقسوة (١). وأشدّ نفاقا لمكرهم وحيلهم في الحروب.
﴿وَأَجْدَرُ﴾ (٢): وأحرى وأحقّ.
﴿أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ لبعدهم عن حضرة رسول الله ﷺ وكونهم بمعزل عن الجمع والجماعات ومجالس العلم والوعظ واشتغالهم عن القراءة والتّفقّه في دين الله بمصالح معاشهم (٣).
وقد جعل الله النّهب والفتك والنّخوة والعزّة في أهل البوادي حيث كانوا فهم بمنزلة السّباع، وجعل الرّفق والانقياد والسّخرة والذّلّة في الحواضر حيث كانوا فهم بمنزلة البهائم، وجعل الحكم والعلم والسّلطنة وتصريف الأمور (٤) في البدويّين الذين نزلوا المدن والأمصار وتركوا التّبدّي فهم بمنزلة النّاس من سائر الحيوان، هذا هو الغالب.
٩٨ - ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ:﴾ نزلت في أسد وغطفان (٥).
﴿مَنْ يَتَّخِذُ:﴾ أي: يعدّ ويعتقد (٦).
﴿مَغْرَمًا:﴾ «غرما» (٧)، وهو أن يلزم الإنسان من غير أن يعود إليه (٨) منه نفع.
٩٩ - ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ:﴾ نزلت في مزينة وجهينة وغفار وأسلم (٩).
﴿قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ:﴾ أي: الرتبات المضيئة التي يكون صاحبها مراقبا مشاهدا.
﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ (١٠)﴾: دعواته الصّالحة (١١).
والضّمير في ﴿إِنَّها﴾ عائد إلى الصّدقات، وقيل: إلى الصّلوات (١٢)، وقيل: إليهما جميعا.
_________________
(١) ينظر: صحيح البخاري ٣/ ١٢٠٢، ومسلم ١/ ٧١، والإيمان لابن منده ١/ ٥٢٣. والفدّادون: جمع فدّاد وهو من يعلو صوته في إبله وخيله وحرثه ونحو ذلك، والفديد هو الصّوت الشّديد، ينظر: صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٣٤، وفتح الباري ٦/ ٣٥٢، وتنوير الحوالك ٢٤٣.
(٢) ليس في ك. وينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٤٩، وتفسير البغوي ٢/ ٣٢٠، والكشاف ٢/ ٣٠٣.
(٣) ينظر: الكشاف ٢/ ٣٠٣، والتفسير الكبير ١٦/ ١٦٦.
(٤) ساقطة من ع.
(٥) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٢١، والبحر المحيط ٥/ ٩٤.
(٦) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٧.
(٧) تفسير غريب القرآن ١٩١، وتفسير الطبري ١١/ ٧، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٤٥.
(٨) ساقطة من ب. وينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥، وتفسير البغوي ٢/ ٣٢٠.
(٩) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٢١، وزاد المسير ٣/ ٣٣٢.
(١٠) في ب: الله، وهو خطأ.
(١١) ينظر: تأويل مشكل القرآن ٤٦٠، وتفسير الطبري ١١/ ٨ - ٩، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٦٦.
(١٢) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٩، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٨٦، وزاد المسير ٣/ ٣٣٣.
[ ١ / ٧٩٣ ]
﴿فِي رَحْمَتِهِ:﴾ في قضيّة رحمته وهي النعمة والجنّة (١).
١٠٠ - ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ:﴾ عن الشّعبيّ أنّ السّابقين الأوّلين ﴿مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ هم (٢) الذين بايعوا رسول الله ﷺ بيعة الرّضوان (٣) بالحديبية (١٤٨ ظ) تحت الشّجرة (٤).
ويحتمل أنّ (من) لتبيين الجنس (٥)، كما في قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [النّساء:٦٩]، والدّليل لزوم اسم التّابعين (٦) قوما أدركوا الصّحابة وأخذوا العلم منهم ورووا الحديث عنهم فلو كان (من) للتّبعيض لكان اسم التّابعين لازما لسائر المهاجرين والأنصار.
١٠١ - وفي قوله: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ دلالة أنّ النّبيّ ﷺ ما كان يعلمهم بأعيانهم علما مقطوعا به لكن بغلبة الظّنّ ولهذا قال: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ [محمّد:٣٠].
﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ:﴾ في الدّنيا مرّة وفي القبر مرّة (٧). أبو (٨) مطيع عن أبي حنيفة ﵀: من قال: لا أعرف عذاب القبر فهو من الطّبقة (٩) الخبيثة الجهميّة الهالكة؛ لأنّه أنكر قوله:
﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ،﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ﴾ [الطّور:٤٧]، فإن قال: أؤمن بالآية ولا أؤمن (١٠) بتأويلها وتفسيرها، فهو كافر؛ لأنّ من القرآن ما تأويله تنزيله.
١٠٢ - ﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا:﴾ قال الكلبيّ: نزلت في ثلاثة: أبي (١١) لبابة وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام (١٢)، وعن الضّحّاك وقتادة أنّهم كانوا (١٣) سبعة، وعن زيد بن أسلم كانوا ثمانية (١٤)، وعن ابن عبّاس كانوا عشرة فشدّ منهم سبعة أنفسهم على السّواري (١٥)، قيل:
_________________
(١) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٢١، وزاد المسير ٣/ ٣٣٣.
(٢) ساقطة من ع، وبعدها في الأصل وع: تابعوا، بدل (بايعوا).
(٣) ساقطة من ك.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ١٠ - ١١، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٤٨، وتفسير البغوي ٢/ ٣٢١.
(٥) ينظر: التفسير الكبير ١٦/ ١٧١، والبحر المحيط ٥/ ٩٦، وفتح القدير ٢/ ٣٩٨.
(٦) في ك وع: البايعين، وكذا ترد قريبا في ع.
(٧) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٨٦، وتفسير غريب القرآن ١٩٢، وتفسير الطبري ١١/ ١٥.
(٨) مكانها في ك: عن أبي.
(٩) في ب: القبطة.
(١٠) (بالآية ولا أؤمن) مكررة في ب.
(١١) في ك: أبو.
(١٢) في ك وب: حرام. وينظر: مجمع البيان ٥/ ١١٥، وزاد المسير ٣/ ٣٣٦.
(١٣) ساقطة من ع. وينظر: تفسير الطبري ١١/ ٢٠ - ٢١، والبغوي ٢/ ٣٢٤، وزاد المسير ٣/ ٣٣٦.
(١٤) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٢٠، والبغوي ٢/ ٣٢٤، ومجمع البيان ٥/ ١١٦.
(١٥) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ١٩، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٩٠، وزاد المسير ٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦.
[ ١ / ٧٩٤ ]
وحلف أبو لبابة أن لا يحلّ نفسه حتى يحلّه رسول الله فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فحلف أن لا يحلّه حتى يأمر الله بأمره فيه (١). قيل: وكان أوّل أمر أبي لبابة أنّه خاصم يتيما إلى رسول الله ﷺ في عذق فقضى له به، ثمّ تشفّع إليه ليعطيه اليتيم فأبى، فقال: أعطه إيّاه ولك مثله في الجنّة فأبى، فانطلق إليه أبو الدّحداح واشتراه منه بحديقة له ثمّ أتى رسول الله ﷺ [وقال] (٢): أرأيت إن أعطه اليتيم ألي مثله في الجنّة؟ قال: نعم، فأعطاه (٣) اليتيم، فكان ﷺ يقول (٤): كم من عذق مذلل (٥) في الجنّة لأبي الدّحداح. ثمّ إنّ أبا لبابة أدركه شؤم هذه المعصية فخان رسول الله ﷺ حين استنزل بني قريظة وأشار إلى حلقه يخوّفهم بالذّبح، ثمّ تخلّف عن غزوة تبوك، ثمّ ألقى الله في قلبه التّوبة والنّدم فشدّ نفسه بالسّارية فبقي كذلك سبعة أيّام حتى غشي عليه، فأنزل الله فيه وفي أصحابه الآية (٦).
﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا:﴾ كقولك (٧): خلطت الماء واللّبن، ولو قلت:
خلطت الماء باللّبن، لجاز أيضا (٨).
١٠٣ - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ:﴾ لمّا أنزل الله (٩) توبة هؤلاء جاؤوا بأموالهم إلى رسول الله ﷺ وقالوا: هذه خلفتنا عنك فتصدّق بها، وتوقّف (١٠) في ذلك رسول الله ﷺ، فأنزل الله (١١). روي أنّه أخذ ثلث أموالهم وترك الباقي عليهم (١٢).
﴿تُطَهِّرُهُمْ:﴾ خطاب للنّبيّ ﷺ (١٣)، وهو في تقدير الحال (١٤).
﴿سَكَنٌ:﴾ سكينة وطمأنينة (١٥).
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ١٩.
(٢) يقتضيها السياق.
(٣) في الأصل وع وب: أعطى.
(٤) ساقطة من ك.
(٥) النسخ الثلاث: مدلك. وينظر: نوادر الأصول ٢/ ٦٥ - ٦٦، وصحيح مسلم بشرح النووي ٧/ ٣٣ - ٣٤.
(٦) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٢١ - ٢٢، وتفسير البغوي ٢/ ٣٢٤.
(٧) في ب: كقوله.
(٨) ينظر: معاني القرآن للأخفش ٢/ ٥٦٤، وتفسير الطبري ١١/ ١٨، والبغوي ٢/ ٣٢٣.
(٩) ليس في ك.
(١٠) مكانها في ب: فتوقف بها.
(١١) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٢٣ - ٢٤، والبغوي ٢/ ٣٢٣، وزاد المسير ٣/ ٣٣٦ - ٣٣٧.
(١٢) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٢٤، ومجمع البيان ٥/ ١١٦، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٤٢ و٢٤٤.
(١٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٦٧، وإعراب القرآن ٢/ ٢٣٣، ومجمع البيان ٥/ ١١٧.
(١٤) ينظر: إعراب القرآن ٢/ ٢٣٣، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٣٣٥، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٤٩.
(١٥) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٥١، وتفسير البغوي ٢/ ٣٢٤، وزاد المسير ٣/ ٣٣٧.
[ ١ / ٧٩٥ ]
١٠٤ - ﴿هُوَ يَقْبَلُ﴾ و﴿هُوَ التَّوّابُ:﴾ لتأكيد الوصف (١).
والأخذ هو (٢) القبول والإثابة.
١٠٥ - ﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ:﴾ عطف على ﴿اللهُ﴾ (٣) لتشريفهم، أو لتعليق الأحكام الشّرعيّة بهم بعد وفاة رسول الله ﷺ.
١٠٦ - ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ:﴾ نزلت في الثّلاثة الذين خلّفوا: كعب بن مالك وهلال بن أميّة ومرارة بن الرّبيع (٤). وكلّ المؤمنين بهذه الصّفة إلاّ المبشّرين بالجنّة.
١٠٧ - ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا:﴾ نزلت في سبع عشرة نفسا من بني عمرو بن عوف، بنوا قريبا من مسجد قباء مسجدا لأجل أبي عامر الفاسق، وكانوا (٥) يسمّونه الرّاهب، وكان بالشّام، (١٤٩ و) فبنوا هذا المسجد لأجله ينتظرون قدومه عليهم في ذلك المسجد، وكان يؤمّهم مجمع ابن حارثة كالنّائب عن أبي عامر الفاسق، وكان منافقا قارئا للقرآن، فطلبوا من رسول الله ﷺ قبل خروجه إلى غزوة تبوك أن يحضرهم فيصلّي بهم في مسجدهم، يبتغون بذلك (٦) عذرا لأنفسهم، فقال ﷺ: حتى أنصرف من هذه الغزوة، فأنزل الله في منصرفه (٧).
(ضرارا): «مضارّة» (٨)، وهو نصب على أنّه مفعول له (٩).
ومن ﴿حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ هو أبو عامر الفاسق، كان قد ترهّب ولبس المسوح بالمدينة قبل مقدم رسول الله، فلمّا هاجر إليها رسول الله ﷺ أتاه (١٠) أبو عامر الفاسق وقال: ما هذا الدّين جئت به؟ قال ﷺ: هذا دين إبراهيم، قال أبو عامر: فأنا على دين إبراهيم، فقال ﷺ: هذا دين إبراهيم الذي أنا عليه، قال أبو عامر: بلى أدخلت فيه ما ليس منه، قال رسول الله: بل جئت بالحنيفيّة بيضاء نقيّة، قال أبو عامر: أمات الله الكاذب منّا طريدا وحيدا (١١) لا أجد قوما يقاتلونك إلاّ قاتلتك معهم، وانضوى إلى الكفّار فقاتلوا يوم أحد وبعد ذلك إلى يوم حنين، فلمّا
_________________
(١) ينظر: الكشاف ٢/ ٣٠٨، وفتح القدير ٢/ ٤٠٠.
(٢) النسخ الثلاث: وهو، والواو مقحمة.
(٣) النسخ الأربع: الرسول، والصواب ما أثبت. وينظر: التفسير الكبير ١٦/ ١٨٨.
(٤) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٥١، وتفسير الطبري ١١/ ٣٠، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٥٢.
(٥) (الفاسق وكانوا) ساقطة من ع.
(٦) في ع: ذلك، والباء ساقطة.
(٧) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٣٢ - ٣٦، والبغوي ٢/ ٣٢٦ و٣٢٧، والقرطبي ٨/ ٢٥٣.
(٨) تفسير غريب القرآن ١٩٢، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٥٣، وتفسير البغوي ٢/ ٣٢٦.
(٩) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٦٨، وإعراب القرآن ٢/ ٢٣٥، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٣٣٦.
(١٠) في ك: أتوه.
(١١) ساقطة من ب.
[ ١ / ٧٩٦ ]
انهزمت هوازن ويئس الملعون (١) عن مشركي العرب خرج (٢) إلى الشّام ليستنصر قيصر، وكان يأمر المنافقين ببناء هذا المسجد ويخبرهم بأنّه سيأتيهم بجنود لا قبل لأحد بها، فلم يمكنه الله ﷾ من ذلك، وأماته بالشّام طريدا وحيدا (٣). وابن أبي عامر الفاسق إنّما هو حنظلة غسيل الملائكة (٤).
﴿إِنْ أَرَدْنا:﴾ «ما أردنا» (٥).
﴿إِلاَّ الْحُسْنى:﴾ إلاّ استمالة أبي عامر ليرجع ويسلم، فكذّبهم الله تعالى.
١٠٨ - ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا:﴾ قال مقاتل: أرسل النّبيّ ﷺ بعد نزول هذه الآية مالك بن الدخشم ومعن بن معدي وعامر بن السّكن ووحشيّا قاتل حمزة إلى هذا المسجد الظّالم أهله (٦) فهدموه وأحرقوه، وأمر أن يتّخذ ذلك الموضع كناسة يلقى فيه الجيف (٧).
وفيه دليل (٨) لمحمّد على أنّ المسجد إذا خرب وتعطّل رجع إلى الملك، قال أبو يوسف: هم لم يكونوا بنوه على نيّة المسجد حقيقة.
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ:﴾ مسجد رسول الله ﷺ (٩). وعن أبي سعيد الخدريّ أنّ النّبيّ ﷺ قال: هو مسجدي هذا (١٠)، يدلّ عليه (١١) ما روى أبو أيّوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أنّه لمّا أنزلت (١٢): ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قال النّبيّ ﷺ: يا معشر الأنصار إنّ الله قد أثنى عليكم في الطّهور فما طهوركم هذا؟ قالوا: نتوضّأ للصّلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء، قال: هو ذلك فعليكموه (١٣).
وقيل: إنّه مسجد قباء (١٤)، روي عن عبد الله بن الحارث أنّ أهل قباء أتوا (١٥) النّبيّ ﷺ
_________________
(١) ساقطة من ك.
(٢) النسخ الثلاث: وخرج.
(٣) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٢٦، وزاد المسير ٣/ ٣٣٩، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٥٧.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٣٥، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٢٩٨، وتفسير البغوي ٢/ ٣٢٦.
(٥) تفسير البغوي ٢/ ٣٢٦، وزاد المسير ٣/ ٣٤٠، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٥٨.
(٦) النسخ الثلاث: أهلها، وبعدها في ك: وحرقوه، بدل (وأحرقوه).
(٧) في ك: الجيفة. وينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٢٧، والكشاف ٢/ ٣١٠، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٥٣ و٢٥٨.
(٨) في ك: ليل، بدل (وفيه دليل). ومحمّد بن الحسن الشّيبانيّ.
(٩) ينظر: سنن سعيد بن منصور ٥/ ٢٧٤، والمعجم الكبير ٥/ ١٣٣، وتفسير البغوي ٢/ ٣٢٧.
(١٠) ينظر: السنن الكبرى للنسائي ٦/ ٣٥٩، وتفسير البغوي ٢/ ٣٢٧.
(١١) في ع: على.
(١٢) في ب: نزلت.
(١٣) ينظر: المنتقى ٢٢، والمستدرك ١/ ٢٥٧ و٢/ ٣٦٥، والأحاديث المختارة ٦/ ٢١٩.
(١٤) ينظر: سنن سعيد بن منصور ٥/ ٢٧٥، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٦٩، وفتح الباري ٧/ ٢٤٥.
(١٥) بعدها في ك: إلى.
[ ١ / ٧٩٧ ]
فذكروا له الاستنجاء بالماء، فقال: إنّ الله أثنى عليكم فدوموا ﴿رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ.﴾ وعن أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا،﴾ الآية، قال (١): كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم (٢).
والأصحّ (١٤٩ ظ) أنّ المسجد مسجد رسول الله ﷺ، وأنّ الرّجال المتطهّرين عامّة الأنصار من أهل المسجدين جميعا، ودلّ (٣) عليه ما روي أنّه حمّ الأنصار فعادهم رسول الله ﷺ وقال:
أبشروا فإنّها كفّارة وطهور، قالوا (٤): يا رسول الله ادع الله أن يديمها علينا أيّاما حتى تكون كفّارة لنا، فأنزل الله تعالى يثني عليهم: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا:﴾ بالحمّى عن معاصيهم (٥).
والتّأسيس: موضع الأساس، والأساس قاعدة البناء (٦).
١٠٩ - من (٧) ﴿أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ:﴾ هو رسول الله مع أصحابه المهاجرين والأنصار، و﴿مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ:﴾ هو أبو عامر الفاسق مع أصحابه المنافقين. والأوّل هو التّأسيس على حالة التّقوى أو نيّة التّقوى، والثّاني على وجه المثل (٨).
و(الجرف): هو التّجويف الذي جرفت (٩) السّيول والأودية حشوه (١٠).
(هار): «هائر» (١١)، قدّمت لام الفعل وأخّرت عينه على سبيل القلب، كقولك: هو شاكي السّلاح وشائك (١٢). وقد تحذف الهمزة (١٣) من (هائر) حذفا حقيقيّا من غير قلب، في حديث خزيمة وذكر السّنة قال: تركت المخّ رارا والمطيّ هارا (١٤).
_________________
(١) في الأصل وك وب: قالوا.
(٢) ينظر: سنن أبي داود ١/ ١١، وابن ماجه ١/ ١٢٨، والسنن الكبرى للبيهقي ١/ ١٠٥.
(٣) في الأصل وع وب: فدل.
(٤) في ع: قال.
(٥) ينظر: الكشاف ٢/ ٣١١.
(٦) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ٢٥٩.
(٧) ساقطة من ب.
(٨) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٣٠٢.
(٩) في الأصل وك: حرفت.
(١٠) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ١٦٧، وتفسير غريب القرآن ١٩٢، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٥٥.
(١١) غريب القرآن وتفسيره ١٦٧، وتفسير غريب القرآن ١٩٢، وتفسير الطبري ١١/ ٤٤.
(١٢) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٤٤، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٧٠، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٣٠٣.
(١٣) النسخ الأربع: الهاء، والصواب ما أثبت.
(١٤) ينظر: تاريخ مدينة دمشق ١٦/ ٣٧٥، والنهاية في غريب الحديث ٥/ ٢٨١، ولسان العرب ١٥/ ٢٨٦ (مطا). ورارا: لا شيء فيه، وهارا: هالك، والمطيّ: جمع مطيّة وهي النّاقة التي يركب مطاها، أي: ظهرها.
[ ١ / ٧٩٨ ]
والهور والانهيار: الميل، ومنه التّهوّر والهوارة، في الحديث: من أطاع ربّه فلا هوارة (١) عليه، وروي: من اتّقى الله وقي الهوارة (٢).
١١٠ - ﴿بَنَوْا رِيبَةً:﴾ أي: سبب ريبة (٣).
﴿تَقَطَّعَ:﴾ تفسخ (٤)، فمن حمل الكلام على الغاية والتّوقيت قال: ترتفع الرّيبة عند تقطّع القلوب؛ لأنّ الارتياب في فعل الأحياء دون من هلك وتلاشى، ومن حمل على المبالغة والتّأكيد قال: يجوز بقاء الرّيبة مع تقطّع القلوب لجواز بقاء الحياة والعقل فيها بتبقية الله تعالى كحياة الشّهداء وحياة الذين يسألون في القبور، وهذا أشبه. ويمكن الجمع بين القولين بأن يحمل أحدهما في طائفة من المنافقين والآخر (٥) في طائفة أخرى منهم.
١١١ - ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث ذكر الرّجال الذين يحبّون أن يتطهّروا. عن عبد الله بن رواحة قال يوم البيعة: اشترط يا رسول الله لربّك ولنفسك، قال:
أشترط (٦) لربّي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما (٧) تمنعون منه أنفسكم وأهاليكم، قال: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنّة، قال: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فأنزل الله بها (٨) هذه الآية.
واشتراء الله من عباده [المؤمنين] (٩) ما يملكه عليهم إنّما على سبيل التّفضيل واللّطف، وهو كالاستقراض منهم، وإيجاب الأجر لهم. أبو هريرة يحدّث عن النّبيّ ﷺ: (تكفّل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلاّ الجهاد في سبيله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنّة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة) (١٠).
١١٢ - ﴿التّائِبُونَ:﴾ أي: هم التّائبون، وقيل: رفع على المدح (١١).
_________________
(١) هلاك، ينظر: الفائق في غريب الحديث ٤/ ١٢١، والنهاية في غريب الحديث ٥/ ٢٨١.
(٢) في مصادر التخريج: الهورات، أي: الهلكات، ينظر: الفائق في غريب الحديث ٤/ ١٢١، والنهاية في غريب الحديث ٥/ ٢٨١، ولسان العرب ٥/ ٢٦٩ (هور).
(٣) ينظر: الكشاف ٢/ ٣١٣، والتفسير الكبير ١٦/ ١٩٧، والبحر المحيط ٥/ ١٠٥.
(٤) في ب: تسفح.
(٥) النسخ الثلاث: والأخرى.
(٦) (قال أشترط) مكررة في ب، وبعدها (أن تعبدوه) ليس في ك.
(٧) النسخ الثلاث: ما.
(٨) ساقطة من ك. وينظر: تفسير الطبري ١١/ ٤٩، والبغوي ٢/ ٣٢٩، وفتح الباري ٦/ ٤.
(٩) من ك.
(١٠) الموطأ ٢/ ٤٤٣، وصحيح البخاري ٣/ ١١٣٥، ومسلم ٣/ ١٤٩٦.
(١١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٧١، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٣٠٦ - ٣٠٧، والكشاف ٢/ ٣١٤.
[ ١ / ٧٩٩ ]
﴿السّائِحُونَ:﴾ السّياحة (١) هي رحلة الشّتاء والصّيف في الجهاد والحجّ وطلب العلم وزيارة المشايخ في بيوتهم وقبورهم، قال ﷺ: (سياحة أمّتي الجهاد) (٢)، وقال ﷺ: (١٥٠ و) (الصّوم سياحة أمّتي) (٣)؛ لأنّ [الصائم] (٤) يلقى من الشّدّة ما يلقاه السّائح في الأرض (٥).
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ بأنّ هذه صفتهم عند الله ورسوله مع ما يتعاطونه من الذّنوب سرا وجهرا.
١١٣ - ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر محافظة حدود الله (٦).
عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لمّا حضر أبا طالب الوفاة جاء رسول الله ﷺ فوجد أبا جهل وعبد الله ابن أبي (٧) أميّة عنده، فقال النّبيّ ﷺ لأبي طالب: أي عمّ قل: لا إله إلاّ الله، كلمة نجاح أشهد لك بها عند الله، وقال (٨) أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة: أترغب عن ملّة عبد المطّلب، فلم يزل النّبيّ ﷺ يعرضها عليه ويعاودانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: على ملّة عبد المطّلب (٩)، وأبى أن يقول: لا إله إلاّ الله، فقال النّبيّ (١٠) ﷺ: والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنه، فأنزل الله الآية، وأنزل (١١) في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ،﴾ الآية [القصص:٥٦] (١٢).
وعن عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله ﷺ خرج يوما وخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر فأمرنا فجلسنا، ثمّ تخطّى القبور حتى انتهى إلى قبر فجلس إليه فناجاه طويلا، ثمّ ارتفع نحيب رسول الله ﷺ بالبكاء فبكينا لبكائه ﷺ، ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ أقبل إلينا فتلقّاه (١٣) عمر فقال: ما الذي أبكاك يا رسول الله فقد أبكانا وأفزعنا؟ فأخذ رسول الله بيد عمر ثمّ أقبل إلينا (١٤) فقال:
_________________
(١) ساقطة من ب.
(٢) سنن أبي داود ٣/ ٥، والمستدرك ٢/ ٨٣، والسنن الكبرى للبيهقي ٩/ ١٦١.
(٣) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٣٠٧، والتفسير الكبير ١٦/ ٢٠٣، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٧٠، وروي عنه ﷺ أنه سئل عن (السائحون) فقال: الصائمون، ينظر: المحدث الفاصل ٣٥٥ - ٣٥٦ و٥٢٩، وعلل الدارقطني ٨/ ٢٠٦.
(٤) يقتضيها السياق.
(٥) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ٢٥٨، وزاد المسير ٣/ ٣٤٤، وفتح القدير ٢/ ٤٠٨.
(٦) ينظر: مجمع البيان ٥/ ١٣٣.
(٧) ساقطة من ك، وكذا قريبا.
(٨) في ك: فقال.
(٩) (فلم يزل. . . عبد المطلب) ليس في ب.
(١٠) ليس في ك.
(١١) النسخ الثلاث: فأنزل.
(١٢) ينظر: تفسير القرآن ٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩، وصحيح ابن حبان ٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣، وتفسير البغوي ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(١٣) في ب: فلقاه.
(١٤) (فتلقاه عمر. . . إلينا) ليس في ك.
[ ١ / ٨٠٠ ]
أفزعكم بكائي؟ فقال: نعم يا رسول الله، فقال: إنّ القبر الذي رأيتموني أناجيه قبر آمنة بنت وهب وإنّي استأذنت ربّي في الاستغفار لها فلم يأذن لي، وأنزل عليّ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ [وَالَّذِينَ آمَنُوا (١)﴾] أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، الآية، فأخذني ما يأخذ الولد للوالدين من الرّقّة (٢). قال الأمير: ويمكن الجمع بين الرّوايتين: كان يستغفر لأبي طالب سنين حتى زار قبر أمّه (٣) يومئذ فأنزل الله الآية فانتهى عن استغفارهما.
قال ابن عبّاس: كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت الآية فلمّا نزلت أمسكوا عن الاستغفار للأموات ولم ينههم عن الاستغفار للأحياء حتى يموتوا ثمّ أنزل (٤): ﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ،﴾ الآية، استغفر له ما كان حيّا فلمّا مات أمسك عن الاستغفار له (٥).
١١٤ - (الأوّاه): كثير التّأوّه خوفا من الله ﷿، عن الأزهريّ (٦). وقال أبو عبيدة (٧):
الأوّاه: المتأوّه شفقا وفرقا ويقينا ولزوما للطّاعة. ويحتمل أنّه كان يتأوّه على هلاك قومه وكفرهم بالله ويتحلّم عنهم ولا يخاشنهم ولا يزيد على التّأوّه؛ لأنّه لم يكن مأمورا بالقتال.
١١٥ - ﴿لِيُضِلَّ:﴾ الإضلال ههنا لومه وتخطئته وتضليله ومؤاخذته إيّاهم بما لا علم لهم به. ثمّ اختلفوا فقيل: نزلت الآية في مؤاخذة الله إيّاهم للعمل بالأحكام المنسوخة قبل العلم بالنّسخ كالصّلاة إلى بيت المقدس وشرب الخمر (٨)، وقيل: نزلت في مؤاخذة الله إيّاهم (٩) بالاستغفار للمشركين قبل بيانه (١٠) أنّه لا يجوز.
وإنّما وصف بالعلم؛ لأنّ (١١) هذا الحكم المذكور من قضية علمه وحكمته.
١١٦ - وإنّما وصف نفسه بأنّ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ليبيّن جواز تصرّفاته (١٥٠ ظ) في مملكته من النّسخ والإضلال والمغفرة والعذاب وغير ذلك (١٢).
_________________
(١) مكانها في ك وبعدها في ع: معه، وهي مقحمة.
(٢) ينظر: تاريخ المدينة المنورة ١/ ١١٨ - ١١٩، والمستدرك ٢/ ٣٣٧، وأسباب نزول الآيات ١٧٨.
(٣) في ك: قبره، بدل (قبر أمه).
(٤) الآية التي بعدها.
(٥) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٥٩.
(٦) ينظر: لسان العرب ١٣/ ٤٧٢ (أوه).
(٧) ينظر: مجاز القرآن ١/ ٢٤٧.
(٨) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٥٣، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٦٣، وتفسير البغوي ٢/ ٣٣٣.
(٩) (بالأحكام المنسوخة. . . إياهم) ليس في ب.
(١٠) ساقطة من ك. وينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٨٨، والطبري ١١/ ٧٣، والبغوي ٢/ ٣٣٢.
(١١) النسخ الثلاث: لا.
(١٢) ينظر: فتح القدير ٢/ ٤١٢ - ٤١٣.
[ ١ / ٨٠١ ]
١١٧ - ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ:﴾ وهو قوله: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التّوبة:٤٣] (١). والتّوبة على المهاجرين والأنصار عفوه عنهم زلاّتهم من التّخلّف وغير ذلك.
﴿فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ:﴾ وقت الضّيق والشّدّة، كان الأمر قد بلغ إلى [أن] (٢) نحر بعضهم ناقته فعصر أكراشها وشرب عصارتها. وعن مقاتل أنّ التّمرة كانت فيهم بين الاثنين والثّلاثة، يلوك هذا ثمّ يعطي هذا (٣). وعن الحسن أنّهم كانوا يعتقبون على رواحلهم، وزادهم شيء من دقيق (٤) الشّعير وإهالة (٥) منتنة. وعن عمر قال: أصابنا عطش شديد فدعا النّبيّ ﷺ فأمطر الله السّماء فعشنا بذلك (٦).
﴿كادَ يَزِيغُ (٧)﴾ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ: لشدّة الابتلاء وقلّة الصّبر وكثرة الوسواس (٨).
١١٨ - ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا:﴾ أي: خلّفهم الله بتقديره، أو الشّيطان بغروره، أو أموالهم وأهلوهم بفتنتها. ويحتمل تخليف (٩) رسول الله إيّاهم عن مجلسه وحضرته ومهاجرته إيّاهم لخمسين (١٠) صباحا.
﴿بِما رَحُبَتْ:﴾ أي: برحبها وسعتها (١١).
﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ:﴾ أي: صدورهم وقلوبهم (١٢). وضيق النّفس: أن تمتلئ بالحزن والهمّ حتى (١٣) تختنق فلا تسع شيئا.
﴿وَظَنُّوا:﴾ أيقنوا (١٤). وإنّما استثنى الملجأ إليه للتّنبيه على رحمته ورأفته بعد ابتلائه ومحنته (١٥).
_________________
(١) ينظر: الوجيز ١/ ٤٨٥، وتفسير البغوي ٢/ ٣٣٣، وزاد المسير ٣/ ٣٤٧.
(٢) من ع.
(٣) (ثم يعطي هذا) ساقطة من ب.
(٤) في ع: دويق، وفي ب: دونق.
(٥) شحم مذاب، ينظر: لسان العرب ١١/ ٣٢، ومجمع البحرين ١/ ١٢٨ (أهل).
(٦) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٧٥ - ٧٦، والبغوي ٢/ ٣٣٣، وزاد المسير ٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨.
(٧) في ع وب: تزيغ.
(٨) ينظر: زاد المسير ٣/ ٣٤٨، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٨٠ - ٢٨١.
(٩) في ب: تخلف.
(١٠) في ع وب: بخمسين.
(١١) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٩٣، والكشاف ٢/ ٣١٨، وزاد المسير ٣/ ٣٤٨.
(١٢) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٣١٧، والكشاف ٢/ ٣١٨، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٨٧.
(١٣) في ك: سمى.
(١٤) ينظر: تفسير غريب القرآن ١٩٣، وتفسير الطبري ١١/ ٧٧، والبغوي ٢/ ٣٣٧.
(١٥) في ك: ومحبته، وهو تصحيف.
[ ١ / ٨٠٢ ]
وفي الآية دلالة أنّ توبة الله عليه توبة العبد.
عن (١) كعب بن مالك قال: لم أتخلّف عن رسول الله في (٢) غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك إلاّ بدرا، ولم يعاتب النّبيّ ﷺ أحدا تخلّف عن بدر، إنّما خرج يريد العير فالتقوا عن غير موعد كما قال الله تعالى، ولعمري إنّ أشرف مشاهد رسول الله ﷺ في النّاس لبدر، وما أحب أنّي كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حيث تواثقنا على الإسلام، ثمّ لم أتخلّف عن النّبيّ ﷺ بعد (٣) في غزاة غزاها حتى كانت غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ، وآذن النّبيّ ﷺ النّاس بالرّحيل وأراد أن يتأهّبوا أهبة غزوهم وذلك حين طاب الظّلال وطابت الثّمار، وكان قلّ ما أراد غزوة إلاّ ورّى بغيرها وكان يقول: الحرب خدعة، فأراد النّبيّ ﷺ غزوة تبوك أن يتأهّب النّاس (٤) أهبتهم، وأنا أسير ما كنت قد جمعت راحلتين، وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد وخفّة الحاذ (٥)، وأنا في ذلك أصغو إلى الظّلال وطيب الثّمار، فلم أزل كذلك حتى قام النّبيّ ﷺ غاديا بالغداة وذلك يوم الخميس فأصبح غاديا، قلت: أنطلق إلى السّوق وأشتري جهازي ثمّ ألحق بهم، فانطلقت إلى السّوق بالغد فعسر عليّ بعض شأني فرجعت، فقلت:
أرجع غدا (٦) إن شاء الله فألحق بهم، فعسر عليّ بعض شأني أيضا، فلم أزل كذلك حتى التبس بي الذّنب تخلّفت عن رسول الله ﷺ، فجعلت أمشي في الأسواق وأطوف بالمدينة يحزنني أن لا أرى [إلا] (٧) رجلا مغموصا عليه في النّفاق، وكان ليس أحد (٨) تخلّف إلا رأى أنّ ذلك سيخفى (٩) وكان النّاس كثيرا (١٠) لا يجمعهم ديوان، وكان جميع (١٥١ و) من تخلّف عن النّبيّ ﷺ بضعة وثمانين رجلا، ولم يذكرني ﷺ حتى بلغ تبوك، قال: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من قومي: خلّفه يا نبيّ الله برداه والنّظر في عطفيه، فقال معاذ: بئس ما قال والله يا نبيّ الله لا نعلم إلاّ خيرا، قال: فبينا (١١) هم كذلك إذا هم برجل يزول به السّراب، فقال النّبيّ ﷺ: كن
_________________
(١) في الأصل وك وب: وعن.
(٢) في ك: عن.
(٣) ساقطة من ب، وبعدها: غزاه، بدل (غزاها).
(٤) ساقطة من ع.
(٥) في ك: الحاد، وفي ب: الخاذ.
(٦) مكررة في الأصل.
(٧) يقتضيها السياق.
(٨) ساقطة من ع، وكذا قوله: (إلا رأى) الآتي قريبا.
(٩) في الأصل: سنخفى.
(١٠) في ك: كثير، وهو خطأ.
(١١) في ك: فبينما.
[ ١ / ٨٠٣ ]
أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة (١). فلمّا قضى النّبيّ ﷺ غزوة تبوك وقفل (٢) ودنا من المدينة جعلت أتذكّر بماذا أخرج من سخطة النّبيّ ﷺ وأستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي، حتى إذا قيل (٣): النّبيّ ﷺ مصبّحكم بالغداة، زاح عنّي الباطل وعرفت أن لا أنجو إلاّ بالصّدق.
ودخل النّبيّ ﷺ ضحى وصلّى في المسجد ركعتين، وكان إذا جاء من سفر فعل ذلك، دخل المسجد فصلّى ركعتين، ثمّ جلس فجعل يأتيه من تخلّف فيحلفون له ويعتذرون إليه، فيستغفر لهم ويقبل علانيتهم ويكل سرّ أبدانهم إلى الله تعالى، فدخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس، فلمّا رآني تبسّم تبسّم (٤) المغضب فجلست بين يديه، فقال: ألم تكن (٥) اتبعت ظهرك؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فما خلّفك؟ قلت: والله لو بين يدي أحد من النّاس غيرك جلست لخرجت من سخطه عليّ بغير عذر لقد أوتيت جدلا ولكن قد علمت يا نبيّ الله أنّي إن أخبرك اليوم بقول تجد عليّ فيه وهو حقّ فإنّي أرجو فيه عقبى الله وإن حدّثتك اليوم حديثا ترضى عني (٦) فيه وهو كذب أوشك الله أن يطلعك عليّ والله يا نبيّ الله ما كنت قطّ أيسر ولا أخفّ حادّا منّي حين تخلّفت عنك، فقال: أمّا هذا فقد صدقكم الحديث قم حتى يقضي الله فيك، فقمت، فثار على أثري ناس من قومي يؤنّبونني، فقالوا: والله ما نعلمك أذنبت ذنبا قبل هذا فهلاّ اعتذرت إلى النّبيّ ﷺ بعذر يرضى عنك فيه، وكان استغفار النّبيّ ﷺ سيأتي من وراء ذنبك ولم تقف نفسك موقفا لا تدري ماذا يقضي الله لك فيه، فلم يزالوا يؤنّبونني حتى هممت أن أرجع فأكذّب (٧) نفسي، فقلت: هل قال هذا القول أحد غيري؟ قالوا: نعم هلال بن أميّة ومرارة بن ربيعة، ذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي (٨) فيهما أسوة حسنة، فقلت: والله لا أرجع إليه في هذا أبدا ولا أكذّب نفسي. قال: ونهى النّبيّ ﷺ النّاس عن كلامنا أيّها الثّلاثة، قال: فجعلت أخرج إلى السّوق فلا يكلّمني أحد، وتنكّر لنا النّاس حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكّرت لنا الحيطان (٩) حتى ما هي بالحيطان التي نعرف، وتنكّرت لنا الأرض حتى ما هي
_________________
(١) (فإذا هو أبو خيثمة) ساقطة من ب.
(٢) في ك وع: وتفل.
(٣) في ع: أقبل، وفي ب: قتل.
(٤) ساقطة من ب.
(٥) (فقال ألم تكن) مكررة في ب.
(٦) النسخ الأربع: عنه، والسياق يقتضي ما أثبت.
(٧) بعدها في ك: على، وهي مقحمة.
(٨) في الأصل وع وب: إلي.
(٩) (حتى ما هم. . . الحيطان) مكررة في ب.
[ ١ / ٨٠٤ ]
بالأرض التي نعرف (١)، وكنت أقوى أصحابي فكنت أخرج وأطوف بالسّوق وإلى المسجد وأدخل فآتي النّبيّ ﷺ فأسلّم عليه فأقول: هل حرّك شفتيه (٢) بالسّلام، فإذا قمت أصلّي إلى سارية فأقبلت قبل صلاتي نظر إليّ بمؤخّر عينه (٣) فإذا نظرت إليه أعرض عنّي، واستكان صاحباي فجعلا يبكيان اللّيل والنّهار ولا يطلعان (١٥١ ظ) رؤوسهما. قال: فبينا أنا أطوف بالسّوق وإذا رجل نصرانيّ جاء بطعام له يبيعه يقول: من يدلّ على كعب بن مالك، فطفق النّاس يشيرون له إليّ، فأتاني بصحيفة من ملك غسّان فإذا فيها: أمّا بعد فإنّه بلغني أنّ صاحبك قد جفاك وأقصاك ولست بدار مضيعة ولا هوان فالحق بنا نواسك، فقلت: هو أيضا من البلاء والشّرّ، فسجرت لها التّنّور فأحرقتها. فلمّا مضت أربعون (٤) ليلة إذا رسول الله ﷺ قد أتاني فقال: اعتزل امرأتك، فقلت: أطلّقها؟ قال: لا ولكن لا تقربها، فجاءت امرأة هلال فقالت:
يا نبيّ الله إنّ هلال بن أميّة شيخ ضعيف هل تأذن لي أخدمه؟ قال: نعم ولكن لا يقربنك، فقالت: يا نبيّ الله (٥) والله ما به حركة لشيء ما زال مكبّا يبكي اللّيل والنّهار مذ كان من أمره ما كان. قال (٦) كعب: فلمّا طال عليّ البلاء اقتحمت على أبي قتادة حائطه، وهو ابن عمّي، فسلّمت عليه فلم يردّ عليّ، فقلت: أنشدك الله يا أبا قتادة أتعلم أنّي أحبّ الله ورسوله؟ فسكت حتى قلتها ثلاثا، فقال أبو قتادة في الثّالثة: الله ورسوله أعلم، فلم أملك نفسي أن بكيت، ثمّ اقتحمت الحائط خارجا. حتى إذا مضت خمسون ليلة من حيث نهى النّبيّ ﷺ عن كلامنا صلّيت على ظهر بيت لنا صلاة (٧) الفجر، ثمّ جلست وأنا في المنزلة التي قال الله: قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت علينا أنفسنا، إذ سمعت نداء من ذروة سلع أن أبشر يا كعب بن مالك، فخررت ساجدا وعلمت أنّ الله قد جاءنا بالفرج، ثمّ جاء رجل يركض على فرس يبشّرني، فكان الصّوت أسرع من فرسه، فأعطيته ثوبي بشارة ولبست ثوبين آخرين. قال:
وكانت توبتي نزلت ثلث اللّيل على النّبيّ (٨) ﷺ فقالت أمّ سلمة: يا رسول الله ألا نبشّر كعب ابن مالك؟ قال: إذا يحطمكم النّاس ويمنعونكم (٩) النّوم سائر اللّيل، وكانت أمّ سلمة محسنة في
_________________
(١) (وتنكرت لنا الأرض. . . نعرف) ساقطة من ب.
(٢) في ب: شفته.
(٣) في ب: عينيه.
(٤) في ب: أربعين، وهو خطأ.
(٥) (الله إن هلال. . . يا نبي الله) ليس في ب.
(٦) في ب: قبل.
(٧) ساقطة من ع وب.
(٨) (على النبي) ليس في ب.
(٩) في ك: ويمنعوكم.
[ ١ / ٨٠٥ ]
شأني تحزن بأمري. فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فإذا هو جالس في المسجد (١) وحوله المسلمون وهو يستنير كاستنارة القمر، وكان إذا سرّ بالأمر استنار، فجئت وجلست بين يديه، فقال: أبشر يا كعب بخير يوم أتى عليك مذ ولدتك أمّك، فقلت: يا رسول الله أمن عند الله أم من (٢) عندك؟ قال: بل من عند الله، ثمّ قرأ عليه: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ حتى ﴿رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التّوبة:١١٧]، وفيها أنزل أيضا: ﴿اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التّوبة:١١٩]، فقلت: يا نبيّ الله إنّ من توبتي أن لا أحدّث إلاّ صدقا وأن أنخلع من مالي كلّه صدقة إلى الله تعالى وإلى رسوله، فقال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، قلت: فإنّي أمسك سهمي الذي بخيبر. قال كعب: فما أنعم الله عليّ نعمة بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ حيث صدقته أنا وصاحباي أن لا نكون (٣) كذبنا فهلكنا كما هلكوا وإنّي لأرجو أن لا يكون الله أبلى أحدا من الصّدق (١٥٢ و) مثل الذي أبلاني ما تعمدت للكذب (٤) بعد، وإنّي لأرجو أن يحفظني الله في ما بقي. قال الزهريّ: هذا ما انتهى إلينا من حديث كعب بن مالك (٥).
١١٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ قال أبو بكر الصّدّيق: «إيّاكم والكذب فإنّ الكذب مجانب الإيمان» (٦)، سئل النّبيّ ﷺ: (أيكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم، فقيل: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: نعم، فقيل: أيكون المؤمن كذّابا؟ قال (٧): لا).
١٢٠ - ﴿وَلا يَرْغَبُوا:﴾ «ولا أن يرغبوا» (٨)، ويحتمل أنّه مجزوم على النّهي. ورغبتهم بأنفسهم عن نفسه إيثارهم أنفسهم على نفسه (٩).
﴿ظَمَأٌ:﴾ عطش (١٠).
﴿وَلا نَصَبٌ:﴾ تعب (١١).
_________________
(١) (في المسجد) ساقطة من ك.
(٢) ساقطة من ك، وب.
(٣) في ع وب: يكون، وبعدها في ع: كذيبا، بدل (كذبنا).
(٤) في ب: الكذب.
(٥) ينظر حديث كعب بن مالك في تفسير الطبري ١١/ ٨٠ - ٨٣، والبغوي ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٧، والقرطبي ٨/ ٢٨٢ - ٢٨٧.
(٦) الزهد لابن المبارك ٢٥٥، والإيمان للعدني ١٢٣، والسنن الكبرى للبيهقي ١٠/ ١٩٦.
(٧) في ك: فقال. والحديث في الموطأ ٢/ ٩٩٠، ومكارم الأخلاق ٥٤، وشعب الإيمان ٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٨) تفسير البغوي ٢/ ٣٣٧.
(٩) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٣١٩.
(١٠) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٨٦، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٧٥، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٦٨.
(١١) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٨٦، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٧٥، وإعراب القرآن ٢/ ٢٣٩.
[ ١ / ٨٠٦ ]
﴿وَلا مَخْمَصَةٌ:﴾ «مجاعة» (١).
والوطء: موضع القدم، وكذلك الموطئ، ويجوز أن يكون مصدرا (٢).
﴿يَغِيظُ الْكُفّارَ:﴾ صفة للموطئ، أي: يغيظ الكفّار وطؤهم إيّاه (٣).
و(النّيل): الإصابة (٤).
والضّمير في ﴿بِهِ﴾ عائد إلى كلّ واحد من الأشياء المذكورة (٥).
١٢١ - (قطع الوادي): سلوكه. والوادي (٦): ما بين العدوتين.
١٢٢ - ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا (٧)﴾ كَافَّةً: قال الكلبيّ: لمّا أنزل الله عيوب المنافقين المتخلّفين (٨) قال المؤمنون: والله لا نتخلّف عن سريّة بعد هذا، فكانوا يخرجون السّرايا ويتركون رسول الله ﷺ بالمدينة فأنزل (٩). قال الكلبيّ: وفيه وجه آخر وهو أنّ أحياء من بني أسد قدموا على رسول الله ﷺ بالنّساء والذّراري فنزلوا في سكك (١٠) المدينة وأفسدوا الطّرق (١١) على النّاس، فأنزل الله تعالى هذه الآية يأمرهم بأن يفد من كلّ قبيلة وفد على النّبيّ ﷺ ولا يفدوا بأجمعهم (١٢). وعن مجاهد أنّ رسول الله ﷺ كان أرسل بعض أصحابه إلى قبائل العرب (١٣) دعاة يدعونهم إلى الإسلام ويعلّمونهم الشّريعة، فلمّا سمعوا ما نزل في المتخلّفين عن رسول الله ﷺ خافوا أن يكونوا من المتخلّفين فالتحقوا بالنّبيّ ﷺ، فأنزل الله الآية (١٤).
والمتفقّه في الدّين المنذر قومه إذا رجع هذا النّافر إن كان مع النّبيّ ﷺ بالمدينة (١٥)، والله أعلم بالمراد.
وقوله: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ يجوز أن يكون خبرا حقيقيّا، فإنّهم لم ينفروا
_________________
(١) تفسير غريب القرآن ١٩٣، وإعراب القرآن ٢/ ٢٣٩، والعمدة في غريب القرآن ١٥٠.
(٢) ينظر: الكشاف ٢/ ٣٢١، والتبيان في إعراب القرآن ٢/ ٦٦٣، والبحر المحيط ٥/ ١١٥.
(٣) ينظر: إعراب القرآن ٢/ ٢٣٩.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٨٦، والبغوي ٢/ ٣٣٨، والقرطبي ٨/ ٢٩١.
(٥) ينظر: البحر المحيط ٥/ ١١٥، وفتح القدير ٢/ ٤١٥.
(٦) (سلوكه والوادي) ساقطة من ب.
(٧) مكانها في ب: أن ينفروا.
(٨) في الأصل وب: المختلفين، وفي ع: المخلفين.
(٩) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٩٠ - ٩١، والبغوي ٢/ ٣٣٩، وزاد المسير ٣/ ٣٥١.
(١٠) في ع: سلك.
(١١) في ك: الطريق.
(١٢) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٥٥، والتبيان في تفسير القرآن ٥/ ٣٢٣، وتفسير البغوي ٢/ ٣٣٩.
(١٣) ساقطة من ب.
(١٤) ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩، والطبري ١١/ ٨٩ - ٩٠، والبغوي ٢/ ٣٣٩.
(١٥) في ك: في المدينة. وينظر: زاد المسير ٣/ ٣٥١، وتفسير البغوي ٢/ ٣٣٩، والقرطبي ٨/ ٢٩٤.
[ ١ / ٨٠٧ ]
كافّة قطّ منذ زمان رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا. ويجوز أن يكون خبرا بمعنى النّهي (١).
وفي الآية دلالة أنّ خبر الواحد يوجب العمل والحذر وإن لم يوجب العلم (٢)؛ لأنّ (الطّائفة) اسم لواحد فصاعدا (٣).
١٢٣ - ﴿يَلُونَكُمْ:﴾ يجاورونكم. وفيها دلالة على كراهة أن يترك أهل كلّ ثغر جهتهم ويسيروا (٤) إلى جهة أخرى إلاّ بعد الكفاية والاستغناء، قال ﷺ: (عصابتان من أمّتي أحرزهما الله تعالى من النّار عصابة تغزو الهند وعصابة تكون مع عيسى ﵇ عند نزوله من السّماء) (٥).
أبو هريرة قال: وعدنا رسول الله ﷺ غزوة الهند، فإن أدركها (٦) أنفق فيها نفسي ومالي فإن قتلت كنت من أفضل الشّهداء وإن رجعت فأنا أبو (٧) هريرة المحرّر (٨).
وكتب عثمان بن عفّان من المدينة إلى عبد الله بن عامر بن كريز يأمره بأن يوجّه إلى ثغر الهند من يعلم علمه وينصرف إليه بخبره، فوجّه (٩) حكيم بن حزام بن جبلة العبديّ، فلمّا رجع أنفذه إلى عثمان فسأله عن حال البلاد، فقال: يا أمير المؤمنين (١٥٢ ظ) ماؤها وشل وتمرها دقل (١٠) ولصّها بطل إن قلّ الجيش ضاعوا وإن كثروا بها جاعوا (١١).
١٢٤ - ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث ذكر الذين يلوننا من الكفّار، والمنافقون من جملتهم؛ لأنّهم أقرب الكفّار (١٢) إلينا جوارا.
كانوا يتساءلون: ﴿أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ﴾ السّورة ﴿إِيمانًا﴾ على وجه الإنكار (١٣).
وفي قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ردّ من الله عليهم إنكارهم وبيان بأنّ المؤمنين ازدادوا
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٧٥، وتفسير البغوي ٢/ ٣٣٩، ومجمع البيان ٥/ ١٤٤.
(٢) في ب: العمل، وهو سهو.
(٣) ينظر: صحيح البخاري ٦/ ٢٦٤٧، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٩٤.
(٤) النسخ الثلاث: ويسير، وبعدها: (إلى جهة) ساقطة من ب.
(٥) ينظر: السنن الكبرى للنسائي ٣/ ٢٨، وللبيهقي ٩/ ١٧٦، والفردوس بمأثور الخطاب ٣/ ٤٨.
(٦) في ب: فأدركها، بدل (فإن أدركها).
(٧) في ب: أبا، وهو خطأ، وبعدها: المحرور، بدل (المحرر).
(٨) ينظر: الجهاد ٢/ ٦٦٨ و٦٦٩، وسنن النسائي ٦/ ٤٢، والمستدرك ٣/ ٥٨٨.
(٩) في ك: فوجهه.
(١٠) في ب: وقل. والوشل: «الماء القليل يتحلّب من جبل أو صخرة يقطر منه قليلا قليلا لا يتّصل قطره»، والدّقل من التّمر «أردأ أنواعه»، لسان العرب ١١/ ٧٢٥ (وشل)، و٢٤٦ (دقل).
(١١) ينظر: تاريخ خليفة بن خياط ١٨٠، وفتوح البلدان ٤٢٠ - ٤٢١، ومعجم البلدان ٥/ ١٨٠.
(١٢) (والمنافقون. . . الكفار) ساقطة من ب.
(١٣) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٥/ ٣٢٥، والكشاف ٢/ ٣٢٤، ومجمع البيان ٥/ ١٤٥.
[ ١ / ٨٠٨ ]
بهذه السّورة إيمانا.
١٢٥ - وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قريبة من قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦].
١٢٦ - فتنتهم ﴿فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ:﴾ إظهار نفاقهم (١)، وعن مجاهد أنّها القحط والشّدّة (٢)، وعن الحسن وقتادة أنّها الدّعوة إلى الجهاد (٣).
١٢٧ - ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ:﴾ كان المنافقون إذا رأوا رسول الله قد غشي عليه ليوحى إليه نظر بعضهم إلى بعض (٤) يتفقّدون المسلمين المخلصين هل يجدونهم ناظرين (٥) إليهم متتبّعين أحوالهم فإن وجدوهم كذلك سكنوا ونكسوا (٦) رؤوسهم وقعدوا كارهين، وإن لم يجدوهم كذلك تفرّصوا (٧) غفلتهم وانصرفوا خوف الفضيحة، فأنزل الله الآية فيهم (٨).
وقوله: ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ يجوز أن يكون على وجه الإخبار، ويجوز أن يكون على وجه الدّعاء (٩).
١٢٨ - ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ:﴾ عن أبيّ بن كعب قال (١٠): آخر آية أنزلت (١١) على رسول الله ﷺ: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ،﴾ الآية (١٢).
﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ:﴾ أي: من العرب (١٣). قال الزّجّاج (١٤): معناه أنّه بشر مثلكم.
وفي الشّواذّ (١٥): (أنفسكم) من النّفاسة وهي الكرم والرّفعة والقدر (١٦).
_________________
(١) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٤١، وزاد المسير ٣/ ٣٥٣، والتفسير الكبير ١٦/ ٢٣٣.
(٢) ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٢٨٩، والبغوي ٢/ ٣٤١، والتفسير الكبير ١٦/ ٢٣٣.
(٣) ينظر: تفسير الطبري ١١/ ٩٨، والبغوي ٢/ ٣٤١، وزاد المسير ٣/ ٣٥٣.
(٤) (كان المنافقون. . . بعض) ليس في ب.
(٥) في ب: ناظرهم.
(٦) ساقطة من ب.
(٧) في ك: تعرضوا، وفي ب: تعصرضوا. وتفرّص: أصاب فرصة، ينظر: لسان العرب ٧/ ٦٤ (فرص).
(٨) ينظر: تفسير البغوي ٢/ ٣٤١، ومجمع البيان ٥/ ١٤٨.
(٩) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٥٥، والكشاف ٢/ ٣٢٥، وتفسير القرطبي ٨/ ٣٠٠.
(١٠) في ب: قيل.
(١١) في ع: نزلت.
(١٢) ينظر: معاني القرآن الكريم ٣/ ٢٧٢، وتفسير البغوي ٢/ ٣٤٢، والكشاف ٢/ ٣٢٥.
(١٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٧٧، ومعاني القرآن الكريم ٣/ ٢٧٠، وتفسير البغوي ٢/ ٣٤١.
(١٤) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٧٧.
(١٥) ينظر: مختصر في شواذ القراءات ٥٦، والمحتسب ١/ ٣٠٦، وتفسير البغوي ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢.
(١٦) ينظر: تفسير القرطبي ٨/ ٣٠١، والبحر المحيط ٥/ ١٢١.
[ ١ / ٨٠٩ ]
﴿عَنِتُّمْ:﴾ «أثمتم» (١)، تقول: عزّ عليّ ما نزل بك.
﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ:﴾ على إيمانكم ورشدكم (٢).
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ:﴾ مثل قوله: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩].
في الحديث أنّ (٣) النّبيّ ﷺ لم ينتصر من مظلمة (٤) ظلمها قطّ ما لم (٥) تنتهك محارم الله ﷾، فإذا انتهك شيء من محارم الله كان من أشدّ النّاس غضبا (٦). وعنه ﷺ:
(ما خيّر (٧) بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن مأثما) (٨). وقال ﷺ: (ارحموا الضّعيفين النّساء والذّراري) (٩). وقال ﷺ: (استوصوا بالنّساء خيرا فإنّهنّ عندكم عوان) (١٠). وقال يوم وفاته: (الصّلاة وما ملكت أيمانكم) (١١). والله أعلم.
_________________
(١) تفسير البغوي ٢/ ٣٤٢، ومجمع البيان ٥/ ١٤٩، وزاد المسير ٣/ ٣٥٤.
(٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٧٧، وتلخيص البيان ٦٧، والبحر المحيط ٥/ ١٢٢.
(٣) في ك: عن.
(٤) في ب: ظلمة.
(٥) في ك: ولم، بدل (ما لم).
(٦) ينظر: مسند الحميدي ١/ ١٢٥، والتمهيد ٨/ ١٤٩.
(٧) في ك: خيرت، وبعدها فيها: اخترت، بدل (اختار).
(٨) مسند الحميدي ١/ ١٢٥، ومسند إسحق بن راهويه ٢/ ٢٩٣، والسنن الكبرى للنسائي ٥/ ٣٧٠.
(٩) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وذكر أنه ﷺ نهى عن قتل النساء والذراري، ينظر: الدراية ٢/ ١١٦، ونقل أنه ﷺ قال: «أحرّج مال الضّعيفين اليتيم والمرأة»، صحيح ابن حبان ١٢/ ٣٧٦، والمستدرك ٤/ ١٤٢، وموارد الظمآن ٣٠٨.
(١٠) الزهد لهناد ١/ ٢٨٠، وسنن ابن ماجه ١/ ٥٩٤.
(١١) المنتخب من مسند عبد بن حميد ٣٦٥، والسنن الكبرى للنسائي ٤/ ٢٥٨، والمعجم الكبير ٢٣/ ٣٠٦.
[ ١ / ٨١٠ ]